عقليًا تتلخص هذه المعايير في الآتي :
1. المنطقية :
فقد أنعم الله علينا بنعمة العقل ، والحكمة التي نميز بها بين ما هو معقول ، وبين ما يتعارض مع مبادئ المنطق ، ولا يصدر عن الله تعالى إلا الكلام المعقول الذي يتقبله كل عقل سليم مجرد عن الهوى [1] .
2. الكمال :
لما كان الله الخالق الأعظم هو : "الكمال" ؛ فلابد أن يتسم كلامه وحده بالكمال والدقة ، وبالسلامة من الخطأ ، أو الحذف ، أو الإضافة ، أو تناقض العبارات ، وتضارب النُّسخ والصيغ [2] .
3. العقلانية :
فلا يمكن لوحي الله أن تشوبه الخرافات والأساطير التي لا تليق بعظمة الله ، أو تنحط بعقل الإنسان [3] .
4. العلمية :
لما كان الله هو الخالق العليم فلابد للوحي أن يكون قبسًا من علم الله ، وأن لا يناقض العلم والمعارف الصحيحة الثابتة، في أي زمان ومكان [4] .
5. علم الغيب :
استأثر الله وحده بعلم الماضي والحاضر والمستقبل معًا ؛ لذا فكل ما جاء به من أنباء الماضي ونبوءات المستقبل لابد أن يثبت صدقها [5] .
6. استحالة التقليد
الوحى الصادق من الله تعالى لا يحاكيه بل ولا يدانيه كلام بشر ، وهو معجزة حية باقية ، وكتاب مفتوح لكل البشر يقرءونه ، ويمحصون صدقه على امتداد الزمان والمكان [6] .
مفاهيم الوحي القرآني
ألخص فيما يلي المفاهيم الأساسية للعقيدة الإسلامية طبقًا للقرآن الكريم :
1. الوجود :
لم يكن خلق الكون، ووجود الإنسان على الأرض، صدفة أو حدثًا عارضًا ، بل إن كل ما في هذا الكون حتى أصغر ذرة فيه تنطق وتهتف بوجود الخالق العظيم الرءوف الرحيم ، بدونه ما كان شيء من العدم ، وكل نفس تنبض بالحياة تدرك أنها لم تصنع ذاتها ، بل أتى بها إلى هذا الوجود الخالق الأعظم : "الله" الذي تتشوق كل نفس إلى ذاته ورضاه [7] !
2. الإنسان :
الإنسان مخلوق فريد بين سائر الكائنات الأرضية ؛ جعله الله خليفة له في هذا الكوكب الأرضي ، واستخلفه على سائر الأحياء ، وكرمه بملكة العقل والحكمة التي يسمو بها على سائر الأحياء [8] .
يقول الرسول - صلى الله عليه وسلم :
"لا حسد إلا في اثنتين : رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها" [9] .
وإلى جانب هذه الملكات التي يميز بها الإنسان بين الطيب والخبيث ، وبين النافع والضار، وبين الخير والشر ، وهب الله الإنسان نعمة الحرية ليختار بنفسه إما : طريقًا في الحياة يليق بخلافته لله في الأرض ، أو دَرْكًا ينحط به إلى ما دون سائر الحيوانات والمخلوقات .
لقد ولد الإنسان بريئًا طاهرًا من كل خطيئة موروثة ، وله مطلق الحرية أن يرتفع بالفضائل ، أو ينغمس في الرذائل .
3. الهدي الإلهي :
لفرط رحمة الله بعبده الإنسان وحبه الخير له ، لم يتركه تائهًا في دروب الحياة باحثًا عن الحقيقة، وحيدًا متجشمًا عناء التجربة المريرة ، والخطأ المتكرر ، بل وهبه - إلى جانب العقل والحكمة - الرسالات الهادية عن طريق الرسل والأنبياء، لتحدد له معالم الحق ، وحقائق الوجود في هذه الحياة الدنيا وما بعدها [10] .
4. الوحي :
منذ فجر التاريخ أرسل الله رسله وأنبياءه بالوحي الإلهي [11] ، داعين إلى طريق الامتثال والطاعة لله الواحد الأحد ، وذلك جوهر الإسلام ، تلك الرسالة الواحدة التي حملها كافة الأنبياء إلى البشر جيلاً بعد جيل ، وبمضي الوقت تعرضت كل الرسالات السابقة لتحريف البشر أو الضياع ، فاختلط الوحي الإلهي بالخرافات والأساطير ، وعبادة الأوثان ، وشــطحات الفلاسفة ؛ حتى ضـاع دين الله بين ركام التصورات والمعتقدات ، فما كان تاريخ البشرية إلا دورات صعود وهبوط بين النور والظلام ، وبين الهدى والضلال ، لولا أن الله - لرحمته بالبشر - لم يتركهم بلا معين يتجدد لينقذهم من دياجير الظلام !
5. خاتم الرسالات :
وعندما وصل البشر إلى أسفل عهود الجاهلية والظلام ، أرسل الله خاتم المرسلين سيدنا محمدًا - صلى الله عليه وسلم - لينقذ البشرية من جديد ، إلا أن الرسالة هذه المرة كانت تمامًا لكل ما نزل قبلها ، ونبراسًا باقيًا للهدى إلى يوم الدين [12] .
والآن رسالة إلى عزيزي القارئ !
في البدء نقول :
· لا يجبرك أحد على اعتناق مالا تفهمه وتقتنع به !
· ولكن العار - كل العار - على إنسان مثقف مثلك أن تحرم نفسك من مجرد المحاولة للبحث عن الحقيقة !
· لقد أنعم الله علينا بنعمة العقل ؛ حتى نستخدمه في التفكير والتأمل ؛ لنحكم على الأشياء حكمًا موضوعيًا منظمًا !
· وأنا لا ألح عليك أن تتعجلَ قبولَ مبادئ الإسلام ؛ فالإسلام نفسه يقرر حرية الفكر والاختيار [13] .
· وليس هذا فحسب بل إنك إن اهتديت فعلاً إلى صدق رسالة الإسلام، لا يعني ذلك أن يُكرِِهَك أحد مباشرة على اعتناقك إياه ، والعمل بما جاء فيه .
· ولكني أنصحك - قبل الحكم على مدى صدق رسالة الإسلام - أن تسأل ضميرك : هل تعرف عن الإسلام قدرًا كافيًا يسمح لك بالحكم الموضوعى عليه؟
· وهل تلقيت مفاهيمك ومعلوماتك تلك عن مصادر يعتد بها ؟ أم ركنت إلى ما يقوله ويكتبه غير المسلمين ، أو المتظاهرون بالإسلام ، والجهلاء بدينهم من المسلمين ، وكثير من هؤلاء لم يدرسوا القرآن حق دراسته ، ولم يقرءوا في الإسلام إلا قشورًا وادعاءات ؛ ثم يتباهون بأنهم رسل التنوير والعقلانية ، والفهم الصحيح لجوهر الدين (دون البحث في نصوصه) .
· هل من العدل أن تحكم على مذاق طعام دون أن تتذوقه بنفسك ؛ بل وتهضمه جيدًا لتعرف قدره ونفعه ؟ أم تركن إلى رأي غيرك وذوقه ؟
· إن لك - عزيزي القارئ - أن تختار المنهج الذي يتفق مع احترامك لعقلك حتى تصل إلى الحق !
· وأيًا مّا كان منهجك ، وأيًّا مَّا كانت نتيجة بحثك ، فإنني أكرر ثانية أن الإسلام يؤكد تمامًا حريتك في استخدام ملكاتك الخاصة في التفكير واتخاذ القرار ، ولكل إنسان إرادته المستقلة التي لا يحق لأحد الاعتداء عليها ولا إكراهه على قبول دين أو العمل به . عليك أن تفكر وتقرر بنفسك .
وختامًا أتمنى لك - عزيزي القارئ - رحلة طيبة للبحث عن الحقيقة !
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .
الدكتور موريس بوكاي
ترجمة الدكتور نبيل عبد السلام هارون
--------------------------------------------------------------------------------
[1] ]وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى % إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى[ (النجم : 3 – 4).
[2] ]وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا[ (النساء: 82).
[3] ]وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَّا تُؤْمِنُون * وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُون[ (الحاقة : 41 – 42) .
[4] ]لَكِنِ اللهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِه[ (النساء : 166) .
[5] ]وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُو[ (الأنعام : 59) .
]قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله[ (النمل : 65) .
]عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا[ (الجن : 26).
[6] ]قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا[ (الإسراء : 88) .
[7] ]سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى % الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى % وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى[ (الأعلى : 1-3).
و: ]أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُون[ (المؤمنون : 115) .
[8] ]وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَة[ (البقرة : 30) .
[9] ذكر المؤلف ما ترجمته الحرفية : "ما خلق الله تعالى شيئا أفضل من الحكمة ، ولا أكمل ولا أجمل من الحكمة"؛ ولم نعثر على تخريج لحديث كهذا، فلعله يقصد ما بيناه من صحيح البخاري، وأخرجه أيضًا مسلم والنسائي وابن ماجة (المترجم) .
[10] ]وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوت[ (النحل : 36) .
[11] ] وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيم [ (الشورى : 51) .
[12] وقد كان! والتحقيق العملي لهذه النبوءة أيضا من إعجاز القرآن القائل : ]مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رَّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّين[ (الأحزاب : 40) .
[13] قال تعالى : ] لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيّ..[ )البقرة : 256( .
الرجوع الي
الدليل والبرهان - دلائل نبوة محمد
مواضيع مشابهة براهين سعيد حوى
"