رأى المحققون أن الأحوال البشرية المختلفة التي رافقت المسيح عليه السلام طوال حياته تمنع قول النصارى أن المسيح هو الله أو ابنه، إذ لا يليق بالإله أن يولد ويأكل ويشرب ويختن ويضرب و ... ثم يموت.
ولا يشفع للنصارى قولهم بأن هذه الأفعال صدرت من الناسوت لا اللاهوت، لأنهم لا يقولون بأن تجسد الإله في المسيح عليه السلام كان كالجبة أو العمامة يلبسها المسيح أحياناً، وينزعها أخرى، فما صدر منه إنما صدر من الإله المتجسد كما زعموا، وإلا لزمهم الاعتراف ببشريته، وهو الصحيح.
يقول القديس كيرلس بابا الإسكندرية – وقائد الكنيسة في مجمع أفسس- في رسالته للقيصر ثودوسيوس : "إننا لا نعري الناسوت من اللاهوت، ولا نعري الكلمة من الناسوت، بعد ذلك الاتحاد الغامض الذي لا يمكن تفسيره، بل نعترف بأن المسيح الواحد هو من مشيئتين قد اجتمعتا إلى واحد مؤلف من كليهما، لا بهدم الطبيعتين ولا باختلاطهما، بل باتحاد شريف للغاية، بوجه عجيب".
وكان كيرلس من أشهر المنادين بعقيدة "تألم الإله" (Theopaschites) ، وقال في الحرمانات الشهيرة التي أصدرها ؛ في الحرمان الثاني عشر: "فليكن محروماً كل من ينكر أن الكلمة الله تألم في جسده، وصلب في جسده، وذاق الموت في جسده، وأصبح باكورة الراقدين"، فهو يرى اشتراك اللاهوت والناسوت في الصفات والخواص، ويؤكد على أن "اللاهوت يشعر بما يشعر به الناسوت، ويشترك في أعماله وكذلك الناسوت، فإن كان الناسوت تألم فإن اللاهوت تألم أيضاً؛ بسبب الوحدة القوية بين الجوهرين"[1].
وكتب بروكلوس أسقف القسطنطينية عام 435م رسالته الشهيرة التي أجاب فيها على تساؤلات القادة والأساقفة في كنيسة أرمينيا: "إن اللاهوت اشترك في ضعف الناسوت، أي إنه تألم وعرف بطريقة فعلية حقيقية تألم الجسد والحزن والموت، فإن الذي تألم وعطش وجاع، وفي نهاية المطاف مات وقام من بين الأموات هو يسوع المسيح، هو الكلمة المتجسد، أي الأقنوم الثاني من اللاهوت"[2].
وهذه العقيدة "واحد من الثالوث تألم في الجسد" ليست بدعة هرطوقية، بل عقيدة نادى بها آباء الكنيسة (كيرلس قبل الانشقاق الكنسي الكبير الذي أعقب مجمع خليقدونية 451م)، واستمرت من بعدهم، فنادى بها الرهبان السكيثيين، والعالم الأفريقي فولجنس، ثم اعترف فيها مجمع القسطنطينية الكاثوليكي سنة 553م ، وكتب بذلك البابا يوحنا الثاني إلى الامبرطور يوستيتيانوس وإلى مجلس الشيوخ الروماني [3].
وممن يقول بالطبيعة الواحدة ورفض بدعة الطبيعتين التي لا نكاد نسمع غيرها اليوم البابا أثناسيوس : "هذا الواحد الإله هو ابن الله بالروح، وهو ابن الإنسان بالجسد، ليس أن الابن الواحد له طبيعتان، إحداهما مسجود لها (إلهية)، والأخرى غير مسجود لها (ناسوتية)، بل طبيعة واحدة لكلمة الله المتجسد الذي نسجد له مع جسده سجوداً واحداً".
ويقول القديس أغريغوريوس في سياق تفسيره لقوله: "هذا هو ابني الحبيب" : "إذا رأيت ابني قد جاع أو عطش أو نام أو تعب ... فلا تحسب ذلك لجسده دون لاهوته، وإذا رأيت ابني يشفي المرضى ويطهر البرص بالقول ويصنع أعيناً من طين .. فلا تحسب ذلك للاهوته دون ناسوته، لأن الأفعال العالية ليست لواحد والمتواضعة لآخر" [4].
وينقل الأنبا غريغوريوس عن البابا ديسقورس (تلميذ وخليفة البابا كيرلس، والبطريرك الخامس والعشرون من باباوات كنيسة الإسكندرية الأرثوذكسية 444م) قوله: " فلا اللاهوت امتزج بالناسوت ولا اختلط به ، ولا استحال أحدهما إلى الآخر . إنما اللاهوت والناسوت قد اتحدا. ليس من قبيل الإجتماع أو المصاحبة ، ولكنه اتحاد بالمعنى الحقيقي لكلمة اتحاد ، وإذا كان اللاهوت والناسوت قد اتحدا فقد صارا واحداً ، ولا مجال للقول بعد ذلك أن هناك طبيعتين ، وإلا فلا يكون الاتحاد صحيحاً أو حقيقياً"[5].
كما ينقل عن القديس أوريجانوس في تفسيره لرسالة رومية قوله: "بسبب الاتحاد الذي لا ينفك بين الكلمة والجسد، كل شيء يختص بالجسد ينسب أيضاً إلى الكلمة، وكل ما يختص بالكلمة يحمل على الجسد"[6]، وعليه نستطيع القول بأن الكلمة أو اللاهوت الحال في الجسد كان يأكل ويشرب وينام ويتعب، ويخطئ من نسب هذا للجسد دون اللاهوت المزعوم، لذلك يقول المطرانان يوسف ريا وكيرلس بسترس: "يمكننا القول حقاً: إن الله تجسد ، وإن الله ولد وعطش وجاع ، وإن الله تألم وماتوقام، وإن الله صعد إلى السماوات"[7].
ووفق هذا المفهوم فإن التفريق بين الطبيعتين في المسيح تفريق ذهني غير حقيقي لا يصح ان يتعلق به الذين أذهلتهم الصور الإنسانية الكثيرة للمسيح، فالاتحاد بين الناسوت واللاهوت يمنع الاحتجاج بالطبيعتين، وقد شبهه البابا كيرلس الملقب بعمود الدين باتحاد الروح والجسد، وقال: "إننا لا نجيز الفصل بين الطبيعتين، ونعلِّم فقط بالتمييز بينهما تمييزاً ذهنياً" [8].
ويمكننا فهم هذه العلاقة - المدعاة - لامتزاج الناسوت باللاهوت بتأمل لحظة واحدة صدر فيها عن المسيح فعلين متغايرين، أولهما عبر عن ناسوته، والآخر عبر عن لاهوته، وذلك في قصة المرأة النازفة "جاءت من ورائه، ولمست هدب ثوبه، ففي الحال وقف نزف دمها، فقال يسوع: من الذي لمسني؟ وإذ كان الجميع ينكرون، قال بطرس والذين معه: يا معلّم، الجموع يضيّقون عليك، ويزحمونك، وتقول: من الذي لمسني؟ فقال يسوع: قد لمسني واحد، لأني علمتُ أن قوة قد خرجت مني.." (لوقا 8/44-47)، ففي لحظة واحدة يجمع له النصارى بين الألوهية الكاملة والناسوتية التامة، فقد جهل المسيح لامسه بناسوته ، وشفاه من مرضه بلاهوته، وذلك في لحظة واحدة.
وما نقلناه في هذا الصدد لا يعني تصديقنا بدعوى الاتحاد الذي أنتج مسيحاً يملك طبيعة واحدة تجتمع فيه الناسوتية واللاهوتية، فهذه الدعوى عجيبة كالقول بالطبيعتين، ويكفي لإبطالهما أن نتخيل اتحاد عنصرين من عناصر المادة اتحاداً كاملاً ، فهو لا يبقي لأي منهما خصائصه، كما لو اتحد حامض بحلو، فإن الناتج غلبة أحدهما أو تعادلهما، لكن الاتحاد - وفق المفهوم النصراني – يحتم أن يكون المتحد حلواً حامضاً في نفس اللحظة، ليحقق الناسوتية والألوهية في شخص المسيح طوال حياته على الأرض.
فهرس الكتاب علي صفحة منقذ السقار : الله جل جلاله واحد أم ثلاثة
هوامش
[1] تاريخ الفكر المسيحي، القس الدكتور حنا جرجس الخضري (4/88، 90).
[2] المصدر السابق (4/89).
[3] انظر تاريخ الفكر المسيحي، القس الدكتور حنا جرجس الخضري (4/94-96).
[4] الرأي الصريح في طبيعة ومشيئة المسيح، القمص غبريال عبد المسيح ، ص (59 -60).
[5] موسوعة الأنبا غريغوريوس (اللاهوت المقارن)، ص (231).
[6] موسوعة الأنبا غريغوريوس (اللاهوت المقارن)، ص (189).
[7] التجسد فيض المحبة ، المطران يوسف ريا والمطران كيرلس بسترس، المكتبة البولسية ، ص (16).
[8] موسوعة الأنبا غريغوريوس (اللاهوت المقارن)، ص (193، 297).