وقد ساعد هذه الأنظمة أعداءُ الإسلام والمسلمين على تحقيق أهدافها ومآربها، وقد لحق بالمسلمين في هذه البلاد من الجهل والتخلف والفقر من خلال ما فرضته عليهم الأنظمة المختلفة حتى تكون هذه صورتهم المطلوبة.
وقد مرّت على هذه البلاد عدة أنظمة وهي على النحو التالي:
1- أنظمة ملكية إقطاعية لفترة طويلة استمرت حتى عام 1967م، ومن خلالها (5) سنوات نظام استعماري إيطالي.
2- أنظمة شيوعية عسكرية من 1967- 1984م.
3- أنظمة ديمقراطية (علمانية) منذ عام 1984 ولا تزال.
ففي كل هذه الأنظمة المختلفة كيف كان وضع الإسلام والمسلمين في هذه البلاد؟
هذا ما سنتحدث عنه بالتفصيل على أن يُؤخذ في الاعتبار العوامل التالية:
1- إن ما أُشير إليه في هذا التقرير هو جزء بسيط جداً أو قطرة من الغيث من الواقع الحقيقي.
2- عند الحديث عن هذا الموضوع نضع أمامنا مراقبة الباري جلّت قدرته، ومن خلال قوله تعالى: ((ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد)).
3- من خلال ما لديكم من الوسائل الإعلامية السمعية والبصرية والمقروءة - وبالذات الموقع الإعلامي -، ونحن حُرمنا من تملكها نظراً لقدراتنا المادية والعلمية والإدارية والنظامية رغبنا تزويدكم بهذه المعلومات على أن تقوموا بنقلها عبر هذه الوسائل لإخواننا في العقيدة الإسلامية؛ حتى يكونوا على علم وبصيرة بما عليه إخوانهم المسلمون، وما كانوا عليه في الحبشة (إثيوبيا) في الماضي وفي الحاضر.
الحبشة
هي البلاد التي أنجبت لقمان الحكيم، النجاشي، بلال، أم أيمن حاضنة سيد الخلق محمد بن عبد الله - عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم -، ووالدة حِبّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسامة بن زيد، وأمثال مهجع الحبشي، وأبي بكر الحبشي، وشقران الحبشي، وذو مخمر الحبشي، وهلال الحبشي، ويسار الحبشي وغيرهم وكلهم كانوا من الصحابة الأجلاء الذين وقفوا بجواره - صلى الله عليه وسلم - في ساعة العسرة والمحنة، ولا شك أن العناية والاهتمام الذي ناله المصطفى - صلى الله عليه وسلم - من أم أيمن - وبالذات بعد وفاة والدته وهو صغير - حتى قال فيها: "أم أيمن بعد أمي"، ومنه نال الأحباش حب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى قال فيهم: (من أدخل في بيته حبشياً أو حبشية أدخل الله في بيته بركة ).
ومن ناحية أخرى هي البلاد التي أشار النبي - صلى الله عليه وسلم - حينما كان وأصحابه الكرام في محنة ومشقة وحصار بأن يهاجروا إليها قائلاً: (لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكاً لا يُظلم عنده أحد، وهي أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجاً مما أنتم فيه)، وكان نتيجة ذلك أن أصبحت الحبشة بلاد الهجرتين، ودخل الإسلام فيها قبل أن يدخل طيبة الطيبة، وكان نصيبها أن استقبلت أعظم وأفضل وخيرة وصحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الأوائل أمثال: عبد الله بن جحش، عبد الرحمن بن عوف، جعفر بن أبي طالب، عثمان بن عفان وزوجته رقية بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومصعب بن عمير،وأبو عبيدة بن الجراح، وعثمان بن مظعون، والزبير بن العوام، وخالد بن سعيد، وعتبة بن غزوان، وعبدالله بن مسعود وغيرهم.
وكان من الفضل والأولوية أن تكون هذه العوامل والظروف والمواقف وسائل لأن تنال الحبشة وبالذات المسلمون فيها جل الاهتمام والعناية من إخوانهم في العقيدة الإسلامية - وبالذات عرب الجزيرة العربية - من خلال توطيد وتطوير العلاقات المختلفة السياسية منها، والاجتماعية، والثقافية، والاقتصادية، إلا أن الذي حدث هو العكس للأسف الشديد، حيث كان التباعد والانفصال والانقطاع والتجاهل هو سيد الموقف خلال العصور المختلفة، حتى أصبح يُقال: "هل يوجد مسلمون في إثيوبيا (الحبشة) "، وحتى تم تسجيلهم في الهيئات والمنظمات الإسلامية العالمية كأقلية إسلامية، وتم التلفيق والتزوير والتضليل في نسبهم السكانية في أنهم يمثلون خمسة وعشرين في المئة من عدد السكان في البلاد، ويا ترى من كان السبب في ذلك؟ ومن يقف وراء هذا الظلم الشنيع؟ ولماذا تم اتخاذ ذلك من الأهداف والوسائل الخبيثة؟ ومن المستفيد من وراء ذلك؟
مسلمو الحبشة غالبية عظمى من عدد سكان إثيوبيا البالغ سبعين مليون نسمة حسب الإحصائية الأخيرة، ويمثل المسلمون فيها ستين في المئة فأكثر.
تعرض المسلمون في هذه البلاد إلى جميع وسائل التنكيل والقتل، والاضطهاد والتشريد، والحرمان من أبسط الحقوق، وتم إقفال البلاد أمام جميع وسائل الإعلام العالمية المختلفة السمعية منها والبصرية والمقروءة حتى لا تنكشف وتتضح هذه الجرائم البشعة.
مُنع المسلمون من الخروج من البلاد نهائياً، وتم منع دخول المسلمين من الخارج إليهم، فلا يُسمح لمسلم في البلاد الاتصال بأي وسيلة كانت بإخوانهم في العقيدة الإسلامية في العالم، ويُسمح لكبار السن من مسلمي إثيوبيا (وفي أضيق الحدود وبعد البحث والتحري والمراجعة) بالحج والعمرة، ويكون هؤلاء في أجواء من المراقبة والمتابعة لتحركاتهم ولقاءاتهم وتنقلاتهم أثناء تواجدهم في الأراضي المقدسة في مكة والمدينة.
أما الشباب المسلم فليس بالإمكان الخروج من البلاد نهائياً، ومن استطاع الخروج منهم من البلاد يُعدون على الأصابع استطاعوا استخدام طريق البر مشياً على الأقدام للوصول إلى السودان، ومن ثم الوصول إلى مصر، والالتحاق بالجامع الأزهر للدراسة، أو تغيير الاتجاه للوصول إلى السعودية، ومن ثم الالتحاق بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.
وهذه الفئة القليلة حتى بعد نيلها الشهادة الجامعية لا تتوفر لها الوظائف المناسبة داخل البلاد للعمل فيها؛ مما يضطرهم للبقاء خارج البلاد، والعيش في حياة الغربة بعيدين عن الأهل والوطن، ومن رجع منهم إلى البلاد (وبعدد محدود جداً) التحق - وبشق الأنفس - بالمحكمة الشرعية التي هي أصلاً محكمة صورية لا صلاحية لها، ولا مكانة لها في المجتمع. حيث من ينتسب إليها كموظف يعتمد له رواتب شهرية لا تزيد عن مئتي بر شهرياً، في حين ينال الموظف المعتمد في المحاكم المدنية الأخرى ما بين ستمائة وسبعمائة بر شهرياً، ناهيك أنه لا يتم اعتماد هذه الشهادات الجامعية المصرية والسعودية من قبل الجهات الرسمية الحكومية كشهادات معتبرة رسمية، مما اضطر المتخرجين من الجامعات العربية والإسلامية البسطاء أصلاً للبقاء خارج البلاد كمهاجرين.
وهنا نعود لننظر إلى أوضاع المسلمين في الأنظمة المختلفة التي مرت بهذه البلاد.
أولاً: المسلمون في عهد الأباطرة والملوك الذين حكموا هذه البلاد، واستمر حكمهم حتى عام 1967م، وهنا نذكر على سبيل المثال فقط عهد الإمبراطور تيدروس، ويوحنا، ومنليك، وهيلا سلاسي.
في عهد الإمبراطور تيدروس:
كان هذا الملك يعتبر الحبشة والمسيحية صنوان لا يفترقان؛ لذا عمل جاهداً على اعتناق المسلمين المسيحية، وعندما أصبح تيدروس في أوج قوته عمل على تحقيق ثلاثة أهداف هامة:
1- القضاء على سلطة الطبقة الأرستقراطية والإقطاعية في البلاد.
2- القضاء على قبيلة الجالا أو اعتناقهم المسيحية.
3- طرد جميع المسلمين الذين لا يعتنقون المسيحية من البلاد.
في عهد الإمبراطور يوحنا الرابع للفترة (1872- 1889م):
ولقد تميز عهده بشدته وقسوته على المسلمين، وحدد فترة أقصاها ثلاث سنوات حتى يتحول المسلمون إلى الدين المسيحي، وفرض على المسلمين أن يبنوا كنائس على نفقتهم بجوار مساكنهم، وأن يأكلوا اللحوم التي ذُبحت على أيدي المسيحيين، وأن يدفعوا عشوراً خاصة للقسيس والكنائس التي في منطقتهم، وأخذ يستعمل مختلف الوسائل لتعذيبهم، والحطّ من شأنهم، فلجأ كثيرون منهم إلى الفرار من الهضبة إلى المناطق البعيدة عن سلطانه، بينما اضطر الكثيرون إلى التظاهر باعتناق المسيحية حتى يأمنوا على أنفسهم وعلى أرزاقهم، لكنهم ظلوا في صميم قلوبهم مسلمين متسترين على إسلامهم، حتى إذا حانت ساعة وفاة أحدهم نطق بالشهادتين.
وفي سنة 1878م عقد الملك يوحنا مجمعاً يضم رجال الكنيسة الحبشية، ونادوا به حكماً أعلى في المسائل الدينية، وقرروا وجوب الاقتصار على دين واحد في كافة البلاد، وأعطى المسيحيين على اختلاف طوائفهم الذين لا يعتنقون مذهب اليعاقبة مهلة عامين ليصبحوا بعدها متفقين في الرأي مع كنيسة البلاد، وألزم المسلمين باعتناق المسيحية في خلال ثلاث سنين، وأذاع الملك مرسوماً بعد ذلك بأيام قليلة أوضح فيه أن مهلة ثلاث السنوات التي منحها للمسلمين ليست بذات أهمية؛ ولم يقتصر على إلزامهم ببناء كنائس مسيحية في مناطقهم كلما احتاج المسيحيون إليها، وكذلك دفع العشور للقساوسة الذين في مقاطعاتهم فحسب؛ بل إنه أنذر الموظفين المسلمين بأن يختاروا خلال ثلاثة شهور بين قبول التعميد واعتناق المسيحية أو التخلي عن وظائفهم.
ويقول (مساجأ) أحد الكتاب أن الملك (يوحنا) أرغم سنة 1880م ما يقرب من خمسين ألف من المسلمين على التعميد، ناهيك عمن قتلهم وأبادهم.
عهد منليك (1865-1913م):
تميّز حكم منليك بخواص ثلاث بالغة الأهمية وهي:
1- امتداد إمبراطوريته إلى الجنوب الغربي مستولياً على الممالك الإسلامية، والقضاء عليها.
2- احتفاظه باستقلال الحبشة، ودفاعه عنها ضد الحملة الإيطالية في سنة 1896م.
3- القضاء على سلطة الملوك والأمراء، وجعل الدولة وحده واحدة وبالذات الإسلامية منها، وكسر شوكة الإسلام، ولقد كان المبشرون ومن جلبهم من المندوبين العسكرين من أوروبا خير المستشارين لمنليك لتحقيق هذه الغاية.
العهد الأول للإمبراطور هيلا سلاسي
نال لقب الملك في عام 1928م، واعتبر نفسه ملكاً للملوك، وسمّى نفسه "الإمبراطور هيلا سلاسي" الأول في عام 1930م، ولهذا الملك صفة هامة استخدمها لتحقيق مآربه ومكائده ضد الإسلام والمسلمين أكثر من غيره من الملوك السابقين، فلم يشأ أن يستخدم عنصر القوة والقتل المباشر على المسلمين، بل استخدم أساليب ووسائل سياسية أكثر مكراً وحقداً، وطغينة وخداعاً.
فعندما وقف أمام عصبة الأمم في عام 1928م للدفاع عن حق بلاده واستقلالها من إيطاليا نطق بكلمة قال فيها:"إنه يريد وحدة الدين واللغة لبلاده، ويعمل جاهداً لتحقيق هذه الغاية" وحدة الدين المسيحية، وحدة اللغة اللغة الأمحرية.
وعليه بعد استلامه للسلطة لم يلجأ إلى الأساليب السافرة من الاضطهادات الدينية الإجبارية التي كانت سائدة في عهد الملوك الذين سبقوه في حكم البلاد، بل تظاهر بأن حرية الدين مكفولة، وألغى ما يتعارض مع ذلك من قوانين، لكنه اتبع نفس الإجراءات السابقة بالنسبة للمسلمين، وأقرها بطريقة مستترة بأن سمح للمسلمين بمزاولة النشاط التجاري على أن يبعدوا عن الوظائف والمناصب العامة، ومن جميع ما يتعلق بحياة البلاد السياسية، وجعل بين المسلمين وبين الطبقة الحاكمة فاصلاً واضحاً، وقد أخذت أساليب التفرقة طابعاً رسمياً؛ إذ إن الدستور الجديد الذي أصدره ربط بين الجنسية الحبشية والدين المسيحي ربطاً متيناً قضى على آمال المسلمين في تحسين مستواهم؛ فاعتبر المسلمين لاجئين لديه فليست لهم ولا عليهم الحقوق والواجبات الممنوحة للمواطن الحبشي، وما سمح للمسلمين من مجال فقط هو النشاط التجاري والزراعي والرعي فقط، لكن الضرائب والعلاوات والأتوات التي فرضت عليهم للحكام وأعوانهم وللكنيسة ومنسوبيها لم يُعط لهم المجال لتحقيق ما يصبون إليه من الرقي إلا ما يسد رمق عيشهم فقط.
المسلمون من خلال الاحتلال الإيطالي للبلاد:
منذ اللحظة الأولى أعلن الإيطاليون أنهم سيحمون الإسلام والمسلمين، وسيعاملونهم على قدم المساواة مع المسيحيين، وأعلن موسولوني أنه سيضمن لهم السلام والعدل والرفاهية، وسيعمل على احترام القوانين الإسلامية، ولم يكن مسموحاً للمسلمين في الحبشة أن يقيموا مساجد جيدة البناء، ولكن الإيطاليون صرحوا ببناء مساجد جديدة لهم في كل مكان يوجد به مسلمون، وقامت الحكومة بتعيين القضاة الشرعيين لتطبيق الشريعة الإسلامية، وأُدخل تدريس اللغة العربية في جميع المدارس التي أُنشئت للمسلمين، ولقد كتب الأمير شكيب أرسلان في هذا الموضوع مقدمة كتاب: (المسلمون في الحبشة) في إبان الاحتلال الإيطالي بهؤلاء الذين يتباكون على احتلال الحبشة يقول: "أفلا تذكرتم سلطنة هرر الإسلامية التي أغار عليها الملك منليك الثاني السابق، ونسف استقلالها، واستحلها وذبح من أهلها خمسة آلاف رجل في شوارع هرر، وضبط أملاك كثير من المسلمين، وجعل مسجدهم الأعظم كنيسة، ومنع استعمال اللغة العربية... الخ.
العهد الثاني للإمبراطور هيلا سلاسي يبدأ من عام 1942م:
قامت الحملات البريطانية بطرد الإيطاليين من شرق أفريقيا، وإعادة عرش إثيوبيا إلى الإمبراطور هيلا سلاسي، وقد سبق كلامنا عن حالة المسلمين في عهد هيلا سلاسي الأول، أما ونحن نتكلم عن عهده الثاني فإن أشياء كثيرة قد تغيّرت بين العهدين، وكان منها انتعاش المسلمين بفضل سياسة المساواة التي اتّبعها الطليان، فلقد وجد المسلمون في هذه المساواة فرصة نادرة للانطلاق حتى أصبح عماد البلاد متوقف عليهم لكثرة عددهم ونشاطهم، وإقبالهم على الزراعة والتجارة والصناعة الناشئة، ولكن ما إن عاد الإمبراطور إلى الحكم مرة أخرى حتى أخذ يعمل في هدوء وبراعة لكي يعيد المسلمين إلى ما كانوا عليه في السابق من حرمان وإهمال وظلم، ويرخي عليهم ستاراً كثيفاً من النسيان يحجبهم عن العالم ويحجب العالم عنهم.
ومما يؤسف له أن الإمبراطور استعمل هذا الدهاء النادر والخبرة التي لا تُجارى في محاربة المسلمين والإسلام، واستعمل نفس الخبرة في حجب أخبار المسلمين في بلاده عن العالم الخارجي، في الوقت الذي يعمل فيه على إظهار نفسه بمظهر الحاكم المتسامح، بل المفرط في تسامحه، وعاونته على ذلك أجهزة الإعلام الغربية التي تسيطر على إعلام العالم، حتى أصبح من المستحيل على من ليست له دراية بتلك البلاد معرفة الحقيقة، ولا يمكنه الاعتماد على ما تكتبه وتنشره وسائل الإعلام الزائفة التي تسيطر عليها الدولة، ولم يعد هناك سبيل للاطلاع على الأمور ومعرفة الأوضاع الصحيحة إلا بزيارة البلاد، وزيارة البلاد للمسلمين ليس بالأمر الهين.
سلاح رهيب يتقنه الأحباش، ويتفقون فيه في عهد الإمبراطور هيلا سلاسي وهو سلاح الإهمال والنسيان سددوه إلى المسلمين، فسرعان ما فقد المسلمون جميع ما كسبوه في عهد المساواة الذي ساد في عهد الطليان، وعادت الأمور إلى ما كانت عليه، وأصبح محرّماً على المسلم مرة أخرى تولي الوظائف الهامة، أو الالتحاق في الجيش، أو الخدمة في الشرطة، أو التمتع بوسائل التعليم الحديثة التي تعتني بها الدولة غاية العناية، وتنفق عليها جانباً هاماً من أموال الدولة، الذي تحصل على أغلبه من الضرائب التي يدفعها المسلمون، وإنك لا تجد مسلماً موفداً في بعثة من تلك البعثات التي تعلق الدولة عليها آمالها للمستقبل، وخلاصة القول هو أن ما يمكن أن يتصوره القارئ من وسائل الظلم والإهمال وسوء المعاملة يجده مطبقاً في أسوأ حالاته في هذا الحكم، في هدوء وبرود وبراءة، والوضع الذي كان سائداً في الحبشة في هذه الفترة هو طبقة متميزة حاكمة تتألف من المسيحيين، فمنها الحاكم والموظفون في جميع الدرجات ومنها الجيش والشرطة ورجال الأمن، وقليل منهم يعملون في الزراعة، والباقون لا يزالون يعيشون في حالة مذهلة من التخلف والبداوة، وتبذل الحكومة أقصى جهدها لرفع شأنهم وتخصهم بعنايتها حتى تغير من أحوالهم في أقصر وقت لتزداد قوة المسيحيين تمكّناً وثباتاً، هذا بالإضافة إلى رجال الكنيسة الذين بلغ عددهم حوالي ثلث عدد المسيحيين، ويعيشون على موارد ثلث أراضي الحبشة الموقوفة لهم؛ إذ بلغ عدد كنائسهم أكثر من ثلاثين ألف في طول البلاد وعرضها، وبلغ عدد الكهنة أكثر من أربعين ألفاً يقومون بالإشراف على إدارة الكنيسة، والتنصير ونشر الإلحاد والضلال، بجانب أنه تم تعميم بناء الكنائس في الأرياف والقرى والمدن وبالذات في المناطق الإسلامية حتى ولو لم يكن فيها مسيحيّ، أما الطبقة الأخرى فهي من المسلمين الذين هم غالبية أهل البلاد، وتتكون منهم الطبقة المحكومة، تُطبّق عليهم أساليب التفرقة التي سادت منذ أقصى عصور التاريخ، وكذلك في العصور الوسطى، من تقسيم الشعب إلى سادة وعبيد، فالمسيحيون هم السادة والمسلمون هم العبيد، عليهم حراثة الأرض، ومزاولة الحرف والتجارة، ودفع عملية الحياة في البلاد تسوقهم الطبقة الحاكمة إلى ذلك سوقاً، وتجبي منهم الضرائب والعشور، وتفرض عليهم أداءها عدة مرات كل ما شاء حكام المناطق ورجال الأمن الحصول عليها، ثم بعد ذلك كله يُحرم المسلمون من التمتع بحقوقهم كمواطنين، بل تُطبق عليهم قوانين مستوردة تكسر من شوكتهم، وتحيطهم بسياج لا يمكن تخطيه، وتضغط عليهم للبقاء في أوضاعهم بحيث لا يتمكنون من أن تقوم لهم قائمة.
ومن أهم الأساليب التي تدفع الحكام المسيحيين إلى الإمعان في الضغط والظلم وتضييق الخناق على المسلمين في هذا الفترة معرفتهم التامة بالحقيقة الخافية عن العالم، وهي أن المسلمين أصبحوا غالبية بين أهل البلاد، ويتمّيزون بصفات لا تتوفر لدى المسيحيين، ولقد أجمع جميع الكتاب والمؤرخين والرحالة الأجانب على أن المسلمين يتميزون بالنشاط والذكاء، والدأب على العمل، ويُعرفون بنظافتهم وتفوقهم في مجال المدنية، وتفتح الذهن والاستعداد الطبيعي لسرعة التقدم إذا أُتيحت لهم سبل العلم والمعرفة، لذلك اتفقت كلمة حكام الأحباش على الإمعان والإصرار والعناد على ما يفرضونه على المسلمين من حرمان وإهمال، ويعلم الحكام أيضاً من حوادث تاريخهم القريب إلى الأذهان أن المسلمين إذا تجمعت كلمتهم أصبحوا خطراً لا قبل لهم بمواجهته؛ لذلك يعتمد الحكام في استمرار الوضع الراهن بتقطيع أوصال المسلمين، والمقاطعات الإسلامية، ومواجهة ومحاربة كل بادرة من بوادر الاتصال بينهم في الداخل، وفيما بينهم وبين إخوانهم في العقيدة بالخارج، بل يعمد المسؤولون على إثارة الخلافات والنعرات القبلية والطائفية والعنصرية بين المسلمين، ويعملون على توسيع أسباب الشقاق والخلاف بينهم، والحكام في هذا السبيل لا يعدمون الوسائل المتعددة، فهم يضربون فريقاً بفريق، ويشترون ذمم بعض ضعاف النفوس، ويخصون بوظائف الأئمة وقضاة الشريعة من يدين لهم بالطاعة والولاء، وإذا لمسوا من أي مسلم نزعة إلى التحرر أو الاحتجاج نزلت به أقسى أنواع المعاملة من تشريد وحرمان وسجن، ثم اغتيال إذا استدعى الأمر ذلك، وهذا هو الواجب الأول المناط على الحكام الذين يعيّنهم الإمبراطور على مختلف مقاطعات الدولة.
فقد ظل الإمبراطور يعمل جاهداً للاستمرار في استخدام هذه الأساليب طوال خمسين سنة، وتحت شعار هام كان ينادي به وبمباركة الكنيسة (إثيوبيا جزيرة مسيحية)، وخلاصة القول في هذه المرحلة إنّ ما سُمح للمسلمين من المهن المُناطة بهم هي: الزراعة والرعي والتجارة فقط، ولكل منهم القيام بتسديد الضرائب والأتاوات، والعلاوات والعشورات للحكام وللكنيسة؛ فكما سبق أن قلنا: إنه تم توظيف ثلث أرض البلاد للكنيسة، وما تبقى من الأراضي للحكام وأتباعهم، وعليه فإن على المزارع والراعي المسلم (المحروم أصلاً تملّكه لآلية ووسائل الإنتاج) أن يعمل جاهداً على تسديد هذه الضرائب والأتاوات والعلاوات للحكام والكنيسة، ويتمثل ذلك مادياً وعينياً، فمثلاً لو قلنا: إن مزارعاً مسلماً قام بمزاولة مهنة الزراعة فعند حصد محصولاته الزراعية في نهاية السنة، وقبل أن يأخذ شيئاً لبيته لإعالة أبنائه أو أسرته يقوم بشحن جزء من هذا المحصول على دابته قاطعاً المسافات الطويلة ماشياً على الأقدام للحكام أو للكنيسة التي تملك هذه الأرض، أو لمن يتم تفويضه من قبلهم؛ لتسليمها لهم عينة من هذا الإنتاج الزراعي موضحاً الكمية التي حصل عليها، ويأتي بعد ذلك تسديد الضرائب مادياً، أي أن الفلاح المسلم يضطر لدفع الضرائب والأتاوات مرتين في السنة على الأقل عينياً ومادياً، وإذا لم يقم أو يتأخر بتنفيذ ذلك يتم سحب الأرض منه وطرده، ناهيك عما يدفعه من الرشاوي والعلاوات لرجال الأمن ومنسوبي الحكام المعتمدين في هذه الأقاليم والمحيطين بموقعه وموقع سكنه ومزارعه، والغريب في الأمر أن من يرتد عن عقيدته الإسلامية بإمكانه الحصول والتملك على قطعة أرض إن كان فلاحاً، أو الانضمام إلى الوظائف في الدولة وبالذات في الميادين العسكرية والشرطة والأمن، وبالتالي التمتع بميزة الترقية والحصول على المنح والعلاوة المختلفة.
المسلمون في عهد الحكومة الشيوعية العسكرية (1967-1984م):
كان لهذا النظام جانب إيجابي وجانب سلبي بالنسبة للمسلمين والإسلام في هذه البلاد.
أما الجانب الإيجابي: عندما أعلن النظام المبادئ الشيوعية في البلاد كان عليه أن يضرب بالدرجة الأولى الفكرة الإقطاعية، والملكية الخاصة؛ فإذا عرفنا أن ملكية الأرض كانت مقسمة بين النظام الحاكم الملكي وأعوانه ومنسوبي الحكام من الجيوش والحاشية، وبين الكنيسة المرشد الروحي العالي للحكام المستبدين؛ فإن المتضررين والمتأثرين من النظام الشيوعي كانت الطبقة الحاكمة وأتباعها والكنيسة بالدرجة الأولى، فلم يكتف النظام بالتأميم على الأراضي ووسائل الإنتاج، بل تطور الأمر إلى تأميم المباني الخاصة في المدن، وكانت غالبيتها تعود ملكيتها للأطراف المذكورة آنفاً. بالإضافة إلى ذلك فإنه ونظراً لقلقه من معارضة النظام الإقطاعي البائد قام بإعدام كبار المسؤولين من المدنيين والعسكريين وأعوان الإمبراطور لما حس منهم الخوف والقلق على نظامه ومبادئه وخططه، وبرنامجه الشيوعي والاشتراكي، وكون أن المسلمين لم يكونوا جزأ من هذه القيادة العليا، ولم يكن لهم دور في ذلك؛ فإنه لم يتعرض منهم أحد لهذا القصاص، ومن ناحية أخرى فإن هذا النظام ساعد على تقليص سلطة الكنيسة، وتقليص مواردها المالية، واتهامها بأنها كانت الساعد الأيمن لحكم الأباطرة في البلاد مما ساعد على تخلف البلاد اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً، حيث إن الكنيسة تعج بالجهلاء والمخرفين والمتخلفين عقلياً وفكرياً الذين قاموا بنقل خرافاتهم وجهالاتهم إلى الشعب عموماً تحت شعار الصليب الذي يحملونه على صدورهم وبأياديهم، ودعوة المواطن المسيحي إلى الاقتداء بهم، حتى أصبح المواطن لا يخطو خطوات في أعماله وفي أفكاره وفي معتقداته إلا بمشورة القس أو الأب الروحي كما يسمونه؛ مما نتج أن عدد الأيام التي كان يعمل بها المواطن المسيحي زراعياً وتجارياً وتعليمياً أقل من عشرين في المئة من عدد أيام السنة، مما سبب التخلف في البلاد في جميع الميادين، لذا وجد هذا النظام في الكنيسة السبب المباشر فيما آلت إليه البلاد من التخلف نتيجة سيطرتها الروحية والمالية على الأباطرة وعلى الشعب، ومن جانب آخر فإن هذا النظام الشيوعي قد قام بتقليص علاقاته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والعسكرية بالأنظمة الرأسمالية الغربية الإقطاعية، وهي مولد ومنبع الهيئات والجمعيات التنصيرية، فاتجه مباشرة صوب الدول الاشتراكية والشيوعية وعلى رأسها الاتحاد السوفيتي الروسي آن ذاك، وكانت نتيجة ذلك أن تقلّص دور الجمعيات والهيئات التنصيرية الغربية التي تحظى وتنال الدعم والمساندة والرعاية من الأباطرة والكنيسة في البلاد، كما أن هذا النظام وجد الظلم والقمع الذي كان مطبقاً على المسلمين في هذه البلاد من قبل الحكام والكنيسة لذا رغب في إزالة بعض هذه الصعوبات، ومساعدة المسلمين في بعض الجوانب، فسمح لهم ببناء المساجد والمدارس الإسلامية في بعض المدن التي كان يحرم فيها الإقامة على المسلمين، ودفن موتاهم، بحجة أنها مدن مقدسة لدى المسيحيين، وتحمل أسماء تتعلق في مضمونها بعقيدتهم المسيحية كما يزعمون مثل: دبر زيت، دبر برهان، دبر مارقوس، دبر سينا وهكذا، ففي مثل هذه المدن ليس فقط إقامة المساجد، ورفع الأذان، أو إنشاء مدارس إسلامية؛ لم يكن يسمح بأن يقيم فيها مسلم، أو يدفن فيها إن مات، أو يبيت فيها لو تعطلت مركبته؛ لأنه في اعتقادهم يعتبر نجساً، ناهيك عن هذا فإن أي غرفة في فندق ما بات فيها مسلم، أو ماعون أكل فيه المسلم، أو قدح شرب به هذا المسلم؛ يتم فوراً استدعاء القس المعتمد في الحي لإجراء الطقوس اللازمة لتطهيرها، هكذا كانت الكراهية للمسلم في هذه الأماكن.
كما أن هذا النظام بدأ ولو بطريقة مبسطة ومحدودة الانفتاح مع العالم العربي والإسلامي، وبالذات مع الدول العربية ذات الميول الاشتراكية، ولأول مرة بدأ بتبادل التهاني مع الحكام في الدول العربية والإسلامية في المناسبات والأعياد المختلفة، مع السماح لبعض الدول العربية في افتتاح سفارات أو بعثات دبلوماسية لدى البلاد، وتبادل الزيارات لبعض المسؤولين في الدولة.
أما الجانب السلبي لهذا النظام بالنسبة للمسلمين فتمثل فيما يلي:
جاء النظام بالمبدأ الشيوعي الإلحادي كأساس، وتمثل في رأس هرم السلطة، ومنه يتم تطبيق هذا النظام، وهذا المبدأ في جميع السلطة التشريعية والتنفيذية كلها لا بد أن يدين أعضاؤها ومنسوبوها بالمبدأ الشيوعي الإلحادي؛ لذا نجده وبناء على أن الانضمام للعمل في الأجهزة المختلفة في الدولة يشترط أن يكون المنتسب فيها عضواً أو كادراً للحزب الشيوعي الحاكم بما فيه الأجهزة والميادين العسكرية والنسائية، والشبابية والرياضية، والدبلوماسية والثقافية إلخ.
ومن أجل الانضمام لهذه العضوية يجب ويتطلب على الشخص أن يقسم بعدم انتمائه لأي دين أو ملة ما، إسلامية أو مسيحية أو بوذية أو غيرها، وهذا الشرط لم يساعد المسلمين الغيورين على دينهم وعقيدتهم الانضمام إليه؛ لأنه ليس من السهل للمسلم الحقيقي أن يقسم ويحلف بالكفر على خالقه ورازقه الواحد الأحد، ومن ثم يرتدي اللباس الأزرق السماوي وعليه شعار المنجل والمطرقة، مضمونة أنه عضو في الحزب الحاكم أو في كوادره، وعقيدته الإلحاد الذي يعني عدم وجود خالق - والعياذ بالله -.
لم يسمح الظلم بتطوير العلاقات اللازمة مع الدول الإسلامية والعربية وبالذات الخليجية منها، ولم يسمح للمسلمين الاتصال بإخوانهم من العرب والمسلمين على الوجه المطلوب، ولم يطور مكاتبه الدبلوماسية في الدول العربية والإسلامية بالأجهزة والكوادر الكفؤة لتطوير العلاقات المختلفة بين إثيوبيا وبين هذه البلاد، وكانت حجة هذا النظام أنه يرى أن الدول الإسلامية والعربية - وبالذات الدول الخليجية - تقف وراء الانفصاليين في الشمال وبالذات في أرتيريا، وتقدم لهم المساعدات العينية والمادية والعسكرية المختلفة لتحقيق الانفصال عن البلاد، وضرب وحدة البلاد.
تأميم وسائل الإنتاج والممتلكات الخاصة كان لها نصيب من الأضرار على المسلمين أيضاً، وكما علمنا أن النظام قام بتأميم وسائل الإنتاج، وعدم السماح بالملكية الخاصة في كل شيء، فإذا علمنا أن المجال الذي أتيح للمسلمين في السابق كان الزراعة والرعي والتجارة، فإن تدخل الدولة في هذه الميادين قد أضرّ أيضاً بالمسلمين حيث أدّى إلى عدم تطوير مجالات عملهم وبالذات المجال التجاري، وتحديد الاتجاه للعمل مع الدول الشيوعية في جميع الميادين المختلفة.
اتجه هذا النظام إلى تقليص النشاط الديني، واعتباره أفيون كما يسميه الشيوعيون، وعليه قد فُتح ميدان الإلحاد والفساد والانحلال مما كان له نتائج سلبية على شباب المسلمين الذين هم أصلاً يفتقرون لمبادئ عقيدتهم الإسلامية نتيجة عدم توفر المدارس الدينية، لذا نجد انتشار الفساد، والانحلال الخلقي والاجتماعي، وتفت الأسر المسلمة، وعدم تحكم الآباء في أبنائهم وبناتهم، والزوج على زوجته، وانتشار النوادي والملاهي الليلية؛ وكان لهذا نتائج سلبية على عقيدتهم.
الموقع الجغرافي السكاني للمسلمين في إثيوبيا:
الموقع الجغرافي السكاني للمسلمين في الحبشة، وآثار الحروب والمجاعة، والقحط والتخلف، والفقر الذي تعرضت وتتعرض له مناطقهم بين حين وآخر، كان لها نتائج سلبية على حياتهم الدينية والاجتماعية، والاقتصادية والثقافية.
وكما سبق أن ذكرنا أن الحكام الأباطرة قد فرضوا على المسلمين اعتناق الديانة المسيحية، ومن رفض منهم طُرد من عمله، وأُجبر على الرحيل والخروج من المدن، ومُنع المسلمون من الانضمام إلى الوظائف المختلفة في الدولة في كل المجالات المختلفة المدنية منها والعسكرية، لذا سُمح لهم فقط بمزاولة مهنة التجارة لمن بقي منهم في المدن، والزراعة والرعي لمن تم طردهم إلى الأرياف على أساس أن يبقوا موالين للحكومة والكنيسة بدفع الضرائب والإتاوات المختلفة مقابل استخدامهم الأراضي للزراعة والرعي، ولذا نجد أن المناطق التي أوى إليها المسلمون هي المناطق المنخفضة في إثيوبيا التي هي أصلاً لا تتوفر فيها الوسائل العصرية اللازمة مثل: المواصلات، والنقل، والطرق، ووسائل الإعلام والاتصالات المختلفة، وخدمات الماء والكهرباء، والهاتف والمدارس، والمستوصفات والمستشفيات، وجميع ما يتعلق بالمظاهر المدنية والعصرية، وكان الهدف من وراء هذا كله بأن يبقى المسلم الحبشي نسياً منسياً داخلياً وخارجياً.
بالإضافة إلى ذلك فإن الوسائل التي يستخدمونها في مهنتهم الزراعية هي وسائل بدائية بحتة، ويعتمدون بالدرجة الأولى على الأمطار فقط لتحقيق مطالب معيشتهم الزراعية والرعي.
وعندما حدثت المجاعة في الأعوام 1965 و 1977م وما بعدها حسب التقويم الإثيوبي كانت أكثر المناطق التي نالت النصيب الأكبر من هذه المجاعة هي المناطق الإسلامية، وعندما دعت الحاجة إلى الاستنجاد بالمساعدات الخارجية فإن الذي لبّى هذا النداء بالدرجة الأولى كانت المنظمات والهيئات المسيحية التنصيرية الغربية، حيث وجدت ضالّتها، وما كانت تبحث به عن وسائل لتحقيق مآربها وأهدافها وخططها، وبالذات بعد تقليص سلطة الكنيسة ومن ورائها في هذه الفترة من قبل النظام الشيوعي في البلاد، وتحت شعار تقديم العون والإعانة والإغاثة انكبت هذه المؤسسات التنصيرية الغربية وحلت في الأقاليم، وشرعت تقدم عونها المادي والمعنوي الممزوج بسمومها وتنصيرها، وتشير الإحصائية أنه في مراكز كل من باتي وكورم في شمال البلاد بولاية وللو المسلمة بالذات تم تنصير أكثر من ثمانين ألفاً من أطفال المسلمين، وتم جلبهم إلى المدن بإقامة الملاجئ والمراكز المختلفة، وجزء منهم تم أخذه إلى خارج البلاد تحت شعار التبني، وتربية الأيتام، وهكذا كانت هذه الفترة فرصة كبيرة للقيام بعملية التنصير والتكفير لأبناء وأطفال المسلمين، وتم ذلك في غياب المؤسسات والجمعيات ووسائل الإعلام العربية والإسلامية نهائياً، ولا شك أن هذه الفترة كانت فرصة لميلاد العديد من المؤسسات والجمعيات التنصيرية المحلية التي أقامتها المؤسسات الغربية للتعاون معها في كل الفترات المختلفة على أن تظل المؤسسات الغربية مستمرة في تقديم العون المادي والمعنوي، ومن هذه المؤسسات التي ولدت في هذه الفترة (مؤسسة أببيش غوبنا) الكائنة في أديس أبابا والتي تحتضن بداخلها أكثر من خمسة آلاف طفل وشاب من الأيتام وغير القادرين، وهي المؤسسة التي نالت الوسام من الحكومة البريطانية في العام الماضي، ويزورها الحكام والزعماء الغربيون عند زيارتهم للبلاد، ويقدمون لها كل العون والإعانة والتشجيع للاستمرار في مهمتها، والغريب في الأمر أن هناك سماسرة يزورون ويطوفون المناطق الإسلامية المختلفة في البلاد والمتضررة بالمجاعة والقحط بين حين وآخر لجلب الأطفال إلى مثل هذه المؤسسات بحجة تقديم العون والإعانة، وتربيتهم، ثم تحويل عقيدتهم إلى النصرانية، ولا يسع المجال لذكر التفاصيل عن هذه المصائب في هذه الخانة لكن نقدم للقارئ الكريم وللغيورين على دينهم الإسلامي جزءاً من هذه المعلومات لمعرفة القليل من الكثير في هذا الموضوع.
المسلمون في عهد ما يسمى الفترة الديمقراطية الحالية منذ عام 1984م ولا يزال:
من المعلوم أن النظام الحالي الذي تشرف عليه الجبهة الوطنية المتحدة هي أساساً جبهة معارضة للنظام العسكري المنحل، وكانت تحمل الفكرة الماركسية ولادة ونشأة، إلا أنها وعندما استلمت السلطة في البلاد وجدت نفسها في وقت تندحر وتتحطم فيه الفكرة الماركسية واللينينية الشيوعية عالمياً، ورأت تزلزل الفكرة الشيوعية وتشتتها وتفكك الاتحاد السوفيتي، وسقوط جدار برلين، وتساقط الزعماء الشيوعيين واندحارهم واحداً بعد الآخر، وعليه وجدت نفسها مضطرة إلى تغيير اتجاهاتها، والتمشي مع الفكرة العالمية الجديدة سياسياً واقتصادياً، وثقافياً واجتماعياً، لذا أعلنت الفكرة الديمقراطية ككلمة حق أريد بها الباطل، للتمشي مع الأوضاع العالمية المستجدة خارجياً وداخلياً، فأعلنت حرية التعبير والتجمع والمظاهرات والانتقادات، وتشكيل الأحزاب، وإقامة الاتحادات المختلفة، وتأسيس البرلمان، وحرية الأديان، وعدم تدخل الدولة في الدين، فظهرت الصحف والمجلات المختلفة المعبرة عن كل الآراء المختلفة، ومع هذه التطورات الجديدة وجد المسلمون فرصة للتعبير عما كانوا يعانونه من المشقة والضغط والحرمان لحقوقهم، فظهرت بعض المجلات والصحف الإسلامية، والأحزاب السياسية الإسلامية، كما أنه ولأول مرة لوحظ مشاركة المسلمين في القيادة السياسية، وتم السماح للمسلمين لشغل بعض الوزارات وبعض الإدارات، ولكن الملاحظ أن الأساس الذي تم الاعتماد عليه لشغل هذه المناصب للمسلمين هو معيار الانتماء القبلي والحزبي أكثر مما هو الاعتماد على الأساس الديني، بجانب أن هذه الوزارة أو الإدارة التي تم السماح للمسلمين لشغلها هي وزارات أو إدارات غير مهمة، وغير أساسية، وغير حساسة، ودائماً تتعلق بالتجارة والصناعة، والمعادن والسياحة؛ فكلها وزارات مالية أكثر مما هي سياسية وعسكرية، فأما الوزارات الحساسة مثل الدفاع والداخلية فظلت في أيدي المسيحيين هذا على المستوى الفدرالي في البلاد، أما على المستوى الإقليمي وبالذات الأقاليم الإسلامية فإنه لوحظ تولي العديد من المسلمين إدارة الأقاليم في الأمور المختلفة إلا أن الشرط الأساسي لا يزال هو الانتماء الحزبي أساساً للوصول إلى مراكز القيادة في الإقليم.
ومن جانب آخر فإنه ومع بداية هذا النظام وما أعلنه من الانفتاح والحرية، وعدم تدخل الدولة في الدين؛ وهذا ما تحقق فعلاً للكنيسة، ولكن ظهرت بعض الانفراجات للمسلمين وقبل أحداث المسجد الكبير في شهر رمضان عام 1987م حسب التقويم الإثيوبي، فظهرت مؤسسات إسلامية عالمية تفتح مكاتب لها في البلاد مثل الندوة العالمية للشباب الإسلامي، ورابطة العالم الإسلامي، وإن كان تم فتح مكتبها من قبل، وهيئة الإغاثة الإسلامية، ومؤسسة موفق الخيرية، والمنتدى الإسلامي، ومن بعدها مكتب لجنة أفريقيا، ومؤسسة الحرمين، ومؤسسة الأمير سلطان الخيرية، وبدأت كلها تقدم بعض المساعدات في الإغاثة، وإقامة المدارس والمساجد في الأقاليم الإسلامية التي تعاني من الفقر والتخلف والجهل والقحط والمجاعة، وبدأ المسلمون لأول مرة يقيمون مراكز لتحفيظ القرآن الكريم، والمشاركة في المسابقات الدولية، واستقبال الدعاة من الخارج، والأئمة والخطباء، وبالذات في شهر رمضان المبارك.
إلا أن هذه الشمعة وهذا البصيص والإضاءة الخفيفة لم يدم طويلاً، وبدأ يضمحل ويتقلص لأسباب داخلية وخارجية مع ظهور التسميات المختلفة للعقيدة الإسلامية، من أنها فكرة رجعية وتشدّدية وتطرّفية، وأخيراً وليس آخراً إرهابية، بجانب التخلف الثقافي والإداري والمالي للمسلمين، مع ما تعرضت له المناطق الإسلامية من القحط والمجاعة والفقر مراراً، وعدم وجود مركز إسلامي موحد وقوي يعبر عن آرائهم ومشاكلهم والقيام بجمع كلمتهم، ويقوم بالحماية لحقوقهم ومطالبهم، فلم يتم استغلال هذه الفترة على الوجه المطلوب كما استغلتها الجهات المختلفة الأخرى - وبالذات المسيحية - وعلى رأسها الكنيسة، وقد كانت الحكومة في هذه الفترة حكومة انتقالية لفترة محددة تقوم من خلال هذه الفترة الانتقالية في إعداد الدستور العام الجديد للبلاد، يتمشى مع الوضع الجديد، لذا تم تكوين الأجهزة الفنية والإدارية اللازمة لإعداد الدستور الجديد في البلاد، وأثناء إعداد هذا الدستور لاحظ المسلمون إهمال حقوقهم وواجباتهم، والأهم من ذلك ما يتعلق بمحاكمهم الشرعية، وكما سبق أن أوضحنا أنه لم يكن يوجد جهاز إداري قوي يهتم بأحوالهم وأمورهم، وأن بما يُسمى المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية غير قادر وغير جاهز إدارياً وفنياً للقيام بالنيابة عن المسلمين في البلاد، مع ضخامة حجم هذه المشاكل وتراكمها، لذا قرر المسلمون ومن خلال تجمعاتهم في المساجد والخلاوي وفي بعض المؤسسات الإسلامية الصغيرة أمثال: منظمة الشباب الإسلامي، وهيئات العلماء، وأنصار السنة، ولجنة تطوير وضع المحاكم الشرعية، وغيرها الخروج بمظاهرة ضخمة للتعبير عن مطالبهم وحقوقهم المهضومة، وإصلاح شأن المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، وبالذات أن هذه الفترة كانت فترة إعداد الدستور العام للبلاد، وقد انتهت اللجنة المعتمدة في ذلك من دراسة ووضع ما يجب اعتماده من البنود في دستور البلاد، وتجاهلت كل ما يتعلق بالمحاكم الشرعية للمسلمين وحقوقهم.
فتم تكوين لجنة من المسلمين لإعداد هذه المظاهرة شملت العلماء، والتجار، والأساتذة، والطلاب، والنساء، وموظفي الدولة من المسلمين وبالذات القضاة منهم؛ فتم تحديد اليوم والساعة للخروج بالمظاهرة وذلك في يوم 19 هدار 1987 حسب التقويم الإثيوبي، وقد تجمع أكثر من مليون مسلم اكتظت بهم الشوارع للوصول إلى قصر الرئاسة، وكان من البرنامج أن يقوم رئيس الوزراء آنذاك تامرات لايني في استقبال المتظاهرين للتباحث حول مطالبهم، إلا أن ضخامة هذه المظاهرة وكثرة المشاركين فيها دعت وألزمت تغيير البرنامج في أن يستقبل رئيس الحكومة الانتقالية آنذاك ورئيس الوزراء حالياً ملس زيناوي، وبحضور الوزراء آنذاك تامرات لايني استجيبت مطالب المسلمين وأهمها ما يتعلق بالمحاكم الشرعية، وإصلاح وضع المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، وتحقيق مطالب المسلمين من الحقوق والواجبات، ورفع الظلم، وعدم التدخل في شؤونهم الدينية وما يتعلق بحقوق المرأة من الحجاب وغيرها وفق مضمون العقيدة الإسلامية، وكذا ما يتعلق بالطلاب المسلمين في المدارس المختلفة، والسماح لهم بأداء الصلاة في أوقاتها وغيرها من المطالب. وكانت النتيجة أن تم تكوين لجنة من الحكومة ومن الشخصيات المسلمة للتباحث حول هذه المطالب وتحقيقها.
إن ضخامة هذه المظاهرة كانت لها فوائد وآثار كبيرة إيجابية أهمها: اضطرار لجنة إعداد الدستور العام للبلاد للرجوع لدراسة وإضافة ما يتعلق من الحقوق والواجبات للمسلمين الإثيوبيين، وبالذات ما يتعلق بمحاكمهم الشرعية، وطرد أعضاء المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية الذين عجزوا عن تقديم أي فوائد بما يعود بالنفع والصلاح على المسلمين الإثيوبيين، وتكوين لجنة مؤقتة لإعداد ودراسة وضع المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية ليكون بالوجه العصري المطلوب، ويتمشى مع التطورات الحالية، فتم تكوين هذه اللجنة من كل من الأساتذة والعلماء، والإداريين والقضاة، والمثقفين والشباب، ورجال المال والأعمال، والشخصيات المرموقة التي لها مكانة لدى الأسرة المسلمة، فوضعت هذه اللجنة مخططاتها وبرنامجها لتحقيق ذلك، ولقيت التأييد الشعبي من المسلمين من الأقاليم المختلفة في المدن والقرى.
ولضخامة هذه المظاهرة، وكثرة المشاركين فيها، وما أظهرت من الأعداد الهائلة للمسلمين؛ فقد أنزعجت البعثات الدبلوماسية الغربية، فقامت كل من الكنيسة والسفارة الأمريكية والإنجليزية بالاتصال مع الجهات المختلفة لمعرفة ودراسة مضمون وأهداف ودواعي ونتائج هذه المظاهرة، وهل بإمكان المسلمين مستقبلاً أن يكون لهم تأثير سلبي وخطورة عليهم وعلى أهدافهم وخططهم المستقبلية في المنطقة، وصرح السكرتير الأول في السفارة الأمريكية آنذاك: إن هذه المظاهرة الضخمة ليست وليدة يوم وليلة، بل تم إعدادها منذ وقت بعيد، وأن من ورائها جهات وحكومات أجنبية إسلامية، ولكن الحقيقة كانت غير ذلك.
المهم إن هذه المظاهرة قد فتحت الأعين على كل المسلمين في الأقاليم المختلفة في البلاد، ومنذ تلك اللحظة التي رأوا توحد صفوف المسلمين فيها؛ فبدأت الدسائس والوشايات للمغرضين والحاقدين على تحسين وضع الإسلام والمسلمين في هذه البلاد، وتمثل ذلك في الكنيسة ومن ورائها، وكذا المسؤولين المتصلبين في النظام، ومن بعض المنتفعين ممن ينسبون أنفسهم إلى الإسلام من المنافقين، وبدأت التدخلات السافرة، وإيجاد الفتن والقلاقل بين المسلمين، وحدثت مشكلة 22 من شهر رمضان المبارك 1987 حسب تقويم الإثيوبي في المسجد الكبير بالعاصمة أديس أبابا، وبرغم أن المشكلة لم تصل إلى الحد الذي يستدعي رجال الأمن والشرطة والجيش في ذلك إلا أن الجهات الحاقدة، والتي سبق أن أضمرت حقدها على وحدة صفوف المسلمين وجدت هذه الفرصة مناسبة، فأمرت رجال الأمن والشرطة بالتدخل في الأمر، وبدأت بإطلاق الرصاص على المسلمين، وقتل من قتل من المسلمين، وجرح العديد منهم. وبعد ذلك تمت الإغارة والحملة على مكاتب ومنازل أعضاء اللجنة المؤقتة لإدارة المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية والقبض عليهم، واغتيال السيد العجوز القعيد كفيف البصر سراج موسى أحد أعضاء اللجنة المؤقتة وأمين صندوقها، وتم القبض على خمسة وثلاثين عضواً من العلماء والأساتذة، والإداريين والقضاة، والشباب ورجال المال والأعمال من أعضاء اللجنة المؤقتة للمجلس، وتم إيداعهم في السجن المركزي، وتم إغلاق المسجد الكبير أمام المصلين مدة خمسة أيام من أواخر شهر رمضان المبارك، وهكذا تم القضاء على بصيص الأمل الذي ظهر للمسلمين في هذه البلاد، واستمر الحبس لهؤلاء الأعضاء؛ فمنهم من قضى ثلاث سنوات، ومنهم خمس سنوات، ومنهم ثمان سنوات، وكانت النتيجة النهائية لدى المحاكم التي نظرت في هذه القضية أن هؤلاء الأعضاء المحجوزين ليست لهم علاقة مباشرة أو غير مباشرة مما ادعته الحكومة عليهم من الادّعات الكاذبة.
موقع المختار الإسلامي