ونحن المسلمين نؤدي برضا وسرور الفريضة التى كتبها الله علينا عالمين أننا ننفرد دون الناس كلهم بهذه العبادة ? فغيرنا يترك بعض الأطعمة ويتناول أخرى ? أما نحن فنغلق الأفواه عن
كل طعام ونكبت الشهوة الجنسية ونعلن سيطرة الروح على الجسد ونصوغ سلوكنا فى قالب من
السكينة والأدب فلا لغو ولا رفث ولا غيبة ولا عدوان..! عندما كان أبونا `آدم ` فى الجنة كان عنده ضمان ضد الجوع والعرى ? والكدح والعرق المتصبب "إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها و لا تضحى". لكنه ضعف وخضع لشهوته فكلفنا نحن أن نربى أنفسنا على قوة الإرادة والسيطرة على الأهواء حتى نكون أهلا للخلود فى دار النعيم. والواقع أن الحضارة الحديثة بقدر ما أحرزت من تقدم علمى خضعت لمختلف الشهوات فشرعت تنحدر وتناوشه العلل والأسقام ولن تنقه حتى تخضع لأمر الله وتحسن الصلاة والصيام ? وتستعد للقاء.الخالق الكبير
قال
سلمان الفارسى رضى الله عنه: خطبنا رسول الله صلى
الله عليه وسلم فى أخر يوم من شعبان فقال: ` يا أيها الناس قد أظلكم شهر عظيم مبارك, شهر فيه ليلة خير من ألف شهر, شهر جعل الله صيامه فريضة وقيام ليله تطوعا. من تقرب فيه بخصلة كان كمن أدى فريضة فيما سواه ? ومن أدى فريضة فيه كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه. وهو شهر الصبر ? والصبر ثوابه الجنة. وشهر المواساة ? وشهر يزاد فيه رزق المؤمن ? من فطر فيه صائما كان مغفرة لذنوبه وعتقا لرقبته من النار وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيء! قالوا: يا رسول الله ليس كلنا يجد ما يفطر به الصائم!. قال رسول الله: يعطى الله هذا الثواب من فطر صائما على تمرة أو شربة ماء أو مذقة لبن. وهو شهر أوله رحمة وأوسطه مغفرة وأخره عتق من النار. من خفف عن مملوكه خادمه فيه غفر الله له..`. إن شهر رمضان موسم قربات وموعد سباق كبير إلى الرضوان والخلود ينتظره الأتقياء كما ينتظرالأغنياء الذهاب إلى المصايف لتمتيع أنفسهم ? لكن المتعة هنا
علاقة حية بالله وظفر بروحانية عالية ونعيم مقيم مع الله فى حديث لرسول الله `الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة. يقول الصيام: أىرب منعته الطعام والشهوة فشفعنى فيه ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفعنى فيه .قال: فيشفعان.`
العبادات لابد منها لنجاة الإنسان وصقل روحه وزكاة نفسه ? وهى تذكر بالله
ونعمه وحقوقه ? ويستحيل التفريق بينها ? بل تؤدى كلها مجتمعة؛ فلا صلاة بدون صيام و لا
صيام بدون صلاة. وكلتا العبادتين أساس للتسامى وباعث على القبول الإلهى.
كنت أتابع يوما درسا فى عالم الأفلاك حيث تسبق الأعداد شطحات الخيال وتقاس المسافات بأرقام هائلة ? وتضاءلت فى نفسى ثم عدت إلى مواقع الأقدام من أرضى ونظرت إلى ما تحت الثرى وعلمت أنى لا أدرى ولا أرى! قلت: ترى ما هناك فى أعماق هذه الكرة حتى النقطة المكشوفة من سطحها فى الجانب الآخر المقابل لى؟ أشياء كثيرة نجهلها كل الجهل ?
قلت: لكن الله وصف نفسه فقال: "الرحمن على العرش استوى له ما في السماوات وما في الأرض و ما بينهما و ما تحت الثرى و إن تجهر بالقول فإنه يعلم السر و أخفى الله لا إله
إلا هو له
الأسماء الحسنى". إن اللمعة المضيئة عند سدرة المنتهى كالحبة المستخفية
فى ظلمات التربة سواء فى علمه ? تبارك اسمه وهو علم مسطور فى سجل دقيق منذ
الأزل. وملأت أقطار نفسى عاطفة إعجاب بهذا الخالق الأعلى ? بيد أن الكلمات المعبرة
تقاصرت ثم احتبست وشاء ربى أن يلهمنى كلمات تنفس عما بى ? فإذا الكلمات المعبرة
فى حديث رواه على بن أبى طالب يصف صلاة النبى عليه الصلاة والسلام جاء فيه:`.. وإذا
ركع يقول فى ركوعه: اللهم لك ركعت وبك آمنت ولك أسلمت. خشع لك سمعى وبصرى
ومخى وعظمى وعصبى. وإذا رفع رأسه من الركوع قال: سمع الله لمن حمده ? ربنا ولك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شئ بعد. وإذا سجد يقول فى سجوده: اللهم لك سجدت وبك آمنت ولك أسلمت. سجد وجهى للذى خلقه وصوره وشق فيه سمعه وبصره تبارك الله أحسن الخالقين `. فى هذه المناجاة ترى الألوهية الكاملة والعبودية الكاملة ? بين يدى بديع السماوات والأرض يجثو عابد ملهم فيهمس فى ركوعه وسجوده بكلمات تصور ما ينبغى أن ينطق به كل فم تحية لذى الأسماء الحسنى.. ذاك فى الصلاة. أما فى الصيام فنحن عند تناول الفطور نعوض ما فاتنا من طعام الغداء ? وقد نتوسع فى ذلك إلى حد الإسراف ? لكن محمدا انفرد بعبادة لا يقوم بها غيره! إنه لا يفطر مع الناس أحيانا إنه يواصل الصيام يوما آخرأو يومين! يقول للناس: `إنكم لستم كهيئتى ? إننى أبيت عند ربى يطعمنى ويسقين `وهذه عبارة تصور قدراته الروحية الفائقة ? فإذا كان بعض الناس عبيد بطونهم فهو فوق هذا المستوى المادى وأرفع قدرا
وتزودوا..
يستعد المؤمن لرمضان قبل مقدمه: كيف يحسن صيامه وقيامه؟ كيف يخرج منه مغفور الذنب مضاعف الأجر؟ فإن الشهر الكريم تدريب على الطاعة وترشيح للتقوى كما فال
تعالى: "كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون" ومن الخطأ تصور
الاستعداد بأنه تدبير النفقات وتجهيز الولائم للأضياف. إن هذا الشهر شرع للإقبال على الله
والاجتهاد فى مرضاته وتدبر القرآن وجعل تلاوته معراج ارتقاء وتزكية ? إنه سباق فى الخيرات يظفر فيه من ينشط ويتحمس! عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: ` أعطيت أمتى فى شهر رمضان خمسا لم يعطهن نبى قبلى أما الأولى فإنه إذا كان
أول ليلة من شهر رمضان ينظر الله عز وجل إليهم. ومن نظر الله إليه لم يعذبه أبدا يعنى
يختار الله الأكثر إقبالا ونشاطا وحماسا فيخصه بنظرة رضا لا يشقى أبدا بعدها وأما
الثانية فإن خلوف أفواههم حين يمسون أطيب عند الله من ريح المسك ? وأما الثالثة فإن
الملائكة تستغفر لهم فى كل يوم وليلة مصداق قوله تعالى: " تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن
والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض ألا إن الله هو الغفور الرحيم" وأما
الرابعة فإن الله عز وجل يأمر جنته فيقول لها: استعدى وتزينى لعبادى! أوشك أن يستريحوا
من تعب الدنيا إلى دارى وكرامتى ? وأما الخامسة فإنه إذا كان آخر ليلة غفر الله لهم جميعا
فقال رجل من القوم: أهى
ليلة القدر؟ فقال : لا ألم تر إلى العمال يعملون فإذا فرغوا من
` أعمالهم وفوا أجورهم؟
والمهم فى الصيام والقيام أن يصحبهما اليقين وتحمل التعب لوجه الله تعالى. ولذلك صرحت
الأحاديث بأن استحقاق الأجر لا يكون إلا مع شرطين ? قال رسول الله صلي الله عليه وسلم
` من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ` وقال: `من قام رمضان إيمانا
واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ` ? وإذا استحق مؤمن المغفرة بأحد العملين فإن العمل
الثانى تضاعف به حسناته وينضاف إلى رصيد الخير عنده ? وحفزا للهمم على الاشتراك فى
هذا السباق جاء فى الحديث: `إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار
وينادى مناد من قبل الحق يا باغى الخير أقبل ويا باغى الشر أقصر! ` أحيانا يدخل المرء
سوقا تباع فيها السلع الغالية بثمن زهيد هكذا رمضان فرصة للتزود بالخير الكثير وذاك سر..النداء يا باغى الخير: هلم
ليست حملة على الطعام
قال الرسول الكريم لأمته: "إنما أخشى عليكم شهوات الغي فى بطونكم وفروجكم ومضلات الهوى" والغرائز الدنيا فى الناس إذا جمحت وأفلت قيادها هوت بالحضارات وملأت المستقبل بالرجوم ? ولابد فى ضبطها من الصيام الحكيم والحرمان الواعى المهذب وهذا ما يفعله الصيام الذى عرفه الفقهاء بأنه الإمساك عن شهوتى البطن والفر ج
من الفجر إلى الغروب ? ولاشك أن صيام المسلمين يحتاج إلى تأمل وتعقيب فى هذه الأيام
فإن هذا الشهر يمكن أن يسمى شهر الطعام ? وسهر الليل فى التلاوة حل محله سمر
هزيل المعنى تافه الأثر حتى أن الشاعر القروى قال من قصيدة له: لقد صام هندى فدوخ
دولة فهل ضار علجا صوم مليون مسلم؟ يشير الشاعر إلى حرب المقاطعة الاقتصادية التى
أعلنها `غاندى` على الاستعمار الإنجليزي ? لقد ألزم قومه أن يتركوا كل ما تنتج المصانع
الإنجليزية ولو لبسوا الخيش بدل الصوف الفاخر ? وبدأ بنفسه فلف جسمه بخرق متواضعة ?
ولم تمض شهور حتى توقفت المصانع الإنجليزية ? فرحل الإنجليز عن الهند واعترفوا
باستقلالها!! هل لدى العرب هذه القدرة النفسية؟ هل يملكون هذه الإرادة الحديدية؟ هل
يحكمون شهواتهم أم تحكمهم شهواتهم؟ إن الصوم ليس جوعا طويلا تمهيدا لأكل كثير .
وليس حرمانا موقوتا يتبعه انطلاق فوضوى!! ثم إنه ليس تحريما لبعض المأكولات المباح ة
وتركا للفم يلغو ويستهل الغيبة واللغو والإسفاف ? هذا النوع من العبادات لا خير فيه. وفى
الحديث الشريف "رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش ? ورب قائم حظه من قيامه."السهر
وعن أبى هريرة قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : ` من لم يدع قول الزور والعمل به
فليس لله حاجة فى أن يدع طعامه وشرابه `. وقال الرسول أيضا: ` الصوم جنة أى وقاية
ما لم يخرقها ? قيل وبماذا يخرقها؟ قال : بكذب أو غيبة! `. إن العبادات بذور جيدة فى الحياة
الاجتماعية ولعل أقرب ثمارها ظهورا
حسن الخلق وأدب النفس وكبح الطباع الرديئة. إنه
ليسوءني أن يكون السائحون المسلمون فى أقطار العالم أول الناس بحثا عن الشهوات
واستجابة للإغراء ? كما يسوءني أن ننفق فى بلادنا المال الكثير على الكماليات والمرفهات
.حتى أننا أحيينا صناعات الترف فى دول تخاصمنا وتنال منا
أيام الانتصار
إذا كان رمضان شهر القرآن فإنه كذلك شهر معارك حامية دفعت الباطل وكسرت شوكته ? إن هذا القرآن كتاب حوار وفكر وأخذ ورد وهو يستبعد الإكراه فى عرضه للعقيدة ودعوته إلى الفضيلة: "قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها "
وعندما درست أهم معارك السيرة النبوية وجدت أن مسالك الكفار وغرورهم كانت السبب
الأول فى خذلانهم وسقوط رايتهم ? خذ مثلا `بدر` لقد خرج أهل مكة لحماية قافلتهم
المهددة كما يقولون ? حسنا! لقد نجت القافلة فلم لم يعودوا من حيث جاءوا ويستأنفوا
حربهم للإسلام؟ قال أبو جهل لابد أن نعسكر قريبا من المدينة فننحر الجزور ونشرب الخمور
وتغنى لنا القيان ويسمع بنا العرب فلا يزالون يهابوننا أبدا! أي ولا يزالون يخافون من اعتناق
الإسلام مادمنا نخاصمه!! إن هذا الكبر والطغيان كانا سبب هزيمة الشرك وذهاب ريحه. .
وانظر بعد بدر إلى فتح مكة ? كانت هناك معاهدة تمنح الوثنية السائدة عشر سنين لو
آثرت الوفاء والإنصاف ? ولكنها خرقت المعاهدة وقتلت أصدقاء المسلمين فى الشهر الحرام
فسار المسلمون إلى مكة وفتحوها وأخمدوا أنفاس المعتدين.. وقد وقعت فى أواخر رمضان
معركة `عين جالوت ` وهى معركة بعيدة الأثر فى تاريخ العالم كله ? فإن التتار بعدما أسقطواالخلافة العباسية ودمروا `بغداد` ? استعدوا لفتح `مصر` ? وأرسلوا إليها كى تستسلم!
وشاع فى أرجاء الدنيا أن جيش التتار لا يقهر! ومن يستطيع الوقوف أمامه بعد مقتل`المستعصم آخر الخلفاء العرب ? لكن `قطز قتل الوفد التتارى وأعلن التعبئة العامة وقاد الجيش المصرى وسار به إلى فلسطين ليلقى
عدوه المغرور بقوته ? وكانت الشائعات بأن جيش التتار لم ينهزم قط تنتشر فى كل مكان ?
وتغزو الأفئدة باليأس ? وظهر هذا عند التقاء الجمعين فترجل قطز ? وألقى على الأرض خوذته وصاح بصوت رهيب وا إسلاماه ? وهجم بمن معه فإذا الأرض تزلزل تحت أقدام المغيرين ? وإذا هم يولون الأدبار..! وحاولوا الوقوف فى خط آخر أنشأوه على عجل ولكن المسلمين تعقبوهم فإذا هم بين قتيل وأسير. وانهزم جيش `هولاكو` فاتح بغداد ? وقال التاريخ لم يكنما حدث نجاة لمصر وحدها ? بل نجاة للعالم كله من الفوضى والوحشية ? وكم لرمضان من .بركات عسكرية ? ولكن المجال يضيق عن الإحصاء
المفروض أن رمضان شهر السمو الروحى والإقبال على الله وتلاوة القرآن ومغالبة
شهوات الجسد التى تتنفس طول العام وتنضبط خلال هذا الشهر الكريم. إن العالم فى
عصرنا حول حضارته إلى آلة ضخمة يسمع دويها فى المشارق والمغارب لخدمة الجسم
الإنسانى وإرواء غرائزه التى لا ينتهى لها جيشان ? فهل يقدر شهر الروحانية على إعادة
التوازن ? وإفهام الإنسان أنه ليس حيوانا يحكمه الطعام والسفاد؟ المنظور فى فريضة الصيام
أنها تدعم خصائصنا العليا وتقوى إرادة التسامى وتذكر المرء بأصله السماوى ? وبأنه نفخة
من روح الله الأسمى ? وقبس من نوره الأسنى فلا يجوز أن تهزمه شهوات الحيوان الرابض
فى دمه يغرى بالطيش والإسفاف.. إننا بالصيام نستجيب لأمر الله أن ندع الطعام والشراب ?
وهما حلال طوال العام! فهل نستفيد من ذلك أن نجعل بيننا وبين الحرام مسافات بعيدة ?
وأن نعشق الإقبال على الله واتباع مرضاته ؟ لقد راقبت الناس فوجدتهم فريقين ? قلة تأخذ
الأهبة للفريضة الوافدة وتستعد لاحتمال أعبائها ? وكثرة تفكر فى الطعام الكثير والمرفهات
الشهية وكأنهم يجوعون طويلا ليأكلوا كثيرا!! والمؤمن حقا لن ينسى ما يكتنف رمضان هذا
العام من آلام تحسها جمهرة المسلمين هنا وهناك ? إن أمتنا وحدها تقع تحت وطأة هزائم
ثقيلة ? وتمر بها أزمات عضوض ? وهناك نساء مسبيات ورجال أسرى ? وبيوت استوحشت من أهلها ? وكان يقال قديما: اليهودى التائه ولكن الذى يقال الآن: العربى التائه!! أو المسلم المطارد بدينه لا يقر له قرار.. ولعل الأعجب فى معاملة الشهر الاستعداد لإماتة لياليه بفنون التسلية بدل إحيائها بدروس العلم وتدبر القرآن ? ودراسة ما حوى من حكمة وتوجيه! إن الصيام ارتقاء معنوى ? وإقبال زائد على الله ? ورغبة فى التسبيح والتحميد لافى اللغو..والمجون وأطلب من أمتنا أن تعى حكمة التشريع لفريضة الصيام ? كما أطلب منها أن تذكر تاريخ هذا الشهر وما وقع فيه من أحداث جسام.. إن هناك من يحسب الشهر الكريم فرصة بطالة وقعود ? أو راحة واستجمام ونسى أن أعظم معارك الإسلام دارت فى هذا الشهر ? وأن صحائف من أمجادنا كتبت فيه. فيه خرج المسلمون للقتال فى بدر والفتح ورزقهم الله النصرالمؤزر والفوز العظيم.. هل نستطيع أن نرى المتربصين بنا أننا مازلنا أوفياء لديننا ? وأننا قادرون على الثبات فى مواقف الحراسة ? وأن الإسلام حى فى ضمائرنا ? وسيبقى مرفوع الراية؟
الصيام شريعة تشتبك مع أعتى الغرائز البشرية ? غريزتى الأكل والجنس وهما
الغريزتان اللتان سيطرتا على السلوك فى الحضارة الحديثة ? وفرضتا أنفسهما على كل
شيء في عالم الأزياء والغذاء !! والإسلام لا يحارب الجسد ? ولكنه يرقبه بدقة ويحاصره
بأحكام الحلال والحرام ? ويرشده إلى مصالحة العاجلة والآجلة. وقد ختمت آيات الصيام بقوله
تعالى : "يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم
ولعلكم تشكرون". فالصيام وإن كان تكليفا فيه بعض المشقة إلا أنه حميد العقبى جميل
الأثر ? ويتحول مع الأداء الصحيح إلى نعمة جديرة بالشكر.. أما عبادة الجسد والمسارعة فى
هواه فحيوانية تزرى بصاحبها وتجر عليه الهوان في الدنيا والآخرة.. وقد انفرد الإسلام بهذه
الفريضة من الحرمان الموقوت ? وجعلها دعما للإرادة ومعراجا للسمو ومرضاة لله سبحانه. وقد لاحظت أن مراسلين للصحف الأجنبية والوكالات العالمية تندس عندنا بين الجماهير ووسط الأحياء المختلفة لتعرف: أبقى المسلمون أوفياء لرمضان يصومون أيامه ويقومون لياليه؟ أم جرفتهم تيارات الحضارة ? فقرروا الإفطار والمنام..! والواقع أن الكثرة الكبرى تطيع ربها وتحترم الشهر المبارك ولكنى وجدت أن التقاليد الضارة تهجم على الشهر وتكاد تطفئ سناه وتمحو أثره .. هناك من يجوع كثيرا ليستطيع الأكل أكثر فرمضان عنده شهر الطعام لا شهرالصيام! وقد استعدت وسائل الإعلام في أقطار كثيرة بفنون التسلية لتنقل المسلمين من.الجد إلى الهزل ? وتصرفهم عن الشغل بقضاياهم الخطيرة إلى التيه وراء خيالات مريضة ومعروف أن رمضان جاء هذا العام والإسلام يستوحش من مآس أحاطت بأهله وهزائم ألحقت بهم جراحات غائرة ? فإذا لم يكن الشهر للإنابة والاستغاثة فلماذا يكون؟ وأسوأ ما ألاحظه على قومى أنهم يسمعون القرآن ولا يتدبرون! وتمر بهم المعانى التي تهد الجبال فإذا بعضهم يصيح طربا ويستعيد الآيات إعجابا بالأنغام التي حفت بها..!! ليس هذا سماعا ? وإنما هو طمس وذهول ? يبرأ منهما عباد الرحمن الذين جاء في صفتهم: "والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا" إن رمضان فرصة لتوبة نصوح ? وأمل في نصر قريب على شرط أن نصومه ونقومه كما أمر الله سبحانه. فكم فينا من قلق يريد القرار! وهائم عن .وطنه يريد العودة ومهزوم يشتاق للنصر
من كتاب لحق المر للشيخ محمد الغزالي
الرجوع الي مقالات الشيخ محمد الغزالي