بعد أن عرف القمص إبراهيم لوقا النسخ لغة واصطلاحا قال
|" ولهذا فإننا نرى عامة المسلمين يقولون: انه على افتراض
أن الكتاب المقدس لم يعتره تحريف، وأنه لا يزال صحيحاً حافظاً
لقداسة وحيه، فإنه نُسخ بالقرآن.وهذا ولا شك قول لا يسنده دليل ولا
يقوم على إثباته برهان [1] . "
وأضاف القمص
" والعمدة في النسخ عند المسلمين هو النقل الصحيح والتاريخ
الصادق لا الرأي والاجتهاد. ولهذا فلسنا ندري على أي سند
يستندون في دعواهم بنسخ الكتاب المقدس بالقرآن، مع أن القرآن
والأحاديث خالية من الإشارة إلى هذا. " [2]
وقال
" لم يرد في الأحاديث شيء عن نسخ التوراة والإنجيل لا بالقرآن
ولا بغيره " [3]
وقال
" بما أن القرآن والأحاديث الصحيحة، وأقوال الصحابة لم يأتِ فيها
نصّ صريح ولا ضمني عن نسخ الكتاب المقدس بالقرآن، فقد أصبح
القول بذلك دعوى باطلة وافتراء على كتاب الله تعالى " [4]
عبارة القمص إبراهيم لوقا " فإننا نري عامة المسلمين يقولون " يفهم منها ان
القمص إبراهيم لوقا يتحدث عن رأي العامة في مسألة أصولية, وهذا ما لا
يستحق الرد ولا ندر إن كان القمص يقبل أن نحتج عليه بأقوال عامة
النصارى في مسائل لاهوتية, ثم نتهمهم بعدم إيراد دليل
أما إن كان يقصد بعبارة " عامة المسلمين " , جمهور
العلماء, فان اتهامهم بعدم تقديم دليل يعتبر تجاوز في حق أمة الدليل
ثم إن المسلمين في حديثهم عن نسخ الكتب السابقة لم يستخدموا
مصطلح الكتاب المقدس وإنما عن شرع من قبلنا وقول الجمهور في
ذلك يتلخص في قول ابن كثير في سياق تفسيره لقوله تعالي ( وَكَتَبْنَا
عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ) المائدة :45 حيث قال
" شرع من قبلنا شرع لنا، إذا حكي مقررًا ولم ينسخ، كما هو
المشهور عن الجمهور " [5]
وحين يقال شرع من قبلنا لا يعني بذلك الأخذ من كتب أهل الكتاب
ولكن ما ثبت أنه شرع من قبلنا كأن يخبرنا الله في القرآن أو علي
لسان الرسول صلي الله عليه وسلم , قال القرطبي في تفسيره "
شرع من قبلنا شرع لنا فيما أخبر الله ورسوله. "[6]
وجاء في احكام القرآن لابن العربي
" أن الصحيح القول بلزوم شرع من قبلنا لنا مما أخبرنا به نبينا صلى الله عليه وسلم عنهم دون ما وصل إلينا من غيره لفساد الطُّرُقِ إلَيْهِمْ" [7]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع فتاويه
" الَّذِي عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ شَرْعٌ لَنَا مَا لَمْ يَرِدْ شَرْعُنَا
بِخِلَافِهِ وَهَذَا إنَّمَا هُوَ فِيمَا ثَبَتَ أَنَّهُ شَرْعٌ لِمَنْ قَبْلَنَا مِنْ نَقْلٍ ثَابِتٍ عَنْ نَبِيِّنَا
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [8] "
وقال في اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم " فأما مجرد الرجوع إلى قولهم ، أو إلى ما في كتبهم ، فلا يجوز
بالاتفاق " [9]
إذن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم ينسخه القرآن بشرط الثبوت عن
طريق القرآن أو السنة دون الرجوع إلي أقوال أهل الكتاب أو كتبهم
لفساد الطرق... أما عن فرية القمص في عدم وجود دليل علي
النسخ فما هو إلا ثرثرة كاهن يستخف بعقول خرافه فالأدلة كثيرة من
القرآن والسنة
لقد أرسل الله محمد صلي الله عليه وسلم إلي الناس جميعا (قُلْ يَا
أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ) الأعراف 158 وذلك
يوجب علي اليهود والنصارى ترك ما هم عليه من الباطل واتباع محمد
صلي الله عليه وسلم والتزام شريعته
الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي
التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ
الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي
كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ
مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (الأعراف :157)
وقال تعالي ( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي
الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) (آل عمران :85)
هذه الآيات واضحة جلية في إتباع محمد والاحتكام بشريعته دون
سواها ولا دين يقبل إلا دين الإسلام, وما عدي الإسلام باطل
وصاحبه في خاسر في الدنيا والآخرة ولو كان موسي حيا ما وسعه إلا
إتباع محمد صلي الله عليه وسلم رغم انف الحاقدين
روي عنه عليه السلام أنه رأى مع عمر بن الخطاب قطعة من التوراة
فغضب وقال : أَمُتَهَوِّكُونَ فِيهَا يَا ابْنَ الْخَطَّابِ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ
جِئْتُكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً لَا تَسْأَلُوهُمْ عَنْ شَيْءٍ فَيُخْبِرُوكُمْ بِحَقٍّ فَتُكَذِّبُوا بِهِ
أَوْ بِبَاطِلٍ فَتُصَدِّقُوا بِهِ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ كَانَ حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا أَنْ يَتَّبِعَنِي
مسند أحمد 14623
والذي لا يعرفه القمص إبراهيم لوقا ان المسيح الذي يعبده سوف يراه الناس
يوما وهو يصلي كما كان يصلي قبل أن يرفع مع الفرق وهي أنه
صلاته حين يعود هي صلاة المسلمين, أي أنه سوف يكبر تكبيرة
الإحرام ويقرأ الفاتحة لا نشيد الإنشاد, ثم يركع ويسجد ويقرأ التشهد
ويصلي علي النبي, وكي يطمئن قلب القمص إبراهيم لوقا نقول له أنه سوف
يصلي مأموما لا إماما
حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ شُجَاعٍ وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ قَالُوا
حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ
سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُا
سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ
عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ قَالَ فَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَقُولُ أَمِيرُهُمْ تَعَالَ صَلِّ لَنَا فَيَقُولُ لَا إِنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى
بَعْضٍ أُمَرَاءُ تَكْرِمَةَ اللَّهِ هَذِهِ الْأُمَّةَ ( صحيح مسلم )
لعل القمص إبراهيم لوقا لم يسمع عن الآية 85 سورة آل عمران فلم يعرف ان الله
لا يقبل إلا الإسلام ومن يبتغ غير الإسلام فهو من الخاسرين ..
ولعله لم يعرف ان موسي نفسه لو كان حيا لما وسعه إلا أن يتبع محمد
.. ولعله لم يعرف أن معبوده نفسه سوف يصلي مأموما خلف احد أتباع محمد, لذلك سوف نقدم للقمص دليلا عاينه بنفسه وذكره في
كتابه الباب الرابع الفصل الخامس فقال
" روى البخاري: لا تقوم الساعة حتى ينزل فيكم ابن مريم حكماً
مقسطاً (صحيح البخاري جزء 3 صفحة 107). فهذا الحديث
ناطق بأن المسيح سيأتي ديّاناً عادلاً "
يلاحظ ان القمص إبراهيم لوقا فسر عبارة " حكما مقسطا " إلي " ديانا
عادلا " لكن لن نخوض في تحريفه حاليا طالما نتفق مع القمص ان
نص المتن هو " حكما مقسطا " كما أورده بنفسه .. ونسأل
القمص إبراهيم لوقا .. بأي شريعة يحكم المسيح .. القمص يدرك ان
المسيح سوف يحكم بشريعة الإسلام , بدليل أنه سوف يكسر
الصليب دلالة علي بطلان النصرانية ويقتل الخنزير دلالة علي
تحريمه, وإدراك القمص لهذه الحقيقة دفعته إلي عدم إيراد الحديث
كاملا ليدلس علي خراف الكنيسة, والحديث كاملا كالتالي
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ ابْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ
سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ
فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا مُقْسِطًا فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ وَيَضَعَ
الْجِزْيَةَ وَيَفِيضَ الْمَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ ( صحيح البخاري )
قال ابن حجر في شرحه
أَيْ يُبْطِل دِين النَّصْرَانِيَّة بِأَنْ يَكْسِر الصَّلِيب حَقِيقَة وَيُبْطِل مَا تَزْعُمهُ
النَّصَارَى مِنْ تَعْظِيمه ، وَيُسْتَفَاد مِنْهُ تَحْرِيم اِقْتِنَاء الْخِنْزِير وَتَحْرِيم أَكْله
وَأَنَّهُ نَجَس ، لِأَنَّ الشَّيْء الْمُنْتَفَع بِهِ لَا يُشْرَع إِتْلَافه
وقال الإمام النووي في شرحه علي مسلم
" ( فَيَكْسِر الصَّلِيب ) مَعْنَاهُ يَكْسِرهُ حَقِيقَة وَيُبْطِل مَا يَزْعُمهُ
النَّصَارَى مِنْ تَعْظِيمه ."
ومما قلنا نكون قد أثبتنا علي وجوب إتباع محمد صلي الله عليه وسلم
والاحتكام إلي شريعته وأنه لا دين يقبل إلا الإسلام فموسي عليه السلام
نفسه لو كان حيا ما وسعه إلا إتباع محمد كحال المسيح عليه السلام
الذي سوف يصلي بصلاة المسلمين خلف إمام مسلم, والأدلة التي
قدمناها لا تنصف زعم القمص في عدم وجود دليل علي ذلك فقط بل
وتثبت ان القمص ينكرها في حال علمه بوجودها مما يعني أنه يتجنب
الصدق في القول
محمود أباشيخ - صوماليانو
-------------
[1] إبراهيم لوقا، المسيحية في الإسلام دار جود ويس - ريكو سويسرا 1995 الطبعة الخامسة. ص 60
[2] المصدر السابق ص 60 - 61
[3] المصدر السابق ص 63
[4] المصدر السابق ص 64
[5] ابن كثير تفسير القرآن العظيم . تحقيق سامي بن محمد سلامة. دار طيبة للنشر والتوزيع 1999 م ج 3 ص 121
[6] القرطبي، الجامع لأحكام القرآن- تحقيق حمد البردوني وإبراهيم أطفيش. دار الكتب المصرية - القاهرة 1964 م ط2 ج 18 ص56
[7] أبو بكر بن العربي. أحكام القرآن الطبعة الثالثة دار الكتب العلمية، بيروت 2003 م ج1 ص38
[8] ابن تيمية . مجموع الفتاوى (1/ 258)
[9]ابن تيمية. اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم (1/ 464
الرد علي القمص إبراهيم لوقا
ردود محمود أباشيخ علي شبهات النصارى