والمسافة بين عزيمتها وشهوتها معدومة , بل لا عزيمة هنالك , ولا صراع بين شهوات وواجبات . أما الإنسان فيتطلع إلى أمور تردعه عنها حواجز شتى . . فإن غلب رشده كان عقله حاكما لرغائبه , وإلا فهو إلى الدواب أدنى . . . ذلك وليس الصيام عن الشهوات فارقا فقط بين الإنسان والحيوان , بل هو فارق بين الناجحين من الناس والفاشلين . . فالنجاح فى كل شىء قدرة على تحميل النفس الصعاب , وتصبيرها على الشدائد , وقدرة على منعها ما
تستحلى , وفطامها عما تبغى . ومن قديم عرف طلاب العلا هذه الحقيقة , واستيقنوا من أ ن
الراحة الكبرى لا تنال إلا على جسر من التعب , وأن من طلب عظيما خاطر بعظيمته , وأن ركوب المشقات هو الوسيلة الوحيدة لإدراك المجد . وقد شرع الإسلام الصيام للناس؛ كى يدربهم على قيادة شهواتهم , لا الانقياد لها. ومن هنا حرم على المؤمنين من مطلع الفجر إلى أول الليل أنيجيبوا أقوى رغائبهم , وأن يتمرنوا الحرمان الموقوت , وأن يتدربوا عمليا على فهم الحديثالجليل ` حفت الجنة بالمكاره , و حفت النار بالشهوات ` "تيسير الوصول" . والصيام ` `امتناع عن أمور.. والامتناع عنصر `سلبى` لا يراه الناس , عادة إنه سر باطن كالإخلاص ما يعرفه إلا علام الغيوب . وذلك تفسير ما ورد فى الحديث القدسى: `
الصوم لى `. إنه امتناع عن الطبائع المادية للبطن والفرج. وهو كذلك امتناع عن مطاوعة طبائع الغضب والاستفزاز , والصائم ساكن وقور , وذاك أعون له على ذكر الله , وصفاء النفس . وتجد ذلك كله فى الحديث المشهور . عن أبى هريرةرضى الله عنه قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: `قال الله عز وجل: كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لى وأنا أجزى به `. `
والصيام جنة , فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب , فإن سابه أحد , أو قاتله فليقل: إنى صائم , إنى صائم . والذى نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره , وإذا لقى ربه فرح بصومه
والمشقة التى يلقاها الناس ضروب تحتاج إلى تفصيل... فهناك مشقة من الجد الذى يقابل الهزل , أو العمل الذى يقابل العطل , أو الحق الذى يقابل الباطل , أو الجهاد الذى يقابل القعود... وهذا الضرب من المشقة لابد من تحمله , ومن ترويض النفس على أعبائه ,
ويصعب أو يستحيل تصور الإيمان بدونه ... وهناك مشقة النهوض للكمال الأعلى , والعكوف على مرضاة الله مهما حملت صاحبها من مكابدة الناس وتحمل العنت . وقد بين الله لنبيه صلى الله عليه وسلم طرفا من هذه المشقة عندما استثاره لقيام الليل , ووجهه لهداية الناس ,وصارحه بطبيعة الرسالة : "إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا" . .. إنه قول ثقيل حقا بما تضمنه من واجبات عظام , ولكنها طبيعة المناصب الجليلة لاتنفك أبدا عن هذه الأحمال الثقال..! !
وهذا الضرب من المشقة مفروض على أصحاب النفوس الكبار.. وهو نهج من الحياة يصطفى
الله له من يشاء , وتسترخص فيه مهج ونزوات , وآمال وملذات . وثم ضرب آخر وهو تحميل النفس ما لا قبل لها به , وما تعجز عن أدائه. وهذا لم يكلف الله به أحدا من خلقه "لا يكلف الله نفسا إلا وسعها" . والصيام فريضة لابد منها لتدريب المسلم على المشقة الأولى ,
وتهيئته للثانية؛ فإذا عرضت المشقة الأخيرة سقط الصيام فلا يجب على أحد . ويستبين
من هذا أن الصوم ليس تعذيبا جسمانيا , وليس تعطيلا عن عمل , إلا إذا
اعتبرنا الرياضة البدنية محاولات لهدم الجسم الإنسانى وتعجيزه عن أداء الواجبات..! الصو م
رياضة لها هدف , وغراس ترجى منه ثمار . .
الصوم مشقة محدودة لتدريب الناس على
المعنويات العالية , وتعليمهم كيف يفعلون الخير ويتركون الشر , أو كيف يعشقون الحسن
ويكرهون القبيح , أو كيف يسارعون إلى مرضاة الله ويفرون من مساخطه.. إنه ليس معركة مبهمة ضد الجسد , ولكنه خطة واضحة لتزكية القلب ودعم الإيمان , واحتساب التعب عند الله لا عند أحد من الناس . . وفى هذا الجو من ترشيح النفوس للتقوى , والعزوف بها عن الشهوات الدنيا , والتحليق بها إلى مصاف الملائكة , يذكر أن القرآن نزل فى هذا الشهر , وأن على المؤمنين بعد أن يقضوا سحابة النهار على ما وصفناأن يصفوا أقدامهم فى
المحاريب , ويرطبوا ألسنتهم بتلاوة الكتاب العزيز . قال عليه الصلاة والسلام: ` من صام
رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ` "البخارى" . وقال تعالى : "يا أيها الذين
آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون , أياما معدودات فمن
كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين
فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون , شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن
كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا
العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون" . وقبل أن نذكر الآية التى تلت هذ ه
الآيات , والتى يبدو للناظر السطحى أنها مقحمة