، ثم نتبع هذا الفصل بفصل ثالث ، نطبق فيه المعيار الذي ننتهي إليه في الفصل الثاني ، وبديهي أن الحقيقة لن تتفق مع ما يقوله كل من المسيحيين والمسلمين ، إذ لا يمكن للحقيقة إلا أن تؤيد فرضاً واحداً من الفرضين موضوع البحث ، ولاشك أن لدي كل من المسيحيين والمسلمين اعتراضات على الفرض الآخر فللمسيحيين اعتراضات على ما يقول به المسلمون من تخليص المسيح وصلب غيره ، وللمسلمين اعتراضات على ما يقول به المسيحيون من صلب المسيح ، ولابد لكمال البحث من أن نتناول أيضاً ما قد يوجه إلي ما ننتهي إليه من نتيجة من اعتراضات حتى لا يكون هناك ثمة ما ينقض البحث نفسه أو النتيجة التي ننتهي إليها ، وهذا ما نفرد له فصلاً رابعاً ، ولاشك ، أنه لابد في النهاية ، أن تكون هناك تأملات فيما ننتهي إليه ، نخصص لها الفصل الخامس ، وأخيراً ، فإن هذا الموضوع لا يطرق ويبحث على هذا المدى الواسع ، دون أن يطرق معه ، موضوع آخر ، لصيق به ومتفرع عنه ، أثير في الأعوام الأخيرة ، وعرف بتبرئة اليهود من دم المسيح عليه السلام ، نخصص له فصلاً سادساً وأخيراً بعنوان " اليهود ودم المسيح " .
الفصل الأول
صلب المسيح كما يعتقد به المسيحيون
وتخليص الله له ورفعه إليه وصلب غير كما يعتقد المسلمون
قلنا أنه من الطبيعي أن نبدأ بحثنا بشرح مفصل لكيفية صلب المسيح كما يعتقد المسيحيون ، ولكيفية تخليص الله له ورفعه إليه وصلب غيره كما يعتقد المسلمون ، وذلك لتوضيح الفرضين الذين نبحث عن الحقيقة بينهما ، وهذا طبيعي كما قلنا ، لأنه مما لاشك فيه ، أن الوقوف على تفاصيل كل من الفرضين ، لابد وأن يعين إلى حد كبير في الكشف عن الحقيقة بينهما ، وعلى هذا فإن البحث في هذا الفصل ينقسم إلى مبحثين :
المبحث الأول : في صلب المسيح كما يعتقد به المسيحيون .
المبحث الثاني : في تخليص الله للمسيح ورفعه إليه وصلب غيره كما يعتقد المسلمون .
المبحث الأول
في صلب المسيح كما يعتقد به المسيحيون
الذي لاشك فيه ، أن السند الأول لما يعتقده المسيحيون عن صلب المسيح عليه السلام ، هو ما ورد في الأناجيل الأربعة من تفاصيل عن ذلك ، وعلى هذا ، فإن الصورة الصحيحة والمقبولة عند المسيحيين في هذا الخصوص ، هي تلك التي نستخلصها مما ورد في الأناجيل الأربعة في هذا الشأن ، ويحتم ذلك أن نبدأ ببيان ما ورد في الأناجيل عن هذه التفاصيل ، لنستخلص منها ما يعتقده المسيحيون عن صلب المسيح وما سبقه من وقائع وتفاصيل وما انتهت إليه ، وسنورد فيما يلي ما ورد في هذا الشأن في أناجيل متى ثم مرقس ثم لوقا ثم يوحنا على التوالي لترتيب الأناجيل نفسها كما وردت في الكتاب المقدس .
( ولما أكل يسوع هذه الأقوال كلها قال لتلاميذه ، تعلمون أنه بعد يومين يكون الفصح وابن الإنسان يسلم ليصلب .
حينئذ اجتمع رؤساء الكهناء والكتبة وشيوخ الشعب إلى دار رئيس الكهنة الذي يدعي قيافا. وتشاوروا لكي يمسكوا يسوع بمكر ويقتلوه . ولكنهم قالوا ليس في العيد لئلا يكون شغب في الشعب ) (ص 26 : 1 – 5)
( حينئذ ذهب واحد من الاثني عشر الذي يدعي يهوذا الاسخريوطي إلى رؤساء الكهنة . وقال ماذا تريدون أن تعطوني وأنا أسلمه إليكم ، فجعلوا له ثلاثين من الفضة ، ومن ذلك الوقت لم يطلب فرصة ليسلمه .
وفي أول أيام الفطير تقدم التلاميذ إلى يسوع قائلين له أين تريد أن نعد لك لتأكل الفصح . فقال اذهبوا إلى المدينة إلى فلان وقولوا له . المعلم يقول إن وقتي قريب. عندك أصنع الفصح مع تلاميذي ، ففعل التلاميذ كما أمرهم يسوع .
ولما كان المساء انكأ مع الاثني عشر ، وفيما هم يأكلون قال الحق أقول لكم إن واحداً منكم يسلمني ، فحزنوا جداً وابتدأ كل واحد منهم يقول هل أنا هو يا رب فأجاب وقال . الذي يغمس يده معي في الصحفة هو يسلمني . إن ابن الإنسان ماض كما هو مكتوب عنه. ولكن ويل لذلك الرجل الذي يسلم ابن الإنسان . كان خيراً لذلك الرجل لو لم يولد . فأجاب يهوذا مسلمه وقال هل أنا هو يا سيدي ، قال له أنت قلت .
وفيما هم يأكلون أخذ يسوع الخبز وبارك وكسر وأعطي التلاميذ وقال خذوا كلوا . هذا هو جسدى . وأخذ الكأس وشكر وأعطاهم قائلا اشربوا منها كلكم لأن هذا هو دمي الذي للعهد الجديد الذي يسفك من أجل كثيرين لمغفرة الخطايا وأقول لكم أني من الآن لا أشرب من نتاج الكرمة هذا إلى ذلك اليوم حينما أشربه معكم في ملكوت أبي . ثم سبحوا وخرجوا إلى جبل الزيتون .
حينئذ قال لهم يسوع كلكم تشكون فيَّ في هذه الليلة لأنه مكتوب أن أضرب الراعي فتتبدد خراف الرعية. ولكن بعد قيامي أسبقكم إلى الجليل فأجاب بطرس وقال له وإن شك فيك الجميع فأنا لا أشك أبداً . قال له يسوع الحق أقول لك أنك في هذه الليلة قبل أن يصيح الديك تنكرني ثلاث مرات . قال له بطرس ولو اضطررت أن أموت معك لا أنكرك . هكذا قال أيضاً جميع التلاميذ.
حينئذ جاء معهم يسوع إلى ضيعة يقال لها جثسيماني فقال للتلاميذ اجلسوا ههنا حتى أمضى وأصلي هناك. ثم أخذ معه بطرس وابني زبدي وابتدأ يحزن ويكتئب فقال لهم نفسي حزينة جداً حتى الموت. امكثوا ههنا واسهوا معي . ثم تقدم قليلاً وخر على وجهه وكان يصلي قائلاً يا أبتاه إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس . ولكن ليس كما أريد أنا بل كما تريد أنت. ثم جاء إلى التلاميذ فوجدهم نياماً . فقال لبطرس أهكذا ما قدرتم أن تسهروا معي ساعة واحدة. اسهروا وصلوا لئلا تدخلوا في تجربة . أما الروح فنشيط وأما الجسد فضعيف. فمضي أيضاً ثانية وصلي قائلا يا أبتاه إن لم يمكن أن تعبر عني هذه الكأس إلا أن أشربها فلتكن مشيئتك . ثم جاء فوجدهم أيضاً نياماً . إذ كانت أعينهم ثقيلة . فتركهم ومضي أيضاً وصلي ثالثة قائلاً ذلك الكلام بعينه. ثم جاء إلى تلاميذه وقال لهم ناموا الآن واستريحوا هو ذا الساعة قد اقتربت وابن الإنسان يسلم إلى أيدي الخطاة ، قوموا ننطلق هو ذا الذي يسلمني قد اقترب .
وفيما هو يتكلم إذا يهوذا الاسخريوطي واحد من الاثني عشر قد جاء ومعه جمع كبير بسيوف وعصي من عند رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب . والذي أسلمه أعطاهم علامة قائلاً الذي أقبله هو هو . أمسكوه . فللوقت تقدم إلى يسوع وقال السلام يا سيدي. وقبله . فقال له يسوع يا صاحب لماذا جئت . حينئذ تقدموا وألقوا الأيادي على يسوع وأمسكوه . وإذا واحد من الذين مع يسوع مد يده واستل سيفه وضرب عبد رئيس الكهنة فقطع أذنه . فقال له يسوع رد سيفك إلى مكانه " لأن كل الذين يأخذون السيف بالسيف يهلكون . أتظن أني لا أستطيع الآن أن أطلب إلى أبي فيقدم لي أكثر من اثني عشر جيشاً من الملائكة ، فكيف تكمل الكتب أنه هكذا ينبغي أن يكون .
في تلك الساعة قال يسوع للجموع ، كأنه على لص خرجتم بسيوف وعصي لتأخذوني ، كل يوم كنت أجلس معكم أعلم في الهيكل ولم تمسكوني ، وأما هذا كله فقد كان لكي تكمل كتب الأنبياء ، حينئذ تركه التلاميذ كلهم وهربوا .
والذين أمسكوا يسوع مضوا به إلى قيافا رئيس الكهنة حيث اجتمع الكتبة والشيوخ ، وأما بطرس فتبعه من بعيد إلى دار رئيس الكهنة فدخل إلى داخل وجلس بين الخدام لينظر النهاية ، وكان رؤساء الكهنة والشيوخ والمجمع كله يطلبون شهادة شهود زور على يسوع لكي يقتلوه فلم يجدوا ، ومع أنه جاء شهود زور كثيرون لم يجدوا ، ولكن أخيراً تقدم شاهدا زور . وقالا . هذا قال أني أقدر أن أنقض هيكل الله وفي ثلاثة أيام أبنيه ، فقام رئيس الكهنة وقال له أما تجيب بشيء ، ماذا يشهد به هذان عليك ، وأما يسوع فكان ساكتاً ، فأجاب رئيس الكهنة وقال استحلفك بالله الحي أن تقول لنا هل أنت المسيح ابن الله ، قال له يسوع أنت قلت ، وأيضاً أقول لكم من الآن تبصرون ابن الإنسان جالساً عن يمين القوة وآتيا على سحاب السماء ، فمزق رئيس الكهنة حينئذ ثيابه قائلاً قد جدف ، ما حاجتنا بعد إلى شهود ، ها قد سمعتم تجديفه ، ماذا ترون ، فأجابوا وقالوا أنه مستوجب الموت .
حينئذ بصقوا في وجهه ولكموه ، وآخرون لطموه ، قائلين تنبأ لنا أيها المسيح من ضربك.
أما بطرس فكان جالساً خارجاً في الدار ، فجاءت إليه جارية قائلة وأنت كنت مع يسوع الجليلي ، فأنكر قدام الجميع قائلاً لست أدري ما تقولين ، ثم إذ خرج إلى الدهليز رأته أخرى فقالت للذين هناك وهذا كان مع يسوع الناصري ، فأنكر أيضاً بقسم أني لست أعرف الرجل . وبعد قليل جاء القيام وقالوا لبطرس حقاً أنت أيضاً منهم فإن لغتك تظهرك ، فابتداء حينئذ يلعن ويحلف أني لا أعرف الرجل . وللوقت صاح الديك . فتذكر بطرس كلام يسوع الذي قال له أنك قبل أن يصيح الديك تنكرني ثلاث مرات . فخرج إلى خارج وبكي بكاء مراً ) (ص 26 : 14-75) ( ولما كان الصباح تشاور جميع رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب على يسوع حتى يقتلوه ، فأوثقوه ومضوا به ودفعوه إلى بيلاطس البنطي الوالي ) (ص 27 : 1، 2) .
( فوقف يسوع أمام الوالي فسأله الوالي قائلاً أأنت ملك اليهود ، فقال له يسوع أنت تقول ، وبينما كان رؤساء الكهنة والشيوخ يشتكون عليه لم يجب بشيء ، فقال له بيلاطس أما تسمع كم يشهدون عليك ، فلم يجبه ولا عن كلمة واحدة حتى تعجب الوالي جداً.
وكان الوالي معتاداً في العيد أن يطلق للجمع أسيراً واحداً من أرادوه ، وكان لهم حينئذ أسير مشهور يسمي باراباس ، ففيما هم مجتمعون قال لهم بيلاطس من تريدون أن أطلق لكم ، باراباس أم يسوع الذي يدعي المسيح ، لأنه علم أنهم أسلموه حسداً ، وإذ كان جالساً على كرسي الولاية أرسلت إليه أمرأته قائلة إياك وذلك البار ، لأني ، تألمت اليوم كثيراً في حلم من أجله ، ولكن رؤساء الكهنة والشيوخ حرضوا الجموع على أن يطلبوا باراباس ويهلكوا يسوع . فأجاب الوالي وقال لهم من من الاثنين تريدون أن أطلق لكم ، فقالوا باراباس ، قال لهم يبلاطس فماذا أفعل بيسوع الذي يدعي المسيح ، قال له الجميع ليصلب ، فقال الوالي وأي شر عمل ، فكانوا يزدادون صراخاً قائلين ليصلب ، فلما رأي بيلاطس أنه لا ينفع شيئاً بل بالحري يحدث شغب أخذ ماء وغسل يديه قدام الجمع قائلاً أني برئ من دم هذا البار ، أبصروا أنتم ، فأجاب جميع الشعب وقالوا دمه علينا وعلى أولادنا ، حينئذ أطلق لهم باراباس ، وأما يسوع فجلده وأسلمه ليصلب .
فأخذ عسكر الوالي يسوع إلى دار الولاية وجمعوا عليه كل الكتيبة ، فعروه وألبسوه رداء قرمزياً . وضفروا له إكليلاً من شوك ووضعوه على رأسه وقصبة في يمينه وكانوا يجثون قدامه ويستهزئون به قائلين السلام عليك يا ملك اليهود ، وأخذوا القصبة وضربوه على رأسه ، وبعدما استهزأوا به نزعوا عنه الرداء وألبسوه ثيابه ومضوا به للصلب .
وفيما هم خارجون وجودا إنساناً قيروانياً اسمه سمعان فسخروه ليحمل صليبه ولما أتوا إلى موضع يقال له جلجثة وهو المسمي موضع الجمجمة . أعطوه خلا ممزوجاً بمرارة ليشرب . ولما ذاق لم يرد أن يشرب . ولما صلبوه اقتسموا ثيابه مقترعين عليها ، لكي يتم ما قيل بالنبي اقتسموا ثيابي بينهم وعلى لباسي ألقوا قرعة . ثم جلسوا يحرسونه هناك ، وجعلوا فوق رأسه علته مكتوبة هذا هو يسوع ملك اليهود ، حينئذ صلب معه لصان واحد عن اليمين وواحد عن اليسار.
وكان المجتازون يجدفون عليه وهم يهزون رؤوسهم قائلين يا نافض الهيكل وبانيه في ثلاثة أيام خلص نفسك ، إن كنت ابن الله فأنزل عن الصليب ، وكذلك رؤساء الكهنة أيضاً وهم يستهزئون مع الكتبة والشيوخ قالوا : خلص آخرين وأما نفسه فما يقدر أن يخلصها ، إن كان هو ملك إسرائيل فلينزل الآن عن الصليب فنؤمن به.
قد أتكل على الله فلينقذه الآن إن أراده ، لأنه قال أنا ابن الله ، وبذلك أيضاً كان اللصان اللذان صلبا معه يعيرانه .
ومن الساعة السادسة كانت ظلمة على كل الأرض إلى الساعة التاسعة : ونحو الساعة التاسعة صرخ يسوع بصوت عظيم قائلاً إيلي إيلي لما شبقتني أي إلهي إلهي لماذا تركتني . فقوم من الواقفين هناك لما سمعوا قالوا إنه ينادي إيليا ، وللوقت ركض واحد منهم وأخذ إسفنجة وملأها خلاً وجعلها على قصبة وسقاه . وأما الباقون فقالوا اترك ، لنري هل يأتي إيليا يخلصه ، فصرخ يسوع أيضاً بصوت عظيم وأسلم الروح) . (ص 27 : 11 – 50) .
ثانياً : إنجيل مرقس :
( وكان الفصح وأيام الفطير بعد يومين ، وكان رؤساء الكهنة والكتبة يطلبون كيف يمسكونه بمكر ويقتلونه ، ولكنهم قالوا ليس في العيد لئلا يكون شغب في الشعب ) (ص 14 : 1، 2).
( وجاءوا إلى ضيعة اسمها جثسيماني فقال لتلاميذه أجلسوا ههنا حتى أصلي ، ثم أخذ معه بطرس ويعقوب ويوحنا وابتدأ يدهش ويكتئب ، فقال لهم نفسي حزينة جداً حتى الموت ، أمكثوا ههنا واسهروا ، ثم تقدم قليلاً وخر على الأرض وكان يصلي لكي تعبر عنه الساعة إن أمكن ، وقال يا أبا الآب كل شيء مستطاع لك .
فأجز عني هذه الكأس ، ولكن ليكن لا ما أريد بل ما تريد أنت ، ثم جاء ووجدهم نياماً فقال لبطرس يا سمعان أنت نائم ، أما قدرت تسهر ساعة واحدة ، اسهروا وصلوا لئلا تدخلوا في تجربة ، أما الروح فنشيط وأما الجسد فضعيف ، ومضي أيضاً وصلي قائلاً ذلك الكلام بعينه ، ثم رجع ووجدهم أيضاً نياماً إذ كانت أعينهم ثقيلة فلم يعلموا بماذا يجيبونه ، ثم جاء ثالثة وقال لهم ناموا الآن واستريحوا يكفي ، قد أتت الساعة ، هو ذا ابن الإنسان يسلم إلى أيدي الخطاة ، هو ذا الذي يسلمني قد اقترب .
وللوقت فيما هو يتكلم أقبل يهوذا واحداً من الاثني عشر ومعه جمع كبير بسيوف وعصي من عند رؤساء الكهنة والكتبة والشيوخ ، وكان مسلمه قد أعطاهم علامة قائلاً الذي أقبله هو هو أمسكوه وامضوا به بحرص فجاء للوقت وتقدم إليه قائلاً يا سيدي يا سيدي وقبله ، فألقوا أيديهم عليه وأمسكوه ، فاستل واحد من الحاضرين السيف وضرب عبد رئيس الكهنة فقطع أذنه.
فأجاب يسوع وقال لهم كأنه على لص خرجتم بسيوف وعصي لتأخذوني ، كل يوم كنت معكم في الهيكل أعلم ولم تمسكوني ، ولكن لكي تكمل الكتب ، فتركه الجميع وهربوا ، وتبعه شاب لابساً إزاراً على عريه فأمسكه الشبان ، فترك الإزار وهرب منهم عرياناً .
فمضوا بيسوع إلى رئيس الكهنة فاجتمع معه جميع رؤساء الكهنة والشيوخ والكتبة ، وكان بطرس قد تبعه من بعيد إلى داخل دار رئيس الكهنة وكان جالساً بين الخدام يستدفئ عند النار ، وكان رؤساء الكهنة والمجمع كله يطلبون شهادة على يسوع ليقتلوه فلم يجدوا ، لأن كثيرين شهدوا عليه زوراً ولم تتفق شهاداتهم .
ثم قام قوم وشهدوا عليه زوراً قائلين ، نحن سمعناه يقول إني أنقض هذا الهيكل المصنوع بالأيادي وفي ثلاثة أيام أبني آخر غير مصنوع بأياد ، ولا بهذا كانت شهادتهم تتفق فقام رئيس الكهنة في الوسط وسأل يسوع قائلاً أما تجيب بشيء . ماذا يشهد به هؤلاء عليك ، أما هو فكان ساكتاً ولم يجب بشيء ، فسأله رئيس الكهنة أيضاً وقال له أأنت المسيح ابن المبارك. فقال يسوع أنا هو ، وسوفت تبصرون ابن الإنسان جالساً عن يمين القوة وآتيا في سحاب السماء ، فمزق رئيس الكهنة ثيابه وقال ما حاجتنا بعد إلى شهود ، قد سمعتم التجاديف ، ما رأيكم ، فالجميع حكموا عليه أنه مستوجب الموت ، فابتدأ قوم يبصقون عليه ويغطون وجهه ويلكمونه ويقولون له تنبأ ، وكان الخدام يلطمونه ) ( ص 14 : 32 : 65) .
( وللوقت في الصباح تشاور رؤساء الكهنة والشيوخ والكتبة والمجمع كله فأوثقوا يسوع ومضوا به وأسلموه إلى بيلاطس .
فسأله بيلاطس أنت ملك اليهود . فأجاب وقال له أنت تقوله ، وكان رؤساء الكهنة يشتكون عليه كثيراً ، فسأله بيلاطس أيضاً قائلاً أما تجيب بشيء ، أنظركم يشهدون عليك ، فلم يجب يسوع أيضاً بشيء حتى تعجب بيلاطس ، وكان يطلق لهم في كل عيد أسيراً واحداً من طلبوه ، وكان المسمي باراباس موثقاً مع رفقائه في الفتنة الذين في الفتنة فعلوا قتلاً . فصرخ الجمع وابتدأوا يطلبون أن يفعل كما كان دائماً يفعل لهم . فأجابهم بيلاطس قائلاً أتريدون أن أطلق لكم ملك اليهود ، لأنه عرف أن رؤساء الكهنة كانوا قد أسلموه حسداً ، فهيج رؤساء الكهنة الجمع لكي يطلق لهم بالحري باراباس ، فأجاب بيلاطس أيضاً وقال لهم فماذا تريدون أن أفعل بالذي تدعونه ملك اليهود ، فصرخوا أيضاً اصلبه ، فقال لهم بيلاطس وأي شر عمل . فازدادوا جداً صراخاً أصلبه ، فبيلاطس إذ كان يريد أن يعمل للجمع ما يرضيهم أطلق لهم باراباس وأسلم يسوع بعدما جلده ليصلب .
فمضي به العسكر إلى داخل الدار هي دار الولاية وجمعوا كل الكتيبة ، وألبسوه أرجوانا وصفروا أكليلاً من شوك ووضعوه عليه ، وابتدأوا يسلمون عليه قائلين السلام يا ملك اليهود . وكانوا يضربونه على رأسه بقصبة ويبصقون عليه ثم يسجدون له جاثين على ركبهم ، وبعد ما استهزأوا به نزعوا عن الأرجوان وألبسوه ثيابه ثم خرجوا به ليصلبوه فسخروا رجلاً مجتازاً كان آتياً من الحقل وهو سمعان القيراوني أبو الكسندرس وروفس ليحمل صليبه ، وجاءوا به إلى موضع جلجثة الذي تفسيره موضع جمجمة ، وأعطوه خمراً ممزوجة بمر ليشرب فلم يقبل . ولما صلبوه اقتسموا ثيابه مقترعين عليها ماذا يأخذ كل واحد ، وكانت الساعة الثالثة فصلبوه ، وكان عنوان علته مكتوباً ملك اليهود . وصلبوا معه لصين واحداً عن يمينه وآخر عن يساره ، فتم الكتاب القائل وأحصي معه أثمه . وكان المجتازون يجدفون عليه وهم يهزون رؤوسهم قائلين آه يا ناقض الهيكل وبانيه في ثلاثة أيام خلص نفسك وانزل عن الصليب . وكذلك رؤساء الكهنة وهم مستهزئون فيما بينهم مع الكتبة قالوا خلص آخرين وأما نفسه فما يقدر أن يخلصها ، لينزل الآن المسيح ملك إسرائيل عن الصليب لنري ونؤمن ، واللذان صلبا معه كانا يعيرانه .
ولما كانت الساعة السادسة كانت ظلمة على الأرض كلها إلى الساعة التاسعة ، وفي الساعة التاسعة صرخ يسوع بصوت عظيم قائلاً الوي الوي لما شبقتني . الذي تفسيره إلهي إلهي لماذا تركتني ، فقال قوم من الحاضرين لما سمعوا هوذا ينادي إيليا ، فركض واحد وملأ اسفنجة خلا وجعلها على قصبة وسقاه قائلاً اتركوا ، لنر هل يأتي إيليا لينزله فصرخ يسوع بصوت بصوت عظيم وأسلم الروح ) (ص 15 : 1 – 27) .
( وخرج ومضى كالعادة إلى جبل الزيتون ، وتبعه أيضاً تلاميذه ، ولما صار إلى المكان قال لهم صلوا لكي لا تدخلوا في تجربة ، وانفصل عنهم نحو رمية حجر وجثا على ركبتيه وصلي ، قائلاً يا أبتاه إن شئت أن تجيز عني هذه الكأس ، ولكن لتكن لا إرادتي بل إرادتك ، وظهر له ملاك من السماء يقويه ، وإذ كان في جهاد كان يصلي بأشد لجاجة وصار عرقه كقطرات دم نازلة على الأرض . ثم قام من الصلاة وجاء إلى تلاميذه فوجدهم نياماً من الحزن ، فقال لهم لماذا أنتم نيام ، قوموا وصلوا لئلا تدخلوا في تجربة .
وبينما هو يتكلم إذا جمع والذي يدعي يهوذا أحد الاثني عشر يتقدمهم فدنا من يسوع ليقبله ، فقال له يسوع يا يهوذا أبقبلة تسلم ابن الإنسان ، فلما رأي الذين حوله ما يكون قالوا يا رب أنضرب بالسيف ، وضرب واحد منهم عبد رئيس الكهنة فقطع أذنه اليمني ، فأجاب يسوع وقال دعوا إلى هذا . ولمس أذنه وأبرأها.
ثم قال يسوع لرؤساء الكهنة وقواد جند الهيكل والشيوخ المقبلين عليه . كأنه على لص خرجتم بسيوف وعصي ، إذ كنت معكم كل يوم في الهيكل لم تمدوا على الأيدي ، ولكن هذه ساعتكم وسلطان الظلمة ، فأخذوه وساقوه وأدخلوه إلى بيت رئيس الكهنة ) (ص 22 : 39 – 54)
( والرجال الذين كانوا ضابطين يسوع كانوا يستهزئون به وهم يجلدونه ، وغطوه وكانوا يضربون وجهه ويسألونه قائلين تنبأ ، من هو الذي ضربك ، وأشياء أخر كثيرة كانوا يقولون عليه مجدفين .
ولما كان النهار اجتمعت مشيخة الشعب رؤساء الكهنة والكتبة وأصعدوه إلى مجمعهم ، قائلين إن كنت أنت المسيح فقل لنا ، فقال لهم إن قلت لكم لا تصدقون وإن سألت لا تجيبوني ولا تطلقونني ، منذ الآن يكون ابن الإنسان جالساً عن يمين قوة الله ، فقال الجميع أفأنت ابن الله ، فقال لهم أنتم تقولون أني أنا هو ، فقالوا ما حاجتنا بعد إلى شهادة لأننا نحن سمعنا من فمه ) (22 : 63 – 71).
( فقام كل جمهورهم وجاءوا إلى بيلاطس ، وابتدأوا يشتكون عليه قائلين إننا وجدنا هذا يفسد الأمة ويمنع أن تعطي جزية لقيصر قائلاً إنه هو مسيح ملك فسأله بيلاطس قائلاً أنت ملك اليهود . فأجابه وقال أنت تقول . فقال بيلاطس لرؤساء الكهنة والجموع أني لا أجد علة في هذا الإنسان ، فكانوا يشددون قائلين أنه يهيج الشعب وهو يعلم في كل اليهودية مبتدئاً من الجليل إلى هنا . فلما سمع بيلاطس ذكر الجليل سأل هل الرجل جليلي . وحين علم أنه من سلطنة هيرودس أرسله إلى هيرودس إذ كان هو أيضاً تلك الأيام في أورشليم .
وأما هيرودس فلما رأي يسوع فرح جسداً لأنه كان يريد من زمان طويل أن يراه لسماعه عنه أشياء كثيرة وترجي أن يري آية تصنع منه . وسأله بكلام كثير فلم يجبه بشيء ، ووقف رؤساء الكهنة والكتبة يشتكون عليه باشتداد ، فاحتقره هيرودس مع عسكره واستهزأ به وألبسه لباساً لامعاً ورده إلى بيلاطس ، فصار بيلاطس وهيرودس صديقين مع بعضهما في ذلك اليوم لأنهما كانا من قبل في عداوة بينهما .
فدعا بيلاطس رؤساء الكهنة والعظماء والشعب ، وقال لهم ، قد قدمتم إلى هذا الإنسان كمن يفسد الشعب ، وها أنا قد فحصت قدامكم ولم أجد في هذا الإنسان علة مما تشتكون به عليه ، ولا هيرودس أيضاً لأني أرسلتكم إليه ، وها لا شيء يستحق الموت صنع منه ، فأنا أؤدبه وأطلقه ، وكان مضطراً أن يطلق لهم كل عيد واحداً ، فصرخوا بجملتهم قائلين خذ هذا وأطلق لنا باراباس . وذاك كان قد طرح في السجن لأجل فتنة حدثت في المدينة وقتل ، فناداهم أيضاً بيلاطس وهو يريد أن يطلق يسوع ، فصرخوا قائلين أصلبه أصلبه ، فقال لهم ثالثة فأي شر عمل هذا . إني لم أجد فيه علة للموت ، فأنا أؤدبه وأطلقه ، فكانوا يلجون بأصوات عظيمة طالبين أن يصلب ، فقويت أصواتهم وأصوات رؤساء الكهنة ، فحكم بيلاطس أن تكون طلبتهم فأطلق لهم الذي طرح في السجن لأجل فتنة وقتل الذي طلبوه وأسلم يسوع لمشيئتهم .
ولما مضوا به أمسكوا سمعان رجلا قيراونياً كان آتياً من الحقل ووضعوا عليه الصليب ليحمله خلف يسوع . وتبعه جمهور كثير من الشعب والنساء اللواتي كن يلطمن أيضاً وينحن عليه. فالتفت إليهن يسوع وقال . يا بنات أورشليم لا تبكين على بل أبكين على أنفسكن وعلى أولادكن ، لأنه هو ذا أيام تأتي يقولون فيها طوبي للعواقر والبطون التي لم تلد والثدي التي لم ترضع ، حينئذ يبتدئون يقولون للجبال اسقطي علينا وللأكام غطينا ، لأنه إن كانوا بالعود الرطب يفعلون هذا فماذا يكون باليابس ، وجاءوا أيضاً بائنين آخرين مذنبين ليقتلا معه .
ولما مضوا به إلى الموضع الذي يدعي جمجمة صلبوه هناك مع المذنبين واحداً عن يمينه والآخر عن يساره . فقال يسوع يا أبتاه اغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون ، وإذ اقتسموا ثيابه اقترعوا عليها .
وكان الشعب واقفين ينظرون ، والرؤساء أيضاً معهم يسخرون به قائلين خلص آخرين فليخلص نفسه إن كان هو المسيح مختار الله ، والجند أيضاً استهزأوا به وهم يأتون ويقدمون له خلا قائلين إن كنت أنت ملك اليهود فخلص نفسك ، وكان عنوان مكتوب فوقه بأحرف يونانية ورومانية وعبرانية هذا هو ملك اليهود . وكان واحد من المذنبين المعلقين يجدف عليه قائلاً إن كنت أنت المسيح فخلص نفسك وإيانا. فأجاب الآخر وانتهره قائلاً أو لا أنت تخاف الله إذ أنت تحت هذا الحكم بعينه ، أما نحن فبعدل لأننا ننال استحقاق ما فعلناه وأما هذا فلم يفعل شيئاً ليس في محله ، ثم قال ليسوع اذكرني يا رب متى جئت في ملكوتك ، فقال له يسوع الحق أقول لك إنك اليوم تكون معي في الفردوس .
وكان نحو الساعة السادسة ، فكانت ظلمة على الأرض كلها إلى الساعة التاسعة ، وأظلمت الشمس وانشق حجاب الهيكل من وسطه ، ونادي يسوع بصوت عظيم وقال يا أبتاه في يديك أستودع روحي ، ولما قال هذا أسلم الروح ) (ص 23 : 1 – 46).
رابعاً : إنجيل يوحنا :
( قال يسوع هذا وخرج مع تلاميذه إلى عبر وادي قدرون حيث كان بستان دخله هو وتلاميذه ، وكان يهوذا مسلمه يعرف الموضع ، لأن يسوع اجتمع هناك كثيراً مع تلاميذه ، فأخذ يهوذا الجند وخداماً من عند رؤساء الكهنة والفريسيين وجاء إلى هناك بمشاعل ومصابيح وسلاح ، فخرج يسوع وهو عالم بكل ما يأتي عليه وقال لهم من تطلبون ، أجابوه يسوع الناصري ، قال لهم يسوع أنا هو ، وكان يهوذا مسلمه أيضاً واقفاً معهم ، فلما قال لهم إني أنا هو رجعوا إلى الوراء وسقطوا علي الأرض ، فسألهم أيضاً من تطلبون ، فقالوا يسوع الناصري ، أجاب يسوع قد قلت لكم إني أنا هو ، فإن كنتم تطلبونني فدعوا هؤلاء يذهبون ، ليتم القول الذي قاله أن الذين أعطيتني لم أهلك منهم أحداً .
ثم إن سمعان بطرس كان معه سيف فاستله وضرب عبد رئيس الكهنة فقطع أذنه اليمني ، وكان اسم العبد ملخس ، فقال يسوع لبطرس اجعل سيفك في الغمد ، الكأس التي أعطاني الآب ألا أشربها ، ثم إن الجند والقائد وخدام اليهود قبضوا على يسوع وأوثقوه ، ومضوا به إلى حنان أولاً لأنه كان حما قيافاً الذي كان رئيساً للكهنة في تلك السنة ، وكان قيافاً هو الذي أشار على اليهود أنه خبر أن يموت إنسان واحداً عن الشعب ) (ص 18 : 1 – 14) .
( فسأل رئيس الكهنة يسوع عن تلاميذه وعن تعليمه ، أجاب يسوع أنا كلمت العالم علانية ، أنا علمت كل حين في المجمع وفي الهيكل حيث يجتمع اليهود دائماً ، وفي الخفاء لم أتكلم بشيء ، لماذا تسألني أنا ، ولما قال هذا لطم يسوع واحد من الخدام ، كان واقفاً قائلاً أهكذا تجاوب رئيس الكهنة ، أجابه يسوع إن كنت قد تكلمت مرديا فاشهد على الردى وإن حسناً فلماذا تضربني ، وكان حنان قد أرسله موثقاً إلى قيافاً رئيس الكهنة ) (ص 18 : 19 – 24) .
( ثم جاءوا بيسوع من عند قيافاً إلى دار الولاية ، وكان صبح ، ولم يدخلوا هم إلى دار الولاية لكي لا ينجسوا فيأكلون الفصح ، فخرج بيلاطس إليهم وقال أية شكاية تقدمون على هذا الإنسان ، أجابوا وقالوا له لو لم يكن فاعل شر لما كنا قد سلمناه إليك ، فقال لهم بيلاطس خذوه أنتم واحكموا عليه حسب ناموسكم ، فقال له اليهود لا يجوز لنا أن نقتل أحداً ، ليتم قول يسوع الذي قال مشيراً إلى أية ميتة كان مزمعاً أن يموت .
ثم دخل بيلاطس أيضاً إلى دار الولاية ودعا يسوع وقال له أنت ملك اليهود أجابه يسوع أمن ذاتك تقول هذا أم آخرون قالوا لك عني . أجابه بيلاطس ألعلي أنا يهودي ، أمتك ورؤساء الكهنة أسلموك إلى ، ماذا فعلت ، أجاب يسوع مملكتي ليست من هذا العالم ، لو كانت مملكتي من هذا العالم لكان خدامي يجاهدون لكي لا أسلم إلى اليهود ، ولكن الآن ليست مملكتي من هنا ، فقال بيلاطس أفأنت ذا ملك ، أجاب يسوع أنت تقول أني ملك ، لهذا قد ولدت أنا ولهذا قد أتيت إلى العالم لأشهد للحق ، كل من هو من الحق يسمع صوتي ، قال له بيلاطس ما هو الحق ، ولما قال هذا خرج أيضاً إلى اليهود وقال لهم أنا لست أجد فيه علة واحدة ، ولكم عادة أن أطلق لكم واحداً في الفصح ، أفتريدون لكم ملك اليهود ، فصرخوا أيضاً جميعهم قائلين ليس هذا بل باراباس ، وكان باراباس لصاً ) (ص 18 : 28 – 40) .
( فحينئذ أخذ بيلاطس يسوع وجلده ، وضفر العسكر أكليلاً من شوك ووضعوه على رأسه وألبسوه ثوب أرجوان ، وكانوا يقولون السلام يا ملك اليهود ، وكانوا يلطمونه ، فخرج بيلاطس أيضاً خارجاً وقال لهم ها أنا أخرجه إليكم لتعلموا أني لست أجد فيه علة واحدة ، فخرج يسوع خارجاً وهو حامل أكليل الشوك وثوب الأرجوان ، فقال لهم بيلاطس هو ذا الإنسان ، فلما رآه رؤساء الكهنة والخدام صرخوا قائلين أصلبه أصلبه ، قال لهم بيلاطس خذوه أنتم واصلبوه لأني لست أجد فيه علة ، أجابه اليهود لنا ناموس وحسب ناموسنا يجب أن يموت لأنه جعل نفسه ابن الله ، فلما سمع بيلاطس هذا القول ازداد خوفاً ، فدخل أيضاً إلى دار الولاية وقال ليسوع من أين أنت ، وأما يسوع فلم يعطه جواباً ، فقال له بيلاطس أما تكلمني ، ألست تعلم أن لي سلطاناً أن أصلبك وسلطاناً أن أطلقك ، أجاب يسوع لم يكن لك سلطان على البتة لو لم تكن قد أعطيت من فوق ، لذلك الذي أسلمني إليك له خطية أعظم ، من هذا الوقت كان بيلاطس يطلب أن يطلقه ولكن اليهود كانوا يصرخون قائلين إن أطلقت هذا فلست محباً لقيصر ، كل من يجعل نفسه ملكاً يقاوم قيصر .
فلما سمع بيلاطس هذا القول اخرج يسوع وجلس على كرسي الولاية في موضع يقال له البلاط وبالعبرانية جباثاً . وكان استعداد الفصح ونحو الساعة السادسة ، فقال لليهود هو ذا ملككم ، فصرخوا خذه خذه اصلبه ، فقال لهم بيلاطس اصلب ملككم ، أجاب رؤساء الكهنة ليس لنا ملك إلا قيصر ، فحينئذ أسلمه إليهم ليصلب .
فأخذوا يسوع ومضوا به ، فخرج وهو حامل صليبه إلى الموضع الذي يقال له موضع الجمجمة ويقال له بالعبرانية جلجثة ، حيث صلبوه وصلبوا اثنين آخرين معه من هنا ومن هنا ويسوع في الوسط .
وكتب بيلاطس عنواناً ووضعه على الصليب ... وكان مكتوباً يسوع الناصري ملك اليهود.
فقرأ هذا العنوان كثيرون من اليهود لأن المكان الذي صلب فيه يسوع كان قريباً من المدينة ، وكان مكتوباً بالعبرانية واليونانية واللاتينية ، فقال رؤساء كهنة اليهود لبيلاطس لا تكتب ملك اليهود بل أن ذاك قال أنا ملك اليهود ، أجاب بيلاطس ما كتبت قد كتبت . ثم إن العسكر لما كانوا قد صلبوا يسوع أخذوا ثيابه وجعلوها أربعة أقسام لكل عسكري قسماً ، وأخذوا القميص أيضاً ، وكان القميص بغير خياطة منسوجاً كله من فوق ، فقال بعضهم لبعض لا نشقه بل نقترع عليه لمن يكون ، ليتم الكتاب القائل اقتسموا ثيابي بينهم وعلى لباسي ألقوا قرعة . هذا فعله العسكر .
وكانت واقفات عند صليب يسوع أمه وأخت أمه مريم زوجة كلوبا ومريم المجدلية . فلما رأي يسوع أمه والتلميذ الذي كان يحبه واقفاً قال لأمه يا امرأة هو ذا ابنك ، ثم قال للتلميذ هو ذا أمك ، ومن تلك الساعة أخذها التلميذ إلى خاصته .
بعد هذا رأي يسوع أن كل شيء قد كمل فلكي يتم الكتاب قال أنا عطشان ، وكان إناء موضوعاً مملوا خلاً ، فملأوا إسفنجه من الخل ووضعوها على زرفا وقدموها إلى فمه ، فلما أخذ يسوع الخل قال قد أكمل ونكس رأسه وأسلم الروح .) (ص 19 : 1 – 30) .
صلب المسيح كما يعتقد به المسيحيون :
قلنا أن السند الأول لما يعتقد به المسيحيون عن صلب المسيح عليه السلام ، هو ما ورد في الأناجيل الأربعة من تفاصيل عن القبض عليه ومحاكمته وصلبه ، وقد فصلنا فيما سبق ما ورد في الأناجيل الأربعة عن ذلك ، ومن جماع ذلك نستطيع أن نستخلص الصورة التفصيلية لاعتقاد المسيحيين بالنسبة لهذا الأمر .
وأول ما يمكن أن نستخلصه أن المسيح عليه السلام كان عالماً بأنه سيسلم ليصلب وبهذا اخبر تلاميذه ، بينما تآمر رؤساء الكهنة والكتبة وشيوخ الشعب وعلى رأسهم رئيس الكهنة الذي يدعي قيافاً لكي يمسكوا بالمسيح بمكر ويقتلوه ، وكان أن خان يهوذا الأسخريوطي المسيح عليه السلام وذهب إلى رؤساء الكهنة يعرض عليهم أن يسلمهم المسيح فوافقوا واتفقوا معه على أن يدفعوا له مبلغاً من المال مقابل ذلك ، ومنذ هذا الاتفاق أخذ يهوذا الأسخريوطي يتحين الفرصة ليسلمه إليهم .
واجتمع التلاميذ الاثني عشر ، ومن بينهم الخائن يهوذا الاسخريوطي ، اجتمعوا بعد ذلك في الفصح ، وبينما هم يأكلون مع المسيح عليه السلام أخبرهم أن واحداً منهم سيسلمه ، وجزعوا جميعاً ، وسأله كل واحد منهم عما إذا كان هو الذي سيسلمه فرد عليهم بما نفهم منه أنه يعرف أن يهوذا الاسخريوطي هو ذلك الذي سيسلمه .
وبعد أن أكلوا خرج المسيح مع تلاميذه جميعاً عدا يهوذا الاسخريوطي ، حتى وصلوا إلى ضيعة يقال جثسيمناني ، وهناك جلس التلاميذ بينما ابتعد المسيح عنهم قليلاً ليصلي ، وابتدأ يحزن ويكتئب حتى أنه قال أن نفسه حزينة جداً حتى الموت وواضح أنه يحس في هذه اللحظات بقرب وصول يهوذا الاسخريوطي ومن معه من جند وغيرهم للقبض عليه وصلبه بعد ذلك ، وهنا يجثوا ويصلي ، يخر على وجهه ، يخر على الأرض ، ويسأل الله أو الآب أن يجيز عنه هذه الكأس ، أن يعبر عنه هذه الكأس المرة التي سيجرعها ، وما امر كأساً تكون الصلب ، ولذا يصلي لله أو للأب بحرارة ، بعمق ، ويدعوه في رجاء ، في أمل ، وإذ كان في جهاد كان يصلي بأشد لجاجة ، وصار عرقه كقطرات الدم نازلة على الأرض ، يصلي كل هذه الصلاة ويدعو كل هذا الدعاء ليخلصه الله أو الآب من هذه الكأس ، وواضح هنا أن الله أو الآب هو الذي أراد له أن يشربها ، وهو وحده الذي يستطيع أن يجيزها عنه إذا شاء ، ويكرر المسيح هذه الصلاة ثلاث مرات ، ويبدو عليه اليأس من استجابة الله أو الآب لها في النهاية . ولذا ، ولإيمانه وتقواه ، يستسلم لإرادة الله أو الآب ويقول ( إن لم يمكن أن تعبر عني هذه الكأس إلا أن أشربها فلتكن مشيئتك ) ، أو ( ليكن لا ما أريد أنا بل ما تريد أنت ) أو ( لتكن لا إرادتي بل إرادتك ) وهذه الجمل التي وردت في الأناجيل تؤكد أن صلب المسيح إنما كان مشيئة الله أو الآب ، وأن المسيح ، بعد أن صلي لله أو الآب ودعاه في حرارة وعمق أن يخلصه من الصلب استسلم أخيراً لمشيئة الله أو الآب ، بعد أن لم يبد له أن الله أو الآب قد استجاب لصلاته وأجاز عنه هذه الكأس .
وهذا المعني السابق للآيات هو ما تقوله به آيات أخرى تالية لها في العهد الجديد وهي التي تقول ( الذي في أيام جسده إذ قدم بصراخ شديد طلبات وتضرعات للقادر أن يخلصه من الموت وسمع له من أجل تقواه ) (عبرانيين ص 5 : 7).
وبينما المسيح عليه السلام يؤدي هذه الصلاة العميقة ، ينام تلاميذه ، حتى أنه يتوجه إليهم بعد كل صلاة ويحاول إيقاظهم ، وفي المرة الأخيرة يصل يهوذا الأسخريوطي ومعه جمع كثير – جند وخدام من عند رؤساء الكهنة والفريسيين – يحملون سيوفاً وعصياً ومشاعل ، وكان يهوذا قد أعطاهم علامة ليعرفوا بها المسيح فيقبضون عليه ، وكانت العلامة أن من يقبله يكون هو المسيح ، ويتقدم يهوذا من المسيح ليقبله ، والجمع من خلفه ليقبضوا علي من سيقبله ، وهنا يسألهم المسيح – كما ورد في أنجيل يوحنا – عمن يريدون ، فيقولون يسوع الناصري ، فيجيبهم بأنه هو ، وعندئذ رجعوا إلى الوراء وسقطوا على الأرض – كرواية إنجيل يوحنا - ، ويتهيج بطرس فيستل سيفه ويضرب أذن عبد رئيس الكهنة ، ولكن المسيح يمنعه ، فيقبضون على المسيح ويهرب جميع التلاميذ.
ويمضي الجند والخدام بالمسيح عليه السلام إلى قيافا رئيس الكهنة أولا وكما جاء في الأناجيل الثلاثة الأولي ، أو إلى حنان حما قيافا أولا كما ورد في أنجيل يوحنا الذي أرسله بدوره إلى قيافا ، أما بطرس فتبع المسيح ومن قبضوا عليه من بعيد ليري ماذا سيكون من أمره ، ولكن كاد أمر صلته بالمسيح أن ينكشف لولا أن أنكر ثلاث مرات صلته بالمسيح ، ثم انصرف بعد ذلك.
وطلبوا شهود زور يشهدون على المسيح ، فتقدم شاهدا زور قالا أنهما سمعاه يقول بأنه يقدر ينقض هيكل الله وفي ثلاثة أيام يبنيه ، وكان المسيح ساكتاً لا يتكلم حتى استحلفه رئيس الكهنة بالله أن يقول إن كان هو المسيح ابن الله ، فأجابه المسيح قائلاً ( أنت قلت ، وأيضاً أقول لكم من الآن تبصرون ابن الإنسان جالساً عن يمين القوة وآتيا على سحاب السماء .) فيمزق رئيس الكهنة ثيابه ويقول بأنه قد جدف ، ويسأل الحاضرين عما يرون فيقولون أنه مستوجب للموت .
وفي الصباح دفعوا المسيح إلى بيلاطس البنطي الوالي ، الذي سأله عما إذا كان هو حقاً ملك اليهود ، فأجابه بقوله ( أنت تقول ) ، ولم يجبه بعد ذلك عن أية كلمة أخرى كما ورد في الأناجيل الثلاثة الأولي ، أو أخذ يجيبه عن كل أسئلته ويناقشه في كلامه كما ورد في أنجيل يوحنا.
ويفهم أن الوالي لم يجد في المسيح علة ليقتله ، وكان من عادته أن يطلق الأسير الذي يطلبونه في العيد ، وأراد أن يكون المسيح هو الأسير الذي يطلقه ولكن الجموع ترفض ، وتطلب أسيراً آخر اسمه باراباس ، فيسألهم بيلاطس عما يفعله بالمسيح ، فيطلبون إليه أن يصلبه ، ويتردد بيلاطس ، ولكن صياح الجماهير يعلو ويعلو أن اصلبه اصلبه ، ويأخذ بيلاطس ماء ويغسل يديه أمام الجميع قائلاً أنه برئ من دم هذا البار ، ويترك لهم أن يقرروا (أبصروا أنتم ) فأجاب جميع الشعب وقالوا (دمه علينا وعلى أولادنا ) ، فأطلق لهم باراباس ، وأما المسيح فجلده وأسلمه ليصلب.
وسخر الجنود من المسيح ، وأخذوا يستهزئون به ، ثم سخروا رجلاً قيرواناً اسمه سمعان ليحمل صليب المسيح ، ولما وصلوا إلى موضع الجمجمة صلبوه هناك ، وصلب لصان معه واحد عن يمينه وآخر عن يساره ، وكان المجتازون يسخرون من المسيح وهو على الصليب وكذلك رؤساء الكهنة والكتبة والشيوخ ، وكان مما عيروا به أنه أتكل على الله فلينقذه إن أراده ، كما كان اللصان اللذان صلبا معه يعيرانه أيضاً كما ورد في أنجيل متى ومرقس ، أو عيره أحدهما بينما عاتب الآخر من عيره كما ورد في أنجيل لوقا.
وأخيراً ، صاح المسيح على الصليب قائلاً ( إلهي إلهي لماذا تركتني ) ، وهنا ركض واحداً واخذ اسنفجة وملأها خلاً وجعلها على قصبة وسقاه ، بينما طلب منه الباقون أن يتركه ، ليروا ما إذا كان إيليا سيخلصه ، ثم صرح المسيح على الصليب بصوت عظيم واسلم الروح ، وهكذا تم الصلب فداء للبشرية كما يعتقد المسيحيون .
المبحث الثاني
في تخليص الله للمسيح ورفعه إليه وصلب غيره كما يعتقد المسلمون
إذا كان السند الأل لما يعتقده المسيحيون عن صلب المسيح عليه السلام هو ما ورد في الأناجيل من تفاصيل عن التآمر عليه والقبض عليه ومحاكمته وصلبه ، فالذي لاشك فيه أن السند الأول لما يعتقده المسلمون من تخليص الله للمسيح عليه السلام ورفعه إليه وصلب غيره هو ما ورد في القرآن من ذلك ، إلا أننا إذا كنا قد وجدنا في الأناجيل صورة تفصيلية كاملة للتآمر على المسيح والقبض عليه ومحاكمته وصلبه ، فإننا لا نكاد أن نجد في القرآن شيئاً من هذه التفاصيل ، وإنما نجد الواقعة فيه جامدة مجردة عن أية تفاصيل ، فكل ما ورد في القرآن في هذا الصدد الآيات التي تقول : ( وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسي ابن مريم رسول الله ، وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ، ما لهم به من علم إلا إتباع الظن وما قتلوه يقينا ، بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزاً حكيماً ) (سورة النساء : 157 ، 158).
( ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين ، إذ قال الله يا عيسي إن متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ثم إلى مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون) (سورة آل عمران : 54 ، 55) .
وفيما عد هذه الآيات القليلة ، وما يعتقده المسلمون من أن الذي صلب هو يهوذا الأسخريوطي بدلاً من المسيح عليه السلام ورفعه إليه وصلب يهوذا الأسخريوطي بدلاً منه ، وكل ما يمكن أن يفهم من القرآن أنه كانت هناك مؤامرة للقبض علي المسيح عليه السلام وصلبه ، ولكن الله كان فوق المتآمرين ، ( ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين ) ، حتى إذا ما شرع المتآمرون ينفذون مؤامرتهم ، وهموا بالمسيح عليه السلام ، توفاه الله ورفعه إليه ، ( إذ قال الله يا عيسي إني متوفيك ورافعك إلي ....... ) ، وأمسك المتآمرون بآخر وصلبوه وقالوا إنهم صلبوا المسيح عليه السلام وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم ، (وقولهم إن قتلنا المسيح عيسي بن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم ) ، ثم إن الذين قاموا بالصلب اختلفوا فيه فكانوا في شك مما إذا كان من صلبوه هو المسيح نفسه ، وما قالوا بأنهم صلبوا المسيح إلا اتباعاً لما يظنون ، ( وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا إتباع الظن ....... ) ( وما قتلوه يقينا ، بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزاً حكيماً ) ، ويضاف إلى هذا الذي يفهم من القرآن ما جري عليه اعتقاد المسلمين من أن صلب بدلاً من المسيح عليه السلام هو يهوذا الأسخريوطي ، الذي خانه وتآمر عليه ليسلمه إلى أعدائه .
هذه هي الوقائع التي أوردها القرآن ، والتي يعتقد بها المسلمون عن تخليص الله للمسيح ممن أرادوا القبض عليه وصلبه ، وعن رفع الله للمسيح إليه ، وصلب يهوذا الاسخريوطي بدلاً منه ، وهي كما تبدو ، وقائع مجردة لا تكاد تتضمن أية تفاصيل ، ولا يمكن بحال أن نستخلص منها تفصيلاً مثل هذا الذي استخلصناه من الأناجيل الأربعة عن التآمر على المسيح عليه السلام وصلاته ودعائه إلى الله لكي يخلصه من الصلب ثم القبض عليه بإرشاد من الخائن يهوذا الاسخريوطي ، ومحاكمته بعد ذلك ثم صلبه ، بكل ما يحيط هذه الوقائع من تفاصيل ، فما هو السبيل إذن ، للوقوف على صورة تفصيلية لتخليص الله للمسيح عليه السلام ورفعه إليه والقبض علي يهوذا الاسخريوطي وصلبه بدلاً منه ظناً بأنه المسيح عليه السلام.
وهنا لا نجد معيناً لنا في الوقوف على هذه التفاصيل غير اللجوء إلى الأناجيل ذاتها ، لنستخلص مما ورد فيها من تفاصيل ، الصورة التي يمكن أن يكون الله قد خلص عليها المسيح ورفعه إليه بينما قبض على يهوذا الاسخريوطي الذي صلب بدلاً منه وظناً بأنه المسيح عليه السلام ، ولقد يعجب القارئ إذ نلجأ إلى الأناجيل للوقوف على تفاصيل تخليص الله للمسيح ورفعه إليه وصلب يهوذا بدلاً منه ، ولكن الحقيقة أنه لا وجه للعجب من ذلك ، فالقرآن نفسه لم ينف أن هناك شخصاً قد صلب بالفعل ، بل وقد صلب على أنه المسيح عليه السلام ، إنما الخلاف هو حول حقيقة شخصية هذا الذي صلب ، فبينما يؤمن المسيحيون بأن الذي صلب هو المسيح نفسه ، يؤمن المسلمون بأن الله قد خلص المسيح عليه السلام من الصلب ، ويجري اعتقادهم بأن الذي صلب على أنه المسيح إنما كان يهوذا الاسخريوطي ، وفيما عدا ذلك ، فإنه لم يثر خلاف حول أي تفاصيل أخرى ، كما أننا قد انتهينا في الباب الأول إلى أنه يجب أن يكون الأصل في الأناجيل المتداولة افتراض صحتها ، ومن ثم فالصحيح في البحث اعتماد التفاصيل التي أوردتها ما دام أنه لم يثبت عدم صحة شيء منها ، كما أنه من الصحيح ، وفي استخلاصنا للصورة التفصيلية التي يعتقد بها المسلمون ، أن نأخذ بكل ما ورد في الأناجيل من تفاصيل ، فيما عدا ما يختص بتحديد شخصية هذا الذي صلب ، وبالطبع لا يقال هنا أننا نناقض ما قررناه في الباب الأول من أن الأصل في الأناجيل المتداولة افتراض صحتها ، لأننا هنا لا نقصد أن ننفي صحة ما ورد فيها ، وإنما نشرح اعتقاد المسلمين في الأمر ، وتأكيد الافتراض صحة الأناجيل ، ألزمنا هذه الصورة الإسلامية بأن تدخل في إطار ما ورد في الأناجيل من تفاصيل تتعلق بهذا الأمر ، فيما عدا ما تعلق منها بشخصية المصلوب ، إذ يؤمن المسلمون بأنه لم يكن المسيح عليه السلام ، وجري اعتقادهم بأنه كان يهوذا الاسخريوطي ، وليس ذلك نفياً منا لما ورد في الأناجيل عن شخصية المصلوب ، وإنما لتوضيح إيمان المسلمين وما جري عليه اعتقادهم بشأن شخص من صلب.
وترتيباً على ذلك ، نستطيع أن نقول أن المسلمين يتفقون مع المسيحيين على أن المسيح عليه السلام كان عالماً بأنه سيصلب ، وبهذا أخبر تلاميذه .... ، إلى آخر ما سبق أن ذكرناه عن صلب المسيح كما يعتقد به المسيحيون ، وذلك حتى لحظة وصول يهوذا الاسخريوطي ومن معه من جنود وخدام للقبض على المسيح عليه السلام وحتى هموا بالقبض عليه ، ذلك أنه من مطالعة التفاصيل التي وردت في الأناجيل نستطيع أن نقطع بأن هذا الذي كان مع التلاميذ وأخذ يصلي داعياً الله أن يخلصه ، وحتى قدوم يهوذا ومن معه ، هو واحد لم يتغير ، وهو المسيح نفسه بإتفاق المسيحيين والمسلمين على السواء ، كما أننا نستطيع أن نقطع أيضاً بأن الشخص الذي قبض عليه هو نفسه الذي حوكم وهو نفسه الذي صلب ، فإذا كان الله قد رفع المسيح حقاً وكان الذي صلب هو يهوذا الاسخريوطي حقاً وليس المسيح ، فلا يمكن أن يكون ذلك إلا في اللحظة التي هم فيها من كانوا مع يهوذا بالقبض على المسيح ، ويتفق ذلك مع ما قرره القرآن ، إذ مفهوم آياته أن المؤامرة على المسيح لم تنجح في أي شق منها في الواقع ، وأول ما كانت تقتضيه المؤامرة ، هو القبض على المسيح أولاً ، ثم محاكمته فصلبه بعد ذلك ، ومن ثم فتخليص الله للمسيح ورفعه إليه إنما كان قبل أن يقبض عليه ، بمعني أن الله لم يمكن المتآمرين القبض عليه.
وهكذا نستطيع أن نقول بإتفاق اعتقاد المسلمين مع إيمان المسيحيين حتى لحظة محاولة القبض على المسيح ، فهنا طبقاً لاعتقاد المسلمين ، توفاه الله ورفعه إليه وقبض على يهوذا الاسخريوطي على أنه المسيح ، وتتفق الصورة الإسلامية بعد ذلك مع ما يؤمن به المسيحيون من تفاصيل عن محاكمة هذا الذي قبض عليه وحوكم وصلب ، مع ملاحظة أنه بينما يؤمن المسيحيون أن هذا الذي قبض عليه وحوكم وصلب ، هو المسيح عليه السلام ، يجري اعتقاد المسلمين على أنه يهوذا
القاضي منصور حسين عبد العزيز
مقالات مشابهة
· تناقضات روايات الصلب في الأناجيل
· إبطال صلب المسيح بنبوءات التوراة
· نجاة المسيح
· يسوع, يهوذا أم سمعان القيرواني ؟
· الرب مخلص مسيحه