فإذا علمنا أن مقدار حق رسول الله صلى الله عليه وسلم المعطى له من هذه الأموال مثل هذا وإذا عرفنا أنه كان بالإمكان استثماره وتنميته ثم علمنا بعد ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلممات ودرعه مرهونة عند يهودي وأنه أمر أن يوزع ميراثه إن كان على المسلمين ، وأنه ليس لأقاربه من ميراثه شيء ، وأنه ما كان يلبس إلا الخشن ولا ينام إلا على القليل ، وأنه يجوع الأيام وأنه كان يخشى إذا بقي في بيته مال فلم يوزعه على الناس ، إذا عرفت هذا أدركت أي كرم كان عنده صلى الله عليه وسلم وأي نفس طاهرة هذه النفس وأدركت أنها النبوة . وأن غير النبوة لا تجود بهذا الجود وترضى مع القدرة بهذه الحياة . إلا إذا كانت نفساً متأسية برسول الله صلى الله عليه وسلم . وقد شهد على ذلك أقوى الناس شركاً وعناداً وبغضاً له صلى الله عليه وسلم فأسلموا نتيجة ذلك ولعل في ما ذكرناه غنية عن ضرب الأمثلة ولكن في المزيد خيراً .
أخرج الشيخان عن ابن عبسا – رضي الله عنه – قال :
" كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقى جبريل عليه السلام . وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن قال : فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة " .
وأخرج الشيخان عن جابر بن عبد الله – رضي الله عنه – قال : " ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً قط فقال : لا .. " .
وأخرج الطبراني عن الربيع بنت معوذ بن عفراء –رضي الله عنه – قالت : " بعثني معوذ بن عفراء بصاع من رطب عليه آخر من قثاء زغب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان النبي صلى الله عليه وسلم ، يحب القثاء ، وكانت حلية قد قدمت من البحرين فملأ يده منها فأعطانيها " .
وفي رواية : " فأعطاني ملء كفي حلياً أو ذهباً " ورواه أحمد بنحوه وزاد : " فقال : تحلي بهذا " .
وأخرج الطبراني في الأوسط عن أم سنبلة – رضي الله عنها – " أنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم بهدية فأبى أزواجه أن يقبلنها ، فقلن : إنا لا نأخذ ، فأمرهن النبي صلى الله عليه وسلم فأخذنها ثم أقطعها وادياً .. "
وأخرج ابن جرير عن سهل بن سعد قال : " جاءت امرأة إلى رسول الله ببردة فقالت : يا رسول الله جئتك أكسوك هذه ، فأخذها رسول الله وكان محتاجاً إليها فلبسها ، فرآها عليه رجل من أصحابه ، فقال : يا رسول الله ما أحسن هذه اكسنيها فقال : نعم . فلما قام رسول الله لامه أصحابه وقالوا : ما أحسنت حين رأيت رسول الله أخذها محتاجاً إليها ثم سألته إياها وقد عرفت أنه لا يسأل شيئاً فيمنعه . قال : والله ما حملني على ذلك إلا رجوت بركتها حين لبسها رسول الله لعلي أكفن فيها " .
وأخرج أحمد عن أنس : " أن رسول الله لم يسأل شيئاً على الإسلام إلا أعطاه ، قال : فأتاه رجل فأمر له بشاء كثير بين جبلين ما شاء الصدقة ، قال : فرجع إلى قومه فقال : يا قوم ! أسلموا فإن
محمداً يعطي عطاء ما يخشى الفاقة " .
وزاد في رواية : " فإن كان الرجل ليجيء إلى رسول الله ما يريد إلا الدنيا فما يمسي حتى يكون دينه أحب إليه وأعز عليه من الدنيا وما فيها " .
وأخرج ابن عساكر في قصة إسلام صفوان بن أمية عن عبد الله بن الزبير ما يلي :
" وخرج
رسول الله قبل هوازن وخرج معه صفوان وهو كافر وأرسل إليه يستعيره سلاحه فأعار سلاحه مائة درع بأداتها . فقال صفوان : طوعاً أو كرهاً . فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم : عارية رادة فأعاره . فأمر رسول الله
صلى الله عليه وسلم فحملها إلى حنين فشهد حنيناً والطائف ثم رجع رسول الله
صلى الله عليه وسلم إلى الجعرانة فبينما رسول الله يسير في
الغنائم ينظر إليها – ومعه صفوان ابن أمية فجعل صفوان بن أمية ينظر إلى شعب ملاء نعماً وشاء ورعاء فأدام النظر إليه ورسول الله
صلى الله عليه وسلم يرمقه فقال : أبا وهب يعجبك هذا الشعب . قال : نعم . قال : هو لك وما فيه .
فقال صفوان عند ذلك : ما طابت نفس أحد بمثل هذا إلا نفس نبي ، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، وأسلم مكانه " .
هذه نماذج من الكرم تضيع بجانبها كل قصص الكرم المعروفة المشهورة عند الناس . كرم يجعل صاحبه يعيش حياة الجهد والمشقة والفاقة ، حياة لا يطيقها أحد غيره هو وعياله ، مع هذا الملك العريض الواسع ، والسلطان الكبير والواردات الكثيرة ، وزيادة على ذلك أنه لو أراد من أموال المسلمين شيئاً لخاصة نفسه لكان المسلمون في ذلك كراماً . وله الحق في ذلك أليس هو مدبر شؤونهم ومعلمهم ، ولكن هذا كله لم يحدث ، إنه كرم في النفس يمنع صاحبه عن التطلع إلى أموال الآخرين ، وكرم في النفس لا يقوم معه من ملك صاحبه شيء . إنها أخلاق النبوة العربية الهاشمية المصطفاة سليلة إبراهيم عليه السلام . للعودة الي قسم
الرجوع الى فهرس براهين سعيد حوى
"