ورغم ان القمص زكريا بطرس صرح في مقدمة كتيبه انه يرد علي الشيخ احمد ديدات غير أنه اكتفي بالعتاب الوارد في المقدمة, ثم شرع في تكذب قول الله تعالي ( وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا ) سورة النساء :157 )
بني القمص زكريا بطرس تكذيبه للآية علي عدة أسس, وسوف نبين في الفصول القادمة أن القمص أسس بنيانه علي شفا جرف هار’ ولكن في هذا الفصل سوف نكتفي بجانب واحد وهو ما يسميه زكريا بطرس " تضاربت أقوال علماء المسلمين "
يعلن القمص زكريا بطرس أنه في سدد تكذيب كلام الله, ويطالب القارئ بمتابعته دون انفعال أو تسرع كي يكشف لنا عن بواطن الأمور, وفي نفس الوقت يقترح التزام الحكمة, ويقدم لنا القمص الحكمة الأولي التي يجب أن نتبعها ... يقول زكريا بطرس
" ونحن نعلم جيدا القاعدة القانونية التي تقول أنه إذا تضاربت أقوال الشهود كان ذلك برهانا على بطلان الادعاء أساساً!!! " ( ص 5 )
ومن خلال هذه القاعدة يحاول القمص زكريا بطرس أن يثبت خطأ القرآن, وقد تكون هذه القاعدة مقبولة في المحاكم وهي غير مقبولة لدي, وذلك لاحتمال كذب احد الشهود وصدق الآخر, والأصح عندي بطلان الدعوة في حالة تضارب أقوال الشاهد الواحد, ولكن العبد الفقير ليس حقوقيا ولا محاميا لذلك يتنازل ويقبل بالقاعدة, فهل سوف ينجح زكريا بطرس في استخدام هذه القاعدة كمعول يهدم به القرآن ؟
كلا ,, بل أقول بلا تواضع أني سوف أحطم معتقده تحطيما ومن خلال قاعدته, لكن لنري الأول كيف يستخدم القمص القاعدة
يقول القمص زكريا بطرس
" لقد تضاربت أقوال علماء المسلمين بخصوص تفسير هذه الآية نذكر بعضا من هذه الأقوال كما جاءت في كتاب جامع البيان (ص12ـ16) فقد قيل:
(1) أن الله ألقى شبه المسيح على أحد الحواريين ويدعى سرجس:
إذ قيل: "حدثني رجل كان نصرانيا وأسلم أن عيسى حين جاءه من الله أني رافعك إليَّ، قال: يا معشر الحواريين، أيُّكم يحب أن يكون رفيقي في الجنة، على أن يُشبَّه للقوم في صورتي، فيقتلوه مكاني؟ فقال سرجس: أنا يا روح الله. قال له عيسى: فاجلس في مجلسي. فجلس فيه، ورُفع عيسى، فدخلوا عليه فأخذوه فصلبوه وشبه لهم، إذ راوا الوجه وجه عيسى والجسد ليس جسده، ولكن آخرون قالوا هو هو"
(2) وقيل أن الله ألقى شبه المسيح على يهوذا الذي أسلمه لليهود.
فقد جاء في نفس المرجع السابق "قال آخرون: نافق أحد تابعي عيسى (أي يهوذا) وجاء مع اليهود ليدلهم عليه، فلما دخل معهم لأخذه، أَلقى الله عليه شبهه، فأُخذ وقتل وصلب"
انتهي اقتباس زكريا بطرس
ثم يطرح زكريا بطرس سؤالا خطيرا
فقل لي أيها القارئ العزيز: من نصدق من هؤلاء الرواة؟ وماذا نصدق من تلك الروايات؟؟
أنه حقا سؤال خطير ومحطم ولكن خطره ليس علي الإسلام بل
علي الصليب ,, أنه سؤال يحطم
عقيدة الصلب, وما علينا إلا أن نثبت ان الخلاف المذكور حول شخصية المصلوب لبس خلافا بين المسلمين وانما هو خلاف بين النصارى, وما أسهل إثبات ذلك, ولكن قبلها يجب أن نبين أمرا مهما بخصوص التضارب, وهو أنه لا يمكن إنكار وجود تضارب في أقوال المفسرين بل يستحيل ذلك’ ليس فقط في
القرآن والكتاب المقدس بل في أي كتاب مسطور, إلهي أو بشري, بل ويمكن ان يختاف الناس في قول أي شخص من الأشخاص’ لذلك نري استدلال
القمص زكريا بطرس بإختلاف المفسرين استدلالا ساذجا سذاجة مركبة, وذلك لكون الخلاف الذي أورده خلافا بين النصارى وليس بين المسلمين, وهذا ما سوف نثبته, ثانيا, في حالة افتراض ان التضارب في أقوال مفسري القرآن, فانه لا يتعدي من أن يكون خلافا في الرأي دون أن يمس نص الوحي, وتباين وجهات النظر أمر حتمي في البشر ويمكننا ان نعطي آلاف الأمثلة في
تفاسير النصارى, كما يمكننا أن نجد هذه الاختلافات في
كتب زكريا بطرس نفسها’ وعلي سبيل المثال لا الحصر, نجد
القمص زكريا بطرس يذكر في كتابه " الاعتراضات علي سفر
نشيد الأناشيد" ’ يذكر
زكريا بطرس أكثر من رأي حول
نشيد الإنشاد, وتنص دائرة المعارف الكتابية ان في
نشيد الإنشاد أكثر من عشر أقوال. فمنهم من قال انه كلام الله ومنهم من قال انه
كلام سليمان ومنهم من قال انه مأخوذ من اشعار عباد ألهة الخصب ( دائرة المعارف الكتابية , مدخل نشيد الأناشيد ) ..
ولزكريا بطرس رأي خارج هذه الآراء فهو يري ان نشيد الإنشاد, شعر صوفي, مشبها إياه بأشعار رابعة العدوية ( زكريا بطرس, الإعتراضات علي نشيد الإنشاد والرد عليها, صفحة 3 )
هذا مثال واحد لاختلاف وجهات النظر ونكتفي به لننتقل إلي الروايات التي أوردها
القمص زكريا بطرس, ونجد ان الرواية الأولي مطلعها عبارة (
حدثني رجل كان نصرانيا ) , وتكفي هذه العبارة كي ندرك ان التضارب الذي تحدث عنه
زكريا بطرس إنما هو تضارب في أقوال النصارى وكل ما فعله المسلمون هو أنهم نقلوا ألينا تضارب أقوال النصارى حول
صلب المسيح عليه السلام, وهنا يتبين لنا ان النصارى ما اتفقوا يوما في ان
المسيح صلب بل تضاربت أقوالهم ليس فقط في الصلب وعدم والصلب بل في عشرات الأمور الاخري’ وقبل أن نناقش بعض تلك الخلافات, بجدر بنا أن نثبت علي كون الخلافات المذكورة خلافات بين النصاري من مصادر مسيحية, ولا نكتفي بالمصدر الإسلامي, لذلك سوف ننطلق إلي
كبير القديسين في القرون الأولي وأحد أعمدة الكنيسة وهو
القديس إيريناؤس, حيث يخبرنا عن اسم المصلوب
يقول
القديس إيريناؤس أسقف ليون (
إيرينيؤس ) علي لسان طائفة نصرانية
"
ليس هو الذي مات بل سمعان القيرواني الذي حمل الصليب أخذ شبه يسوع وصلب مكان يسوع بينما يسوع اخذ صورة سمعان وكان يضحك عليهم وهو يقف بجوارهم "
(
القديس إيريناؤس, ضد الهرطقات الكتاب الأول الفصل 24 صفحة) [1 ]
العلامة ترتليانوس أحد أقدم
آباء الكنيسة الذين كتبوا في
الدفاع عن المسيحية, وفي الفصل الأول من كتابه ضد كل الهراطقة Against All Heresies يقول محبرا عن أتباع باسيليدس Basilides وإيمانهم
"
ليس هو الذي عاني من بين اليهود بل ان سمعان هو الذي صلب مكانه " [2 ]
وفي رسالة شيث الثانية التي تم العثور عليها ضمن
مخطوطات نجع حمادي, ورد فيها قولا علي لسان
يسوع المسيح يؤكد فيه ان المصلوب هو سمعان, حيث يقول
""
نعم لقد شاهدوا تعذيبي’ لكنه شخص آخر’ ان أباهم هو الذي شرب الخل والمرارة, لقد ضربوني بقصبة لكن كان آخر, أنه سمعان الذي حمل الصليب, ووضعوا عليه تاج الشوك, أما أنا فكنت أبتهج في الأعالي
The Second Treatise of the Great Seth
The Nag Hammadi Library
تلك طوائف نصرانية قالت ان المصلوب لم يكن يسوع بل سمعان القيرواني, ومن ضمن هذه الطوائف مجموعة نجع حمادي التي كان يسوع ينتمي إليها, ونعتبر كتاباتهم الأقدم,
وذكرت مصادر نصرانية أخري اسم يهوذا بدلا من سمعان وقالت انه صلب عوضا عن يسوع ( الموسوعة الكاثوليكية ج 5 ص 148 ) بينما قالت طوائف أخري ان يهوذا رمز للايون ال12 وهو الذي عاتي آلام الصلب عوضا عن يسوع (
القديس إيريناؤس, ضد الهراطقة ج2, ف 20 ) بينما قال آخرون ان المصلوب ما هو إلا جسدا وهميا
و توجد أناجيل أخري تحمل أسماء تلاميذ يسوع تؤكد نجاة المسيح دون أن تذكر اسم المصلوب كرؤية بطرس صخرة الكنيسة ورؤية يعقوب أخ يسوع
جاء في رؤية بطرس
قال لي يسوع ان الذي شاهدته يضحك علي الشجرة فهو يسوع الحي’ إما الذي تسمر المسامير في يده وساقيه فهو الجسد البديل آخذا شبهي ليساق للعار
وفي رؤية يعقوب أخ يسوع
فال لي الرب: لا تقلق علي ولا علي هذه الناس, اني إنا هو ولم أعاني ( لم اصلب )
The (First) Apocalypse of James
The Nag Hammadi Library
من المسلم به حالبا بين الدارسين ان إنجيل مرقص البشير هو أول الأناجيل كتابة حيث اعتمد عليه كلا من كاتب إنجيل متى ومرقص, وبالنظر إلي قصة الصلب في إنجيل مرقص نري واضحا ان المصلوب هو سمعان القيرواني وليس يسوع المسيح إذ يقول مرقص البشير ان سمعان حمل الصليب ثم جاءوا به إلي الصلب أي بسمعان فأعطوه خمرا وصلبوه, ولا يذكر يسوع المسيح أبدا ولا مرة واحدة بين حمل الصليب والصلب
جاء في إنجيل مرقص
( فسخّروا رجلا مجتازا كان آتيا من الحقل وهو سمعان القيرواني أبو ألكسندرس وروفس ليحمل صليبه. . وجاءوا به إلى موضع جلجثة الذي تفسيره موضع جمجمة وأعطوه خمرا ممزوجة بمرّ ليشرب فلم يقبل ولما صلبوه اقتسموا ثيابه مقترعين عليها ماذا يأخذ كل واحد. ( مرقص 15/21-24 )
قد يعترض معترض ويقول ان هذا خطأ من كاتب الإنجيل, وان النصوص التي جاءت بعد الصلب تتحدث عن قيامة يسوع المسيح, وهذا صحيح ولكن اتفق العلماء ان عددا من النصوص ليست أصلية وإنما أضيفت في القرون اللاحقة, ويكفي ان خاتمة الإنجيل لا أثر لها في مخطوطتي السينائية والفاتيكانية’ ويزعم بعض المدافعين ان الخاتمة كانت معروفة لنساخ المخطوطتين لكنهم لم ينقلوها لسبب غير معلوم, ولكن يبقي هذا مجرد ظن
ولأن
إنجيل مرقص كان دليلا قاطعا علي عدم صلب المسيح’ غير كاتبي
إنجيل متى ولوقا السياق’ غير ان هذا لم ينه الخلاف حول من هو المصلوب, فما كان من كاتب
إنجيل يوحنا اللاهوتي إلا ان حذف القصة كاملة, أي قصة سمعان وذلك بعد سبعين عاما من
رفع المسيح عليه السلام .. فهل وجدت قوما أكثر جراءة في الافتراء علي الله ؟
ومن الشواهد السابقة يتضح لنا ان النصارى اختلفوا في قضية الصلب واختلفوا في شخصية المصلوب وتناقلوا الإشاعات والظنون ( وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا ) وكل ما فعله أئمة الإسلام هو أنهم نقلوا إلينا تلك الخلافات المبنية علي الإشاعات والظنون ... أما المسلمون فلا يهمهم معرفة من هو الشبيه, والقضية المحورية في الإسلام هي أن المسيح عليه السلام لم يصلب’ وهذا أمر حسمه القرآن (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ ) وهذا أمر لا خلاف عليه بين المسلمين .. فهل قاعدة زكريا بطرس لا تزال قائمة ؟ أي هل لا يزال القمص متمسك بقوله " ونحن نعلم جيدا القاعدة القانونية التي تقول أنه إذا تضاربت أقوال الشهود كان ذلك برهانا على بطلان الادعاء أساساً!!! " ( ص 5 )
بعد أن أثبتنا اختلاف النصارى في قضية الصلب بجدر بنا أن نناقش أقوال من قالوا بان
يسوع المسيح صلب لنري هل يمكننا أن نأخذ بشهادتهم أم لا ؟ وفي نقاشنا لهذا الأمر سوف نلتزم بالقاعدة الذهبية التي وضعها لنا القمص زكريا بطرس, وحين نتحدث عن
تناقضات الكتاب المقدس يجب أن لا ننسي أن مفهوم الوحي في النصرانية يختلف عن مفهوم المسلمين, فالوحي في
الكتاب المقدس حسب تعريف اللاهوتيين هوعبارة عن خبرة ذاتية ناتجة عن استطلاع الأخبار أو الاستفسار من الشهود
إختلاف الأناجيل
تناقضات الأناجيل في رواية الصلب تبدأ منذ الخيانة والقبض علي يسوع حيث يخالف
لوقا الأناجيل الثلاثة الأخرى بإضافة رؤساء الكهنة إلي من جاءوا للقبض علي يسوع ( لوقا 22/52 )
ويذكر يوحنا 18/5 ان يسوع عرف ينفسه لمن قدموا يقبضون عليه, بينما تذكر الأناجيل الأخرى ان اليهود وحلفائهم استعانوا بيهوذا في التعرف علي يسوع وقد أعطاهم يهوذا علامة فقال (الذي اقبّله هو هو.امسكوه ) متى 26 / 48 .. وفي هذه العلامة هفوة لا تغتفر إذ تصور يسوع كأحد المجاهيل وهذا ما لا يمكن تصوره في رجل أقام الموتي وشفا الأمراض فعرفه القاصي والداني
واختلفت الأناجيل في توقيت القبض والمحاكمة وعدد جلسات المحاكمة فتذكر ثلاثة من الأناجيل ان المحاكمة تمت في نفس الليلة التي قبض عليه ويخالفهم إنجيل لوقا الذي جعل المحاكمة في اليوم الثاني للقبض عليه ( متى 26/57 .. مرقص 14/53 .. يوحنا 18/3 .. لوقا 22/66 )
ورغم ان لوقا يخالف
الأناجيل الثلاثة في توقيت المحاكمة إلا أنه يوافق متى ومرقص في ان القبض تم اثناء عيد الفصح ( لوقا 22/7 ) ويذكر لوقا, مرقص ومتي ان يسوع احتفل بالفصح وتناول مع التلاميذ ثم تم القبض عليه .. ويخالف إنجيل يوحنا الأناجيل الأخرى فيذكر ان القبض علي يسوع تم قبل تناول ذبيحة الفصح إذ يقول ( ثم جاءوا بيسوع من عند قيافا إلى دار الولاية.وكان صبح.ولم يدخلوا هم إلى دار الولاية لكي لا يتنجسوا فيأكلون الفصح ) 18/28 ) كما ان يوحنا يذكر العسكر سلموا يسوع إلي حنان حما قيافا ثم مضوا به إلي قيافا رئيس الكهنة ( 18/3) وهذا مخالف للأناجيل الثلاثة الأخرى التي تخبر ان العسكر سلموا يسوع إلي قيافا (. والذين امسكوا يسوع مضوا به إلى قيافا رئيس الكهنة حيث اجتمع الكتبة والشيوخ ) متى 26/57 )
يرد النصارى علي التناقض بخصوص عيد الفصح ويقولون ان الخلاف ناتج بسبب الخلاف في تحديد بداية الشهر ( التقويم القمري ) وهذا غير صحيح لعدة أسباب أولها ان المدينة واحدة ثانيا عيد الفصح ليس في أول الشهر وإنما يوافق اليوم الرابع عشر مما يعني ان الخطأ يمكن تداركه, ثالثا تحديد عيد الفصح ليس شانا فرديا وإنما هو عيد جماعي يحدده المجمع اليهودي ولا يملك أحد مخالفة ذلك, ليس فقط لأنه مخالف للقانون اليهودي ولكن أيضا لأن المجمع يدير شئون المعابد ولا يسمح لأحد بإقامة الطقوس في غير وقتها’ ومن شروط إتمام الفصح ذبح الذبيحة داخل المعبد وإراقة الدماء علي مذبح الهيكل ( أتظر تفسير وورين ويسب لإنجيل متى 26 )
Matthew 26:1-16 [3]
فإذا كانت السلطات الدينية تسيطر علي المعابد الشريعة اليهودية تحدد وقتا معينا للذبح’ فانه يستحيل علي أحد الاحتفال بالفصح في غير وقته
, ويؤكد تفسير الوعاظ علي ما ذكرنا , وعلاوة علي ذلك يذكر تفسير الوعاظ استحالة موافقة يسوع علي مخالفة التوراة في مثل هذا الشأن الجليل وهو الذي بكت اليهود علي خطية واحدة ( تفسير الوعاظ لإنجيل متي 26/18 ) [4]
.
إذن لا شك في ان كتبة الأناجيل اختلفوا فهل يمكننا معرفة القول الصحيح ؟ أم ان كل الأقوال غير صحيحة ؟
كما ذكرنا هناك من يحاول جمع الروايات لإيجاد حلا للتناقص العويص وقد ثبت ان محاولاتهم فاشلة للأسباب التي ذكرناها .. ولكن هناك أيضا جماعة من اللاهوتيين يرون صحة الأناجيل الإزائية وخطأ إنجيل يوحنا أو تعمد الخطأ بالنسبة لمن يرون ان مخالفة يوحنا للأناجيل الأخرى وراءه هدف عقائدي’ ويري هؤلاء ان يوحنا أراد تصوير يسوع المسيح كذبيحة الفصح ففعل ما فعل, غير أن ما يحبر الألباب هو ان يوحنا رغم معارضته للأناجيل الإزائية نوراه يوافقهم في ان الصلب تم يوم الجمعة فقال في الإنجيل المنسوب إليه
. ثم اذ كان استعداد فلكي لا تبقى الاجساد على الصليب في السبت لان يوم ذلك السبت كان عظيما سأل اليهود بيلاطس ان تكسر سيقانهم ويرفعوا ( 19/31 ) وهذا القول يوافق فوليي لوقا البشير 23/54 ومرقص 15/42 وهذه الموافقة تحدي آخر لمن قال ان يسوع المسيح احتفل بالفصح يوما واحدا قبل العيد الرسمي ..
ومع ان يوحنا يوافق أللآخرين في صلب يسوع المسيح يوم الجمعة إلا إننا نجد ان الأباء اختلفوا في يوم الصلب اختلافا شديدا وصفته الموسوعة الكاثوليكية بالتيه فقد قال القديس ابيفانيوس انه صلب يوم الثلاثاء وقال لاکتانتیوس أنه صلب السبت’ أما ولسكوت فقال بالخميس بينا نفي آخرون يوم الجمعة دون تحديد يوم معين
الموسوعة الكاثوليكية, ج8 ص 727 [5]
ومرة أخري يتخبط كاتب إنجيل بوحنا اللاهوتي, وفي نفس الموضوع فنجده يضع حادثة الصلب بعد أربع أيام من توقيت الأناجيل الأخرى,, فوفقا لمتي ومرقص حادثة دهن مريم لأرجل يسوع المسيح تمت قبل يومين من عبد الفصح بنما يضع يوحنا هذه الحادثة قبل ستة أيام من الفصح
جاء في إنجيل متى 26/2
تعلمون انه بعد يومين يكون الفصح وابن الإنسان يسلم ليصلب
الي أن يقول
. وفيما كان يسوع في بيت عنيا في بيت سمعان الأبرص
تقدمت إليه امرأة معها قارورة طيب كثير الثمن فسكبته على رأسه وهو متك
فلما رأى تلاميذه ذلك اغتاظوا قائلين لماذا هذا الإتلاف
لأنه كان يمكن أن يباع هذا الطيب بكثير ويعطى للفقراء
وهنا يجيب يسوع المسيح
( 26/11 ) لان الفقراء معكم في كل حين.وأما أنا فلست معكم في كل حين
ويتحدث يوحنا عن نفس الحدث فيقول في 12/1
ثم قبل الفصح بستة أيام أتى يسوع إلى بيت عنيا حيث كان لعازر الميت الذي أقامه من الأموات.
فصنعوا له هناك عشاء.وكانت مرثا تخدم وأما لعازر فكان احد المتكئين معه فاخذت مريم منا من طيب ناردين خالص كثير الثمن ودهنت قدمي يسوع ومسحت قدميه بشعرها.فامتلأ البيت من رائحة الطيب
لماذا لم يبع هذا الطيب بثلاث مئة دينار ويعط للفقراء
ويجيب يسوع المسيح
اتركوها.انها ليوم تكفيني قد حفظته
لان الفقراء معكم في كل حين.واما انا فلست معكم في كل حين
ويرد المفسرون علي هذا التناقض بالقول ان متى ومرقص لا يكتبان بالترتيب الزمني, وهذا استخفاف بالعقول لا يستحق حتى ان يرد عليه فلنترك الحكم للقارئ
ينص الكتاب المقدس علي ان اليهود تجنبوا القبض علي يسوع في يوم العيد ( ولكنهم قالوا ليس في العيد لئلا يكون شغب في الشعب ) ( مرقص 14/2)
لقد خشيت السلطة الدينية من ثورة الشعب .. ويصور لنا النصارى علي ان السلطة الدينية تخشي من شغب أتباع يسوع وهذا يخالف تصوير الكتاب المقدس لأتباع بيسوع, فهم قلة قليلة, وأقرب أتباعه تركوه وهربوا بينما كبيرهم وقائدهم بطرس أنكر يسوع ولعنه لينجوا بجلده .. ومن كان هذا حالهم فلا يتوقع ان يعمل اليهود لهم أي حساب
إذا كان النص لا يقصد أتباع يسوع فأي طرف يقصد إذن ؟
انهم اليهود المتشددون في الشريعة فشريعتهم لا تسمح بإجراء محاكمة أي شخص ليلا أو في الأعياد هذا بخصوص التهم التي فيهما الحكم بالإعدام
ولا تبيح الشريعة اليهودية تنفيذ الحكم في الأعياد ولا حتى بدفن الميت .
جاء في التلمود ترجمة جوسف باركلي
CHAPTER IV. Treatise X. The Sanhedrin
الخصومات المالية تبدأ إجراءاتها نهارا وتنتهي ليلا والتي تخص القصاص ( النفس ) تبدأ نهارا وتنتهي نهارا في نفس اليوم إن كان الحكم بالبراءة ويؤجل الحكم لليوم التالي إذا كان بالإدانة ولا تجري محاكمات يوم الجمعة أو قبل يوم العيد ( صفحة 185 )[6]
.وهذا ما بجعل كل الأقوال غير صحيحة إذ ان عيد الفصح يليه عيد الفطير ويستمر أسبوعا كاملا مما يجعل ما يسمي بأسبوع الألام كله أسبوعا زائفا
أحداث المحاكمة
ذكرنا ان الأناجيل الإزائية قالت ان العسكر أرسلوا يسوع إلي قيافا رئيس الكهنة وخالفهم يوحنا فقال ان العسكر سلموا يسوع إلي حنان حما قيافا ثم إلي قيافا, وهذا التناقض الواضح نتج عنه تناقضات أخري وألبس ثوب الغموض علي عدد من النصوص حار فيها العلماء ولم يجدوا لها حلا مقنعا إلي يومنا هذا, ونري ان الحل الذي قدمته ترجمة الفاندايك العربية أفضل الحلول, وإن كان فيه نوعا من الغش والتحريف, ,, وكي يتضح لنا مدي تأثير خطأ يوحنا علي أحداث محاكمة يسوع سوف نعرض جزءا كبيرا من الإصحاح ال 18 من
إنجيل يوحنا وفقا للترجمة العربية المشتركة , ولكن قبل ان نتعرض للنصوص نود ان نتعرف علي شخصية مهمة في محاكمة يسوع وهو رئيس الكهنة
من كان رئيس الكهنة
رئيس الكهنة هو اعلي سلطة دينية في اليهودية, بمثابة البابا عند النصارى, يجب ان يكون من سبط لاوي وأكثرهم حكمة’ شرفا ومالا, يعين مدي الحياة ولا يعين أكثر من رئيس كهنة واحد .. ولكن في العهد الجديد نجد نصوصا تفيد تواجد أكثر من رئيس كهنة, ففي أعمال الرسل نجد ان حنان يحمل لقب رئيس الكهنة (اجتمعوا إلى أورشليم مع حنان رئيس الكهنة وقيافا ويوحنا ) 4/5-6 ) وفي لوقا 3/2 نحد ان كلا من حنان وقيافا يحملان لقب رئيس الكهنة
وجود أكثر من رئيس كهنة نشأ لأسباب سياسية والجانب المرتبط بنقاشنا هو وجود أكثر من رئيس كهنة وهذا يعني ان هذا اللقب ان ورد في الكتاب المقدس بدون قرينة فانه قد يعني حنان وقد يعني قيافا .. ونتقل الآن إلي نص يوحنا 18
12فقَبَضَ الجنودُ وقائِدُهُم وحرَسُ الهَيكَلِ على يَسوعَ وقَيَّدوهُ 13وأخذوهُ أوَّلاً إلى حَنّـانَ، وهوَ حَمُو قَيافا رَئيسِ الكَهنَةِ في تِلكَ السَّنةِ. 14وقَيافا هذا هوَ الّذي أشارَ على اليَهودِ فقالَ: ((أنْ يَموتَ رَجُلٌ واحدٌ فِدى الشَّعبِ خَيرٌ لكُم)).
بطرس ينكر يسوع
15وكانَ سِمعانُ بُطرُسُ وتِلميذٌ آخَرُ يَتبَعانِ يَسوعَ. وكانَ هذا التِّلميذُ مَعروفًا مِنْ رَئيسِ الكَهنَةِ، فدخَلَ دارَ رَئيسِ الكَهنَةِ معَ يَسوعَ. 16أمَّا بُطرُسُ فوقَفَ في الخارِجِ عِندَ البابِ. وعادَ التِّلميذُ الآخرُ الّذي يَعرِفُهُ رَئيسُ الكَهنَةِ إلى الخارِجِ وكَلَّمَ الفتاةَ الّتي تَحرُسُ البابَ وأدخَلَ بُطرُسَ.
17فقالَتِ الفتاةُ لِبُطرُسَ: ((أمَا أنتَ أيضًا مِنْ تلاميذِ هذا الرَّجُلِ؟)) فأجابَها بُطرُسُ: ((ما أنا مِنهُم)).
18وكانَ البَرْدُ شَديدًا، فأوقَدَ الخَدَمُ والحرَسُ نارًا وأخذوا يتَدَفـأونَ، ووقَفَ بُطرُسُ يتَدَفـأُ معَهُم.
يسوع عند حنان
19وسألَ رَئيسُ الكَهنَةِ يَسوعَ عَنْ تلاميذِهِ وتَعليمِهِ، 20فأجابَهُ يَسوعُ: ((كَلَّمْتُ النّـاسَ عَلانيةً، وعَلَّمتُ دائِمًا في المَجامِـعِ وفي الهَيكَلِ حَيثُ يَجتَمِـعُ اليَهودُ كلُّهُم، وما قُلتُ شيئًا واحدًا في الخِفيَةِ. 21فلِماذا تسأَلُني؟ إِسأَلِ الّذينَ سَمِعوني عمَّا كَلَّمتُهُم بِه، فَهُم يَعرِفونَ ما قُلتُ)). 22فلمَّا قالَ يَسوعُ هذا الكلامَ، لَطَمَهُ واحِدٌ مِنَ الحَرَسِ كانَ بِجانِبِهِ وقالَ لَه: ((أهكذا تُجيبُ رَئيسَ الكَهنَةِ؟)) 23فأجابَهُ يَسوعُ: ((إنْ كُنتُ أخطأتُ في الكلامِ، فقُلْ لي أينَ الخَطَأُ؟ وإنْ كُنتُ أصَبْتُ، فلِماذا تَضرِبُني؟))24فأرسلَهُ حنّـانُ مُوثَقًا إلى قَيافا رَئيسِ الكَهنَةِ.
بطرس ينكر المسيح ثانيةً
25وبَينَما سِمعانُ بُطرُسُ واقِفٌ هُناكَ يَتَدَفـأُ قالوا لَه: ((أما أنتَ مِنْ تلاميذِهِ؟)) فأنكَرَ وقالَ: ((ما أنا مِنهُم! )) 26فقالَ لَه واحِدٌ مِنْ خَدَمِ رَئيسِ الكَهنَةِ، وكانَ مِنْ أقرباءِ الرَّجُلِ الّذي قطَعَ بُطرُسُ أذنَهُ: ((أما رأيتُكَ معَهُ في البُستانِ؟)) 27فأنكَرَ أيضًا وفي الحالِ صاحَ الدّيكُ.
بطرس ينكر المسيح ثانيةً
25وبَينَما سِمعانُ بُطرُسُ واقِفٌ هُناكَ يَتَدَفـأُ قالوا لَه: ((أما أنتَ مِنْ تلاميذِهِ؟)) فأنكَرَ وقالَ: ((ما أنا مِنهُم! )) 26فقالَ لَه واحِدٌ مِنْ خَدَمِ رَئيسِ الكَهنَةِ، وكانَ مِنْ أقرباءِ الرَّجُلِ الّذي قطَعَ بُطرُسُ أذنَهُ: ((أما رأيتُكَ معَهُ في البُستانِ؟)) 27فأنكَرَ أيضًا وفي الحالِ صاحَ الدّيكُ.
الترجمة العربية المشتركة
سبق وذكرنا ان يوحنا ناقض الأناجيل الإزائية وقال ان الجنود أرسلوا يسوع إلي حنان بينما ذكرت الأناجيل الثلاثة ان الجند أرسلوا يسوع إلي قيافا, ( متى 26/57 . مر 14/53 ) ونتج عن هذا التناقض تناقض آخر وهو ان الأناجيل الأخرى تذكر ان بطرس عاد وتبع يسوع خفية إلي دار قيافا ولكن لأن يوحنا قال ان الجند أرسلوا يسوع إلي حنان أولا قيل أن يرسل إلي قيافا فكان عليه ان يرسل بطرس إلي دار حنان رئيس الكهنة ولم يكتف بذلك بل وأضاف شخصا آحر لم تذكره الأناجيل الأخري وهو التلميذ المحبوب ولم يسميه
لقد نتح عن مخالفة ليوحنا للأناجيل الإزائية خلط الأحداث فانتقل التحقيق الذي جري فب دار قيافا إلي دار حنان .. وعبد قيافا الذي لطم يسوع تحول الي احد عبيد حنان .. ثم قسم يوحنا مواقف بطرس الإنكارية الثلاثة بين داري حنان وقبافا فجعل بطرس ينكر المسيح المرة الأولي في دار حنان ومرتين في دار قيافا عكس الأناجيل الثلاثة الني جعلت المواقف الثلاثة في دار قيافا لأنها لم تذكر أصلا دار حنان, ومعلوم ان الأناجيل الثلاثة أيضا اختلفت فيما بينها بخصوص مواقف بطرس
للتغلب علي هذه المشكلة قامت نسخة الفاندايك بتغيير طفيف ولكن قوي المفعول نوعا ما, علي الأقل علي العامة من النصارى’ وكل ما فعلته ترجمة الفاندايك هو ان غيرت حرف " ف " إلي " كان " مع إضافة " قد " في النص فأصبح (وكان حنان قد أرسله موثقا إلى قيافا رئيس الكهنة ) ,, وبعد التغيير يبدوا من الإصحاح وكأن التحقيق الأول جري في بيت قيافا وليس في بيت حنان لأنه النص لم يذكر اسم رئيس الكهنة وبذلك يصعب علي القارئ غير الدارس ان ينتبه إلي جميع التناقضات, ولكن تبقي عناك عورات أخري لا يمكن سترها بالتحريف, وفي خضم هذه التناقضات لابد أن نرد سؤال زكريا بطرس في نحره, حين قال زكريا بطرس: قل لي أيها القارئ العزيز: من نصدق من هؤلاء الرواة؟ وماذا نصدق من تلك الروايات؟؟
التناقضات في مسألة صلب يسوع كثيرة جدا ولكن لم نر داعيا من الإكثار في سردها, ونري انه من الأفضل أن نركز في جزء معين ونعطيه حقه بذكر أقوال علماء النصارى ونوزنها بميزان العدل كما أمرنا الله سبحان وتعالي ( وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ) وبهذا الميزان أثبتنا استحالة الجمع بين الروايات المتناقضة حول صلب يسوع, فلم يعد أمام زكريا بطرس إلا الصمت أمام ما قدمنا من أدلة, وما عليه إلا التنازل عن القاعدة التي بني عليها بنبانه وهي " إذا تضاربت أقوال الشهود كان ذلك برهانا على بطلان الادعاء أساساً "
وصدق الله العظيم ( وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا ) سورة النساء :157 )
محمود أباشيخ – صوماليانو
*****************************************
[1] ANF01. The Apostolic Fathers with Justin Martyr and Irenaeus, p 500
[2] ANF03. Latin Christianity: Its Founder, Tertullian, p949
[3] THE BIBLE EXPOSITION COMMENTARY
WARREN W. WIERSBE, ChariotVicto , Publishing, Colorado 1989
[4] The Pulpit Commentary, H.D.M. Spence and Joseph S. Exell
Electronic Database, Copyright (c) 2001 by Biblesoft
[5] مدخل ABSOLUTE CHRONOLOGY
العنوان الفرعي The Day of the Death of Christ
[6] Joseph Barclay, The Talmud, R. & R. Clark, Edinburgh 1878