وقد قال العالم كولمن بخصوص هذا اللقب: "إنالحواريين الذين تحدث عنهم أعمال الرسل تأسَوا بمعلمهم الذي تحفظ على استخدام هذا اللقب ولم يرغب به، فاستنوا بسنته".
ويرى جنيبر أن المفهوم الخاطئ وصل إلى الإنجيل عبر الفهم غير الدقيق من المتنصرين الوثنيين فيقول: "مفهوم "ابن الله" نبع من عالم الفكر اليوناني".
ويرى القس السابق سليمان مفسر - ويوافقه الدكتور شارل جنيبر - أن بولس هو أول من استعمل الكلمة، وكانت حسب لغة المسيح (عبد الله) وترجمتها اليونانية servant، فأبدلها بالكلمة اليونانية pais بمعنى طفل أو خادم تقرباً إلى المتنصرين الجدد من الوثنيين ([2]).
المسيح ابن الإنسان
ثم إن هذه النصوص التي تصف المسيح عليه السلام (ابن الله) معارضة بثلاثة وثمانين نصاً من النصوص التي لقَّبت المسيح (ابن الإنسان)، ذلك اللقب الذي يرى الأب متى المسكين أن المسيح أعطاه لنفسه "ليخفي وراءه حقيقة ومجد بنوته لله حينما يتكلم عن نفسه" ([3])، ولنا أن نتساءل: لِمَ يُخفي المسيح عنا هذه المسألة المهمة، لم لا يواجهنا بحقيقة ألوهيته؟ لماذا يستر عنا لاهوته بهذا اللقب الذي يصرخ في وجوه مدعي ألوهيته بأنه إنسان وابن الإنسان؟! فالكتاب يخبرنا: "ليس الله إنساناً فيكذب، ولا ابن انسان فيندم" (العدد 23/19).
فلئن كانت النصوص التي أسمته ابن الله دالة على ألوهيته فإن هذه مؤكدة لبشريته، صارفة تلك الأخرى إلى المعنى المجازي، حتى لا تتصادم النصوص.
ومنها قول متى: " قال له يسوع: للثعالب أوجرة، ولطيور السماء أوكار، وأما ابن الإنسان فليس له، أين يسند رأسه" (متى 8/20)، وأيضاً قوله: " ابن الإنسان ماض كما هو مكتوب عنه" (مرقس 14/21)، وقد جاء في التوراة: "ليس الله إنساناً فيكذب، ولا ابن إنسان فيندم" (العدد 23/19). فالمسيح ليس الله.
أبناء كثر لله، فهل هم أيضاً آلهة؟
ولفظ البنوة الذي أطلق على المسيح أطلق كذلك في الكتاب على كثيرين غيره، ولم يقتضِ ذلك ألوهيتهم، بل حملت اليهود والنصارى بنوتهم على المعنى المجازي، أي المؤمنين والصالحين.
منهم آدم الذي قيل فيه: "آدم ابن الله" (لوقا 3/38).
ومثله داود الذي قيل له: " أنت ابني، أنا اليوم ولدتك " (المزمور 2/7).
وسليمان أيضاً قيل أنه ابن الله، فقد جاء في سفر الأيام عنه: "هو يبني لي بيتاً … أنا أكون له أباً، وهو يكون لي ابناً" (الأيام (1) 17/12-13).
كما سمى لوقا الملائكةَ (أبناء الله) لشيوع مثل هذه الاستخدام في الصدر الأول للمسيحية "مثلَ الملائكةِ وهم أبناء الله " (لوقا 20/36).
وسمت النصوص المقدسة أيضاً آخرين (أبناء الله)، أو ذكرت أن الله أبوهم، ومع ذلك لا يقول النصارى بألوهيتهم. فالحواريون أبناء الله، فقد قال المسيح عنهم: " قولي لهم: إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم " (يوحنا 20/17).
وقال للتلاميذ أيضاً: " فكونوا أنتم كاملين، كما أن أباكم الذي في السماوات هو كامل" (متى 5/48).
وعلمهم المسيح أن يقولوا: "فصلوا أنتم هكذا: أبانا الذي في السماوات، ليتقدس اسمك.." (متى 6/9)، وقال: " أبوكم الذي في السماوات يهب خيرات للذين يسألونه" (متى 6/11)، فكان يوحنا يقول: " انظروا أية محبة أعطانا الآب حتى ندعى أولاد الله" (يوحنا (1) 3/1).
بل واليهود أيضاً كلهم أبناء الله كما يوضحه قول المسيح لليهود: "أنتم تعملون أعمال أبيكم. فقالوا له: إننا لم نولد من زنا. لنا أب واحد، وهو الله" (يوحنا 8/41).
وفي سفر هوشع "يكون عدد بني إسرائيل كرمل البحر الذي لا يكال ولا يعدّ، ويكون عوضاً عن أن يقال لهم: لستم شعبي، يقال لهم: أبناء الله الحي" ( هوشع 1/10).
ومن ذلك أيضاً ما جاء في سفر الخروج عن جميع شعب إسرائيل " فتقول لفرعون: هكذا يقول الرب: إسرائيل ابني البكر. فقلت لك: أطلق ابني ليعبدني، فأبيت" (الخروج 4/22).
وخاطبهم داود قائلاً: "قدموا للرب يا أبناء الله، قدموا للرب مجداً وعزّاً" (المزمور 29/1).
ومثله قوله: "لأنه من في السماء يعادل الرب. من يشبه الرب بين أبناء الله" ( المزمور 89/6).
وفي سفر أيوب: "كان ذات يوم أنه جاء بنو الله، ليمثلوا أمام الرب " (أيوب 1/6).
وقال الإنجيل عنهم: "طوبى لصانعي السلام، لأنهم أبناء الله يُدعون" (متى 5/9).
وعن المؤمنين يقول بولس : "فإذ نحن ذرية الله، لا ينبغي أن نظن أن اللاهوت شبيه بذهب أو فضة أو حجر نقش صناعة واختراع إنسان" (أعمال 17/29)، فوسم المؤمنين بأنهم ذرية الله، أي المحبون والمطيعون لله.
كما نرى في التوراة هذا الإطلاق على الشرفاء والأقوياء من غير أن يفهم منه النصارى أو غيرهم الألوهية الحقيقية، فقد جاء فيها: "أن أبناء الله رأوا بنات الناس أنهن حسنات. فاتّخذوا لأنفسهم نساء من كل ما اختاروا ... إذ دخل بنو الله على بنات الناس، وولدن لهم أولاداً، هؤلاء هم الجبابرة الذين منذ الدهر ذوو اسم" (التكوين 6/2).
وعليه فلا يمكن النصارى أن يجعلوا من النصوص المتحدثة عن بنوة المسيح لله أدلة على ألوهيته ثم يمنعوا إطلاق حقيقة ذات اللفظ على آدم وسليمان وغيرهما ، وتخصيصهم المسيح بالمعنى الحقيقي يحتاج إلى مرجح لا يملكونه ولا يقدرون عليه.
وحين أراد اليهود اختلاق تهمة وتلفيقها للمسيح قالوا بأنه قد جدف([4]) لأنه يزعم أنه ابن الله على الحقيقة لا المجاز، فبكتهم المسيح، ورد عليهم مثبتاً مجازية هذه البنوة، كما هو لسان المقال دائماً في الكتاب ، فهو يجعل كل اليهود أبناء الله مجازاً ، فقال عليه السلام: " إن قال: آلهةً لأولئك الذين صارت إليهم كلمة الله .. فالذي قدسه الآب وأرسله إلى العالم، أتقولون له: إنك تجدف، لأني قلت: إني ابن الله؟ إن كنت لست أعمل أعمال أبي فلا تؤمنوا بي.." (يوحنا10/37)، أي كما وصفكم كتابكم بأنكم آلهة مجازاً ؛ فأنا كذلك ابن الله مجازاً ، سواء بسواء.
معنى البنوة الصحيح
والمعنى المقصود للبنوة في كل ما قيل عن المسيح عليه السلام وغيره إنما هو معنى مجازي بمعنى: حبيب الله، أو مطيع الله، أو المؤمن بالله.
لذلك قال مرقس وهو يحكي عبارة قائد المائة الذي شاهد المصلوب وهو يموت فقال: "حقاً كان هذا الإنسان ابن الله" (مرقس 15/39).
ولما حكى لوقا القصة نفسها أبدل العبارة بمرادفها فقال: "بالحقيقة كان هذا الإنسان بارّاً" (لوقا 23/47).
ومثل هذا الاستخدام وقع من يوحنا حين تحدث عن أولاد الله المؤمنين، فقال: "وأما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله. أي المؤمنون باسمه" (يوحنا 1/12)، ونحوه في قول بولس: "كل الذين ينقادون بروح الله فأولئك هم أبناء الله" (رومية 8/14).
ومثله قول يوحنا: "الذي يسمع كلام الله من الله" (يوحنا 8/47).
ومثل هذا الإطلاق المجازي للبنوة معهود في الكتب المقدسة التي تحدثت عن أبناء الشيطان، وأبناء الدهر (الدنيا) .. (انظر يوحنا 8/44، لوقا 16/8).
هل ادعى المسيح بنوة حقيقة تجعله معادلاً لله؟
ومما يحتج به النصارى على ألوهية المسيح زعمهم أنه جعل نفسه معادلاً لله، فقد قال يوحنا: "كان اليهود يطلبون أكثر أن يقتلوه، لأنه لم ينقض السبت فقط؛ بل قال أيضاً أن الله أبوه، معادلاً نفسه بالله" (يوحنا 5/18)، ولا ريب أن بتر النص وعرضه بهذه الطريقة يجعله دليلاً ينطلي على البسطاء، فكلام يوحنا المبتور من سياقه يشير إلى أن المسيح جعل نفسه معادلاً لله، وهذا غير صحيح.
ولفهم النص نعود إلى السياق، حيث شفى المسيح مريضاً في يوم السبت، وهو ما اعتبره اليهود نقضاً للسبت، فـ "كان اليهود يطردون يسوع، ويطلبون أن يقتلوه، لأنه عمل هذا في سبت" (يوحنا 5/16)، لكن المسيح برر لهم عمله في السبت "فأجابهم يسوع: أبي يعمل حتى الآن، وأنا أعمل" (يوحنا 5/17)، أي كما الله يعمل في سائر الأيام؛ أنا كذلك أصنع الخير.
لكن اليهود وهم يريدون أن يثيروا مشكلة مع المسيح؛ اعتبروا قوله: "أبي يعمل" تعظيماً لنفسه وادعاءً للبنوة الحقيقية، فهذا القول (البنوة) - المعهود على المعنى المجازي لديهم - اعتبروه من المسيح كفراً وتجديفاً، وأن معناه أنه "معادلاً نفسه بالله"، فزاد حرصهم على قتله "فمن أجل هذا كان اليهود يطلبون أكثر أن يقتلوه، لأنه لم ينقض السبت فقط، بل قال أيضاً: إن الله أبوه معادلاً نفسه بالله" (يوحنا 5/18).
فرد عليهم المسيح بخطبة طويلة (انظر يوحنا 5/19-47) أكد فيها جملة من المعاني التي تدفع فريتهم، وتكشف زيف ادعائهم، وتفند استدلال النصارى بهذا النص على ألوهيته، ولسوف نستخلص هذه المعاني من كلام المسيح، ونرتبها حسب موضوعها:
أولاً: أكد المسيح تبعيته للأب حين عمل في السبت، فإنه لا يعمل عملاً إلا وهو موافق فيه ربه "فأجاب يسوع وقال لهم: الحق الحق أقول لكم: لا يقدر الابن أن يعمل من نفسه شيئاً إلا ما ينظر الآب يعمل، لأن مهما عمل ذاك فهذا يعمله الابن كذلك" (يوحنا 5/19).
ثانياً : تحدث عن أمور عظيمة دفعها الله إليه " لأنه كما أن الآب يقيم الأموات ويحيي، كذلك الابن أيضاً يحيي من يشاء، لأن الآب لا يدين أحداً، بل قد أعطى كل الدينونة للابن ... لأنه كما أن الآب له حياة في ذاته، كذلك أعطى الابن أيضاً أن تكون له حياة في ذاته، وأعطاه سلطاناً أن يدين أيضاً" (يوحنا 5/21-27)، لكن هذه العطايا جميعاً أعطيت له من الله، ولا يعني ذلك أنه إله، فالإله يصنع هذا كله من نفسه، ومن غير أن يدفع إليه أحد سلطانه.
لقد أوضح المسيح أن هذه العطايا لن تجعله إلهاً، لماذا؟ لأنها دفعت إليه مع اعتبار إنسانيته، لا ألوهيته ، يقول: " وأعطاه سلطاناً أن يدين أيضاً لأنه ابن الإنسان" (يوحنا 5/27)، وليس لأنه ابن الله.
وأكد المسيح على أنه ليس له سلطان من نفسه، وأنه لا يقدر على شيء إلا إذا أقدره الله عليه "أنا لا أقدر أن أفعل من نفسي شيئاً، كما أسمع أدين، ودينونتي عادلة، لأني لا أطلب مشيئتي، بل مشيئة الآب الذي أرسلني" (يوحنا 5/30)، نعم لأنه ابن الإنسان، وليس لأنه ابن الله بالطبيعة أو الأقنوم الثاني المتجسد في الناسوت كما زعمت المجامع الكنسية.
وهذا السلطان العظيم دفعه الله إليه، لأمرين: أولهما: " لأن الآب يحب الابن، ويريه جميع ما هو يعمله" ، وثانيهما: ليثبت دعواه بالنبوة، فيتعجبوا ويؤمنوا به ويكرموه "وسيريه أعمالاً أعظم من هذه لتتعجبوا أنتم .... لكي يكرم الجميع الابن كما يكرمون الآب، من لا يكرم الابن لا يكرم الآب الذي أرسله ... لأن الأعمال التي أعطاني الآب لأكملها، هذه الأعمال بعينها التي أنا أعملها؛ هي تشهد لي أن الآب قد أرسلني" (يوحنا 5/20، 23، 36).
ثالثاً: أكد المسيح شهادة الله له بالصدق، فقال: "إن كنت أشهد لنفسي فشهادتي ليست حقاً، الذي يشهد لي هو آخر، وأنا أعلم أن شهادته التي يشهدها لي هي حق ... والآب نفسه الذي أرسلني يشهد لي، لم تسمعوا صوته قط ولا أبصرتم هيئته" (يوحنا 5/31-37).
وهذه الشهادة مسجلة في الكتب السابقة التي كانت تشهد له "فتشوا الكتب، لأنكم تظنون أن لكم فيها حياة أبدية، وهي التي تشهد لي ... لو كنتم تصدقون موسى لكنتم تصدقونني، لأنه هو كتب عني" (يوحنا 5/39، 47)، ولا يوجد في شيء من كتب موسى التي تحمل شهادة الله المقبولة عند المسيح واليهود، لا يوجد في شيء منها البشارة بإله يتجسد ويصلب، بل كانت تشهد بمجيء نبي كريم، ألا يزعمون بأن موسى بشّر بالمسيح حين قال: "أقيم لهم نبياً من وسط إخوتهم مثلك" (التثنية 18/18)؟
وممن شهد للمسيح بالحق النبيُّ العظيم يوحنا المعمدان، لكن المسيح يستغني عن هذه الشهادة الصادقة من المعمدان بشهادة الله المسجلة في كتبهم التي يؤمنون بها " أنتم أرسلتم إلى يوحنا فشهد للحق، وأنا لا أقبل شهادة من إنسان ... وأما أنا فلي شهادة أعظم من يوحنا" (يوحنا 5/33-36)، وليس في كلام المعمدان عن المسيح ما يشير إلى ألوهية المسيح، بل أرسل يسأل المسيح إن كان هو المسيح المنتظر الذي تنتظره اليهود أم لا؟ (انظر متى 11/3).
رابعاً: أكد المسيح المغايرة بينه وبين الله حين قال: "لأن الآب يحب الابن، ويريه جميع ما هو يعمله .. الذي يشهد لي هو آخر .. والآب نفسه الذي أرسلني يشهد .. لا تظنوا أني أشكوكم إلى الآب" (يوحنا 5/20، 32، 37، 45)، فكل هذا يشهد بأن المسيح غير الله، فالمحبوب غير المحِب، والشاهد غير الذي يُشهد له، والمرسِل غير المرسَل، والشاكي غير المشتكى إليه.
خامساً: أخبر المسيح اليهود أن الإيمان به والتصديق بكلامه هو سبيل الحياة الأبدية "الحق الحق أقول لكم: إن من يسمع كلامي ويؤمن بالذي أرسلني فله حياة أبدية، ولا يأتي إلى دينونة، بل قد انتقل من الموت إلى الحياة" (يوحنا 5/24).
وأما الذين لا يؤمنون به فسيصدق فيهم قول المسيح: "ولا تريدون أن تأتوا إليّ لتكون لكم حياة .. ولكني قد عرفتكم أن ليست لكم محبة الله في أنفسكم، أنا قد أتيت باسم أبي، ولستم تقبلونني، إن أتى آخر باسم نفسه فذلك تقبلونه، كيف تقدرون أن تؤمنوا وأنتم تقبلون مجداً بعضكم من بعض، والمجد الذي من الإله الواحد لستم تطلبونه؟" (يوحنا 5/40-44).
وهكذا نرى بأن المسيح لم يجعل نفسه معادلاً للإله الواحد الحق، ولا ادعى أن ما أوتيه من سلطان من عند نفسه، بل أقر بأنه عطية الله التي أكرمه بها.
بكورية المسيح بين الأبناء
لكن النصارى يرون تميزاً مستحقاً للمسيح في بنوته عن سائر الأبناء، فهم لا ينازعون في صحة الإطلاق المجازي عندما ترد لفظ البنوة بحق سائر المخلوقات.
لكن النـزاع إنما يكمن في تلك الأوصاف التي أطلقت على المسيح ويثبتها النصارى على الحقيقة محتجين بأمور، منها: أنه قد جاء وصف المسيح بأنه الابن البكر أو الوحيد لله. (انظر عبرانيين 1/6، يوحنا 3/18) أو أنه سمي ابن الله العلي ( انظر لوقا 1/32، 76)، أو أنه ابن ليس مولوداً من هذا العالم كسائر الأبناء، بل هو مولود من السماء، أو من فوق. (انظر يوحنا 1/18).
ولكن ذلك كله تثبت النصوص أمثاله لأبناء آخرين.
فالبكورية وصف بها إسرائيل: " إسرائيل ابني البكر" (الخروج 4/22-23).
وكذا إفرايم "لأني صرت لإسرائيل أباً، وإفرايم هو بكري" (إرميا 31/9).
وكذا داود "هو يدعوني: أنت أبي وإلهي وصخرة خلاصي، وأنا أيضاً أجعله بكراً، فوق ملوك الأرض علياً" (المزمور 89/26-27).
ولئن قيل في المسيح أنه ابن الله العلي، فكذلك سائر بني إسرائيل "وبنو العلي كلكم" (المزمور 82/6).
وكذا تلاميذ المسيح فهم أيضاً بنو العلي " أحبوا أعداءكم ... فيكون أجركم عظيماً، وتكونوا بني العلي" (لوقا 6/35).
الابن النازل من السماء
وتعلق مؤلهو المسيح بما ذكرته الأناجيل عن المسيح الذي أتى من فوق أو من السماء، و"الذي يأتي من فوق هو فوق الجميع" (يوحنا 3/31)، وهم يرون صورة ألوهيته مشرقة في قوله: " أماأنا فمن فوق. أنتم من هذا العالم، أما أنا فلست من هذا العالم" (يوحنا 8/23)، فدل ذلك - وفق رأي النصارى - على أنه كائن إلهي فريد، وهو ابن لا كسائر الأبناء.
لكن المقصود من المجيء السماوي هو إتيان المواهب والشريعة لا إتيان الذات، وهو أمر يستوي به مع سائر الأنبياء، ومنهم يوحنا المعمدان فقد سأل المسيح اليهود: "معمودية يوحنا من أين كانت من السماء؟ أم من الناس؟ ففكروا في أنفسهم قائلين: إن قلنا من السماء، فيقولوا لنا: فلماذا لم تؤمنوا به؟ وإن قلنا: من الناس، نخاف من الشعب..." (متى 21/25-26).
وأما النازلون على الحقيقة من السماء فهم كثر، ولا تعتبر النصارى أيا منهم آلهة، منهم الملائكة، "لأن ملاك الرب نزل من السماء" (متى 28/2).
وكذا صعد أخنوخ إلى السماء "وسار أخنوخ مع الله، ولم يوجد، لأن الله أخذه" (التكوين 5/24)، ومن المعلوم أن "ليس أحد صعد إلى السماء إلا الذي نزل من السماء، ابن الإنسان الذي هو في السماء" (يوحنا 3/13)، فأخنوخ مثله، ولا يقولون بألوهيته.
وكذا إيليا صعد إلى السماء "ففصلت بينهما فصعد إيليا في العاصفة إلى السماء" (الملوك (2) 2/11).
كما تذكر الأناجيل أن التلاميذ، هم أيضاً مولودون من فوق أو من الله، أي هم مؤمنون به، ففي يوحنا: "وأما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله، أي المؤمنون باسمه" (يوحنا 1/12). فالمقصود بالولاد؛ الولاد الروحي، بحيث يتغير قلب الإنسان الخاطئ تغيراً عظيماً كاملاً مستمراً، كأنه ولد ثانية، ويحدث ذلك عند توبته وإيمانه.
والمؤمنون بالمسيح عليه السلام جميعاً مولودون من فوق بما أعطاهم الله من الإيمان، فهم كسائر المؤمنين كما قال المسيح: "الحق الحق أقول لكم: إن كان أحد لا يولد من فوق لا يقدر أن يرى ملكوت الله" (يوحنا 3/3).
وكذا قال: "كل من يؤمن أن يسوع هو المسيح، فقد ولد من الله" (يوحنا (1) 5/1)، فكل "من يصنع البر مولود منه" (يوحنا (1) 2/29).
وقول المسيح عليه السلام: " أما أنا فلست من هذا العالم " ليس دليلاً على الألوهيةبحال، فمراده اختلافه عن سائر البشر باستعلائه على العالم المادي، بل هو من فوق ذلك الحطام الذي يلهث وراءه سائر الناس.
وقد قال مثل هذا القول في حق تلاميذه أيضاً بعد أن لمس فيهم حب الآخرة والإعراض عن الدنيا، فقال: " لو كنتم من العالم لكان العالم يحب خاصته، لكن لأنكم لستم من العالم، بل أنا اخترتكم من العالم، لذلك يبغضكم العالم" (يوحنا 15/19).
وفي موضع آخر قال عنهم: " أنا قد أعطيتهم كلامك، والعالم أبغضهم، لأنهم ليسوا من العالم، كما أني لست من العالم" ( 17/14-15)، فقال في حق تلاميذه ما قاله في حق نفسه من كونهم جميعاً ليسوا من هذا العالم، فلو كان هذا على ظاهره، وكان مستلزماً الألوهية، للزم أن يكون التلاميذ كلهم آلهة، لكن تعبيره في ذلك كله نوع من المجاز، كما يقال: فلان ليس من هذا العالم، يعني أنه لا يعيش للدنيا ولا يهتم بها، بل همُّـهُ دوماً رضا الله والدارالآخرة.
الدكتور منقذ بن محمود السقار
-------------------------------------
([1]) انظر: المسيحية، نشأتها وتطورها، ص (50).
([2]) انظر: يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء، رؤوف شلبي، ص (263-264)، عيسى رسول الإسلام، سليمان مفسر، ص (44-47)، المسيحية، نشأتها وتطورها، ص (50).
(1) شرح إنجيل متى، الأب متى المسكين ، ص (147).
([4]) لقد حرص اليهود على التخلص من المسيح لأسباب من أهمها حسدهم له، وهو ما عبروا عنه حين قالوا: "هوذا العالم قد ذهب وراءه" (يوحنا 12/19)، ولقد أدرك بيلاطس ذلك، فـ "عرف أن رؤساء الكهنة كانوا قد أسلموه حسداً" (مرقس 15/10)، وما محاولات قتله والحكم عليه بذريعة التجديف إلا ستار خبيث لسوء خبيئتهم، وتهم جوفاء ملفقة تخفي سوء طويتهم.
فهرس الكتاب علي صفحة منقذ السقار : الله جل جلاله واحد أم ثلاثة