ثم أما بعد ؛
« اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ اهْدِنِى لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ إِنَّكَ تَهْدِى مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ »(صحيح مسلم-1847).
ما هو علم النقد النصي ؟
هو العلم المعروف بالـلغة الإنجليزية (Textual Criticism) والذي يهدف إلى تعيين الأخطاء وحذفها من نص نُسَخ عمل أدبي ضاع أصله , في محاولة لإرجاعه إلى أقرب صورة للأصل . أو في كلمات أبسط هو العلم المختص بدراسة النسخ لأي عمل مكتوب , والذي لا نعرف شيء عن نسخه الأصليه , بهدف تعيين النص الأصلي الذي كتبه المؤلف . ولكن ماذا لو كان الأصل نفسه الذي نسعى إليه فاسد ؟ ماذا لو أننا وجدنا بعد التدقيق والتحقيق في جميع النسخ الموجودة ومن خلال النصوص الموجودة في جميع المخطوطات محاولين إستخراج أقرب صورة ممكنة للأصل الضائع , وجدنا أن ما وصلنا إليه في النهاية لا يمكن أبدًا أن يكون مقبولًا ؟ تلك هي المصيبة !.
هناك ضرورة لتطبيق النقد النصي على الكتاب المقدس[1] من أجل سببين أساسيين هما ؛
السبب الأول: هو ضياع جميع النسخ الأصلية.
والسبب الثاني: أن جميع النسخ الموجودة للكتاب المقدس تختلف عن بعضها البعض؛ لذلك يجب على الناقد أن يدرس هذه النسخ الكثيرة المختلفة، في محاولةٍ منه للوصول إلى ما يَظُنُّه النص الأصلي, أو بتعبير آخر، يحاول استخراجَ الحق من بين ركام الباطل الموجودِ في المخطوطات؛ ليفاضِلَ بين الاختلافات الكثيرة؛ ليختار من بينهم الأقرب إلى الحق . ولكن في بعض الأحيان ما تظنه الحق، يكون أكبر دليل على الفساد والتحريف!
مخطوطات الكتاب المقدس كثيرة , وبينها اختلافات عديدة, بعض هذه الاختلافات تجعل العلماءَ في حيرة شديدة، ولا يستطيعون الوصول إلى الحقيقة التي ينشدونها بعد تطبيق قواعد النقد النصي. ومن ضمن هذه المشكلات العويصة مشكلةٌ مشهورة جدًّا بين علماء الكتاب المقدس الموجودة في نص إنجيل يوحنا 7: 8 (أنا لست أصعد “بعد” إلى هذا العيد) , فإن الكلمة الْمُلَوَّنَة بالأحمر عليها خلاف بين مخطوطات الكتاب؛ هل هذه الكلمة ثابتة ومن أصل الكتاب؟ أم أنها كلمةٌ مُضَافَةٌ من قِبَلِ بعض الذين تلاعبوا بمخطوطات الكتاب المقدس ؟
قد يعتقد القارئ في الوهلة الأولى أن هذه المشكلة تافهة غير جديرة بالتقدير والاهتمام , ولكن عندما نقرأ سياق النصوص التي جاء فيها هذا النص، سنُدْرِكُ تمامًا مدى المشكلة الخطيرة التي نحن بصددها الآن ! .
عندما تقرأ الإصحاح السابع تجد أن ميعاد عيد المظال قد أوشك, وبحسب ترجمة الفاندايك المتداولة في مصر، تجد أن يسوع قال لإخوته في العدد الثامن: (أنا لست أصعد بعدُ إلى هذا العيد) أي أنه لن يذهب إلى العيد في هذا الوقت تحديدًا.. لذلك لا نستغرب عندما نجد يسوع قد صَعِدَ إلى العيد بالفعل في العدد العاشر.
ولكي تدرك أكثر أهمية كلمة “بعد“ في السياق، سنُلْقِي بعض الضوء على أقوال المفسرين , منهم المفسر أنطونيوس فكري[2] الذي بيَّن أهمية كلمة “بعد“، فقال: والمسيح يقول لإخوته: اصعدوا أنتم لتحتفلوا بالعيد كما تريدون، أنا لا أصعد بَعْدُ= أي: أنا لا أصعد الآن معكم، فهو صَعِدَ بعدهم، لكن لا ليُعَيِّدْ مثلهم، أو ليُظْهِرَ نفسه كما يريدون، بل صعد في الخفاء، فهو لا يستعرض قوته، ولا يريد إثارة اليهود، فَوَقْتُ الصليب لم يأتِ بَعْدُ.. ولاحظ دِقَّةَ المسيح، فهو لم يقل: أنا لن أصعد، بل أنا لا أصعد بَعْدُ= أي لن أصعد الآن. انظر كيف شدَّدَ على الكلمة مرتين في جملة واحدة، مما يدل على حِرْصِهِ الشديد على نَفْيِ تهمة الكذب عن يسوع.
أهمية كلمة “بعد“، لا يختلف عليها أي مسيحي يريد أن يَرُدَّ عن يسوع تهمة الوقوع في الكذب, فقد أورد آدم كلارك[3] في تفسيره ردًّا على أحد أشهر مهاجمي المسيحية, بورفيري[4] الذي اقتبس النص، ولكن في شكل آخر بدون كلمة “بعد“, وعلى هذا الأساس اتُّهِم يسوع بالكذب فعلًا. يقول آدم كلارك: بورفيري يتهم سيدنا المُبارك بالكذب؛ لأنه قال هنا: أنا لن أصعد إلى هذا العيد، ولكنه فيما بَعْد صَعِدَ , وبعض المفسرين قد قاموا بضجةٍ أكثر من الـلازم , من أجل إصلاح ما رأوه تناقضًا. بالنسبة لي الأمر كله بسيط وعادي. سيدنا لم يقل , أنا لن أصعد إلى هذا العيد فحسب، لكنه قال: أنا لن أصعد بَعْدُ (ουπω) أو : أن لن أذهب في الوقت الحاضر. كان الحل بسيطًا عند آدم كلارك! ولكن ماذا لو كان المسيح قد قال بالفعل: (أنا “لا“ أصعد إلى هذا العيد) ؟ سيكون قد كذب بلا شك ! فأين الحقيقة ؟ هل كذب يسوع، أم لا ؟ ما هي كلمات يسوع الأصليه المدونة في إنجيل يوحنا ؟ هذا هو عمل الناقد النصي .
بنظرة بسيطة إلى الترجمات العربية المختلفة تجد الخلاف واضح للعيان ؛
[الفاندايك] اصعدوا أنتم إلى هذا العيد.أنا لست أصعد بعدُ إلى هذا العيد؛ لأن وقتي لم يكمل بَعْدُ.
[العربية المبسطة] اذهبوا أنتم إلى العيد، أما أنا فلن أذهب إلى هذا العيد الآن؛ لأن وقتي لم يَحِنْ بعدُ.
[الإنجيل الشريف] اذهبوا أنتم إلى العيد، أنا لا أذهب الآن إلى هذا العيد؛ لأن وقتي لم يأتِ بَعْدُ.
[ترجمة الحياة] اصعدوا أنتم إلى العيد، أما أنا فلن أصعد الآن إلى هذا العيد؛ لأن وقتي ما جاء بَعْدُ.
[الترجمة اليسوعية] اصعدوا أنتم إلى العيد، فأنا لا أَصْعَدُ إلى هذا العيد؛لأن وقتي لم يَحِنْ بَعْدُ.
[العربية المشتركة] اصعدوا أنتم إلى العيد، فأنا لا أصعد إلى هذا العيد؛لأن وقتي ما جاء بعد.
[البولسية] اصعدوا أنتم إلى العيد؛ وأما أنا، فلستُ بصاعدٍ إلى هذا العيد؛لأن وقتي لم يتِمَّ بعدُ.
[الاخبار السارة] اصعدوا أنتم إلى العيد، فأنا لا أصعد إلى هذا العيد؛لأن وقتي ما جاء بَعْدُ.
هناك أربع ترجمات عربية تجعل يسوع صادقًا, وعددٌ مساوٍ من الترجمات تجعل يسوع كذَّابًا, فمن أين جاء هذا الخلاف ؟! وأي النسخ تحمل الحقيقة ؟ هل هي التي تجعل يسوع كذابًا ؟ أم التي تُنَجِّيه من تهمة الكذب ؟
لكي نعرف الحقيقةَ يجب علينا أن نفحص مصادِرَ النص من مخطوطات يونانية، وترجماتٍ قديمة، واقتباساتٍ للآباء، فيما يسميه علماء النقد الأدلة الخارجية[5] ثم نبدأ في طرح بعض الأسئلة مثل ؛ أي القراءات أثارت مخاوف الناسخ ؟ أي القراءات هي المحتمل تغييرها ؟ مع تطبيق بعض القواعد الأخرى فيما يسميه علماء النقد النصي الأدلة الداخلية[6] .
كلمة قراءة (variant) في اصطلاح علم النقد النصي تَعْنِي ببساطة “اختلاف“, على سبيل المثال: عندما نستخرج من المخطوطة السينائية نص يوحنا 7: 8 سنقرأ (أنا لا أصعد إلى هذا العيد)، أما عندما نستخرج النص من المخطوطة الفاتيكانية سنَقْرَأُ (أنا ليس بَعْدُ أصعد إلى هذا العيد) الاختلاف بين المخطوطات اليونانية في كلمتين ؛
القراءة الأولى[7] : أنا لا أصعد إلى هذا العيد ؛ ἐγὼ οὐκ ἀναβαίνω εἰς τὴν ἑορτὴν ταύτην
القراءة الثانية[8] : أنا ليس بعد[9] أَصْعَدُ إلى هذا العيد ؛ ἐγὼ οὔπω ἀναβαίνω εἰς τὴν ἑορτὴν ταύτην
لذلك يجب على الناقد النصي أن يقرر هل أصل إنجيل يوحنا كان فيه كلمة (οὐκ - لا) أم كلمة (οὔπω - ليس بعد) ؟
عندما يبدأ عالم النقد النصي بدراسة الأدلة الخارجية لمشكلة نصية كهذه, يقوم بتحديد القراءات التي لديه، وفي حالتنا هذه لدينا قراءتان فقط (οὐκ - لا) و (οὔπω - ليس بعد) – ثم يُوضَعُ بجانب كُلِّ قراءة الشواهِدُ التي تؤيدها, وهذه الشواهد مُقَسَّمَةٌ إلى ثلاثة أركان؛ المخطوطات اليونانية , الترجمات القديمة، واقتباسات الآباء .
في بعض النسخ اليونانية النقدية للعهد الجديد, تجد هناك تقديراتٍ تُوضَعُ بجانب القراءة لتوضيح مدى ثقة الـلجنة القائمة[10] على النسخة اليونانية في أن هذه القراءة هي الأصلية . هذه التقديرات تكون إما A أو B أو C أو D حسب المشكلة النصية محل البحث. وهذه التقديرات في حد ذاتها تُوَضِّحُ عدم قدرتنا على الاعتماد على النقد النصي في الوصول إلى النص الأصلي, وأنه رُغْمَ كل الجهودات المبذولة من العلماء والـلجان المتخصصة القائمة على إصدار نسخ قياسية للعهد الجديد، فإنه ما زال هنا قراءات حَرِجَةٌ جدًّا، لا يستطيع الناقد أن يحسم فيها أي القراءات هي الأصل .
من أشهر النسخ القياسية المستخدمة حول العالم, نُسْخَةُ العهد الجديد اليوناني، الإصدار الرابع الْمُرَاجَع , وفي مقدمة الكتاب[11] تعطي الـلجنة القائمة على النسخة تعريفات للتقديرات الأربعة وهم كالآتي ؛
{A} الـلجنة متأكِّدَةٌ أن القراءة أصلية .
{B} الـلجنة شِبْهُ متأكدة أن القراءة أصلية .
{C} الـلجنة وجدت صعوبة في اختيار أي قراءة يجب وضعها في نص نسختهم.
{D} الـلجنة وجدت صعوبةً كبيرةً في الوصول إلى قرار .
بقية المقال
"