وقد قرأنا فى جريدة الأهرام عدد 27/2/2006 مقالاً بعنوان " تغيير الجغرافيا فى مقال د. زغلول النجار"،
للقس رفعت فكرى سعيد ذكر فيه أن د. زغلول قد فسر نصوصاً كتابية على هواه وأنه لم يتوخ الدقة والأمانة العلمية وأنه ما كان ينبغى له أن يتعرض للكتاب المقدس (التوراة والأناجيل). والحق أن كوننا نعيش فى عصر العولمة والسماوات المفتوحة يدفعنا دفعاً إلى الحوار وإلى عرض حقائق معتقداتنا لأن الإنسان عدو ما يجهل.
• فلا بد أن يتسع صدرنا لمخالفينا لأن الإنسان خلق لأجل هذا الاختلاف " ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم ... " (هود 118-119). وقد رأينا كيف أدى جهل فئة فى الدانمارك بالإسلام إلى الإساءة إلى نبيه عليه الصلاة والسلام. وأما عن عدم التعرض لتفسير الكتاب المقدس من قبل غير الكتابيين فمردود عليه بأن العديد منهم يفعل ذلك مع القرآن الكريم. فالقس مرقص عزيز (كاهن الكنيسة المعلقة) تعرض لتفسير كتاب الله العزيز فى كتاب "استحالة تحريف الكتاب المقدس" وذكر فيه (فى الباب السادس عشر) ثمانية عشر تناقضاً مزعوماً فى كتاب الله. (وقد ذكر فى مؤتمر عقد مؤخراً فى القاهرة أن الإسلام مثله مثل اليهودية يفتقد المحبة التى تتسم بها المسيحية). ومن منا لم يسمع بالقس زكريا بطرس وقناته الفضائية وتعرضه لنبى الله وكتابه ليس فقط بالتفسير، بل بالسخرية والتجريح.
• من هذا المنطلق نقول أن أخانا فى الوطن القس رفعت، وكان قد تحدى د . زغلول النجار أن يجد كلمة "بكة Baca" فى النصوص العبرية القديمة فى المزمور84 من العهد القديم الذى يتحدث عن حجيج يذكرون الله ويسبحونه بصوت عال ويجدون فى وادى البكاء (بكة) آبار الماء!! ومع أنه بروتوستانتى يعتد بالنص القديم العبرى " المسّورى" (والذى تعود أقدم مخطوطاته التى بين أيدينا إلى 820 – 850 عاما بعد المسيح .....) (راجع
الكتاب المقدس طبعة دار المشرق باب الأسفار القانونية الأولى)، إلا أنه لم يطلع على الأصل العبرى لكلمة " بكة " ولو اطلع على أى معجم مفهرس تحليلى لألفاظ الكتاب المقدس مثل " Young's Concordance " باب Baca لوجد الرسم العبرى للكلمة ولقرأ أن وادى بكة لم يستدل على مكانه فى فلسطين حتى اليوم. صحيح أن الكلمة بالعبرية تعنى البكاء – كما ذكرت بعض النصوص – لكن الأسماء لا تترجم. فالعالم الألمانى " زومر فلد " لا ينبغى أن نسميه " حقل الصيف ".
• لذلك فالنصوص العربية للكتاب المقدس للمزمور (84 : 5، 6) الذى يتحدث عن حج، حين ذكرت ترجمة الكلمة " وادى البكاء " (وفى نصوص أخرى " وادى البلسان ") قد اختلفت مع الترجمات الانجليزية مثل طبعة الملك جيمس الشهيرة التى لازالت تطبع منذ قرون ومثل طبعة R.S.V. وغيرهما التى ارتأت عدم ترجمة الكلمة.
• أما الاعتراض على الآية التى استشهد بها د. زغلول (الأنعام 157) بأنها تتكلم عن التوراة والإنجيل والفقرة التى نحن بصددها فى المزامير، فمردود عليه أولاً بأن ذلك من التغليب. فالترجمات الإنجليزية للكتاب المقدس بعهديه تسميه "التوراة المقدسة" The Holy Bible (رغم احتوائه على توراة موسى والأنبياء والمزامير بل والأناجيل ورسائل الرسائل). وثانياً، كان الأجدر الاستشهاد بآية أخرى فى القرآن الكريم وهى : " إن أول بيت وضع للناس الذى ببكة مباركاً وهدى للعالمين " (آل عمران 96). فالمعروف إذن عند العرب وعند القاصي والدانى أن بكة هى مكة. فى اللغة السامية الأولى (أم لغات العربية والعبرية والآرامية وغيرها) البك هو البيت. من هنا كان اسم (بعل بك) أي بيت الإله بعل. كما نقرأ في تاريخ بطليموس القديم أن ترجمة كلمة بكة هى " المعبد " Sanctuary أى بيت الله. ومن إعجاز المناسبة فى القرآن الكريم أن يختار الكلمة التى تناسب وتذكر صاحب القصة الأصلى. فالكنعانيون (سكان فلسطين الأصليون) مثلاً كانوا يسمون بلاد فلسطين " أرض كنعان " وتعنى فى لغتهم " الأرض الوطيئة "، لذلك نقرأ فى أول سورة الروم " ألم. غلبت الروم فى أدنى الأرض ...." أى فى أخفض الأرض. ومثل ذكر القرآن لكلمة أسفار بدلا من كتب حين يتكلم عن كتب اليهود لأنهم كانوا ولا زالوا يستخدمون هذا المصطلح . فلعل اختيار القرآن لمصطلح "بكة" تذكير
لأهل الكتاب بما عندهم. والقرآن هو كتاب الذكر والتذكرة ولعله هو المقصود بكتاب التذكرة الموعود من الرب فى أواخر
سفر ملاخى.
• والحق أن هذه الفقرة ليست الوحيدة التى تتحدث عن الحج فى العهد القديم فالإصحاح42 من نفس السفر (المزامير) يتكلم عن الهبوط إلى بيت الله (الكعبة فى أخفض مكة وهذه هى الإفاضة ) وذبح الهدى فى الجبل المقدس . كما يذكر سفر أشعياء(30) ترنم المؤمنين بذكر الله وهم يصعدون جبل الرب. أما مخطوطات البحر الميت المكتشفة حديثاً، فنجد ذكراً لشعيرة الطواف حول بيت الله (فى سفر اخنوخ). ونقرأ فى كتاب " آدم وحواء " أن الله سوف يدل الأمناء على المكان الذى يبنون فيه بيته. فذكرنا بقوله تعالى : "وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت " (الحج 26) وغير ذلك كثير. والله من وراء القصد، ثم إجلاء الحق.