2. كتاباته
لم يبقَ لدينا من كتاباته العديدة بلغته الأم (اليونانية) سوى مؤلَّفين. أحدهما يُعتبر الأهم وعنوانه المتداول "ضد الهرطقات" (Adversus haereses)، كتبه تفنيداً للغنوصية يفضح به هذه البدعة. ومما ساعده على ذلك فضلاً عن حماسه الديني هو معرفته الواسعة للتقليد المقدس الذي يزعم أنه استلمه من بوليكاربوس ومن باقي تلامذة الرسل.( والأكيد أنه لم يعرف إيريناوس أحد من تلاميذ الرسل ) ومع أنه تصعب قراءة المؤلَّف بسبب أسلوبه المعقّد أحياناً والمليء بالإعادات إلا أن إيريناؤس نجح في تقديم صورة واضحة عن عقيدة الكنيسة ولاهوتها القديم.
حتى عام 1904 لم نكن نعرف من المؤلَّف الثاني سوى عنوانه: "برهان تعليم الرسل" (تاريخ الكنيسة لأوسابيوس 5 / 26)، لكن في ذلك العام اكتُشفَت ترجمة أرمنية لهذا الكتاب ونُشرت عام 1907. يتكلم الكتاب عن الحقائق الأساسية في المسيحية: الأقانيم الثلاثة، الخليقة، خطيئة الإنسان، تجسّد الله والفداء. يبرهن الكاتب عن صحة هذه العقائد بإستشهاده من كتب العهد القديم.
3. لاهوته
هناك سببان جعلا من القديس إيريناؤس أحد أهم لاهوتيي القرن الثاني: الأول هو كشفه لزيف بدعة الغنوصية والثاني هو أنه أول مَن عبَّر عن التعليم المسيحي بطريقة عقائدية:
أ. يؤكد إيريناؤس بأن الله الواحد هو نفسه خالق العالم وأبو الكلمة (اللوغوس). هو لا يشرح العلاقة بين الأقانيم الإلهية، إلا أنه مقتنع تماماً بأن تاريخ الخلاص يُثبتُ وجودهم منذ الأزل. إن كلمات سفر التكوين: "لنصنع الإنسان على صورتنا كمثالنا" (تك 1 / 26) لموجّهة من الله الآب إلى الإبن والروح القدس اللذين يشبههما القديس إيريناؤس بيدي الله الآب، التي صنع بهما العالم.
ب. يصف إيريناؤس ولادة الإبن من الآب بالأمر الذي لا يُدرك ولا يُوصَف ويقول: "أظهر الله نفسه بواسطة الإبن الذي هو في الآب والذي فيه الآب" (3 / 6 / 2).
ج. تحتل فكرة "الجمع تحت رأس واحد" (avnakefalai,wsij) المركز المحوري في مسيحانية القديس إيريناؤس وبالتالي في كل فكره اللاهوتي. اتّخذ هذه الفكرة من القديس بولس (أف 1 / 10) وطوّرها: فمن خلال عمل الله الذي يجمع كل خليقته تحت رأس واحد هو المسيح، تتجدّد الخليقة وتمحى آثار عصيان آدم الأول لأن آدم الثاني (المسيح) قد صارع الشرير وغلبه فجدَّد كل شيء.
د. لقد أثرت الفكرة السابقة في نظرة إيريناؤس لمريم العذراء. ومع أن يوستينوس الشهيد كان أول من قارن بين حواء ومريم إلا أن إيريناؤس تعمّق أكثر في هذه المقارنة: كما أن الخليقة سقطت بعصيان إمرأة (حواء) هكذا تنجو بطاعة إمرأة (مريم) لأنها ولدت آدم الجديد، لذا تستحق أن تُدعى "محامية حواء"، وهي بالحقيقة أم الخليقة الجديدة.
هـ. نجد أيضاً مفهوم الكنيسة (إكلسيولوجيا) متأثراً بفكرة "الجمع تحت رأس واحد": فالله قد أراد أن يحقق ويكمل في الكنيسة عمله الإلهي بأن يجمع الكل تحت رأس واحد هو المسيح.
من جهة أخرى يعتبر إيريناؤس أن مصدر الإيمان الحق هو تعليم الرسل الثابت. وهو يعرض الإيمان المسيحي متّبعاً قانون إيمان الرسل بحذافيره. لهذا فإن الكنائس المؤسَّسة من قِبَل الرسل هي وحدها القادرة على حفظ الإيمان القويم، فخلافة الأساقفة غير المنقطعة تضمن لها عدم الحياد عن التعليم الصحيح. هذا تماماً ما يفتقده الهراطقة.
و. في حديثه عن الإفخارستيا يؤكد إيريناؤس حضور جسد ودم المسيح فيها، ومنها يستنتج قيامة الجسد: "بما أن الكأس الممزوج بالماء والخبز المصنوع ينالا إفخارستيا دم وجسد المسيح، فيمنحا جسدنا غذاءً ودعماً، فكيف يقول البعض أنه لا يمكن للجسد أن يقتبل عطية الله أي الحياة الأبدية؟!".
ز. يحتوي قانون العهد الجديد حسب إيريناؤس على: الأناجيل الأربعة، رسائل بولس، أعمال الرسل، رسائل ورؤيا يوحنا، رسالة بطرس الأولى وكتاب راعي هرماس. يعتبر هذه الكتب ملهمة على مثال كتب العهد القديم وللكنيسة الكلمة الحاسمة في تفسيرها ذلك أنها "أشجار مزروعة في حديقة الكنيسة".
ح. في ما يتعلق بالإنسان يعلِّم إيريناؤس بأنه مؤلَّف من جسد ونفس وروح. فالروح (وهنا من الصعب تحديد طبيعته: أي إن كان المقصود به روح الله أم روح الإنسان!) هو الذي يجعل الإنسان كاملاً. إلا أنه في تفنيده فكرة الغنوصيين القائلة بأن النفس خالدة بطبيعتها وبمعزلٍ عن سيرتها الأخلاقية ذهب إيريناؤس إلى حد القول بأن النفس ليست خالدة بطبيعتها بل بسبب سيرتها الأخلاقية الصالحة!.
ط. إن لؤلؤة إيريناؤس الحقيقية في لاهوته حول الخلاص (سوتِريولوجيا) هو تأكيده بأن كل إنسان بحاجة للفداء وقابل له. فبعد خطيئة أبوينا الأولين فَقَدَ الإنسان صورة الله فيه، لكن خلاص المسيح جدَّدَ فيه هذه الصورة.
في حديثه عن الخلاص يتحاشى إيريناؤس استعمال تعبير "تأليه" %qeopoi,hsij$ ويستعمل بدلاً منه تعبير "المشاركة في مجد الله"، فقد كان حريصاً على عدم إلغاء الحدود بين الله والإنسان كما كانت تفعل بعض الديانات الوثنية والغنوصية.
1 - البعض يكتب إسمه : القديس إيرينيوس، ، إرينيؤس إرينوس , إيريناوس
المصدر / الموسوعة العربية المسيحية
ــــــــــــ
- المراجع
J. Quasten, Patrologia, vol. I, ed. Marietti 1980, pp. 255-279.