لا ريب أن معجزة إحياء الموتى معجزة عظيمة من معجزات المسيح عليه السلام ، وقد أثبتها القرآن له، وأخبر بأنها من عند الله ( وأحيي الموتى بإذن الله ) (آل عمران: 49).
لكن النصارى يرفضون تعليق قدرات المسيح بمشيئة الله وإذنه، ويرون أنه صنع هذه المعجزات بقدرته ومشيئته الخاصة، لأنه "كما أن الآب يقيم الأموات ويحيي، كذلك الابن أيضاً يحيي من يشاء ... لأنه كما أن الآب له حياة في ذاته، كذلك أعطى الابن أيضاً أن تكون له حياة في ذاته" (يوحنا 5/21، 27).
ولو تأملنا النص في سياقه لرأيناه يتحدث عن مواهب المسيح التي أعطاه الله إياها "كذلك أعطى الابن"، فكل مواهب المسيح هي عطية الله التي ما كان له حول ولا طول فيها لولا هبة الله إياها له.
ولو أكملوا النص لوجدوا جواب المسيح على شبهتهم واضحاً، فقد قال: "أنا لا أقدر أن أفعل من نفسي شيئاً" (يوحنا 5/30).
وأكمل حديثه فذكر لهم أن مشيئته التي بها يحيي من يشاء مقيدة بمشيئة الله: " لأني لا أطلب مشيئتي، بل مشيئة الآب الذي أرسلني" (يوحنا 5/30).
لكن النصارى يصرون على أن إحياء الموتى يدل على ربوبية المسيح وألوهيته، ويتجاهلون نصوصاً كتابية أسندت ذات الفعل لغير المسيح. فلِم لا تقول النصارى بألوهيتهم ؟!
إن إعراض النصارى عن القول بألوهية هؤلاء إنما هو دليل على بطلان الاستدلال لألوهية المسيح بمعجزة الخلق، فلئن كان المسيح أحيا لعازر (انظر يوحنا 11/41-44)، فإن النبي إلياس أحيا ابن الأرملة "وقال: أيها الرب إلهي، أيضاً إلى الأرملة التي أنا نازل عندها قد أسأتَ بإماتتك ابنها [وحاشا لله أن يسيء]، فتمدد على الولد ثلاث مرات، وصرخ إلى الرب وقال: يا رب إلهي لترجع نفس هذا الولد إلى جوفه. فسمع الرب لصوت إيليا، فرجعت نفس الولد إلى جوفه فعاش" (الملوك (1) 17/19-24)، لذا خاطبه يشوع بن سيراخ: "أنت الذي أقمت ميتاً من الموت" (ابن سيراخ 48/5).
واليسع أيضاً أحيا - بإذن الله – ميتين، أحدهما أحياه حال حياته، والآخر بعد وفاته، فقد أحيا ابن الإسرائيلية التي جاءته "دخل أليشع البيت، وإذا بالصبي ميت ومضطجع على سريره، فدخل وأغلق الباب على نفسيهما كليهما، وصلّى إلى الرب، ثم صعد واضطجع فوق الصبي، ووضع فمه على فمه، وعينيه على عينيه، ويديه على يديه، وتمدّد عليه، فسخن جسد الولد، ثم عاد وتمشى في البيت تارة إلى هنا وتارة إلى هناك، وصعد وتمدّد عليه، فعطس الصبي سبع مرّات، ثم فتح الصبي عينيه" (الملوك (2) 4/32-36).
كما أحيا اليسع بقدرة الله بعد موته ميتاً وضعه أهله على قبر اليسع، فعاد حياً " فيما كانوا يدفنون رجلاً إذا بهم قد رأوا الغزاة، فطرحوا الرجل في قبر أليشع، فلما نزل الرجل ومس عظام أليشع؛ عاش وقام على رجليه" (الملوك (2) 13/21).
والعجب من استدلال النصارى بإحياء الموتى لإثبات ألوهية المسيح عليه السلام مع أنهم أثبتوا هذه القدرة للحواريين، والمقصود ما جاء قصة إحياء بطرس لطابيثا. فقد جاء في أعمال الرسل أن بطرس أحيا طابيثا بعد أن ماتت وغسلها أهلها "وكان في يافا تلميذة اسمها طابيثا الذي ترجمته غزالة ... وحدث في تلك الأيام أنها مرضت وماتت، فغسلوها ووضعوها في عليّة ... فأخرج بطرس الجميع خارجاً وجثا على ركبتيه وصلّى، ثم التفت إلى الجسد وقال: يا طابيثا قومي، ففتحت عينيها، ولما أبصرت بطرس جلست" ( أعمال 9/36-41)، فأي فرق بين ما فعله المسيح وما فعله بطرس، فكل ذلك بإذن الله وقدرته.
وكل التلاميذ - حسب الكتاب المقدس - يقدرون على إحياء الموتى، فقد قال لهم المسيح : "فيما أنتم ذاهبون اكرزوا قائلين: إنه قد اقترب ملكوت السماوات، اشفوا مرضى، طهروا برصاً، أقيموا موتى، أخرجوا شياطين" (متى 10/7-8)، فهل كل هؤلاء آلهة؟
كما يغفل النصارى المتحدثون عن ألوهية المسيح الذي أحيا الموتى، يغفلون عن تلك النصوص التي تتحدث عن موت المسيح، وعجزه عن دفع الموت عن نفسه، كما عجز عن ردها إلى الحياة من جديد، حتى أعاده الله وأقامه من الأموات.
وقد تكاثرت النصوص على إيراد هذه الحقيقة حتى بلغت خمسة عشر نصاً، منها "فيسوع هذا أقامه الله" (أعمال 2/32)، ومنها "ورئيس الحياة قتلتموه الذي أقامه الله من الأموات " (أعمال 3/15)، وكذا "المسيح الناصري الذي صلبتموه أنتم، الذي أقامه الله" (أعمال 4/10).
وهكذا بطل الاستدلال بهذه العجيبة على ألوهية المسيح، ولكنها بحق أعجوبة عظيمة دفعها الله للمسيح ليقيم بها الحجة على نبوة هذا النبي العظيم، عليه صلوات الله وسلامه.
الدكتور منقذ السقار
فهرس الكتاب علي صفحة منقذ السقار : الله جل جلاله واحد أم ثلاثة