ومن هنا كان الكمال المحمدي ضربين: ضربًا لم تشرع الأسوة فيه لعجز المرء عن كسب مثله وذلك كشرف الأصل، وجمال الذات، وعلوّ القدر، والاصطفاء للرسالة، وتلقي الوحي الإلهيّ، وضربًا مأمورًا بالاقتداء به فيه، والمنافسة في تحصيل أكبر قدر منه، والمسابقة إليه، والجدّ في الطلب للظفر به، والحصول عليه، وهو ما سنذكر جملاً صالحة منه، سائلين الله تعالى أن يرزقنا التحليّ به، والحياة والموت عليه، اللهم آمين.
الآداب المحمدية
لقد كان محمد صلى الله عليه وسلم يتجمل بالآداب التالية ويتحلى بها وهي:
أولاً: غض الطرف فلا يبتع نظره الأشياء، وكان جل نظره الملاحظة، فلا يحملق إذا نظر، ونظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء.
ثانيًا: إذا مشى مع أصحابه يسوقهم أمامه فلا يتقدمهم، ويبدأ من لقيه بالسلام.
ثالثًا: إذا تكلم يتكلم بجوامع الكلم، كلامه فصل، لا فضول ولا تقصير، أي: على قدر الحاجة، فلا زيادة عليها ولا نقصان عنها، وهذا من الحكمة وكان يقول: ((من حسن إسلام المر تركه ما لا يعنيه)) ويقول:((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت)). ويبدأ كلامه ويختمه بأشداقه من أجل أن يسمع محدثه ويُفِهمَهُ لا يتكلم في غير حاجة، طويل السكوت.
رابعًا: متواصل الأحزان، دائم الفكر، ليست له راحة، دمث الخُلُق، ليس بالجافي ولا المهين، يعظم النّعمة وإن دقت، لا يذم منها شيئًا ولا يمدحه.
خامسًا: لا تغضبه الدنيا وما كان لها، فإذا تُعُرِّضَ للحقّ لم يعرفْه أحد، ولم يقم لغضبه شيءٌ حتى ينتصر له، ولا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها.
سادسًا: إذا غضب أعرض وأشاح، وإذا فرح غض طرفه، جُلُّ ضَحِكه التبسُّم، ويفترّ عن مثل حبّ الغمام.
سابعًا: إذا تكلم تكلم ثلاثًا، وإذا سلم سلم ثلاثًا، وإذا استأذن استأذن ثلاثًا، وذلك ليعقل عنه ويفهم مراده من كلامه نظرًا إلى ما وجب عليه من البلاغ.
ثامنًا: كان يشارك أصحابه في مباح أحاديثهم، إذا ذكروا الدنيا ذكرها معهم، وإذا ذكروا الآخرة ذكرها معهم، وإذا ذكروا طعامًا أو شرابًا ذكره معهم.
تاسعا: كان إذا جلس نصب ركبتيه واحتبى بيديه، وإذا جلس للأكل نصب رجله اليمنى وجلس على اليسرى.
عاشرًا: كان لا يعيب طعامًا يقدم إليه أبدًا، وإنما إذا أعجبه أكل منه، وإن لم يعجبه تركه، هذه الآداب مجملة، وكلها يمكن الاقتداء به فيها، وهو غاية الطلب، وبغية أولي الأرب.
إن لذوي الأخلاق الفاضلة منزلة عالية. ففي الحديث الصحيح: ((أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم أخلاقًا)) رواه أحمد والترمذي وقال: حسن صحيح, ((إن من خياركم أحاسنكم أخلاقًا)) رواه البخاري ومسلم.
وسُئل صلى الله عليه وسلم عن البر، فقال: ((حسن الخلق)) أخرجه الإمام مسلم.
ومن هنا كان اكتساب الأخلاق الفاضلة خيرًا من اكتساب الذهب والفضّة، والأموال الطائلة، والطريق إلى ذلك هو الائتساء بالنبي الحبيب صلى الله عليه وسلم، ولذا كان إيرادنا للأخلاق المحمدية في آخر هذا الكتاب من باب حمل المسلم على اكتساب تلك الأخلاق المحمدية الفاضلة، ودفعًا له على التجمل والتحلي بها، ليكمل بها ويفضل ويشرف عليها، بعد أن عرف صاحبها، وعرف كمالاته الذاتية والروحيةّ، وقوى إيمانه به نبيًا ورسولاً تجب طاعته ومتابعته وتعظيمه ومحبته وتوقيره.
الكاتب: إسلام محمود دربالة
الرجوع الي
أشرف الخلق رسول الله صلي الله عليه وسلم