وليس ما يجهله المسيح هو موعد القيامة فحسب، بل كل ما غاب عنه فهو غيب يجهله إلا ما أطلعه الله عليه، ولذلك نجده عندما أراد إحياء لعازر يسأله " فانزعج بالروح واضطرب وقال: أين وضعتموه؟ " (يوحنا 11/33-34).
ولما جاءه رجل يريد منه شفاء ابنه من الجنون " فسأل أباه: كم من الزمان منذ أصابه هذا؟ فقال: منذ صباه" (مرقس 9/21).
والمسيح أيضاً وهو يظهر معجزاته الباهرة كان يشير إلى افتقاره لله وعجزه عن هذه المعجزات لولا معية الله ونصرته فيقول: " أنا لا أقدر أن أفعل من نفسي شيئاً، كما أسمع أدين، ودينونتي عادلة، لأني لا أطلب مشيئتي، بل مشيئة الآب الذي أرسلني" (يوحنا 5/30).
ويؤكد هذا المعنى فيقول: " قال لهم يسوع: متى رفعتم ابن الإنسان فحينئذ تفهمون أني أنا هو، ولست أفعل شيئاً من نفسي، بل أتكلم بهذا كما علّمني أبي، والذي أرسلني هو معي، ولم يتركني الآب وحدي، لأني في كل حين أفعل ما يرضيه " (يوحنا 8/28).
وفي نص آخر يقول لليهود: " الحق الحق أقول لكم: لا يقدر الابن أن يعمل من نفسه شيئاً إلا ما ينظر الآب يعمل، لأن مهما عمل ذاك فهذا يعمله الابن كذلك" (يوحنا 5/19).
والمسيح أيضاً لا يملك لنفسه - فضلاً عن غيره - نفعاً ولا ضراً إلا أن يتغمده الله برحمته، وقد كان، إذ لما جاءته أم ابني زبدي وكانا من تلاميذه " فسألها ما تريدين؟ قالت: أن يجلس ابناي هذان، واحد عن يمينك، والآخر عن اليسار في ملكوتك. فأجاب يسوع ... وأما الجلوس عن يميني وعن يساري فليس لي أن أعطيه إلا للذين أعدّ لهم من أبي " (متى 20/20-22).
كما وقد وصف الكتاب المسيح بصفة العبودية في مواضع عدة، ومن ذلك ما جاء في متى في وصف المسيح "هو ذا عبدي" (متى 12/18)، وفي سفر أعمال الرسل "قد مجد عبده يسوع .. القدوس البار" (أعمال 3/13-14)، "فإليكم أولاً أرسل الله عبده" (أعمال 3/26)، وفي موضع آخر: "عبدك القديس يسوع " (أعمال 4/30).
وقد استبدلت لفظة (عبد) في بعض التراجم العربية الحديثة بكلمة "فتى" الموهمة للعبودية أو البنوة، وذلك في ترجمة الفانديك المشهورة، بينما استخدم الآباء اليسوعيون كلمة "عبد"، وهو كذلك في اللغات العالمية، فالتراجم الإنجليزية تستخدم كلمة (servant).
وكتوضيح لهذا الصنيع الموهم ننقل قول متى: "لكي يتم ما قيل بإشعياء النبي القائل: هوذا فتاي الذي اخترته، حبيبي الذي سرّت به نفسي، أضع روحي عليه فيخبر الأمم بالحق" (متى 12/17-18)، فاستخدم كلمة (فتى)، فيما استخدم سفر إشعيا الذي نقل منه متى كلمة (عبد)، فيقول: "هوذا عبدي الذي أعضده، مختاري الذي سرّت به نفسي، وضعت روحي عليه فيخرج الحق للأمم" (إشعيا 42/1).
الضرب الثاني: هو النصوص التي تحدثت عن أحوال المسيح عليه السلام البشرية التي يشترك فيها مع سائر الناس من طعام وشراب وعبادة لله وتذلل و....
درس المحققون سيرة المسيح عليه السلام - كما عرضتها الأناجيل - منذ بشارة أمه إلى حمله، وولادته في المزود، ثم لفّه بالخرق، ثم ختانه، ومن ثم نشأته وتعليمه مع الصبيان، ثم تعميده على يد المعمدان إلى أن ذكروا نهايته المزعومة على الصليب بعد أن جزع وتذلل لله ليصرف عنه هذا الأمر ... فوجدوا أن المسيح لا يفرق في شيء عن سائر الناس، فقد ولد وكبر، وأكل وشرب، ومات. فما الذي يميزه بالألوهية عن غيره ؟
فقد ولد من فرج امرأة متلبطاً بدمها "وبينما هما هناك تمّت أيامها لتلد" (لوقا 2/6).
ورضع من ثدييها "وفيما هو يتكلم بهذا رفعت امرأة صوتها من الجمع وقالت له: طوبى للبطن الذي حملك، والثديين اللذين رضعتهما" (لوقا 11/17)، فهل علمت مريم أن طفلها الخارج من رحمها والذي كانت تتولى كافة شئونه من نظافة وتربية ورضاع، هل كانت تعلم ألوهيته، أم جهلت ما علمه النصارى بعد ذلك؟ [1] .
وقد ختن المسيح عليه السلام في ثامن أيام ولادته "ولما تمت ثمانية أيام ليختنوا الصبي سمـي يسوع" (لوقا 2/21) فهل دار في خلد الذي كان الذي يختنه أنه يختن إلهاً؟ وماذا عن القطعة التي بانت منه؟ هل غادرتها الإلهية بانفصالها عن الإله المتجسد؟ أم بقيت فيها الإلهية حيث ضاعت أو دفنت؟
وقد عمده يوحنا المعمدان عليه السلام في نهر الأردن " جاء يسوع من الجليل إلى الأردن إلى يوحنا ليعتمد منه" (متى 3/13)، أفجهل المعمدان أنه يعمد الإله؟ ومن المعلوم أن معمودية المعمدان غفران الذنوب، كما في متى: " واعتمدوا منه في الأردن معترفين بخطاياهم.. أنا أعمدكم بماء للتوبة... حينئذ جاء يسوع من الجليل إلى الأردن إلى يوحنا ليعتمد منه" (متى 3/6-14)،
فهل كان الإله مذنباً يبحث عمن يغفر له ذنوبه؟!
وأصاب المسيح عليه السلام ما يصيب كل البشر من أحوال وعوارض بشرية فقد نام " وكان هو نائماً" (متى 8/24)، وتعب كسائر البشر " كان يسوع قد تعب من السفر" (يوحنا 4/6)، واحتاج إلى حمار يركبه، فأرسل تلاميذه طالباً منهم إحضار الحمار لأن "الرب محتاج إليه" (مرقس 11/3).
واكتئب المسيح عليه السلام لما أصابه "وابتدأ يدهش ويكتئب" (مرقس 14/33)، وأحياناً كان يجتمع عليه الحزن والاكتئاب "وابتدأ يحزن ويكتئب" (متى 26/37).
ولما كان البكاء من عادة البشر إذا ما اعتراهم الضعف والأسى فإنه أحياناً كان يبكي كسائر البشر "بكى يسوع" (يوحنا 11/35) [2].
كما تعرض لمكايد أعدائه فقد حاول الشيطان أن يغويه، فلم يقدر، لقد صعد بالمسيح إلى جبل عال، وأراه جميع الممالك الإنسانية، وقال له "لك أعطي هذا السلطان كله ومجدهنّ، لأنه إليّ قد دُفع، وأنا أعطيه لمن أريد، فإن سجدت أمامي يكون لك الجميع، فأجابه يسوع وقال: اذهب يا شيطان، إنه مكتوب: للرب إلهك تسجد، وإياه وحده تعبد" (لوقا 4/6-8).
وتعرض للطم والشتم "ولما قال هذا، لطم يسوعَ واحد من الخدام كان واقفاً" (يوحنا 18/22)، فلم يستطع أن يدفع عن نفسه إلا بالكلام، لأنه كان موثقاً "قبضوا على يسوع وأوثقوه" (يوحنا 8/12).
والمسيح عليه السلام قد جاع أيضاً، وبحث عن طعام يأكله "وفي الصبح إذ كان راجعاً إلى المدينة جاع" (متى 21/18).
كما عطش " قال: أنا عطشان" (يوحنا 19/28).
وقد أكل وشرب، فسد جوعته، وروى ظمأه " فناولوه جزءاً من سمك مشوي وشيئاً من شهد عسل، فأخذ وأكل قدامهم" (لوقا 24/42-43).
والطعام والشراب الذي كان يتقوى به، وينمو به جسمه طولاً وعرضاً " وكان الصبي ينمو " (لوقا 2/40)، ونموه كان بالجسد والعقل " وأما يسوع فكان يتقدم في الحكمة والقامة والنعمة عند الله والناس" (لوقا 2/52)، فالطعام ينميه جسدياً، والتعلم في الهيكل من الشيوخ والمعلمين ينميه عقلياً " وجداه في الهيكل جالساً في وسط المعلمين يسمعهم ويسألهم" (لوقا 2/46).
كما ويقتضي الطعام خسيسة أخرى لا يليق أن تذكر في سياق الحديث عن مقام الألوهية وعظمته، ألا وهي التبول والتغوط، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، وهو ما نبه الله تعالى إليه أذهان العقلاء بقوله: ] ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام[ فكل من طعم وشرب احتاج لإخراج ما طعم، ولا يليق نسبة هذه المنقصة ولا غيرها إلى الله عز وجل الذي لا يشارك الناس هذه الدنايا.
وتذكر الأناجيل حزن المسيح عليه السلام ليلة الصلب وغيرها " إن نفسي حزينة حتى الموت " (مرقس 14/32-36).
ثم لما جزع ظهر له ملك من السماء ليقويه. (انظر لوقا 22/43).
ثم لما وضع - حسب الأناجيل - على الصليب جزع وقال: " إلهي إلهي، لم تركتني " (مرقس 15/34).
بل وتزعم الأناجيل أنه مات، فهل رب يموت؟ "فصرخ يسوع بصوت عظيم، وأسلم الروح" (مرقس 15/37)، وقبل أن يجيبنا أحدهم – ببرود - بأن الذي مات هو الناسوت، وأن اللاهوت لا يموت؛ فإني أذكر القارئ بأن الذي مات على الصليب هو ابن الله، وليس ابن الإنسان، "لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد، لكي لا يهلك كل من يؤمن به" (يوحنا 3/16).
ولا يجد الأسقف ترتليانوس في القرن الميلادي الثالث ما يدفع به هذه القاصمة إلا أن يقول: " لقد مات ابن الله! ذلك شيء غير معقول، لا لشيء، إلا لأنه مما لا يقبله العقل، وقد دفن من بين الموتى، وذلك أمر محقق، لأنه مستحيل " [3]، ومع ذلك يؤمن به ترتليان والنصارى من بعده.
وذكرت الأناجيل أيضاً تذلَله وخضوعه لله عز وجل وتضرعه بين يديه " وكان يصلي قائلاً: يا أبتاه، إن أمكن أن تعبر عني هذا الكأس، ليس كما أريد أنا، بل كما تريد أنت" (متى 26/39). "وكان يصلّي هناك" (مرقس 1/35).
ويصور لوقا صلاته عليه السلام، فيقول: " جثا على ركبتيه وصلى" (لوقا 22/41). وذات يوم وقبل اختياره للتلاميذ " خرج إلى الجبل ليصلّي، وقضى الليل كله في الصلاة لله، ولما كان النهار دعا تلاميذه" (لوقا 6/12) فلمن كان الإله يصلي طوال الليل منفرداً؟ هل كان يصلي لنفسه؟ أم للآب الحال فيه؟ وهل تجوز عبادته وهو على هذه الحال؟ لِم نترك عبادة المعبود ونعبد العابد؟!
وكان يصلي متوارياً وصار عرقه كعبيط الدم، يقول لوقا: "وإذ كان في جهاد كان يصلّي بأشد لجاجة، وصار عرقه كقطرات دم نازلة على الأرض، ثم قام من الصلاة وجاء إلى تلاميذه" (لوقا 22/44)، يقول يوحنا فم الذهب: "من ذا لا يتعجب عندما يرى الله جاثياً ومصلياً" [4].
ومن تضرعه واستغاثته بربه ما ذكره يوحنا عن حال المسيح عليه السلام عندما أحيا لعازر " ورفع يسوع عينيه إلى فوق وقال: أيها الآب أشكرك، لأنك سمعت لي، وأنا علمت أنك في كل حين تسمع لي، ولكن لأجل هذا الجمع الواقف قلت، ليؤمنوا أنك أرسلتني" ( يوحنا 11/40-41 ).
والتضرع والعبادة نوع من دلائل العبودية لا يجوز نسبته إلى الله أو للمتحد معه.
ويتحدث بولس عن انتصار المسيح عليه السلام على الكل بما فيهم الموت، ثم يذكر خضوعه بعد ذلك لله، فيقول: "متى أخضع له الكل، فحينئذ الابن نفسه أيضاً سيخضع للذي أخضع له الكل (لله)، كي يكون الله الكل في الكل" (كورنثوس (1) 15/28).
وأخيراً، فإن مما يؤكد بشرية المسيح ما أخبر من أنه عليه السلام سيدخل الجنة التي وعدها الله عباده المؤمنين، ومنهم المسيح وتلاميذه، وأنه سيشرب في اليوم الآخر ويأكل معهم، حيث قال: "في بيت أبي منازل كثيرة ... أنا أمضي لأعد لكم مكاناً ... حيث أكون أنا تكونون أنتم أيضاً " (يوحنا 14/2 – 3)، وقال: " إني من الآن لا أشرب من نتاج الكرمة هذا إلى ذلك اليوم، حينما أشربه معكم جديداً في ملكوت أبي" (متى 26/29).
ومن المعلوم أن ملكوت الله يراد به هنا الجنة، حيث يلقى التلاميذ من جديد، فيشرب معهم في جنة الله، فهل سيتجسد الابن ثانية يوم القيامة؟ وما الحكمة من التجسد حينذاك؟ أم أن المسيح سيعود ككائن بشري عادي يأكل في جنة الله كسائر المؤمنين.
وجماع هذا كله قوله عليه السلام عن نفسه: "وأنا إنسان قد كلمكم بالحق الذي سمعه من الله " (يوحنا 8/40)، أفلا نقبل شهادته عليه الصلاة والسلام عن نفسه؟!
فلو كان إلهاً لما صح منه أن يعمي علينا هذه الحقيقة بمثل هذا القول الصريح الدال على إنسانيته.
وحين يصر النصارى على القول بألوهيته فإنهم يضربون بعرض الحائط قول المسيح وتلاميذه، ويتنكرون بذلك لكل هذه النصوص التي لم تتحدث أبداًَ عن إله متجسد، ولا عن ناسوت حل به الله.
وبذا يكون النصارى قد وقعوا فيما حذر منه مقدسهم بولس الذي ألبسهم هذه العقيدة ثم تبرأ منهم ومن صنيعهم، حيث قال: "إنهم لما عرفوا الله لم يمجدوه أو يشكروه كإله، بل حمقوا في أفكارهم، وأظلم قلبهم الغبي. وبينما هم يزعمون أنهم حكماء صاروا جهلاء، أبدلوا مجد الله الذي لا يفنى، بشبه صورة الإنسان الذي يفنى والطيور والدواب والزحافات. لذلك أسلمهم الله أيضاً في شهوات قلوبهم إلى النجاسة لإهانة أجسادهم بين ذواتهم، الذين استبدلوا حق الله بالكذب، واتقوا، وعبدوا المخلوق دون الخالق، الذي هو مبارك إلى الأبد " (رومية 1/21-25).
الضرب الثالث: هو النصوص التي بينت ذهول معاصريه من حوارييه وأعدائه عن فكرة ألوهيته وربوبيته، مما يدل على أن الفكرة لا علاقة لها بالمسيح ولا أتباعه. بل هي من مخترعات لاحقة لذلك العهد، وذلك يكفي للإعلان عن بطلانها.
وفي ذلك نصوص كثيرة منها:
- جهل أمه العذراء البتول بألوهيته، إذ لما كان المسيح راجعاً مع والدته ويوسف النجار حصل ما يدل على جهل والدته بمقامه، فإن جهلت والدته الطاهرة ألوهيته، فمن ذا الذي يعلمها، فقد جاء في لوقا: "وبعدما أكملوا الأيام بقي عند رجوعهما الصبي يسوع في أورشليم، ويوسف وأمه لم يعلما، إذ ظناه بين الرفقة، ذهبا مسيرة يوم، وكانا يطلبانه بين الأقرباء والمعارف، ولما لم يجداه رجعا إلى أورشليم يطلبانه، وبعد ثلاثة أيام وجداه في الهيكل بين المعلمين يسمعهم ويسألهم … يا بني لماذا فعلت بنا هكذا؟ هوذا أبوك وأنا كنا نطلبك معذبين " (لوقا 2/41-48)، فلو كانت مريم تعلم أن ابنها هو الله أو ابنه لما كان لهذا الخوف على المسيح أي معنى.
ويجيب المسيح سؤال أمه ويوسف النجار بقوله: " لماذا كنتما تطلبانني! ألم تعلما أنه ينبغي أن أكون فيما لأبي"، فهل فهمت البتول وزوجها من جوابه بأنه يتحدث عن ألوهيته وبنوته الحقيقية للآب؟ بالطبع: لا، فهما لا يعرفان شيئاً عن هذا المعتقد الغريب. يقول لوقا: " فلم يفهما الكلام الذي قاله لهما" (لوقا 2/50).
وفي مرة أخرى سمعت مريم البتول ورأت فرح سمعان الأورشليمي وهو يحمل وليدها، ويحمد الله على أن عينيه قد اكتحلتا برؤية المعزي المخلص، لكنها والنجار لم تفهمان ما يقوله، فاكتفيا بعلامات العجب وأمارات الاستغراب، يقول لوقا: "وكان يوسف وأمه يتعجبان مما قيل فيه" (لوقا 2/33).
ويذكر يوحنا أن المسيح لما صلب ذهبت والدته لتذرف عليه الدمع. (انظر يوحنا 19/25)، أفلم تكن تعلم حين ذاك أن ولدها هو الله أو ابنه، وأن الموت لا يضيره؟
- وسمعان الصفا (بطرس)، أقرب التلاميذ إلى المسيح يقول وهو ممتلئ من الروح القدس: "أيها الرجال الإسرائيليون، اسمعوا هذه الأقوال: يسوع الناصري رجل قد تبرهن لكم من قبل الله بقوات وعجائب وآيات صنعها الله بيده في وسطكم كما أنتم أيضاً تعلمون، هذا أخذتموه مسلّماً بمشورة الله المحتومة وعلمه السابق وبأيدي آثمة صلبتموه وقتلتموه" (أعمال الرسل 2/22)، فلم يشر في خطبته المهمة - التي كان فيها مؤيداً من الروح القدس - إلى شيء من الألوهية للمسيح، ولم يتحدث عن الناسوت المتأله ولا الإله المتجسد.
ولما عرض المسيح - متنكراً بعد الصلب المزعوم - لرجلين من أصحابه قد حزنا بسبب ما تردد عن صلبه، سألهما عن سبب حزنهما فقالا: " يسوع الناصري الذي كان إنساناً نبياً مقتدراً في الفعل والقول أمام الله وجميع الشعب، كيف أسلمه رؤساء الكهنة وحكامنا لقضاء الموت، وصلبوه. ونحن كنا نرجو أنه هو المزمع أن يفدي إسرائيل" (لوقا 24/19-21)، فليس في قولهما حديث عن ناسوت مقتول، ولا عن لاهوت متجسد نجا من الموت، إن غاية ما كانوا يرقبونه فيه، أن يكون مخلص إسرائيل، أي المسيح المنتظر الذي بشرت به الأنبياء، فإن "الإيمان الشائع بين اليهود كان يقتصر على أن المسيح يكون فقط إنساناً مشهوراً وممتازاً في فضائله ووظيفته" [5].
ويقول القس إبراهيم سعيد عن هذين التلميذين: "إلى الآن لم يؤمنا بلاهوته .. لكننا لا ننكر عليهما أنهما كانا مؤمنين بنبوته"[6].
وأيضاً عجب منه تلاميذه لما رأوا بعض معجزاته، ولو كانوا يرونه إلهاً لما كان في معجزاته أي عجب، فقد مرّ يسوع عليه السلام بالشجرة وقد جاع، فقصدها، فلم يجد فيها سوى الورق. فقال: لا يخرج منك ثمرة إلى الأبد، فيبست الشجرة لوقتها، فتعجب التلاميذ "قال لها: لا يكون منك ثمر بعد إلى الأبد، فيبست التينة في الحال. فلما رأى التلاميذ ذلك تعجبوا قائلين: كيف يبست التينة في الحال..." (متى 21/18-22). فدل عجبهم على أنهم كانوا لا يدركون شيئاً مما تعتقده النصارى اليوم من ألوهية المسيح، وإلا فإن إيباس الإله للشجرة ليس فيه ما يدعو لأي عجب.
إن غاية ما اعتقده التلاميذ في المسيح أنه المسيا النبي العظيم المنتظر، ولم يدر بخلدهم ألوهيته أو بنوته لله، يقول الأب متى المسكين: "التلاميذ وقف تفكيرهم عند اعتقادهم فيه أنه نبي، ولكن يعمل أعمالاً لم يعملها نبي .. رفع تقديرهم للمسيح عن ما هو أكثر فعلاً من نبي، ولكن ماذا يكون .. فالتلاميذ جمعوا من الأدلة في حياة المسيح ما يؤكد لهم أنه المسيا".[7]
وهذا يوحنا المعمدان ( يحيى ) عليه السلام الذي لم تقم النساء عن مثله. (انظر متى 11/11)، يرسل إلى المسيح رسلاً بعد أن عمده ليسألوه " أما يوحنا فلما سمع في السجن بأعمال المسيح؛ أرسل اثنين من تلاميذه. وقال له: أنت هو الآتي أم ننتظر آخر؟ فأجاب يسوع وقال لهما: اذهبا وأخبرا يوحنا بما تسمعان وتنظران، العمي يبصرون، والعرج يمشون، والبرص يطهرون، والصم يسمعون، والموتى يقومون، والمساكين يبشّرون. وطوبى لمن لا يعثر في" (متى 11/3-6).
فيحيى المعمداني عليه السلام مع جلالة أمره لم يظن في المسيح أنه أكثر من النبي المنتظر الذي كانت تنتظره بنو إسرائيل.
وإجابة المسيح لا تدل بحال على ألوهيته، فقد أخبر بمعجزات نبوته، ثم عقب بالتحذير من الغلو فيه - كفعل النصارى -، أو التفريط كفعل اليهود الذين كذبوه وآذوه وهموا بقتله.
ولما جاءته المرأة السامرية ورأت قدراته وأعاجيبه: "قالت له المرأة: يا سيد أرى أنك نبي" (يوحنا 4/19)، وما زادت على ذلك، فما وبخها ولا صحح لها معتقدها، فكان هذا معتقداً يعتقده عامة الناس كما اعتقده تلاميذ المسيح وحواريوه.
وهو ما قاله عنه الأعمى الذي شفاه المسيح ورأى برهان الله على نبوة هذا المبارك "فقالوا له: كيف انفتحت عيناك؟ أجاب ذاك وقال: إنسان يقال له: يسوع" (يوحنا 9/10-11)، لكن النصارى اعتقدوا في هذه الحادثة ما لم يعتقده ذاك الذي شفاه المسيح، والذي شهد له بالإنسانية فحسب.
وكذا الجموع التي رأته كثيراً في أورشليم، وخرجت لاستقباله لما دخل أورشليم دخول الأبطال، هذه الجموع كانت تعتقد بشريته ونبوته " فقالت الجموع: هذا يسوع النبي" (متى 21/11).
وفي موقف آخر حدَّث المسيح اليهود عن الكرامين الأردياء الذين ينقل الله عنهم ملكوته القادم، فانزعجوا منه، وأرادوا الإمساك به، لكنهم "خافوا من الجموع، لأنه كان عندهم مثل نبي" (متى 21/45) [8].
وهاهم أعداؤه عليه السلام من اليهود يلاحقونه، ويطلبون منه آية، فأخبرهم بأنه لن تأتيهم سوى آية يونان النبي ( يونس ) عليه السلام "أجاب قوم من الكتبة والفريسيين قائلين: يا معلّم نريد أن نرى منك آية. فأجاب وقال لهم: جيل شرير وفاسق يطلب آية، ولا تعطى له آية إلا آية يونان النبي" (متى 12/38-39).
واليهود ولا ريب يبحثون عن آية تدل على نبوته التي يدعوهم إلى الإيمان بها، ولو كان ما يدعو إليه الألوهية لما رضوا منه بمثل آية يونان، بل ولطالبوه بآيات أعظم من آية يونان، وغيره من الأنبياء.
وفيما أحد الفريسيين يرقب المسيح متشككاً بنبوته تقدمت إليه امرأة خاطئة باكية تمسح رجليه بشعرها، تقبلهما وتدهنهما بالطيب، "فلما رأى الفريسي الذي دعاه ذلك، تكلم في نفسه قائلاً: لو كان هذا نبياً لعلم من هذه المرأة التي تلمسه؟ وما هي؟ إنها خاطئة" (لوقا 7/39). لقد استنكر في نفسه نبوة - لا ألوهية – هذا الذي يجهل حال الخاطئة، مما يؤكد أن دعواه عليه السلام بينهم إنما كانت النبوة فحسب، يقولالأب متى المسكين: "فالفريسي إذ رأى المسيح يتقبل من المرأة ما صنعته به أخذها شهادة ضد المسيح أنه ليس نبياً كما كان يذاع عنه".[9]
ولما أراد اليهود قتله، كانت جريمته عندهم دعواه النبوة، لا الربوبية، فقد قالوا لنيقوديموس: "ألعلك أنت أيضاً من الجليل؟ فتّش وانظر. إنه لم يقم نبي من الجليل" (يوحنا 7/52)، إنهم يكذبونه في دعواه النبوة، وهو من الجليل التي لم يسبق أن أتى منها نبي.
والشيطان أيضاً لم ير في المسيح أكثر من كونه بشراً، فاجترأ عليه محاولاً غوايته، لذلك فقد حصره في الجبل أربعين يوماً من غير طعام ولا شراب، وهو في ذلك يمتحنه ويمنيه بإعطائه الدنيا في مقابل سجدة واحدة له "أخذه أيضاً إبليس إلى جبل عال جداً، وأراه جميع ممالك العالم ومجدها. وقال له: أعطيك هذه جميعها، إن خررت وسجدت لي، حينئذ قال له يسوع: اذهب يا شيطان، لأنه مكتوب: للرب إلهك تسجد، وإياه وحده تعبد" (متى 4/9-10)، فهل كان الشيطان يعِد الرب العظيم - مالك كل شيء وواهبه - بالدنيا؟!!.
وينقل القمص تادرس يعقوب ملطي في تفسيره لإنجيل متى عن القديس جيروم قوله: "يقصد إبليس بكل هذه التجارب أن يعرف إن كان هو الحق ابن الله، ولكن المخلص كان موفقاً في إجاباته تاركاً إياه في شك"، فالشيطان كان وبقي جاهلاً بألوهية المسيح المدعاة.
ثم إن كان المسيح إلهاً متجسداً فكيف نفهم تبريراً لخيانة يهوذا؟ وهل يخان الإله؟ وكيف نفهم بطرس إنكار بطرس له ثلاث مرات ولعنه في الليلة التي أراد اليهود القبض فيها على المسيح؟
بل إن كل ما قيل في سيرة المسيح يصعب فهمه مع القول بألوهيته، ويترك علامات استفهام لا إجابة عنها.
ثم إن بشرية المسيح عليه السلام موجودة ليس في أقوال معاصريه بل حتى في النبوءات السابقة التي يؤمن النصارى بها، ويقولون أنها تحققت فيه عليه السلام، فهذه النبوءات لم تتـنبأ بقيام رب أو إله، وإنما تنبأت بنبي ورسول صالح.
من ذلك ما جاء في كلام عاموس النبي "قال الرب: من أجل ذنوب إسرائيل الثلاثة والأربعة لا أرجع عنه، لأنهم باعوا البار بالفضة..." (عاموس 2/6)، فهو لم يقل: في بيعهم إياي، ولا بيع إله متساو معي، بل سماه باراً، وهو وصف يقتضي كمال العبودية لله.
الضرب الرابع:النصوص التي شهدت للمسيح بالنبوة، وإثبات النبوة والرسالة له مبطل للألوهية.
فقد شهد له معاصروه بالنبوة والرسالة، والتي هي صفة البشر، لا الإله، ومن هذه النصوص قوله: " أنتم تدعونني معلّماً وسيّداً، وحسناً تقولون، لأني أنا كذلك" (يوحنا 13/13)، فقد أكد المسيح صحة اعتقاد التلاميذ به، إنهم يرونه معلماً وسيداً لهم، وقد شاع تسميته عندهم بالمعلم، "وقال له: يا معلم " (مرقس 10/20)، أفكان من حسن الأدب أن يترك التلاميذ نداءه بالألوهية وأن ينادوه بهذا النداء المتواضع: معلم.
وقد بدأت نبوته، وهو في سن الثلاثين "ولما ابتدأ يسوع كان له نحو ثلاثين سنة " (لوقا 3/23)، وقد كان ثمة وقت لم ينزل عليه الروح القدس "لأن الروح القدس لم يكن قد أعطي بعد، لأن يسوع لم يكن قد مجّد بعد" (يوحنا 7/39).
وشهد المسيح عليه السلام لربه بالوحدانية، ولنفسه بالرسالة، فقال: " أنت الإله الحقيقي وحدك، ويسوع المسيح الذي أرسلته " (يوحنا 17/3).
ونحوه قوله عن نفسه: " فكانوا يعثرون به، وأما يسوع فقال لهم: ليس نبي بلا كرامة إلا في وطنه وفي بيته" (متى 13/57)، فاعتبر نفسه كسائر الأنبياء، لا يعرف أقوامهم لهم قدرهم ومنزلتهم.
ولما خوفه الفريسيون من هيرودس قال لهم: " ينبغي أن أسير اليوم وغداً وما يليه، لأنه لا يمكن أن يهلك نبي خارجاً عن أورشليم. يا أورشليم يا أورشليم، يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين" (لوقا 13/33-34)، فشهد لنفسه بالنبوة، وخاف من مصرعه في أورشليم كما صرع فيها غيره من الأنبياء، فغادر أورشليم، وناداها: " يا قاتلة الأنبياء" ولم يقل لها: يا قاتلة الإله. فذلك أبلغ لو صح.
ولما أظهر المعجزات لقومه قرنها بدعوى نبوته قائلاً وهو يناجي الله: " ولكن أسألك من أجل هذه الجماعة، ليؤمنوا بأنك أنت أرسلتني " (يوحنا 11/42).
ولما أرادوا قتله قال: "تطلبون أن تقتلوني، وأنا إنسان قد كلمكم بالحق الذي سمعه من الله " (يوحنا 8/40)، فهو إنسان رسول، وهذا نص صريح بإنسانيته أنه رسول من الله.
ولما بعث تلاميذه للدعوة قال لهم: " فقال لهم يسوع أيضاً: سلام لكم، كما أرسلني الآب أرسلكم أنا" (يوحنا 20/21).
وأكد رسالته بقوله: " الآب الذي أرسلني هو أعطاني وصية ماذا أقول، وبماذا أتكلم " (يوحنا 12/49).
وهو في كل ما يقوله عن الله معصوم لأنه ينطق بالوحي، فقد قال: "الكلام الذي تسمعونه ليس لي، بل للآب الذي أرسلني" (يوحنا 14/24)، وفي موضع آخر: "تعليمي ليس لي، بل للذي أرسلني" (يوحنا 7/16). وقال: " ولا رسول أعظم من مرسله " (يوحنا 13/16).
ومما يبطل قول النصارى بألوهية المسيح النصوص التي جعلته رسولاً خاصاً إلى بني إسرائيل، والإله لا يكون خاصاً بأمة دون أمة.
ومن ذلك قوله: "لم أرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة " (متى10/6).
ومثله قصة المرأة الكنعانية التي رفض شفاء ابنتها أول مرة، لأنها ليست من شعبه. (انظر متى 15/21-28).
ومثله الوعد الذي وعِِده كما جاء في لوقا "وسيعطيه الرب الإله عرش داود أبيه، ويملك على آل يعقوب إلى الأبد" (لوقا 1/32-33)، فهل هو إله خاص ببني إسرائيل أم رسول خاص بهم؟ فلو كان إلهاً لما صح اختصاصه بشعب دون شعب، فهذا شأن الأنبياء.
ونبوته عليه الصلاة والسلام هي معتقد الناس عامة فيه، وقد صرحوا بذلك أمامه فلم يخطئهم، فعندما أحيا المسيح ابن الأرملة في نايين " أخذ الجميع خوف ومجدوا الله قائلين: قد قام فينا نبي عظيم، وافتقد الله شعبه" (لوقا 7/16).
ولما أطعم الخمسة آلاف إنسان من خمسة أرغفة قالوا: " فلما رأى الناس الآية التي صنعها يسوع قالوا: إن هذا هو بالحقيقة النبي الآتي إلى العالم" (يوحنا 6/14).
وقد قال بولس معترفاً برسالته وبشريته: "لأنه يوجد إله واحد، ووسيط واحد بين الله والناس، الإنسان يسوع المسيح" (تيموثاوس (1) 2/5).
وقد صدق السير آرثر فندلاي في قوله في كتابه "الكون المنشور" : "لا يعتبر عيسى إلهاً أو مخلصاً، إنما هو رسول من اللّه خدم في حياته القصيرة في علاج المرضى وبشر بالحياة الأخرى، وعلم بأن الحياة الدنيا ما هي إلا إعداد للملكوت الإلهي بحياة أفضل لكل من عمل صالحاً".
وهكذا رأينا من الضروب الأربعة ما قام فيه دليل وبرهان واضح على عبودية المسيح عليه السلام لله، وأنه رسول عظيم من لدن ربه جل وعلا، وهذا موافق بل مطابق لما يؤمن به المسلمون ] إن هو إلا عبدٌ أنعمنا عليه وجعلناه مثلاً لبني إسرائيل [(الزخرف: 59).
الدكتور منقذ بن محمود السقار
فهرس الكتاب علي صفحة منقذ السقار : الله جل جلاله واحد أم ثلاثة
----------------
[1] لئن كنا نرى أن أم المسيح لم تعرف شيئاً عن ألوهية ابنها؛ فإن القس سمعان كلهون يوافقنا على هذا، بل لا يتوقف عند هذا، إذ يتطاول على مقام المسيح وأمه، ويرى أن أم المسيح وعائلته "قد ظنوا يسوع مختلاً" ، وحاشا للعذراء البتول أن تظن بابنها العظيم مثل ذلك. انظر: اتفاق البشيرين، القس سمعان كلهون، ص (214).
[2] من عجيب ما قرأت تعليق الدكتور القس إبراهيم سعيد على بكاء المسيح، حيث يقول: "يعتبر بكاء المسيح دليلاً على ناسوته، وتعبيراً لجوهر لاهوته .. لأن عينه الغارقة في دموعها هي هي كلهيب نار". شرح بشارة لوقا، ص (479).
[3] انظر : المسيح في القرآن والتوراة والإنجيل ، عبد الكريم الخطيب ، ص (343).
[4] الرأي الصريح في طبيعة ومشيئة المسيح، القمّص غبريال عبد المسيح ، ص (58).
[5] اتفاق البشيرين، القس سمعان كلهون، ص (292).
[6] شرح بشارة لوقا، د. إبراهيم سعيد، ص (634).
[7] الإنجيل بحسب القديس لوقا، الأب متى المسكين، ص (392).
[8] وحتى لا يتوهم متسرع أن قوله : "مثل نبي" يفيد ما يزيد عن مرتبة النبوة؛ فإنا نذكِّر أن مثل هذا قيل عن يوحنا المعمدان "لأن يوحنا عند الجميع مثل نبي" (متى 21/26).
[9] الإنجيل بحسب القديس لوقا (دراسة وتفسير وشرح)، الأب متى المسكين ، ص (331).