قل هاتوا برهانكم عقائد وأديان مسيحيات برهانكم للرد علي شبهات النصارى

آباء الكنيسة
 
الباترولوجي
[ الباترولوجي ]

·التثليث عند آباء الرسوليين
·العلامة ترتليانوس والزواج الثاني
·بابياس أسقف هيرابوليس
·بوليكاربس في الميزان
·القديس اغناطيوس الأنطاكي
·القديس أغسطينوس والإرهاب الديني
·الحرب العادلة في فكر أوغسطينوس
·جون كالفن
·الباترولوجي - آباء الكنيسة
·الكذب .. السر الثامن من اسرار الكنيسة
  .  

خربشات صوماليانو
 
خربشاتـــصوماليانو
[ خربشاتـــصوماليانو ]

·سويعات في برية التيه
·الإختلافات العددية في الكتاب المقدس
·البابا شتودة: المسيح لم يقل أنا الله أعبدوني
·بولس الرسول كبير الغنوصيين
·الغنوصية والرهبنة في الأناجيل
·تيري جون وثقافة الحرق
·ديونيسيوس يعقوب السرياني وضياع الأسفار
·سيدعى ناصريا
·التسامح سلاحنا في وجه شنودة
·القمص يوحنا سلامة : البروتستانت حرفوا الكتاب المقدس
·الدوناتستيون
·ثامار الزانية في ظل الشريعة
  .  

الرد علي زكريا بطرس
 
شطحاتــزكريابطرس
[ شطحاتــزكريابطرس ]

·المسيح الجبار
·مسرحية نشيد الإنشاد
·النكاح في الجنة وشطحات زكريا بطرس
·انتهى زكريا بطرس كغيره والإسلام باق
·أحلام زكريا بطرس
·تأملات في نشيد الأناشيد
·نشيد الإنشاد كأشعار رابعة العدوية
·هلوسات زكريا بطرس
·الرد السماوي على زكريا بطرس
·بيان الشيخ الزغبي
·الرب مخلص مسيحه
·زكريا بطرس يبكي علي أطلال قناة الحياة
  .  

صوماليانو
 

تعدد الزوحات لماذا ترعب الكنيسة
البابا غريغوريوس الثاني وتعدد الزوجات
ضيوف الأنبا بيشوي أم أتباع الغزاة
ضمان الخلاص والجنة
العتل الزنيم مرقس عزيز
لا محلل ولا طلاق لأن العصمة في يد الأنبا بولا

  .  

ألوهية المسيح

 - المسيحية

أدلة النصارى على ألوهية المسيح

الدكتور منقذ السقار
تؤمن الفرق النصرانية (1) - رغم اختلافها في طبيعة المسيح - بأن المسيح إله متجسد، وتؤيد دعواها بعشرات النصوص التي وردت في العهد الجديد - وأحياناً - القديم، ويرونها تتحدث عن إلهيته حين سمته رباً وإلهاً أو وسمتْه بـ (ابن لله)، بينما أفادت نصوص أخرى في الكتاب أن الله حل فيه، وأضافت نصوص أخرى إليه القيام بأفعال الله كغفران الذنوب وخلق المخلوقات، ثم كان من أعظم أدلة ألوهيته ما ظهر على يديه من معجزات إلهية كإخباره ببعض الغيب وإحيائه الموتى ...




مدخل إلى مناقشة أدلة النصارى على ألوهية المسيح


وقبل أن نبدأ بمناقشة أدلة النصارى، فإنا نسجل ملاحظات هامة في هذا الباب:
- أنه لا يوجد نص واحد في الكتاب المقدس يصرح فيه المسيح بألوهيته أو يطلب من الناس عبادته، كما لم يعبده أحد من معاصريه ، ولم ينظر إليه هؤلاء إلا كمدع للنبوة، آمن به بعضهم، وكفر بنبوته الأكثرون من اليهود، لكن دعوى ألوهيته لا أساس لها في الكتاب المقدس أو على الأقل في أقوال المسيح وتلاميذه، وفي هذا الصدد تحدى العلامة الشيخ أحمد ديدات كبيرَ قساوسة السويد في مناظرتهما المتلفزة قائلاً: "أضع رأسي تحت مقصلة لو أطلعتموني على نص واحد قال فيه عيسى عن نفسه: أنا إله. أو قال: اعبدوني"، وهيهات أن يجدوه.


والقس فندر يقول في كتابه "مفتاح الأسرار" مبرراً عدم تصريح المسيح بألوهيته في العهد الجديد: "ما كان أحد يقدر على فهم هذه العلاقة والوحدانية قبل قيامه وعروجه…فلو قال صراحة لفهموا أنه إله بحسب الجسم الإنساني ... إن كبار ملة اليهود أرادوا أن يأخذوه ويرجموه، والحال أنه ما كان بيّن ألوهيته بين أيديهم إلا عن طريق الألغاز" ([2]).
ويؤكد هذا المعنى البابا شنودة حيت سئل عن سبب عدم تصريح المسيح بألوهيته، فأجاب: "لو قال عن نفسه إنه إله؛ لرجموه, ولو قال للناس: إعبدوني؛ لرجموه أيضاً وانتهت رسالته قبل أن تبدأ ... إن الناس لا يحتملون مثل هذا الأمر، بل هو نفسه قال لتلاميذه: "عندي كلام لأقوله لكم , ولكنكم لا تستطيعون أن تحتملوا الآن" (يوحنا 16/ 12)"([3]).
والخوف من اليهود لا يقبل نسبته إلى الإله أو حتى للمسيح الذي رأيناه يواجه اليهود مرراً فيقول: "الويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون .. أيها العميان ... لأنكم تشبهون القبور المكلسة، أيها الحيات والأفاعي كيف تهربون من دينونة جهنم" (متى 23/13-34)، فكيف له بعد ذلك أن يغمض على البشرية في إظهار حقيقته، ففي ذلك إضلال وتلبيس.
- أن أحداً من تلاميذ المسيح لم يكن يعتقد ألوهية المسيح، إذ لم يعبده واحد منهم، بل كلهم وجميع معاصري المسيح ما كانوا يعتقدون أكثر من نبوته، وسيمر معنا تفصيله.


- ثم إن أقوى ما يتعلق به النصارى من دليل على لاهوت المسيح المزعوم إنما نجده في إنجيل يوحنا ورسائل بولس، بينما تخلو الأناجيل الثلاثة من دليل واضح ينهض في إثبات ألوهية المسيح، بل خلو هذه الأناجيل عن هذا الدليل هو الذي دفع يوحنا – أو كاتب يوحنا - لكتابة إنجيل عن لاهوت المسيح، فكتب في آخر القرن الميلادي الأول ما لم يكتبه الآخرون قبله، وجاءت كتابته مشبعة بالغموض والفلسفة الغريبة عن بيئة المسيح البسيطة التي صحبه بها العوام من أتباعه.
- عدم الدليل الصحيح الصريح على ألوهية المسيح جعل النصارى يحرفون في طبعات الأناجيل الجديدة، بغية خلق أدلة تسند هذه المعتقدات الغريبة عن الكتاب المقدس.
ومن ذلك إضافتهم نص التثليث الصريح الوحيد في (يوحنا (1) 5/7).
ومثله وقع التحريف في قول بولس: " عظيم هو سر التقوى، الله ظهر في الجسد" (تيموثاوس (1) 3/16) فالفقرة كما قال المحقق كريسباخ: محرفة، إذ ليس في الأصل كلمة "الله"، بل ضمير الغائب "هو" أو "الذي".


ويقول القس جيمس أنِس مبيناً سبب وقوع هذا التحريف وتاريخه: "ومما يرجح صحة قراءة (الذي) عدم ذكر اللاهوتيين القدماء هذه الآية مع الآيات الكثيرة التي أوردوها ليثبتوا لاهوت المسيح، وهم يردون على ضلالة آريوس.
أما سبب تبديل كلمة (الذي) بكلمة (الله) في النسخ اليونانية الحديثة ، فهو ما بين اسم الجلالة (حيث كتبت على صورتها المختصرة بحرفين فقط) [C Θ]، وكلمة (الذي) [C О]من المشابهة في صورة كتابتها، فليس بينهما فرق إلا في خط صغير؛ يقرب من النقطة التي تفرق بين الجيم والحاء في الكتابة العربية .. والراجح أن  النساخ زادوا ذلك الخط الصغير ليوضحوا المعنى في بعض النسخ، فتحولت كلمة (الذي) إلى (الله)، ثم شاع استعماله في كل نسخ القرون المتوسطة؛ خلافاً للنسخ القديمة التي لم يُر فيها إلا كلمة (الذي)" ([4]).
ولو أعدنا قراءة قول بولس حسب القراءة الصحيحة وبعيداً عن التحريف المتعمد للنساخ؛ فإنا نجده متحدثاً عن ظهور التقوى في جسد حي، فأحالته الترجمات الحديثة إلى دليل على التجسد الإلهي في المسيح.
وفي النسخة اليسوعية الكاثوليكية والترجمة العربية المشتركة تم إزالة التحريف وتصحيح النص، ليصبح: "عظيم سر التقوى الذي تجلى في الجسد"، واختفى منها اسم الله تبارك وتعالى، وتغير المعنى، وتلاشت دلالته على ألوهية المسيح.
ومثله تلاعب المترجمون برسالة يهوذا، حيث جاء في النسخة البرتستنتية الأشهر في المسيحية - والتي اعتمدنا عليها في هذه السلسلة - ما يوهم أن المسيح هو "القادر أن يحفظكم غير عاثرين، ويوقفكم أمام مجده بلا عيب في الابتهاج، الإله الحكيم الوحيد، مخلّصنا، له المجد والعظمة والقدرة والسلطان الآن وإلى كل الدهور" (يهوذا 1/24-25)، والصحيح أن النص يتحدث عن الله المخلص، الذي يخلص بالمسيح ، وليس عن المسيح، فالقراءة كما في نسخة الرهبانية اليسوعية الكاثوليكية : "للإلهِ الواحد مخلصِنا- بيسوع المسيح ربِنا - المجدُ والجلال والعزة والسلطان"، والنص في النسخة البرتستنتية حذف اسم المسيح، ليوهم أنه صاحب الخلاص ، وليس واسطة الخلاص، وأنه "الإله الحكيم الوحيد"، بينما النص الكاثوليكي يتحدث عن الله "الإله الواحد مخلصنا".


وثالثة الأثافي التلاعب بعبارة بولس في سفر أعمال الرسل، حيث زعموا أنه قال: " لترعوا كنيسة الله التي اقتناها بدمه" (أعمال 20/28)، وعليه فالمسيح هو الله الذي اقتنى الكنيسة بدمه، وقد قال أغناطيوس: "دعي يسوع المسيح إلهاً، وقيل في دمه: إنه دم الله" ([5]).
وهذه القراءة لا يسلم بصحتها ودقّتها، وقد أشار إلى ذلك محققو الرهبانية اليسوعية في حاشية النص إلى تعدد قراءات النص في المخطوطات، فقالوا: "قراءات مختلفة: "كنيسة الرب (يسوع)"، أو "(يسوع) المسيح"، أو "الرب"، أو "الرب (و) الله".
ويبينه القمص تادرس يعقوب ملطي في تفسيره بقوله: "جاء تعبير (كنيسة الله) هنا في كثير من المخطوطات ، خاصة السريانية: (كنيسة الرب)" ([6]).
وهكذا ترك طابعو الكتاب تلك القراءات وما في تلك المخطوطات الكثيرة، واختاروا ما يحلو لهم، وذلك في خضم تخبطهم وبحثهم عن أدلة يسندون فيها دعواهم بألوهية المسيح.
ويجدر التنبيه إلى أن بعض النسخ الإنجليزية كنسخة (Good News Bible) ونسخة (Contemporary English Version)، وغيرها يقول: " through the blood of his Son" أي اقتناها بدم ابنه.فيفرق بين صاحب الكنيسة (الله او الرب) وابنه صاحب الدم.
لقد لجؤوا إلى التحريف حين أعياهم أن يجدوا دليلاً صحيحاً في دلالته على ألوهية المسيح عليه الصلاة والسلام.
وهذي يدي ممدودة إليك - أخي الباحث عن الحقيقة - لندرس معاً بحيادية وموضوعية أدلة النصارى الكتابية التي زعموا أنها دالة على ألوهية السيد المسيح عليه الصلاة والسلام.
 

أولاً : نصوص نسبت إلى المسيح الألوهية والربوبية


يستمسك النصارى بالألفاظ التي أطلقت على المسيح u لفظ الألوهية والربوبية، ويرونها دالة على ألوهيته، وفي أولها أنه سمي (يسوع)، وهي كلمة عبرانية أصلها: يهوه خلاص، ومعناها: (الله خلَّص) .
كما احتجوا بما اعتبروه نبوءة عن المسيح في سفر إشعيا: "لأنه يولد لنا ولد، ونعطى ابناً، وتكون الرياسة على كتفه، ويدعى اسمه عجيباً مشيراً إلهاً قديراً أباً أبدياً رئيس السلام، لنمو رياسته وللسلام، لا نهاية على كرسي داود وعلى مملكته، ليثبتها ويعضدها بالحق والبر من الآن إلى الأبد" (إشعيا 9/6)، فالمسيح سيدعى إلهاً.
كذا استمسكوا بقول داود في عن القادم المبشَر به بالنبوات أنه ربه أو سيده: "قال الرب لربي: اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك، يرسل الرب قضيب عزك من صهيون، تسلط في وسط أعدائك، شعبك منتدب في يوم قوتك، في زينة مقدسة، من رحم الفجر لك طل حداثتك، أقسم الرب ولن يندم: أنت كاهن إلى الأبد على رتبة ملكي صادق"(المزمور 110/ 1-4)، فسماه داود رباً.
يقول القس الدكتور إبراهيم سعيد: "كل من يلقي نظرة على المزمور 110 ولا يقتنع بلاهوت المسيح ؛ لابد أن يكون واحداً من اثنين: إما أن يكون جاهلاً قد بسطت الغباوة غشاوة على عينيه، فلا يقدر أن يرى، أو أن يكون مكابراً قد طمس العناد قلبه فلا يريد أن يرى" ([7]).
كما يرى النصارى نبوءة أخرى دالة على ألوهية المسيح في قول إشعيا: "لكن يعطيكم السيد نفسه آية، ها العذراء تحبل وتلد ابناً، وتدعو اسمه: عمانوئيل" (إشعيا 7/14)، فكلمة (عمانويل) تعني: الله معنا.
ويرون تحقق النبوءة بالمسيح كما في بشارة الملاك ليوسف النجار خطيب مريم "فستلد ابناً وتدعو اسمه يسوع، لأنه يخلّص شعبه من خطاياهم. وهذا كله كان لكي يتم ما قيل من الرب بالنبي القائل: هوذا العذراء تحبل وتلد ابناً، ويدعون اسمه عمانوئيل، الذي تفسيره الله معنا" (متى 1/18-23)، فتسمية المسيح (الله معنا) دليل - عند النصارى - على ألوهيته.
 ومثله جاء في العهد الجديد قول بولس : "المسيح حسب الجسد الكائن على الكل إلهاً مباركاً إلى الأبد" (رومية 9/5)، ومثله قول توما للمسيح: "ربي وإلهي" (يوحنا 20/28).
 كما قال بطرس له: "حاشاك يا رب" (متى 16/22)، وقال أيضاً: "هذا هو رب الكل" (أعمال 10/36).
 وجاء في سفر الرؤيا عن المسيح: " وله على ثوبه وعلى فخذه اسم مكتوب : ملك الملوك ورب الأرباب" (الرؤيا 17/14) وغير ذلك من النصوص مما أطلق على المسيح كلمة رب أو إله، فدل ذلك عندهم على ألوهيته وربوبيته.


الأسماء والألقاب لا تفيد ألوهية أصحابها


لكن هذه الإطلاقات من أسماء وألقاب ما كان لها أن تجعل من المسيح رباً وإلهاً، إذ كثير منها ورد في باب التسمية، وتسمية المخلوق إلهاً لا تجعله كذلك. فقد سمي بولس وبرنابا آلهة لما أتيا ببعض المعجزات "فالجموع لما رأوا ما فعله بولس رفعوا أصواتهم قائلين: إن الآلهة تشبهوا بالناس ونزلوا إلينا" (أعمال 14/11)، فقد كان من عادة الرومان تسمية من يفعل شيئاً فيه نفع للشعب (إلهاً)، ولا تغير التسمية في الحقيقة شيئاً، ولا تجعل من المخلوق إلهاً، ولا من العبد الفاني رباً وإلهاً.
 فلئن سمي المسيح (يسوع)، ومعناه (الله خلص) فإن إسماعيل عليه السلام سمي بهذا الاسم العبراني، ومعناه: (الله يسمع)، ومثله الملك يهوياقيم أي: (الله يرفع)، ويهوشع (الرب خلص)، وغيرهم … ولم تقتضِ أسماؤهم ألوهيتَهم ولا ربوبيتهم.
وجاء في سفر الرؤيا: "من يغلب فسأجعله في هيكل إلهي، ولا يعود يخرج إلى خارج، وأكتب عليه اسم إلهي واسم مدينة إلهي - أورشليم الجديدة - النازلة من السماء من عند إلهي واسمي الجديد" (الرؤيا 3/12).
 وجاء في التوراة: "فيجعلون اسمي على بني إسرائيل" (العدد 6/27)، ومع ذلك ليسوا آلهة.


هل سمي المسيح (الرب) و(الإله)؟


 بداية، لا يسلم المسلمون بصحة صدور كثير من تلك العبارات الصريحة في تسمية المسيح بالرب أو الإله، والتي يزعم العهد الجديد أنها صدرت من التلاميذ، فلقد كانت هذه المواضع محلاً للتحريف المقصود والمتعمد كما وقع في (يوحنا (1) 5/7-8)، كما قد يقع التحريف فيها بسبب سوء الترجمة وعدم دقتها، فكلمة "الرب" التي ترد كثيراً في التراجم العربية كلقب للمسيح هي في التراجم الأجنبية بمعنى: "السيد" أو "المعلم"، فالمقابل لها في الترجمة الإنجليزية هو كلمة: "lord"، ومعناها: السيد، وفي الترجمة الفرنسية: "le mait"، ومعناها: المعلم، وهكذا في سائر التراجم كالألمانية والإيطالية والأسبانية.
وما أتت به الترجمة العربية ليس بجديد، بل هو متفق مع طبيعة اللغة التي نطق بها المسيح ومعاصروه، فكلمة: "رب" عندهم تطلق على المعلم، وتفيد نوعاً من الاحترام والتقدير فحسب.
ففي إنجيل يوحنا أن تلاميذ المسيح كان يخاطبونه: "يا رب"، ومقصودهم: يا معلم، فها هي مريم المجدلية تلتفت إليه وتقول: "ربوني الذي تفسيره: يا معلم ... وأخبرت التلاميذ أنها رأت الرب" (يوحنا 20/16-17)، فغاية ما تعتقده فيه أنه نبي معلم، وذلك لم يمنعها من أن تسميه (ربوني) أو (الرب)، بمعنى السيد.
 كما خاطبه اثنان من تلاميذه بقولهما: "رب الذي تفسيره: يا معلم" (يوحنا 1/38).
ولم يخطر ببال أحد من التلاميذ المعنى الاصطلاحي لكلمة (الرب) حين أطلقوها على المسيح، فقد كانوا يريدون: المعلم والسيد، ولذلك لم يستنكفوا عن تشبيهه بيوحنا المعمدان حين قالوا له: "يا رب علمنا أن نصلي كما علم يوحنا تلاميذه" (لوقا 11/1).
واستعمال لفظة (الرب) بمعنى : (السيد)، شائع في اللغة اليونانية التي كتبت بها أسفار العهد الجديد، يقول ستيفن نيل: "إن الكلمة اليونانية الأصلية التي معناها: (رب) يمكن استعمالها كصيغة للتأدب في المخاطبة، فسجَّان فلبي يخاطب بولس وسيلة بكلمة: "(سيدي) أو (ربي)، يقول سفر الأعمال: " أخرجهما وقال: يا سيدي ماذا ينبغي أن أفعل لكي أخلص؟ فقالا: آمن بالرب يسوع المسيح، فتخلص أنت وأهل بيتك" (أعمال 16/30) ... وكانت اللفظة لقباً من ألقاب الكرامة...".
ومما يؤكد صحة هذا التأويل أن بولس يصف المسيح بـ (الرب)، ولا يمنعه ذلك من جعله في مقام العبودية لله "كي يعطيكم إلهُ ربِنا يسوعَ المسيح، أبو المجد، روحَ الحكمةِ والإعلان في معرفته" (أفسس 1/17).


قول توما: "ربي وإلهي"


وأما قول توما للمسيح "ربي وإلهي" فهو لم يقع منه في مقام الخطاب للمسيح، بل لما رأى المسيح حياً، وقد كان يظنه ميتاً استغرب ذلك، فقال متعجباً: "ربي وإلهي!" (يوحنا 20/28)، بدليل علامة التعجب التي يضعها الطابعون بعد قول توما "ربي وإلهي!"، فهي تزين غالب الترجمات العربية والأجنبية للنص.
وهذا المعنى التعجبي لقول توما قد يكون غامضاً في الترجمة العربية ، لكنه واضح في الأصول اليونانية، وفيها ما يقرأ بالحروف الإنجليزية هكذا: "apok-ree’-nom-ahee" ويعني: (كانت ردة فعله)، أي قوله: "ربي وإلهي".
ومما يؤكد صحة هذا الفهم أن المسيح أخبر في نفس السياق بأنه سيصعد إلى إلهه. (انظر يوحنا 20/17)، وعليه فالألوهية هنا لو أريد بها المسيح فهي مجازية غير حقيقية.
وقد يشكل على البعض في قوله: "أجاب توما وقال له: ربي وإلهي" (يوحنا 20/28)، فيرى أن هذه الصيغة لم ترد في باب الاستغراب، بل في باب الخطاب المباشر للمسيح بلقب الألوهية، بدليل قول يوحنا: "وقال له".


والحق أن لفظة (له) لم توردها معظم تراجم النص العربية، ولو فرضنا أصالتها فإنما تعني (قال لأجله أو لأجل ما رأى منه)، ولها مثيل في الكتاب في سفر صموئيل، حيث دعا النبي يوناثان الله من أجل داود، بينما يفهم من ظاهر السياق أن الحديث موجه إلى داود، وهو في الحقيقة دعاء لله من أجل داود، يقول سفر صموئيل: "وقال يوناثان لداود: يا ربُ إله إسرائيل، متى اختبرت أبي مثل الآن غداً أو بعد غد؛ فإن كان خير لداود ولم أُرسل حينئذ فأخبره" (صموئيل (1) 20/12)، فهو نداء لله، والسياق يقول: "وقال يوناثان لداود "، أي لأجله.
ثم لو فهم المسيح من كلام توما أنه أراد ألوهيته لما سكت عليه الصلاة والسلام عن مثل هذا الكفر والتجديف، فقد رفض عليه السلام أن يدعى صالحاً، لما ناداه بعض تلاميذه: " أيها المعلم الصالح... فقال له: لماذا تدعوني صالحاً؟ ليس أحد صالحاً إلا واحد، وهو الله " (متى 19/17)، فمن رفض دعاءه بـ"المعلم الصالح" كيف نتصور أن يقبل دعاءه "ربي وإلهي"؟


قول داود : "قال الرب لربي"


وأما الاستدلال بقول داود في المزامير "قال الرب لربي: اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك"(المزمور 110/ 1)، فهو خروج بالنص عن معناه، لأن قول داود لا يراد به المسيح بحال من الأحوال، بل المراد منه المسيح المنتظر، الذي وعد به بنو إسرائيل، وهو نبينا r.
 وقد أخطأ بطرس – والنصارى من بعده - حين فهم أن النص يراد به المسيح، فقال: "لأن داود لم يصعد إلى السموات. وهو نفسه يقول: قال الرب لربي: اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك. فليعلم يقيناً جميع بيت إسرائيل أن الله جعل يسوع هذا الذي صلبتموه أنتم رباً ومسيحاً" (أعمال 2/34-37).
ودليل الخطأ في فهم بطرس وفهم النصارى من بعده، أن عيسى عليه السلام أنكر أن يكون هو المسيح الموعود على لسان داود، وبرهن لهم ذلك حين "سألهم يسوع قائلاً: ماذا تظنون في المسيح (أي من هو المسيح الذي تنتظره اليهود؟)، ابن من هو؟ قالوا له: ابن داود".
لقد كانت إجابتهم خاطئة، فالمسيح القادم ليس من ذرية داود، لذا رد عليهم المسيح، فـ "قال لهم: فكيف يدعوه داود بالروح رباً قائلاً: قال الرب لربي: اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك؟ فإن كان داود يدعوه رباً فكيف يكون ابنه؟ فلم يستطع أحد أن يجيبه بكلمة، ومن ذلك اليوم لم يجسر أحد أن يسأله بتة" (متى 22/41-46)، لم يستطيعوا جوابه لأن حجته مقنعة ، فالأب لا يقول عن ابنه "ربي".
فالمسيح حسب إنجيلي متى ولوقا من ذرية داود عليه السلام، وعليه فليس هو المسيح المنتظر الذي ناداه داود: "ربي"، لأن الأب لا يقول ذلك لابنه "فإن كان داود يدعوه رباً فكيف يكون ابنه! ".
 ولمزيد من الإيضاح ننقل حوار المسيح مع الفريسيين برواية مرقس، فقد سألهم المسيح: " كيف يقول الكتبة أن المسيح ابن داود؟ لأن داود نفسه قال بالروح القدس: قال الرب لربي: اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك. فداود نفسه يدعوه رباً، فمن أين هو ابنه؟! " (مرقس 12/35-36)، كان سؤالاً استنكارياً أعياهم أن يجدوا له جواباً.
والقصة ذكرها لوقا أيضاً في إنجيله، ليزيد يقيننا بصحة المعنى الذي انتهينا إليه: "وقال لهم: كيف يقولون أن المسيح ابن داود، وداود نفسه يقول في كتاب المزامير: قال الرب لربي: اجلس عن يميني، حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك؟ فإذا داود يدعوه رباً، فكيف يكون ابنه؟!" (لوقا 20/40-44)، فالمسيح (المنتظر) المبشر به الذي يناديه داود: "ربي" ليس عيسى عليه السلام، الذي لا يختلف النصارى في أنه كان من ذرية داود كما جاء في نسَبيه في متى ولوقا.
وبعد هذا البيان من المسيح عليه السلام، نسأل الدكتور القس إبراهيم سعيد: هل ما زال مصراً على اتهامنا بالجهل والمكابرة لأننا لا نرى النص نبوءةً عن المسيح u.
البشارة بـ (عمانوئيل)


وأما ما جاء في إشعيا من التنبؤ بقدوم (عمانوئيل)، فهو نص لا علاقة له بالمسيح، الذي لم يتسم بهذا الاسم أبداً، ولم ينادَ به إطلاقاً.
ولو عدنا إلى القصة في سفر إشعيا لوجدنا أنها تتحدث عن قصة حصلت قبل المسيح بسبعة قرون، حين تآمر راصين ملك أدوم مع فقح بن رمليا ملك مملكة إسرائيل الشمالية على آحاز ملك مملكة يهوذا الجنوبية، فأعلمه الله بانتصاره على أعدائه وزوال الشر عن مملكة يهوذا ، وجعل له علامة على ذلك ، ميلاد الطفل (عمانوئيل) ليكون ذلك إيذاناً بخراب مملكتي راصين وفقح على يد الآشوريين، وموت الملكين المتآمرين على آحاز، يقول إشعيا: " ثم عاد الرب فكلم آحاز قائلاً:.. ولكن يعطيكم السيد نفسه آية. ها العذراء تحبل وتلد ابناً، وتدعو اسمه عمانوئيل. زبداً وعسلاً يأكل.
 متى عرف أن يرفض الشر ويختار الخير، لأنه قبل أن يعرف الصبي أن يرفض الشر ويختار الخير، تخلى الأرض التي أنت خاش من ملِكَيها (راصين وفقح)، يجلب الرب عليك وعلى شعبك وعلى بيت أبيك أياماً لم تأتِ منذ يوم اعتزال أفرايم عن يهوذا أي ملك أشور.
 ويكون في ذلك اليوم أن الرب يصفر للذباب الذي في أقصى ترع مصر وللنحل الذي في أرض أشور ... وقال لي الرب: خذ لنفسك لوحاً كبيراً، واكتب عليه بقلم إنسان: لمهير شلال حاش بز ... فحبلت وولدت ابناً، فقال لي الرب: ادعو اسمه: مهير شلال حاش بز، لأنه قبل أن يعرف الصبي أن يدعو: يا أبي ويا أمي تحمل ثروة دمشق وغنيمة السامرة قدام ملك أشور" (إشعياء 7/10- 8/4)، فالنص يتعلق بأحداث حصلت قبل المسيح بسبعة قرون، وذلك إبان الغزو الآشوري لفلسطين، وقد ولد هذا الغلام، وسماه أبوه (مهير شلال حاش بز)، تيمناً بانتصار الملِك آحاز، فاسمه يعني: (مُسرع إلى السلب مقدِم إلى النهب)، لأن الله معه ([8]).


وقد تحققت هذه النبوءة، وتحقق النصر للملك آحاز بمجيء الملك الآشوري وتسلطه على الملِكين الغازيين المتآمرين على مملكة يهوذا" ثم عاد الرب يكلمني أيضاً قائلاً: .. هوذا السيد يصعد عليهم مياه النهر القوية والكثيرة ملك أشور وكل مجده، فيصعد فوق جميع مجاريه، ويجري فوق جميع شطوطه، ويندفق إلى يهوذا، يفيض ويعبر، يبلغ العنق، ويكون بسط جناحيه ملء عرض بلادك يا عمانوئيل، هيجوا أيها الشعوب، وانكسروا، واصغي يا جميع أقاصي الأرض، احتزموا وانكسروا، احتزموا وانكسروا، تشاوروا مشورة فتبطل، تكلموا كلمة فلا تقوم، لأن الله معنا" (إشعيا 8/5-10).


يقول محققو قاموس الكتاب المقدس عن الملك آحاز: " وقد تحالف رصين ملك آرام وفقح بن رمليا ملك إسرائيل ضد آحاز وحاصراه في أورشليم (2ملوك 16: 5، اش 7: 1) فأرسل الرب إليه النبي أشعيا قبل وصول القوات الغازية، ليحثه على وجوب الاتكال على الرب وعدم دعوة قوات أجنبية لمعونته، ولكنه لم يؤمن بقول الرب، ورفض أن يطلب آية علامة منه. عندئذ نطق النبي بنبوته المشهورة الخاصة بميلاد عمانوئيل ( اش 7: 1-16)" ([9]).


ويجدر بالذكر أن النص الذي ذكره لوقا استخدم فيه ترجمة محرفة من سفر إشعيا، إذ لا ذكر لـ (العذراء) في الأصول العبرانية ولا في التراجم القديمة للتوراة مثل ترجمة أكيلا، وترجمة ثيودوستن، وترجمة سيماخوس التي تعود إلى القرن الميلادي الثاني ، فالأصول العبرانية تتحدث عن (عَلماه)، التي تعني: الصبية أو الشابة، وليس فيها أي ذكر للفظة العذراء (بتولّا)، التي ابتدعها مترجمو الترجمة السبعينية، ونقلها عنهم الإنجيليون لموافقتها لهواهم ([10]).
وفي النسخة المنقحة (R.S.V) الصادرة عام 1952م استبدلت كلمة (العذراء) في إشعيا بكلمة (الصبية)، ولكن هذا التنقيح لا يسري سوى على الترجمة الإنجليزية ([11]).
الإله الابن صاحب الرئاسة


وبخصوص نبوءة النبي إشعيا " يولد لنا ولد، ونعطى ابناً، وتكون الرياسة على كتفه، ويدعى اسمه عجيباً مشيراً إلهاً قديراً أباً أبدياً رئيس السلام، لنمو رياسته وللسلام، لا نهاية على كرسي داود وعلى مملكته، ليثبتها ويعضدها بالحق والبر من الآن إلى الأبد" (إشعيا 9/6)، فإن أياً من هذه الأسماء لم يتسم به المسيح u، فأين سمي عجيباً أو مشيراً أو قديراً أو أباً أو رئيس السلام، فليس في الكتاب المقدس نص يذكر أنه سمي بأي من هذه الأسماء.
فإن قالوا: المراد أن هذه صفات هذا الابن الموعود، فهي أيضاً لا تنطبق على المسيح بحال، فهي تتحدث عن نبي غالب منتصر يملك على قومه، ويكون وارثاً لملك داود، وكل هذا ممتنع في حق المسيح، ممتنع بدليل الواقع والنصوص.


فالمسيح u لم يملك على قومه يوماً واحداً، بل كان فاراً من بني إسرائيل، خائفاً من بطشهم، كما هرب من قومه حين أرادوه أن يملك عليهم. "وأما يسوع فإذ علم أنهم مزمعون أن يأتوا ويختطفوه ليجعلوه ملكاً، انصرف أيضاً إلى الجبل وحده" (يوحنا 6/15).
لقد هرب منهم، وذلك لأن مملكته ليست دنيوية زمانية، ليست على كرسي داود، بل هي مملكة روحية في الآخرة "أجاب يسوع: مملكتي ليست من هذا العالم، لو كانت مملكتي من هذا العالم لكان خدامي يجاهدون لكي لا أسلّم إلى اليهود، ولكن الآن ليست مملكتي من هنا" (يوحنا 18/36).
كما أن إشعيا يتحدث عن رئيس السلام، وهو لا ينطبق بحال على الذي نسبت إليه الأناجيل أنه قال: " لا تظنوا أني جئت لألقي سلاماً على الأرض، ما جئت لألقي سلاماً، بل سيفاً، فإني جئت لأفرق الإنسان ضد أبيه، والابنة ضد أمها، والكنّة ضد حماتها، وأعداء الإنسان أهل بيته " (متى 10/34 - 36)، فهل يسمى المسيح الإنجيلي بعد ذلك رئيس السلام؟
ثم إن النبي إشعيا يتحدث عن شخص قدير "ويدعى اسمه عجيباً مشيراً إلهاً قديراً "، وليس عن بشر محدود لا يقدر أن يصنع من نفسه شيئاً كما قال عن نفسه: " أنا لا أقدر أن أفعل من نفسي شيئاً، كما أسمع أدين" (يوحنا 5/30)، وفي نص آخر يقول لليهود: "الحق الحق أقول لكم: لا يقدر الابن أن يعمل من نفسه شيئاً إلا ما ينظر الآب يعمل، لأن مهما عمل ذاك، فهذا يعمله الابن كذلك" (يوحنا 5/19) ([12]).
ثم إن الكتاب المقدس يمنع أن يكون المسيح ملكاً على بني إسرائيل، فقد حرم الله الملك على ذرية الملك الفاسق يهوياقيم بن يوشيا أحد أجداد المسيح، فقد ملك على مملكة يهوذا، فأفسد، فقال الله فيه: "هكذا قال الرب عن يهوياقيم ملك يهوذا: لا يكون له جالس على كرسي داود، وتكون جثته مطروحة للحر نهاراً وللبرد ليلاً، وأعاقبه ونسله وعبيده على إثمهم " ( إرميا 36/30 - 31 ).
 والمسيح - حسب الأناجيل - من ذرية هذا الملك الفاسق، يقول متى في سياق نسب المسيح: " وآمون ولد يوشيا، ويوشيا ولد يكنيا وإخوته عند سبي بابل " (متى 1/10-11)، وقد أسقط متعمداً اسم يهوياقيم، فذكر أباه يوشيا، وابنه يكينيا.
وبيان ذلك في سفر الأيام الأول "بنو يوشيا: البكر: يوحانان، الثاني: يهوياقيم، الثالث: صدقيا، الرابع: شلّوم. وابنا يهوياقيم: يكنيا ابنه، وصدقيا ابنه" (الأيام (1) 3/14-15)، فيهوياقيم أحد أجداد المسيح، وهذا يمنع تحقق نبوءة إشعيا في المسيح، فالملِك القادم لن يكون من ذرية المحروم يهوياقيم.


 
إطلاقات لفظ الألوهية والربوبية في الكتاب المقدس      


وليس في وصف المسيح uبالرب أو الإله أي دلالة على ألوهية المسيح، لأن إطلاقهما على المخلوقات معهود في الكتاب المقدس.
فمما ورد في كتب أهل الكتاب إطلاق لفظة "الرب" و "الإله" على الملائكة، فقد جاء في سفر القضاة، وهو يحكي عن ظهور ملاك الرب لمنوح وزوجه: " ولم يعد ملاك الرب يتراءى لمنوح وامرأته، حينئذ عرف منوح أنه ملاك الرب، فقال منوح لامرأته: نموت موتاً، لأننا قد رأينا الله" (القضاة 13/21-22)، ومراده ملاك الله.
وظهر ملاك الله لسارة وبشرها بإسحاق "وقال لها ملاك الرب ... فدعت اسم الرب الذي تكلم معها: أنت إيل رئي" (التكوين 16/11-13) فأطلقت على الملاك اسم الرب.
ومثله تسمية الملاك الذي صحب بني إسرائيل في رحلة الخروج بالرب "وكان الرب يسير أمامهم نهاراً في عمود سحاب ليهديهم في الطريق، وليلاً في عمود نار ليضيء لهم ...فانتقل ملاك الله السائر أمام عسكر إسرائيل وسار وراءهم " (الخروج 13/21- 14/19)، فسمى الملاك رباً.
ومما جاء في التوراة إطلاق هذه الألفاظ على الأنبياء، من غير إرادة معناها الحقيقي، فقد قال الله لموسى عن هارون: " وهو يكون لك فماً، وأنت تكون له إلهاً " (الخروج 4/16).
 ومثله في قول الله لموسى: " فقال الرب لموسى: انظر. أنا جعلتك إلهاً لفرعون، وهارون أخوك يكون نبيّك" ( الخروج 7/1 ) أي: مسلطاً عليه.
وقد عهد تسمية الأنبياء (الله) مجازاً أي رسل الله، فقد "كان يقول الرجل عند ذهابه ليسأل الله: هلم نذهب إلى الرائي، لأن النبي اليوم كان يدعى سابقاً الرائي" (صموئيل(1) 9/9).
وأطلقت لفظة "الله" وأريد منها القضاة، لأنهم يحكمون بشرع الله، ففي سفر الخروج "إن قال العبد ... يقدمه سيده إلى الله، ويقربه إلى الباب..." (الخروج21/5-6).
وفي السفر الذي يليه : "وإن لم يوجد السارق يقدم صاحب البيت إلى الله ليحكم هل لم يمد يده إلى ملك صاحبه ... فالذي يحكم الله بذنبه يعوض صاحبه" (الخروج 22/8-9).
وفي سفر التثنية "يقف الرجلان اللذان بينهما الخصومة أمام الرب أمام الكهنة" (التثنية 19/17).
ومثله "الله قائم في مجمع الله، في وسط الآلهة يقضي، حتى متى تقضون جوراً وترفعون وجوه الأشرار" (المزمور 82/1)، والحديث كما هو ظاهر من السياق عن أشراف بني إسرائيل وقضاتهم.


بل يمتد هذا الإطلاق ليشمل كل بني إسرائيل كما في قول داود في مزاميره: " أنا قلت: إنكم آلهة، وبنو العلي كلكم، لكن مثل الناس تموتون" (المزمور 82/6)، وهذا الذي استشهد به عيسى عليه السلام عندما قال: " أليس مكتوباً في ناموسكم: أنا قلت: إنكم آلهة. إن قال آلهة لأولئك الذين صارت إليهم كلمة الله. ولا يمكن أن ينقض المكتوب. فالذي قدسه الآب، وأرسله إلى العالم أتقولون له: إنك تجدف، لأني قلت: إني ابن الله " (يوحنا 10/34).


وتستمر الكتب في إطلاق هذه الألفاظ حتى على الشياطين، والآلهة الباطلة للأمم، فقد سمى بولس الشيطان إلهاً، كما سمى البطن إلهاً، وأراد المعنى المجازي، فقال عن الشيطان: "إله هذا الدهر قد أعمى أذهان غير المؤمنين، لئلا تضيء لهم إنارة إنجيل مجد المسيح" (كورنثوس (2) 4/5)، وقال عن الذين يتبعون شهواتهم ونزواتهم: "الذين إلههم بطنهم، ومجدهم في خزيهم .." (فيلبي 3/19). ومثله ما جاء في المزامير " لأني أنا قد عرفت أن الرب عظيم، وربنا فوق جميع الآلهة" (المزمور 135/5)، وألوهية البطن وسواها ألوهية مجازية غير حقيقية.
جاء في "شرح أصول الإيمان": "موسى تسمى (إلهاً) من الله ذاته، دلالة على نيابته عن الباري لدى فرعون، وليس لكونه اتصف بصفات إلهية، وكذلك القضاة تسموا (آلهة) لكونهم ينفذون مقاصد الله، وأما الأصنام والبطن والمال، فقد سميت بذلك لاتخاذ بعض الناس إياها آلهة، والشيطان تسمى (إلهاً) لتسلطه على العالم الحاضر" ([13]).
فهذه لغة الكتاب المقدس في التعبير، والتي يخطئ من يصر على فهم ألفاظها حرفياً كما يخطئ أولئك الذين يفرقون بين المتشابهات، فألوهية هؤلاء جميعاً مجازية، وكذا ألوهية المسيح، سواء بسواء.
وفي كتاب "مرشد الطالبين" يقول الدكتور سمعان كهلون: وأما اصطلاح الكتاب المقدس؛ فإنه ذو استعارات وافرة غامضة خاصة العهد العتيق .. واصطلاح العهد الجديد أيضاً هو استعاري جداً، وخاصة مسامرات مخلصنا، وقد اشتهرت آراء كثيرة فاسدة لكون بعض معلمي النصارى شرحوها شرحاً حرفياً..." ([14]).
كما أن المسيح u وهو يسمع بمثل هذه الاستعارات والآلهة المجازية أوضح بأن ثمة إلهاً حقيقياً واحداَ، هو الله، فقال: "الحياة الأبدية أن يعرفوك ، أنت الإله الحقيقي وحدك، ويسوع المسيح الذي أرسلته" (يوحنا 17/3)، وهي ما تعني بوضوح أن الجنة وحياتها الأبدية لا تنال إلا بالشهادة لله بالتوحيد، ولنبيه وصفيه المسيح uبالرسالة، وهو ما يعتقده المسلمون فيه عليه الصلاة والسلام.

الدكتور منقذ بن محمود السقار

فهرس الكتاب علي صفحة منقذ السقار : الله جل جلاله واحد أم ثلاثة


--------------------------------------------------------------------------------

([1]) ولابد لنا أن نستثني هنا فرقة شهود يهوه وبعض الكنائس الموحدة، فإن هؤلاء رفضوا القول بألوهية المسيح والتثليث، رغم إيمانهم بقدسية الكتاب المقدس، لكنهم لم يجدوا فيه دليلاً ينهض لإثبات هذه العقيدة التي اخترعتها المجامع، فرفضوها.
([2]) إظهار الحق، رحمة الله الهندي (3/718-724).
([3]) سنوات مع أسئلة الناس، البابا شنودة (1/46)، وانظر: الله في المسيحية، عوض سمعان، ص (369).
([4]) علم اللاهوت النظامي، جيمس أنِس، ص (206)، وانظر: إظهار الحق، رحمة الله الهندي (2/460) .
([5]) علم اللاهوت النظامي، جيمس أنِس، ص (209).
([6]) أعمال الرسل، القمص تادرس يعقوب ملطي، ص (782).
([7]) شرح بشارة لوقا، د. إبراهيم سعيد، ص (504).
([8]) انظر: اللاهوت المسيحي والإنسان المعاصر ، المطران كيرلس سليم بسترس (4/25-26).
([9]) انظر قاموس الكتاب المقدس، ص (2).
([10]) انظر المدخل إلى العهد القديم، القس الدكتور صموئيل يوسف (ص 260).
([11]) تاريخ الفكر المسيحي، الدكتور القس حنا جرجس الخضري (1/175). وانظر : هل الكتاب المقدس كلمة الله؟ أحمد ديدات، ص (24-25).
([12]) ولفهم معنى قول المسيح بأنه يعمل كأبيه نقول بأن هذا جاء في سياق الرد على اليهود الذين عيروه بأنه كسر الوصية بالسبت حين عمل فيه بعض الأعمال الخيرة، فرد عليهم بأنه "كما أن أباه يحفظ العالم ويتسلط عليه يوم السبت، كما في باقي الأيام؛ هكذا هو يشتغل بدون انقطاع لخلاص البشر وخيرهم الزمني والأبدي" اتفاق البشيرين، القس سمعان كلهون، ص (161).
([13]) شرح أصول الإيمان، الدكتور القس أندرواس واطسون ، والدكتور القس إبراهيم سعيد، ص (44).
([14]) انظر: إظهار الحق، رحمة الله الهندي (3/702).

  أرسلت في الثلاثاء 15 سبتمبر 2009 اعتمد بواسطة محمود أباشيخ  


 

روابط ذات صلة
 · زيادة حول - المسيحية
· الأخبار بواسطة محمود أباشيخ


أكثر مقال قراءة عن - المسيحية:
نشيد الانشاد

  .  

تقييم المقال
 
المعدل: 5
تصويتات: 1


الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ

  .  

خيارات
 
 صفحة للطباعة صفحة للطباعة

  .  

"ألوهية المسيح" | دخول/تسجيل عضو | 0 تعليقات
التعليقات مملوكة لأصحابها. نحن غير مسؤلون عن محتواها.

عبد الباسط عبد الصمد

الرد على القمص إبراهيم لوقا

تنزيه القرآن الكريم

العقيدة المسيحية

الأسفار القانونية الثانية والأبوكريفا

الله واحد أم ثلاثة


برهانكم للرد علي شبهات النصارى مكرس للرد علي ترهات النصاري وتطاولهم علي الإسلام .. حقوق النشر متاحة للجمع ونرجوا ذكر صفحة المقال واسم الكاتب ..