وهكذا الملائكة عليهم الصلاة والسلام، قال الله تعالى
}: قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ(97) {[سورة البقرة].
والرسل عليهم الصلاة والسلام لهم أعداء وأيٌَ أعداء ! ولهذا قال الله عز وجل:
}وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا(31){ [سورة الفرقان].
فانظر كلمة:} لِكُلِّ {فما من نبي إلا وله أعداء، مع أن النبي قد لا يكون له أتباع، كما قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
[ عُرِضَتْ عَلَيَّ الْأُمَمُ فَجَعَلَ يَمُرُّ النَّبِيُّ مَعَهُ الرَّجُلُ وَالنَّبِيُّ مَعَهُ الرَّجُلَانِ وَالنَّبِيُّ مَعَهُ الرَّهْطُ وَالنَّبِيُّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ...] رواه البخاري ومسلم .
فهناك من الأنبياء من لم يكن لهم تابع ولكن كان لهؤلاء أعداء يحاربونهم، قال الله تعالى:
} وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ(112){ [سورة الأنعام].
وهذا يُبين سبب خلق النار، وما فيها من السعير والعذاب؛ لأن النار أعدت لهؤلاء الذين فسدت فطرهم، وخربت عقولهم، وتحجرت قلوبهم ، قال الله تعالى:
} وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ ءَاذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ(179){ [سورة الأعراف].
فهذه قاعدة لابد من فهمها وبيانها، فمهما حاولت، وجادلت، وتحريت، وتلطفت، واستخدمت من الأساليب والطرق؛ فلن تعدم عدواً، ولن يعدم المؤمن أحداً يؤذيه حتى ولو كان على قمة جبل:
ولستُ بناجٍ من مقالة شانئٍ ولو كنت في رأسٍ على جبل وعر
القاعدة الثانية:أن الأعداء مهما وجد بينهم من التباغض، والتناقض، والتباعد؛ فإنهم إذا واجهوا الإسلام؛ وحدوا صفوفهم في مواجهته : خاصةً إذا قويت شوكة الدين، وعزَّ جانبهم، قال تعالى:
}يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ(51){ [سورة المائدة].
إذا واجهوا دين الحق والإسلام، فينسون العداوات فيما بينهم؛ لمواجهة هذا العدو المشترك كما هو المشاهد اليوم، فإننا نجد تحالف القوى ضد الإسلام، اليهودية، والنصرانية، والعلمانية، وبقايا الشيوعية، كلها أصبحت جبهة واحدة ضد الإسلام، إنهم جميعاً يظهرون العداوة لهذا الدين:
}قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ (118){ [سورة آل عمران].
القاعدة الثالثة:أن هذا الكيد الموجه ضد الإسلام وضد المسلمين لم يكن ليبلغ مبلغه، ويحقق أثره لولا أنه وجد آذاناً مصغية من المسلمين، ووجد تربة خصبة لزرعه في بلاد الإسلام : ولهذا قال الله تعالى:
} شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا (112){ [سورة الأنعام].
ثم قال في الآية التي بعدها:
}وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ (113){ [سورة الأنعام]،
وقال سبحانه:
}وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا(120){ [سورة آل عمران].
إن من السهل أن نلقي الملام على عدونا، ولكن هذا الكلام ليس دقيقاً، فالعدو إنما نفذ من خلالنا، وبحبل منّا؛ بلغ ما يريد حتى الشيطان نفسه - وهو أعظم الأعداء - يقول يوم القيامة في خطبته الشهيرة التي ذكرها الله تعالى في كتابه:
}وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُم(22){[سورة إبراهيم] .
وإذا نظرنا اليوم إلى عدونا، وقد نفذ إلى مجتمعاتنا، وإلى بلاد الإسلام كلها؛ فعلينا أن نلوم أنفسنا، وأن نعود إلى ذواتنا، وأن ندرك أنه ما كان هناك شيء ليحدث لولا أننا تجاوبنا مع هذا الكيد.
القاعدة الرابعة:إن كيد العدو ضعيف، ومكره إلى تبار : قال الله تعالى:
} وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ(30){[سورة الأنفال]
ويقول الله تعالى:
} فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا(76){[سورة النساء]
ويقول:
}وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ(25){[سورة غافر]
أي: في ذهاب وضياع، ولا قيمة له ولا بقاء له، فهذه الآيات تدل على ضعف كيد الشيطان، وأتباع الشيطان من الكافرين، وزواله، وذهابه، وضلاله، وأنه لا يبلغ أثره.
وفي المقابل هناك آيات أخرى تتحدث عن عظيم كيدهم ومكرهم، قال الله تعالى:
}وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ(46){[سورة إبراهيم]
فسبحان الله، انظر إلى واقع الحياة المشهود اليوم؛ لترى مصداق ما أخبر به الله في كتابه الحكيم، الذي:
} لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ(42){ [سورة فصلت]
فأنت اليوم حين تقرأ عن خطط أعداء الإسلام، ودراساتهم، واحتياطاتهم؛ تحس بعمق الكيد، وخبثه، ودهائه، وأنهم يحسبون لكل شيء حساباً، ويدبرون أدق التدبير، وأعظمه، فلهم حيل وأساليب خفية لايدركها أكثر الناس، فهنا نتذكر قول الله تعالى:
}وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ(46){[سورة إبراهيم]
يعني: هو مكر دقيق، لو بلغ أثره، وتحقق مقصده؛ لزالت الجبال لسببه، لكننا نجد أن الجبال باقية في مكانها، إذاً مكرهم دقيق، وبعيد، ولكن آثاره أقل مما يدبرون، ويمكرون، ويتصورون.
فإذا نظرت في المقابل إلى الآيات الأخرى التي تتكلم عن ضعف كيدهم:
}إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا(76){[سورة النساء]
وجدت مصداق ذلك اليوم في أعمال كثيرة، ظنوا أنها بأيديهم، فإذا بالأمر يكون خلاف ما يتوقعون، وتكتشف ضعف الكيد ووهنه، وكثرة ثغراته في أمور كثيرة منها مثلاً:
من الأوضاع والأحوال والأحزاب: لقد كان العالم الغربي يتعامل مع الشيوعية على أنها قوة باقية لعشرات السنين وصرحوا بذلك، نعم كان للعالم الغربي يد في سقوطها، لكن اليد الغربية كانت يداً واهيةً ضعيفة، وأما الذي أسقط الشيوعية، فهي السنن الإلهية العظيمة.
مثال آخر: ظنوا أنهم قد قضوا على جميع التحديات التي كانت من بقايا الشيوعية، فإذا بتحديات جديدة تبرز أمامهم في بلاد العالم الإسلامي، وفي البلقان، وفي الصين، وفي غيرها
} وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ(30){[سورة الأنفال] .
إن علينا أن نؤمن بالله عز وجل، وأن الله تعالى هو حده المتصرف بالأكوان؛ فهو الرب الذي لا يُقضى شئ إلا بإذنه،ولا يقع في الكون إلا ما يريد
}إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ(82){[سورة يس] ..
ن النموذج الفرعوني ظاهر اليوم عياناً، فهذا فرعون كان يقول عن موسى عليه الصلاة والسلام، و أتباعه:
}إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ(54){[سورة الشعراء]
قلة، حفنة
}وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ(55) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ(56){ [سورة الشعراء]،
فهم يقولون: إنهم أقلية، يحاولون أن يعرقلوا خطة الحضارة، وسير الأمور، ونظام الإدارة، ونحن حذرون، يقظون، وسوف نقاومهم بكل الوسائل، حتى قال فرعون عن موسى عليه الصلاة والسلام:
}إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ(26){ [سورة غافر]
هذا يقوله فرعون.. في مواجهة من؟! في مواجهة موسى عليه صلوات الله وسلامه، وعلى رغم القوة والطغيان؛ فالنتيجة هي: فرعون!! جثة ملقاة على جانب البحر:
}حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ ءَامَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي ءَامَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ(90){[سورة يونس]
فقال الله تعالى:
}آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ(91)فَالْيَوْمَ نُنَجِّيك بِبَدَنِكَ...(92) {[سورة يونس] فقذف البحر جثته إلى الخارج:} لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءَايَةً(92){[سورة يونس].
وفي الحديث الصحيح: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
[ لَمَّا أَغْرَقَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ قَالَ:} آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ (90){[سورة يونس] فَقَالَ جِبْرِيلُ يَا مُحَمَّدُ فَلَوْ رَأَيْتَنِي وَأَنَا آخُذُ مِنْ حَالِ الْبَحْرِ فَأَدُسُّهُ فِي فِيهِ مَخَافَةَ أَنْ تُدْرِكَهُ الرَّحْمَةُ] رواه الترمذي وأحمد.
ثانياً: فائدة طرح الموضوع:
إن كشف أساليب الأعداء؛ سنة قرآنية، وطريقة نبوية:
فقد ذكر الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم خطط المشركين:
} وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ(73){[سورة الأسراء]} وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا(76){ [سورة الأسراء]
إلى غير ذلك.
وذكر خطط اليهود:
}سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ ءَاخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا(41){[سورة المائدة] .
وذكر خطط النصارى:
}وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا(75){ [سورة آل عمران].
وذكر خطط المنافقين:
}هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ(4){ [سورة المنافقون]} هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا(7){ [سورة المنافقون] .
من فوائد كشف أساليب الأعداء:إذاً فذكر خطط الأعداء، وكشفها منهج قرآني، وسنة نبوية، ولها فوائد عظيمة منها:
الفائدة الأولى:تطعيم المؤمن ضد هذه الأساليب: بحيث تؤدي أساليب الأعداء إلى مردود عكسي، فتزيد الإيمان، وتوثقه، ولا يرتاب المؤمنون بسببها ولا يشكون، ومن أمثلة ذلك:
قال الله تعالى:
}الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ...{
والنتيجة:
}فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ(173){ [سورة آل عمران]
فأثمرت هذه الخطة نتيجة عكسية، وجعل الله النعمة في طي النقمة: ................. وربما صحت الأبدان بالعلل.
مثل آخر: قال تعالى:
}وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا(22){[سورة الأحزاب].
الفائدة الثانية: مواجهة هذه الأساليب بالطرق المناسبة: فإن الحكم على الشيء ؛فرع عن تصوره، ولاشك أن الغفلة عن ألوان الخداع التي يمارسها اليوم عدو للإسلام، يملك الإعلام، والاقتصاد، ويملك التصنيع والإدارة، لاشك أن الغفلة عن خططه تؤدي إلى الوقوع في شراكه وحبائله، ولن يمكن للأمة أن تواجه هذه الحرب الضروس إلا إذا وصلت إلى درجة من الوعي والإيمان والتوكل على الله تعالى والإدراك الواضح لأساليب الخصوم.
الفائدة الثالثة: تقوية الإيمان عند المؤمنين: فإن الحرب لا تزيدهم إلا قوة .
الفائدة الرابعة: رص الصفوف وجمع الكلمة: فإن الشعور الحقيقي بالخطر، وقوة العدو، وشدته، وشراستة؛ يؤدي إلى الوحدة والتقارب، وما أحوج المسلمين اليوم إلى توحيد صفوفهم، وإزالة العداوة، والشحناء بينهم.
ثالثاً: أساليب قديمة جديدة:
قال الله تعالى لرسوله عليه الصلاة والسلام:
}مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ(43){[سورة فصلت]
قال جمهور المفسرين: قد قيل لمن أرسل من الرسل من قبلك: ساحر، وكاهن، ومجنون، وكذبوا كما كذبت، فلم يقل لك الناس من السبّ، والعيب، والأذى إلا ما قالوه للرسل من قبلك.. وقال الله تعالى:
}وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا ءَابَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى ءَاثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ(23){[سورة الزخرف].
إن تنوعت وسائلهم فأصولهم ثابتة !!
إن طرائق الكفر في محاربة الإيمان هي هي، وإن تغيرت الأدوات، وتنوعت الوسائل إلا أن الأصول ثابتة، وإليك بعض الأمثلة:
تشويه نية الداعي، ومقصده، والحكم على ضميره، وعلى ما في داخله:
}وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى ءَالِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ(6){[سورة ص] }وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ (78){[سورة يونس].
اتهام الإنسان في عقله: فقالوا لمن أرسله الله:
}إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ(60){[سورة الأعراف] .
دعوة الجماهير إلى التمسك بموروثاتها، والوفاء لآبائها وأجدادها، وعاداتها وتقاليدها: وأن الرسل والأنبياء يريدون أن يغيروا هذه الأشياء، ويحكمون على الأمم السابقة بالضلال والانحراف؛ ولهذا ذكر الله تعالى ما قاله قوم نوح:
}وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ ءَالِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا(23) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا... (24)ً{[سورة نوح].
فحرضوا الجماهير على التمسك بهذه الموروثات، والعادات، والتقاليد، والشخصيات، والآباء والأجداد، وأن الرسل يريدون صرفكم عن ذلك كله.
أسلوب التضييق على المؤمنين والحصار: كما قال المنافقون:
} لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا(7){ [سورة المنافقون]
فالمنافقون يظنون أن الرزق بأيديهم ، فإذا حجبوا ما بأيديهم؛ ظنوا أن الإنسان يموت جوعاً وعطشاً وفقراً، أو يذهب ليسأل الناس ما يأكل أو ما يشرب، وما علموا أن الله تعالى بيده خزائن السموات والأرض
}وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ(212){[سورة البقرة].
وسيلة خاصة، وهي القتل والقمع: ويسمونها التصفية الجسدية
}إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ...(20){ [سورة الكهف]
وكذلك قال فرعون، ومن معه:
} فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ...(25){ [سورة غافر]
يعني اقتلوهم واقتلوا أبناءهم. ويجوز أيضاً: أن يكون المعنى التهديد بقتل الأولاد؛ إرغاماً للمؤمنين، واضطراراً لهم إلى التراجع عن دينهم، بحيث يقتل ولد الواحد منهم والأب يرى، ومما يصدق ذلك قصة ماشطة بنت فرعون: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
[ لَمَّا كَانَتْ اللَّيْلَةُ الَّتِي أُسْرِيَ بِي فِيهَا أَتَتْ عَلَيَّ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ فَقُلْتُ يَا جِبْرِيلُ مَا هَذِهِ الرَّائِحَةُ الطَّيِّبَةُ فَقَالَ هَذِهِ رَائِحَةُ مَاشِطَةِ ابْنَةِ فِرْعَوْنَ وَأَوْلَادِهَا قَالَ قُلْتُ وَمَا شَأْنُهَا قَالَ بَيْنَا هِيَ تُمَشِّطُ ابْنَةَ فِرْعَوْنَ ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ سَقَطَتْ الْمِدْرَى مِنْ يَدَيْهَا فَقَالَتْ بِسْمِ اللَّهِ فَقَالَتْ لَهَا ابْنَةُ فِرْعَوْنَ أَبِي قَالَتْ لَا وَلَكِنْ رَبِّي وَرَبُّ أَبِيكِ اللَّهُ قَالَتْ أُخْبِرُهُ بِذَلِكَ قَالَتْ نَعَمْ فَأَخْبَرَتْهُ فَدَعَاهَا فَقَالَ يَا فُلَانَةُ وَإِنَّ لَكِ رَبًّا غَيْرِي قَالَتْ نَعَمْ رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ فَأَمَرَ بِبَقَرَةٍ مِنْ نُحَاسٍ فَأُحْمِيَتْ ثُمَّ أَمَرَ بِهَا أَنْ تُلْقَى هِيَ وَأَوْلَادُهَا فِيهَا قَالَتْ لَهُ إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً قَالَ وَمَا حَاجَتُكِ قَالَتْ أُحِبُّ أَنْ تَجْمَعَ عِظَامِي وَعِظَامَ وَلَدِي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَتَدْفِنَنَا قَالَ ذَلِكَ لَكِ عَلَيْنَا مِنْ الْحَقِّ قَالَ فَأَمَرَ بِأَوْلَادِهَا فَأُلْقُوا بَيْنَ يَدَيْهَا وَاحِدًا وَاحِدًا إِلَى أَنْ انْتَهَى ذَلِكَ إِلَى صَبِيٍّ لَهَا مُرْضَعٍ وَكَأَنَّهَا تَقَاعَسَتْ مِنْ أَجْلِهِ قَالَ يَا أُمَّهْ اقْتَحِمِي فَإِنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ فَاقْتَحَمَتْ] رواه أحمد.
إذاً:التصفية والقتل واردة عندهم، وقد يقتلون أولاد الواحد؛ إرغاماً له، ومضايقة، وتهديداً .
الحصار وفرض الإقامة الجبرية: كما فعلوا بالنسبة للرسول صلى الله عليه وسلم:
} وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ...(30){ [سورة الأنفال] يعني: يمنعوك من الخروج، ومغادرة البلد.
النفي من الأوطان والإخراج:
}...أَوْ يُخْرِجُوكَ {[سورة الأنفال]
وكذلك في الآية الأخرى:
} أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ...{
ما هو ذنبهم؟ ما عيبهم؟
}...إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ(82){ [سورة الأعراف]
وهذا باب يطول، وما ذكرته لايعدو أن يكون بعض الأمثلة التي تؤكد أن الأساليب القديمة هي ذاتها الأساليب الجديدة، التي يستخدمها طغاة العصر في مقاومة الإسلام .
رابعاً: الحرب المعاصرة:
إننا بحاجة إلى أن نلقي شيئاً من الضوء على الحرب التي تواجه الإسلام اليوم؛ لأننا نصطلي بنارها، ونواجهها، ونعايشها لحظة لحظة، وساعة ساعة، وهذه الحرب تتحدد فيما ظهر لي في هدف واحد كبير وهو: الفصل بين المسلمين وبين حقيقة دينهم ؛ بالفصل بينهم وبين القرآن، والفصل بينهم وبين المسجد، والفصل بينهم وبين العلماء والدعاة، فيسهل حينئد خداع العامة، وترويج الأقاويل الباطلة عليهم بعيداً عن أولي الأمر، وأولي الرأي، الذين يدركون، ويستنبطون، ويسهل صرف الناس عن دينهم والتلبيس عليهم، وطالماً وقفت الأمة في مرات كثيرة مع جلاديها ضد مثقفيها؛ بسب عدم تبين الأمور، أوغيبة الوعي، وضياع الهدف؛ فسهل القضاء على علماء الأمة، وعلى دعاتها بشتى الوسائل، والأمة تتفرج، وتشعر أن الأمر لا يعنيها.. إن الوئام والانسجام بين الدعاة وبين الأمة هو خير وقاية للطرفين، وقد قال قوم شعيب:
} يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ(91){ [سورة هود]
لقد تعللوا برهطه وعشيرته، وامتنعوا عن رجمه وقتله؛ بمراقبة ورعاية رهطه، وعشيرته، وقبيلته، ومن حوله.
إذاً: التقاء الأمة بعلمائها، واجتماعها معهم، والوئام والانسجام بين هؤلاء و أولئك؛ هو وقاية للعلماء، والدعاة، والمخلصين، والمجددين، والمصلحين من أن تمتد إليهم يد الأذى، أو يد التشويه.
وهو أيضاً: وقاية للأمة ذاتها من الانحراف في عقيدتها، أو سلوكها، أوعبادتها؛ وذلك لوجود الهداة الدعاة، الذين يبصرونها بدين الله تعالى، ويدعون إليه، ويحذرونها من سبل الضلال، ولن تجد الأمة قط أنصح لها من أهل الدعوة والعلم لا في دينها ولا فى دنياها؛ فإن العلماء والدعاة المخلصين هم المدافعون عن حقوق الأمة، وهم المحامون عن مصالحها دينية كانت أو دنيوية، وهكذا كانوا عبر التاريخ، ولازالوا إلى يوم الناس هذا.
لقد جرب العدو، وأدرك أن الشعوب قابلة لأن تتحرك، وتثور إذا مست عقيدتها مساً مباشراً، إن إحراق المصحف- مثلاً- أو هدم المساجد، أو شتم الرسول صلى الله عليه وسلم، أو سب الله تعالى؛ يثير المشاعر، ويحرك حتى أكثر الناس بعداً عن الدين..حتى المشاعر الخاملة تتحرك..ولهذا فلا بأس من قدر من العناية بالمصحف، وقراءته في الإذاعة، حتى في إذاعة إسرائيل، ولندن، وصوت أمريكا يفتتحون بالقرآن الكريم، ولا بأس أيضاً من تحلية المصحف بالذهب، ولا بأس عند الضرورة من إنشاء معاهد تخصص للقرآن الكريم، شريطة أن تقتصر على مجرد اللفظ، وإتقان القراءة، والتجويد. وأما تفسير القرآن.. والدعوة إليه، فضلا عن المناداة بتحكيمه، والعمل بشرائعه، فهي جريمة عندهم وربما يصل عقابها إلى القتل، أو ما يسمونه: الإعدام؛ لأن الذي ينادي بذلك خارج عن القانون، ويريد تحطيم مكتسبات الوطن، ويريد العودة إلى عصور الحريم، وإلى عصور التخلف، والرجعية، وهو مرتبط بالقوى الأجنبية العميلة.. إلى غير ذلك.
ولا بأس أيضاً من تشييد المساجد، وتفخيمها، وصرف الأموال لذلك، لكن لا مانع أن يبنى بجوار المسجد كنيسة صغيرة، أو حتى مرقص للترفيه والتسلية.. وكم هدمت مساجد، وعطلت عن العبادة الحقيقية دون أن ينكر الناس ذلك؛ إذاً: الناس يغضبون إذا هدم المسجد علانية، أو أحرق المصحف، لكن إذا عطل في غرضه، وهدفه، وسبب وجوده؛ فإن الناس ربما يغفلون ولا يتحركون، خاصةً إذا أحكم الكيد ونظم المكر.
وخلاصة ذلك: إن هناك طريقة واضحة اليوم، وهي تهدئة المشاعر بالمحافظة الظاهرية على أماكن العبادة، والحماية الظاهرية لأشخاص الملة: أنبياء كانوا، أوعلماء، أو دعاة، وفي المقابل يكون العمل الجاد للحيلولة بين الأمة، وبين قرآنها، وبينها وبين مسجدها، وبينها وبين علمائها بشتى الوسائل.
وسائلهم في ذلك:
أولاً: الوسائل المتعلقة بالأمة: تربية الطلاب على أن الولاء الوطني الأجوف- للزعيم، أو الحزب، أو الطائفة، أو القبيلة- هو الولاء الحقيقي؛ ولذلك كان السعي إلى تجفيف منابع التدين، وتطبيع العلاقات بين الأديان -كما يسمونها- الإسلام مع اليهودية مع النصرانية، وبالتالي تغيير المناهج الدراسية، خاصة مناهج الدين، والتاريخ، ولم يسلم من هذا التغيير أي بلد.
ثانياً:سن القوانين الاجتماعية العلمانية: التي تبيح العلاقات المحرمة بين الجنسين، بل وتشجع ذلك باسم الحرية، وباسم ممارسة الحياة الاجتاعية السليمة من العُقَد، وفي معظم بلاد العالم الإسلامي تسن القوانين التي تحمي المجرمين باسم الحرية، وهذه القوانين التي تتيح للإنسان إقامة علاقات مع امرأة أجنبية، هذه القوانين نفسها لا تسمح للإنسان أن يتزوج امرأة أخرى على كتاب الله تعالى، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
ثالثاً: إغراق المجتمعات بالمؤسسات والمدارس والنوادي: سواءً النوادي الرياضية، أو الترفيهية، أو الاجتماعية؛ شريطة أن يكون هدف هذه النوادي تربية المجتمع العلماني، البعيد عن الدين. إن مثل هذه الأساليب السابقة، وغيرها تولد مجتمعاً لا مكان للدين فيه، حتى إنه في بعض هذه الدول تكون نسبة المسلمين تسعين بالمائة، ومع ذلك تكون العطلة يوم الأحد، ولا أحد يعترض على ذلك؛ لأنه أصبح قانوناً ملزماً، والجميع تربوا على النظرة العلمانية اللادينية. ولكن مهما خطط العدو لجعل المجتمعات الإسلامية مجتمعات علمانية؛ حتى يرفضها الدعاة، ويبتعدوا عنها، إلا أنه من الممكن أن يتغلب الدعاة، وأن تتغلب الأمة على هذه الحواجز؛ ولذلك يسعى العدو إلى لون آخر من الحواجز، وهو الحواجز التي يقيمها في الأمة ضد الدعاة، وها هنا يأتي الدور الكبير للحيلولة بين الأمة، وبين أهل الدعوة، والإصلاح بكافة الوسائل، ومن هذه الوسائل ما يلي:
اتهام الدعاة بأنهم يريدون مقاصد دنيوية: مثل السعي لقلب نظام الحكم، وهي شبهة قديمة، ومع ذلك ما ملوا منها . نعم نحن وسائر دعاة الإسلام، بل وكل مسلم، ولو كان داعية معروفاً واجب عليه أن يسعى إلى العمل بشريعة الله تعالى، وتحكيمها في عباده سواء في دماء الناس، أو أعراضهم، أو أفكارهم، أو أموالهم:
} وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ(44){ }وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ(45){ }وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ(47) { [سورة المائدة]
فهذا دين الله وقوله.. شاء من شاء، وأبى من أبى، لكن اتهام الناس بغير بينة، أمر غير مقبول، ويجب أن يرفضه الجميع، ويرفضوا كل ما نتج عنه.
ومن المقاصد الدنيوية التي يتهمون بها أيضاً: اتهامهم بأخذ الأموال، واختلاسها، والتشهير بذلك،
وترويجه في أجهزة الإعلام، مع عدم إعطائهم الفرصة حتى للدفاع عن أنفسهم، ولو في نطاق محدود.
اتهام الدعاة بالارتباط بدولة أجنبية: وهذا يعتبر طعناً في الولاء والوطنية، والعجيب أن تلك الدول أو الجهات التي تتهمهم بالولاء لدول أجنبية هي نفسها ذات ارتباطات صريحة بدول معادية، فهي على صلة بإسرائيل وتعاون وطيد معها، و لها علاقات خفية، و معلنة مع أمريكا، ومع مخابراتها، وتصل إلى حد الولاء والتبعية المطلقة لها، فالأمر كما يقول المثل:"رمتني بدائها وانسلت".ويجب أن ندرك أن مثل هذه الدعايات، والأقوال المغرضة لاتعتمد على حق، ولا على صدق
} قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ(111) {[سورة البقرة] .
فعلى المسلمين أن يكونوا على مستوى من الوعي بحيث يحبطون مثل هذه التهم. وبالله عليك ما هو الشيء الذي تريده من الداعية حتى يثبت براءته؟! هل تريد منه أن يقول لك: هذا كذب؟ فإنه يقول لك بملء فمه: أن هذا كله كذب في كذب. والذي يُطالب بالدليل هو ذلك الذي يلقي بهذه التهم على دعاة الإسلام !!
اتهام الدعاة بالتطرف والإرهاب والسعي إلى تحطيم المكتسبات الوطنية والسياسة والاقتصادية: وضرب اقتصاد البلاد، وضرب السياحة، وضرب المكاسب السياسية، وتصوير دعاة الإسلام، وشباب الجماعات الإسلامية، بل وشباب الدعوة- ولو لم يكونوا من الجماعات- على أنهم متوحشون، وليست لديهم قدرة على الحوار، ومتعصبون، وأصحاب انفعالات، وهياج عاطفي وعصبي، وأنهم يؤمنون بأن آرائهم حق لا يقبل الجدل، وأن آراء غيرهم باطل لا يستحق النظر أو المناقشة، وأن خصومهم كفار، أو فساق، وأنهم يكفرون الناس، وأنهم يمارسون أساليب العنف.. إلى غير ذلك.
إن مثل هذه الأساليب لا تعبر حقيقة عن دعاة الإسلام؛ فإن دعاة الإسلام يؤمنون بالحوار، وكيف لا يؤمنون بالحوار، والله تعالى يقول:
} ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ...(125) {[سورة النحل]
وكيف لا يؤمنون بالحوار، والله تعالى يقول:
} وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ...(46) {[سورة العنكبوت] ..
فهل حاوروا هم شباب الإسلام، ورجال الدعوة؟!
اتهام الدعاة بخدمة أهداف خاصة: كأن يتهم الدعاة- مثلاً- بأنهم لا يسعون إلى مصلحة الأمة، ولايهمهم أمر الدين، وإنما هم يسعون إلى تحقيق أهداف جماعة بعينها.. وما ذلك إلا للحيلولة بينهم وبين بقية المسلمين. إنني أقول: إن مجرد الانتماء والانتساب للجماعات التي تكون على الكتاب والسنة، وعلى طريقة السلف الصالح ليس حراماً لذاته، وفتوى سماحة الوالد عبد العزيز بن باز بحروفها في هذا الجانب معروفة. والمسألة لا تعدو أن تكون تعاوناً على البر والتقوى، متى كان مجرد انتساب لا يشوبه تعصب، ولا بدعة، ولا هوى. ولكننا مع ذلك معاشر دعاة الإسلام نرى أن الأفق الأرحب، أفق الأمة؛ أوسع، وأنظف، وأحسن. وبناءً عليه فإن دعاة الإسلام ليسوا دعاة جماعة بعينها، ولا يدعون الناس إلى طائفة بذاتها، وإنما هم دعاة إلى دين الإسلام، ولا يقبلون هذه الحزبية الضيقة أن يحجّموا بها شخصياتهم، أو عقولهم، أو آرائهم، أو نفوسهم، وإن كانوا لا يحاربون هذه الجماعات، ولا يناصبونها العداء بل هم يصادقونها، ويوالونها على البر والتقوى، ويتعاونون معها بالمعروف، ويناصحونها إذا رأوا منها ما يوجب النصيحة، وهذا هو الذي أعلمه من هؤلاء الدعاة.
العمل على تفريق الجماعات الإسلامية، والطوائف، وضرب بعضها ببعض: حتى يسلم العدو، ويقف متفرجاً على حين يتشابك هؤلاء كما يتشابك الصبيان فيما بينهم. إن الغريب قد لايستطيع ما يستطيعه القريب، فالقريب أبلغ في المحاربة. ولذلك يجب على دعاة الإسلام، ورجاله، وأهله، وحملته أن يكونوا فوق مستوى المسائل الشخصية، والمعارك القريبة، وألا يقبلوا أن تثار معركة إلا مع عدو الإسلام، أما المعركة مع إخوانهم، فيجب ألا يستجيبوا لها، وأن يكونوا فوق مستوى هذه المعارك التي هي للعدو وليست للصديق.
الحصار الإعلامي: ففي الوقت الذي يُجند الإعلام فيه لضرب الدعاة، والنيل منهم، وسبهم، والتشهير بهم؛ فإن دعاة الإسلام لا يمكنون من الدفاع عن أنفسهم..وكذلك حرب الشريط الإسلامي، والحيلولة بينه وبين الناس أن يستمعوه، أو يشتروه، أو يتبادلوه، على رغم أننا نجد ترويجاً للأشرطة الغنائية حتى في الصحف، وإعلاناً عنها، وجوائز لمن يشتريها، ونجد هناك إغراءً للمغنيين والمغنيات بالانتشار، وترويجاً للمسلسلات، وإظهاراً للفتيات على شاشة التلفاز.. إلى غير ذلك من الوسائل، التي تنصب في الحصار الإعلامي على صوت الحق، وصوت الوضوح، وصوت الصراحة، ومحاولة الترويج، والتشهير للأصوات الأخرى المغرضة.
الرجوع الي قسم الإسلام العظيم