قل هاتوا برهانكم عقائد وأديان مسيحيات برهانكم للرد علي شبهات النصارى

آباء الكنيسة
 
الباترولوجي
[ الباترولوجي ]

·التثليث عند آباء الرسوليين
·العلامة ترتليانوس والزواج الثاني
·بابياس أسقف هيرابوليس
·بوليكاربس في الميزان
·القديس اغناطيوس الأنطاكي
·القديس أغسطينوس والإرهاب الديني
·الحرب العادلة في فكر أوغسطينوس
·جون كالفن
·الباترولوجي - آباء الكنيسة
·الكذب .. السر الثامن من اسرار الكنيسة
  .  

خربشات صوماليانو
 
خربشاتـــصوماليانو
[ خربشاتـــصوماليانو ]

·سويعات في برية التيه
·الإختلافات العددية في الكتاب المقدس
·البابا شتودة: المسيح لم يقل أنا الله أعبدوني
·بولس الرسول كبير الغنوصيين
·الغنوصية والرهبنة في الأناجيل
·تيري جون وثقافة الحرق
·ديونيسيوس يعقوب السرياني وضياع الأسفار
·سيدعى ناصريا
·التسامح سلاحنا في وجه شنودة
·القمص يوحنا سلامة : البروتستانت حرفوا الكتاب المقدس
·الدوناتستيون
·ثامار الزانية في ظل الشريعة
  .  

الرد علي زكريا بطرس
 
شطحاتــزكريابطرس
[ شطحاتــزكريابطرس ]

·المسيح الجبار
·مسرحية نشيد الإنشاد
·النكاح في الجنة وشطحات زكريا بطرس
·انتهى زكريا بطرس كغيره والإسلام باق
·أحلام زكريا بطرس
·تأملات في نشيد الأناشيد
·نشيد الإنشاد كأشعار رابعة العدوية
·هلوسات زكريا بطرس
·الرد السماوي على زكريا بطرس
·بيان الشيخ الزغبي
·الرب مخلص مسيحه
·زكريا بطرس يبكي علي أطلال قناة الحياة
  .  

صوماليانو
 

تعدد الزوحات لماذا ترعب الكنيسة
البابا غريغوريوس الثاني وتعدد الزوجات
ضيوف الأنبا بيشوي أم أتباع الغزاة
ضمان الخلاص والجنة
العتل الزنيم مرقس عزيز
لا محلل ولا طلاق لأن العصمة في يد الأنبا بولا

  .  

إعجاز قرآنى علمى أم مجرد ملاحظات ساذجة

 - رد شبهات النصارى

د. إبراهيم عوض

بسم الله الرحمن الرحيم

كنتُ أَعِسّ (بتعبير ابنى) فى أرجاء المشباك منذ أيام فإذا بى أجد نفسى فى أحد المواقع وجهًا لوجهٍ أمام معجمٍ فرنسىٍّ عنوانه: "Dictionnaire des religions et des mouvements philosophiques associés"، فقلت: أَدْخُل وأُلْقِى نظرة لعلى أستفيد شيئا، فوجدت عنوانا جذبنى إليه هو: "Coran et Sience" بقلم كاتبٍ اسمه yohanfrais لم يسبق أن سمعت به، فوقفت أحملق قليلا فى العنوان، ثم استجمعت عزيمتى وتوكلت على الله وشرعت أقرأ، فألفيت أن الكاتب يتناول النصوص القرآنية التى يرى العلماءُ المسلمون أنها تتحدث عن موضوعات علمية، واقفا أمام كل نص من هذه النصوص محللا إياه لينتهى من التحليل إلى أنْ ليس فى القرآن أىّ نص مما يمكن أن يقال عنه بحق إنه يتحدث عن موضوعٍ علمى.




 وفكرتُ فى ترجمة أحد الموضوعات التى عالجها الكاتب تحت العنوان المذكور والتعليق عليه، واخترتُ الموضوع الخاص بما تتحدث عنه بعض آيات القرآن بشأن التقاء البحرين مع وجود برزخ يمنعهما أن يبغى أحدهما على الآخر.
وهذه أولاً ترجمتى للنص المذكور:
"يتحدث القرآن فى ثلاثة مواضع منه عن حاجزٍ يفصل بين بحرين عَذْبٍ ومِلْحٍ يلتقيان دون أن يمتزج أحدهما بالآخر (الفرقان/ 53، وفاطر/ 12، والرحمن/ 19- 21). وهذه هى النصوص المذكورة: 1- "مَرَجَ البحرين يلتقيان* بينهما برزخٌ لا يبغيان* فبأىّ آلاء ربكما تكذّبان؟" (الرحمن/ 19- 21). وجدير بالذكر أن كلمة "برزخ" المترجمة هنا بــ"zone intermediaire" تعنى: "فاصلا، حاجزا، خندقا، مانعا، عائقا، بوغازا". 2- "وهو الذى مرج البحرين: هذا عذبٌ فراتٌ، وهذا مِلْحٌ أُجَاجٌ، وجعل بينهما برزخا وحِجْرًا محجورا" (الفرقان/ 53). 3- "وما يستوى البحران: هذا عذبٌ فراتٌ سائغٌ شرابُه، وهذا مِلْحٌ أُجَاجٌ. ومن كلٍّ تأكلون لحمًا طريًّا، وتستخرجون حِلْيَةً تلبسونها. وترى الفُلْك مواخرَ فيه، ولِتبتغوا من فضله، ولعلكم تشكرون" (فاطر/ 12).

وحسبما يقول بعض المفسرين فإن هذه الآيات تكشف عن وجود مانع يحول دون اختلاط مياه الأنهار عند مصابها بمياه البحار، لأن هذا الاختلاط لا يتم فى حالاتٍ معينةٍ إلا فى عُرْض البحر بعيدا عن الشاطئ. ومن الممكن أن يكون هذا صحيحا، لكنْ أَلَسْنا هنا بإزاء ملاحظة بسيطة لظاهرة طبيعية يعرفها كل أحد، ألا وهى عدم اختلاط مياه دجلة والفرات بمياه البحر مباشرةً عند مصبهما فى الخليج الفارسى؟ ومن الممكن أن نلاحظ عند مدينة البصرة بالعراق كيف أن مياه دجلة العذبة تصبّ فى المحيط الهادى. وفى حالات المدّ العالى نشاهد طبقة مائية مالحة ذات لون أخضر تلامس طبقة من ماءٍ عذبٍ ضاربٍ إلى الحمرة دون أن يكون بينهما أدنى امتزاج. ولا شك أن القارئ يوافقنى على أن هذا المشهد المثير للاهتمام بالنسبة لنا اليوم لا بد أنه كان شيئا هائلا فى نظر أهل القرن السابع الميلادى!

والآن علينا أن ننظر فيما تقوله لنا الحكاية الأسطورية البابلية التالية التى يرجع تاريخها لما قبل القرآن بثلاثة آلاف من الأعوام: "فى البدء لم يكن هناك إلا "نامُّو" التى كانت تتخذ صورة البحر الأصلى، أو فلنقل: المحيط الكونى. وقد أنجبت "نامُّو" هذه "أَنْ" (السماء)، و"كِى" (الأرض)... وأخيرا "أونكى" الإله الخاص بالماء العذب الذى كان يناوئ الماء الملح فى نامّو (البحر الأصلى)، فكان لا بد أن يُنْقَل إلى السماء على هيئة مطر".

ومن هذه الحكاية يتبين أن القرآن لم يكشف لنا شيئا فى الواقع! وإذا كان بعض المسلمين يزعمون أن هذه الآيات القرآنية تكشف عن إحدى الحقائق العلمية، فينبغى حينئذ أن نتخذ نفس الموقف إزاء الأساطير البابلية، وأن نستخلص أن ثمة وحيًا كان ينزل على البابليين الوثنيين أيضا. إننى لا أتصور أنه ينبغى الوصول فى تفكيرنا إلى هذا المدى، بل كل ما علينا هو أن نكون شرفاء وأن نصرّ على القول بأن هذه الآيات لم تنبع إلا من ملاحظة بسيطة لظاهرة من الظواهر الطبيعية تحدَّث عنها ناس آخرون ينتمون لحضارات سابقة على محمد بآلاف السنين.
كذلك لا بد من التنبيه إلى أن هناك مفسِّرين آخرين قد ذهبوا أبعد من هذا وادّعَوْا أن القرآن يكشف لنا هنا عن وجود طبقات مائية يختلف بعضها عن بعض فى درجة حرارتها، وفى ملوحتها، وفى كائناتها الحية، وفى مدى ذوبان الأوكسيجين فيها...إلخ. والآن لنفحصْ ما قاله القرآن: إنه يتحدث هنا عن عدم اختلاط الماء الحلو (العذب الفُرَات السائغ شرابه) بالماء المِلْح (الأُجَاج)، بيد أنه لا يقول شيئا عن اختلاف درجات الحرارة أو الكائنات الحية أو ذوبان الأوكسيجين. إن هذا كلام لا أساس له فى القرآن فى الوقت الذى يصف نفسه فيه بأنه تبيان وتفصيل لكل شىء، وأنه ما من شىء إلا وهو موجود فى آياته.

إن القرآن إنما يتحدث عن ماء عذب سائغ شرابه، لكن هذا القول شىء، والقول بوجود بحار عذبة شىء آخر! ذلك أنه من الخطورة بمكان على البشر أن يعتقدوا فى مثل هذه الأشياء، فشرب الماء المالح فى الواقع من شأنه أن يجعل الشخص عرضة للجنون... ومما لا ريب فيه أن البحث فى القرآن عن الحقائق العلمية هو أمر ليس فى صالحه، وبخاصة إذا وضعنا فى الاعتبار ما قلناه قبلا من أنه إذا استمر البعض فى الزعم مع ذلك بوجود إشارات علمية فى القرآن، فينبغى أن نقف ذات الموقف من الأسطورة البابلية، وهو ما يترتب عليه أن القرآن لم يُوحِ فى هذا المجال بشىء، وأنه لم يزد على أن ردّد ما قالته تلك الأسطورة قبله بما يزيد على ثلاثة آلاف عام! وهكذا نجد أنفسنا قد وصلنا إلى نفس النتيجة، ألا وهى أن الآيات القرآنية لا تقدم لنا شيئا آخر غير الملاحظة البسيطة لإحدى الظواهر الطبيعية.

وفى الختام نحب أن نؤكد أنه خلافا لما يؤكده بعض المفسرين المسلمين فإن قراءة تلك الآيات يترتب عليها جهل وتخليط من شأنه، إذا نظرنا إليه على أنه معجزة علمية، الإضرار حتى بحياة الإنسان (جرّاء الاعتقاد بوجود بحار ذات ماء عذب). ولكن إذا أصر البعض مع ذلك على أن يَرَوْا فى هذه الآيات كشفا علميا، فعليهم فى هذه الحالة أن ينظروا إلى الحكاية البابلية بنفس العين... وهكذا تُخْتَزَل المعجزة القرآنية الوحيدة فلا تعدو أن تكون تكرارا لما سبق أن قاله الآخرون من قبل...".

******وأول كل شىء نفعله بعد أن ترجمنا ما قاله الكاتب هو أن نبين الأخطاء المعرفية والمنهجية التى وقع فيها: فقد ذكر أن فى كتاب الله ثلاثة مواضع تتحدث عن حاجز يفصل بين بحرين عذبٍ وملحٍ يلتقيان دون أن يقع بينهما مع ذلك أى تمازج، وهى: الفرقان/ 53، وفاطر/ 12، والرحمن/ 19-21. ونظرة سريعة إلى الآيات التى استشهد بها تدلنا على أنه لا توجد فى سورة "فاطر" أية إشارة إلى الحاجز المذكور، إذ الكلام فيها مقصور على الاختلاف الملاحَظ بين ماء البحر وماء النهر. ومع ذلك فهناك فعلا نص ثالث فى القرآن الكريم يشير إلى وجود مثل هذا الحاجز لم يذكره الكاتب، ألا وهو قوله تعالى فى الآية 61 من سورة "النمل": "أَمْ مَنْ جعل الأرضَ قرارا، وجعل خلالها أنهارا، وجعل لها رواسىَ، وجعل بين البحرين حاجزا؟ أأله مع الله؟بل أكثرهم لا يعلمون"، فهذه واحدة.

أما الثانية فهى مقارنة الكاتب بين ما جاء فى الأسطورة البابلية وما ذكرته النصوص القرآنية، والخروج من ذلك بأن القرآن لم يأت بشىء جديد، فها هى ذى الأسطورة البابلية قد سبقته منذ بضعة آلاف من الأعوام إلى هذا الذى قال. والواقع أنه لا وجه للمقارنة بين النصين، فالحكاية الخرافية تتحدث عن خلاف بين الماء المالح والماء العذب استتبع رفع الماء العذب إلى طبقات الجو العليا وتحويله إلى أمطار. فأين فى القرآن ما يمكن أن نقارن به هذا الكلام؟ إن القرآن يتحدث عن إجرائه تعالى البحر والنهر بما يؤدى إلى التقائهما، ولكن دون أن يطغى أحدهما على الآخر. وهذا شىء مغاير تماما لما جاء فى الخرافة البابلية، وهو من الوضوح بمكان، ولا أدرى كيف سقط الكاتب الهمام فى هذه الغلطة! ثم هل الماء العذب مقصور على طبقات الجو العليا؟ فماذا نقول فى الأنهار والجداول والآبار والعيون إذن؟

وهنا نأتى إلى الخطإ الثالث الذى ارتكبه المؤلف، وهو ما فهمه من أن الآيات القرآنية تتحدث عن التقاء بين النهر والبحر دون أن يتم بينهما امتزاج، وهذا الزعم أيضا لا وجود له فى القرآن. القرآن يقول إنه قد جعل بين البحرين (أى البحر والنهر) حاجزا أو برزخا يمنعهما من طغيان أى منهما على الآخر، لكنه لم يقل إنه لا يحدث بينهما امتزاج عند اللقاء. وسوف أوضح هذا المعنى فيما بعد، لكنى أحب أن أركز هنا على أن الكاتب قد نسب للقرآن ما لم يقله القرآن! لقد فهم النصَّ القرآنىَّ خطأً أو اعتمد على ترجمةٍ فهم صاحبُها ذلك النصّ فهمًا خاطئًا، فكان أَنْ خطّأ القرآن الكريم، والقرآن من الخطإ براء! وقد يكون تعمَّد هذا تعمُّدا!

وهناك خطأ رابع وقع فيه الكاتب أيضا، وهو محاسبة النص القرآنى على أساسٍ من فهم بعض المفسِّرين المسلمين كما قال. ولعله يقصد د. موريس بوكاى الطبيب الفرنسى المسلم الذى فسّر الآيات القرآنية المذكورة على أساس أن المقصود بالبحرين هما دجلة والفرات من جهة، والخليج العربى من جهة أخرى، وسوف أعود إلى هذه النقطة لاحقًا (انظر موريس بوكاى/ القرآن الكريم والتوراة والإنجيل والعلم/ دار المعارف/القاهرة/ 1982م/ 205). وليس فى النصوص القرآنية ما يُفْهَم منه أن ذلك هو معنى البحرين الواردين فيها، ومن ثَمَّ فليس للكاتب أى عذر فى التهكم الذى وجَّهه للقرآن حين أكد أن ما يقوله الكتاب الكريم فى هذا الشأن لا يزيد عن ملاحظةٍ بسيطةٍ جدا لظاهرة طبيعية يمكن كلَّ من يقف عند مصب هذين النهرين فى الخليج العربى أن يلاحظها، وأن الخرافاتِ البابليةَ قد سبقت القرآنَ إلى هذه الملاحظة منذ آلاف السنين، فلا إعجاز إذن ولا يحزنون!

ثم خطأٌ خامس، وهو أن كاتبنا يشير إلى مسألة وجود طبقتين من الماء فى حالات المدّ العالى إحداهما طبقة مالحة خضراء اللون تلامس طبقة عذبة مائلة للحمرة دون أن تمتزج بها بوصفها أمرا يستطيع الرجل العادى أن يلاحظه بسهولة، وهو ما لا أظنه أبدًا صحيحا، وإلا لذكره كل إنسان، ودعنا من أنه كان من سكان البصرة فى أيام ازدهار الثقافة الإسلامية علماء أجلاء وشعراء وأدباء كمحمد بن سيرين (مولى أنس بن مالك) والحسن البصرى وعمرو بن عبيد والفرزدق وجرير وقَطَرِىّ بن الفُجَاءة ورؤبة بن العجّاج وبشار وأبى نُوَاس وابن المقفَّع والأصمعى والمفضَّل الضّبَّىّ والخليل بن أحمد وسيبويه والنظّام وواصل بن عطاء والجاحظ وابن سلام وابن قتيبة وابن دُرَيْد والباقلانى مثلا ممن لم يكن من الممكن أن تفوتهم ملاحظة مثل هذه الظاهرة لو كان إدراكها سهلا إلى هذا الحد الذى يصوره لنا الكاتب، وبخاصة أنها كانت بالنسبة للقدماء أمرا هائلا كما يقول. والحقيقة أن هذه الملاحظة لم يتنبه لها إلا العلماء فى العصر الحديث بعد رحلات وأبحاث ودراسات مضنية استعانوا فيها بآلات التصوير الحرارى التى لم يكن لها أى وجود قبل القرن العشرين حسبما كتب العلماء المسلمون فى هذه المسألة على ما سيأتى بيانه، ولولا الصورة المرفقة لحالة المدّ المشار إليها لما دار ذلك بخاطرى،

أما بالنسبة للقدماء فلم تكن لتلفت أنظارهم لأنها ليست مما يُدْرَك بالعين المجردة على خلاف ما يحاول الكاتب أن يوهم قراءه. وحتى لو غالطنا أنفسنا كما يريد منا وقلنا إنها قد لفتت منهم الأنظار، فكيف يا ترى كان لهم أن يعرفوا أن اللونين المختلفين يمثلان طبقتين من الماء إحداهما حلوة، والأخرى مالحة؟ وعلى أية حال فلم يكن الرسول من سكان منطقة البصرة حيث كان من الممكن أن يشاهد هذه الظاهرة لو كانت مشاهدتها ممكنة بالنسبة للرجل العادى فعلا كما يزعم الكاتب، بل كان عليه السلام من سكان مكة آنذاك، ومن ثم فلا يمكن أن يقال إنه فى هذه النصوص القرآنية قد تكلم عن ملاحظة بسيطة لظاهرة طبيعية يعرفها كل أحد!

******والواقع أنى لم أكتف بهذا، بل ذهبتُ فقلّبت كل ما أتيح لى من "معاجم البلدان" وقرأت ما كُتِب فيها عن "البصرة" ونَهْرَيْها لعلى أعثر على ما يمكن أن يُفْهَم منه، ولو على سبيل التأويل والتمحُّل البعيد، أن أجدادنا قد لاحظوا هذه الظاهرة التى يصرّ الكاتب فى جرأة عجيبة على أنها مما تراه العين العادية للرجل العادى، فلم أجد شيئا بالمرة. ومن الكتب التى راجعتُها لهذا الغرض: "المسالك والممالك" لابن خرداذبة (من أهل القرن الثالث الهجرى)، و"الأعلاق النفيسة" لابن رستة (من أهل القرن الثالث الهجرى أيضا)، و"معجم البلدان" لياقوت الحموى (من أهل القرنين الساس والسابع)، و"أحسن التقاسيم فى معرفة الأقاليم" للمقدسى (من أهل القرن السابع)، و"آثار البلاد وأخبار العباد" للقزوينى (من أهل القرن السابع أيضا)، و"الروض المعطار فى خبر الأقطار" لمحمد بن عبد المنعم الحِمْيَرى (من أهل القرنين السابع والثامن)، و"مسالك الأبصار فى ممالك الأمصار" لابن فضل الله العُمَرى (من أهل القرن الثامن الهجرى) و"Gazetteer of the Persian Gulf, Oman and Central Arabia" لــJ. G. Lorimer (من أهل القرنين التاسع عشر والعشرين الميلاديين). ولقد تناول كلامُ هؤلاء الكتاب عن البصرة موقعَها وتاريخَها وجوّها وأنهارَها وأطعمتها وسكانها ومشاهيرَها وحيوانها وطيورَها ومَدّها وجَزْرها وما قيل فى مدحها وذمها، لكنى لم أقرأ كلمة واحدة، كلمة واحدة يتيمة، عن تلك الظاهرة التى ادَّعى الكاتب أنها مما لوحظ من قديم الزمان قبل القرآن ببضعة آلاف من السنين، رغم أن بعض هؤلاء الكتاب قد أورد فى الحديث عن مدّها وجَزْرها الخرافات والأساطير مثل المقدسى، الذى نقل ما سمعه من أن ثمة مَلَكًا إذا وضع إصبعه فى النهر حدث المدّ، وإذا رفعه جاء الجَزْر، أو أن الحوت إذا أخذ نفَسا سحب الماء إلى منخريه فكان الجَزْر، فإذا أخرجه كان المدّ" (المقدسى/ أحسن التقاسيم فى معرفة الأقاليم/ ط2/ بِرِيل/ 1906م/ 3)! بل لقد تحدث القزوينى عن ملوحة ماء البصرة قائلا: "وماء دجلة والفرات إذا انتهى إلى البصرة خالطه ماء البحر فيصير ملحا" (القزوينى/ آثار البلاد وأخبار العباد/ دار صادر ودار بيروت/ 1389هــ- 1969م/ 309)، أى أنه قد اقترب تماما من النقطة التى نتحدث عنها الآن، ورغم هذا فإنه لم ينبس بأى شىء مما يزعم الكاتب أنه ظاهرة طبيعية بسيطة لاحظها القدماء بكل سهولة، وليس فيها ما يمكن أن يُعَدّ إعجازا بحال! إن الزعم أمرٌ هيّن الشأن لا يكلف صاحبه شيئا، بخلاف البناء والتثبت، فإنه يتعب من يرومه ويجشّمه من أمره جهدا ومشقّة ونَصَبا. إن كاتبنا لم يكلف نفسه أكثر من أنه تركها تزعم ما يحلو لها دون أن تقدِّم على ما تقول أى برهان، وهو أمر لا يعجز عنه أى شخص مهما يكن حظه من العلم، أو فلنقل بالأحرى: مهما يكن حظه من الجهل. كل ما هنالك أنه ينبغى أن يتدرع بالاندفاع واللامبالاة، ثم لا عليه بعد ذلك من شىء! أما الذين يحرصون على سمعتهم ويلتزمون بقِيَم الدين والعلم والخلق الكريم فلا يستطيعون أن يخطّوا حرفا إلا بعد اللَّتَيّا والتى خشيةَ الخطإ وتحرُّزًا من الوقوع فى التدليس. وصدق المثل القائل إنّ رَمْى حجر فى بئر لا يحتاج إلى أكثر من مجنون واحد، أما إخراج الحَجَر من البئر فيحتاج إلى ألف عاقل!


ثم يضيف الكاتب أن من المسلمين من يقول بوجود بحارٍ ذات ماء عذب صالح للشرب ( eau de mer potable)، قائلا إن الاعتقاد بهذا والشرب بناء عليه من ماء البحر المالح يؤدى إلى الجنون. ولست أدرى من أين أتى الكاتب بهذا الكلام الذى ينسبه لبعض المفسرين المسلمين. لقد كان ينبغى أن يذكر لنا أسماء من قالوا بذلك ويحدد السياق الذى ورد كلامهم فيه، وعلى أى أساس قالوه. أما أن يتركنا فى عماية من الأمر متصورا أننا ينبغى أن نلقى إليه بمقاليد طاعتنا ونصغى إليه أسماعنا وأفئدتنا دون دليل أو توضيح فأمر لا يصحّ، ومن شأنه أن يدفعنا إلى تكذيبه فيما يقول نظرا لغرابته البالغة، إذ لا يعقل أن يكون بين المفسرين المسلمين فى العصر الحديث ولا فى أى عصر آخر من يُقْدِم على كتابة هذا الكلام المضحك مهما تبلغ قلة بضاعته من المعرفة. إن هذا الكلام يعرف كذبَه أىّ عامىٍّ فَدْم، فما بالنا بمن يتصدى لتفسير كتاب الله المجيد؟ ولقد رجعتُ إلى ما نشره "موقع الإيمان على شبكة الإنترنت" فى هذا الموضوع فوجدت ما أورده الكاتب المذكور وعمل على تفنيده من تفسير علماء المسلمين المعاصرين للآيات القرآنية التى نحن بصددها، لكنى لم أعثر البتة على أى شىء يومئ من قريب أو من بعيد ولو على سبيل التوهم إلى ما يمكن أن يُفْهَم منه أنهم يقولون بوجود بحارٍ (بحارٍ كالبحر المتوسط أو البحر الأحمر أو بحر قزوين أو خليج المكسيك أو المحيط الهندى أو الأطلسى مثلا) ذات مياه عذبة، بل الذى قالوه، وهو صحيح مائة فى المائة على ما سنوضّح لاحقا، هو أن كلمة "البحر" قد تُطْلَق فى لسان العرب على ما نسميه عادة: "النهر". وهذا غير ذاك كما هو واضح، لكن الكاتب إما أنه لم يفهم كلامهم، وهو ما أستبعده لأنه قد فهم بقية ما قالوه فهما سليما يدل على أنه يعرف ماذا قالوا بالضبط سواء اطّلع عليه مباشرة فى لغته الأصلية أو ترجمه له مترجم، وإما أنه فهم هذا الكلام لكنه أراد السخرية والتشكيك فيما قالوه برُمّته لينعكس ذلك على نظرة قارئى كلامه للقرآن أيضا، وهذا ما أرجّحه.

وقد استخدم القرآن كلمة "البحرين" للدلالة على ما نعرفه الآن بــ"النهر والبحر"، إذ "البحر" فى اللغة العربية "هو الماءُ الكثيرُ، مِلْحًا كان أو عَذْبًا، وهو خلافُ البَرِّ، أو هو المِلْحُ فَقَطْ، وقد غَلَب عليه حتى قَلَّ فى العَذْب" حسبما نقرأ فى "لسان العرب" و"تاج العروس" وغيرهما من المعاجم. وقد يكون الكتاب المجيد استخدمها على سبيل التغليب كقولنا مثلا: "العُمَران" لأبى بكر وعمر، و"الحَسَنان" للحسن والحسين، و"القَمَران" للشمس والقمر، و"الأَبَوان" للأب والأم. فقول علمائنا إن البحر قد يكون عذب الماء كما قد يكون مالحها هو كلام لا خطأ فيه، ولا يمكن أن يتوهم متوهم أنهم يقصدون أن الماء الملح يطفئ الظمأ حتى يخاف كاتبنا على البشر من هذا أن يصيبهم الجنون جرَّاءَ تصديقهم لذلك الكلام وكَرْعهم من ثَمّ من هذا الماء، بل المقصود هو ما نعرفه الآن بــ"النهر"، وهذا كل ما هنالك. ونحن فى مصر كثيرا ما نطلق على "النهر" اسم الــ"بحر" كقولنا: "بحر النيل"، وفى قريتنا "كتامة الغابة" بمحافظة الغربية نسمى الترعة الواصلة بين بلدنا وطنطا: "بحر عاص"، كما نسمى الترعة الأخرى التى تمر بالقرب من "شفاقرون" المجاورة لنا: "بحر شفاقرون". وبالمثل نسمع الناس يقولون لفرع النيل القريب من "بسيون": "بحر القُضّابة" على اسم قرية "القُضّابة" التى تقع عليه، ولفرع النيل المارّ بدسوق: "بحر سيدى إبراهيم" على اسم إبراهيم الدسوقى الولىّ المعروف المدفون بالمدينة المذكورة، وللترعة التى تقوم على شاطئها قرية "سديمة": "بحر سيدى أبو اليزيد" على اسم "أبو اليزيد البسطامى"، إذ فى اعتقاد أهل المنطقة أن الضريح الموجود فى تلك البلدة هو لذلك الصوفى المشهور.

ويوجد فى القاهرة شارع اسمه "شارع البحر الأعظم"، كما يوجد فى طنطا شارع يسمَّى: "شارع البحر" إشارة إلى ما كان يوجد فى كل من المكانين من مجرًى للنيل. ولهذه الحكمة ذاتها كان العامة فى مصر يسمّون "البحر المتوسط": "البحر المالح"، وهو دليل آخر على أن هناك فى أذهانهم "بحرا عذبا" مثلما أن هناك "بحرا مالحا". بل لقد وجدت بدر الدين العينى يستخدم هذه التسمية فى كتابه: "عِقْد الجُمان فى تاريخ أهل الزمان" عدة مرات، ومرة واحدة على الأقل تسمية "البحر المِلْح". كذلك استعمل نشوان الحميرى هذه التسمية الأخيرة فى "الروض المعطار فى خير الأقطار" عند تعريفه بمدينة "الإسكندرية"، وذلك فى قوله: "مدينة عظيمة من ديار مصر بناها الإسكندر بن فيلبش فنسبت إليه، وهي على ساحل البحر الملح".

 وبالمثل نقرأ فى "ثمرات الأوراق" لابن حجة الحموى أن ملك بحر الأردن خاف على ابنته من أردشير حين أرسل يخطبها منه فــ" أرسلها إلى بعض الجزائر في البحر الملح". وهذه مجرد أمثلة قليلة. وإذا كانت كلمة "mer" الفرنسية لا تعنى إلا البحر الملح، فينبغى ألا نحمّل لغة الضاد هذه المسؤولية، فلكلّ لغةٍ أوضاعها التى كثيرا ما تختلف فيها وبها عن غيرها من اللغات كما هو معروف.

ومن الشواهد التى تجرى هذا المجرى قوله تعالى: "أُحِلَّ لكم صيدُ البحر وطعامُه متاعًا لكم وللسيارة، وحُرِّمَ عليكم صيد البر ما دمتم حُرُما" (المائدة/ 96)، ومعروف أن السمك يخرج من البحر والنهر كليهما لا من البحر فقط، وكذلك قوله عز شأنه: "قل: من ينجّيكم من ظلمات البر والبحر...؟" (الأنعام/ 63)، حيث وُضِع البحر مقابل البرّ مما يدل على أن المقصود به النهر والبحر معا. وقرأت فى "الحيوان" للجاحظ هذه العبارة: "ومررتُ به وهو جالسٌ في يوم غِمق حارٍّ ومِدٍ، على باب داره في شروع نهر الجُوبار بأردية، وإذا ذلك البحر يبخر في أنفه". فانظر كيف ذكر أولا "النهر"، ثم كيف سماه بعد ذلك: ""بحرا". وجاء فى "كتاب الصناعتين" لأبى هلال العسكرى: "ولولا كراهةُ الإطالة وتخوف الإملال لَزِدْتُ من هذا النوع، ولكن يكفى من البحر جرعة". والبحر هنا لا يمكن أن يكون إلا الماء العذب، فالإنسان لا يجرع إلا من النهر. وفى "الفرج بعد الشدة" للقاضى التنوخى نقرأ هذه العبارة: "فلا شدة أعظم من أن يُبْتَلَى الناس بمَلِكٍ يذبّح أبناءهم، حتى ألقت أم موسى ابنها فى البحر مع طفوليته، ولا شدة أعظم من حصول طِفْل فى البحر".

ويقول الشابشتى فى وصف دير القصير بمصر من كتاب "الدِّيَارات": "وهو مطل على القرية المعروفة بشهران وعلى الصحراء والبحر. وهذه القرية المذكورة قرية كبيرة عامرة على شاطىء البحر، ويذكرون أن موسى، صلى الله عليه، ولد فيها، ومنها ألقته أمه إلى البحر فى التابوت". ويقول أيضا عن "دير طمويه": "وطمويه في الغرب بإزاء حلوان. والدير راكب البحر، وحوله الكروم والبساتين والنخل والشجر. فهو نَزِهٌ عامرٌ آهل. وله في النيل منظر حسن. وحين تخضر الأرض، فإنه يكون بين بساطين من البحر والزرع". وفى "فوات الوَفَيَات" لابن شاكر الكتبى أن توران شاه لمّا حاصرته مماليك أبيه فى البرج عند المنصورة رمى بنفسه وهرب إلى النيل "ونزل فى البحر إلى حلقه" فقتلوه. والمقصود بــ"البحر" فى هذا كله: "النيل" كما هو واضح. وعندنا من الشواهد الشعرية الكثير، ومنها قول أبى الشيص الخزاعى:
بَحرٌ يَلوذ المُعتَفونَ بِنَيْله** فَعْمُ الجَداول مُتْرَع الأَحواضِوقول ابن الرومى:
هو بحرٌ مِنَ البحورِ فُرَاتٌ**ليس مِلْحًا وليس حاشاه ضَحْلاوقول ابن حَيّوس:
وَمَنْ جادَ بِالآمالِ عَنكَ فَإِنَّني**أَرى كُلَّ بَحرٍ مُذ رَأَيتُكَ جَدْوَلا
وقول ابن درّاج القسطلى:
وإِن أَرْفَهَتْ فِي بَحْرِ جُودِكَ شِرْبَها** فَمِنْ ظِمْءِ عَشْرٍ فِي الهجيرِ إِلَى تِسْعِ
وقول البحترى:
بَحْرٌ مَتى تَقِف الظِماءُ بِمَورِدٍ**مِنهُ يَطيبُ لَهُم جَداهُ وَيَعذُبِ
وقول الحيص بيص:
ولكنهُ بَحْرٌ يَلَذُّ لشارِبٍ**ويُكرِمُ مَثْوىً من مُسِيفٍ ومُرْمِلِ
وقول ظافر الحداد الشاعر المصرى:
تأمَّلْتُ بحرَ النيلِ طولا، وخَلْفَه** من البركةِ الغَنّاء شكلٌ مُدَوَّرُ
وقول البوصيرى:
وَكلُّهُمْ مِنْ رَسُولِ اللهِ مُلْتَمِسٌ**غَرْفًا مِنَ الْبَحْرِ أَوْ رَشْفًا مِنَ الدِّيَمِ
وقول المتنبى:
قَوَاصِدُ كافورٍ تَوَارِكُ غيره**ومن قَصَدَ البحرَ استقلّ السواقيا


ثم كيف يمكن أن يتوهم متوهِّم هذا الذى يخشاه الكاتب (أو بالأحرى: هذا الذى يزعم أنه يخشاه)، ويذهب فيَعُبّ من الماء الملح عَبًّا؟ ويبقى تأكيده أن شرب هذا الماء يصيب الشخص بالجنون، ولا أعرف مدى صحة هذا الكلام من الناحية الطبية، وإن كنت أستغربه غاية الاستغراب، وبخاصة أنه من غير المعقول أو المتصوَّر أن يستمر أى إنسان فى شرب ذلك الماء بمجرَّد أن يذوقه ويحس ملوحته! لكن الذى أنا متأكد منه أن الذى يَعُبّ من الماء الملح يكون قد أُصِيبَ بالجنون فعلا، وانتهى أمره والعياذ بالله، لا أنه سيصاب به بعد الشرب، إذ لا يفعل ذلك عاقل بحال من الأحوال!

بقية إعجاز علمى أم مجرد سذاجة

  أرسلت في الأربعاء 05 أغسطس 2009 اعتمد بواسطة ردود  


 

روابط ذات صلة
 · زيادة حول - رد شبهات النصارى
· الأخبار بواسطة ردود


أكثر مقال قراءة عن - رد شبهات النصارى:
الرد علي شبهات النصارى حول القرآن

  .  

تقييم المقال
 
المعدل: 0
تصويتات: 0

الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ

  .  

خيارات
 
 صفحة للطباعة صفحة للطباعة

  .  

"إعجاز قرآنى علمى أم مجرد ملاحظات ساذجة" | دخول/تسجيل عضو | 0 تعليقات
التعليقات مملوكة لأصحابها. نحن غير مسؤلون عن محتواها.

عبد الباسط عبد الصمد

الرد على القمص إبراهيم لوقا

تنزيه القرآن الكريم

العقيدة المسيحية

الأسفار القانونية الثانية والأبوكريفا

الله واحد أم ثلاثة


برهانكم للرد علي شبهات النصارى مكرس للرد علي ترهات النصاري وتطاولهم علي الإسلام .. حقوق النشر متاحة للجمع ونرجوا ذكر صفحة المقال واسم الكاتب ..