1-الإيمان المطلق بأن الإصلاح يأتي من فوق بواسطة "البطل" و "القائد" و "الزعيم"، وهو الطابع الذي ساد كل الحركات الثقافية، بل والسياسية بعد عهد محمد على. وهنا يجب الإشارة إلى مؤلفات الدكتور زيعور عن شخصية البطل الأسطوري وانعكاس "عنتر بن شداد" حتى على العمل السياسي. ولعل أُفول حركة التنوير بعد 1882م (الاحتلال البريطاني) لم يكن مصادفةً لأن الحركة كانت قيادات فردية وقادة عظام. وبدأ البعث الحقيقي للتنوير بتأسيس جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة).
في إيجاز شديد: القائد هو كل شيء. رحل عبد الناصر، ورحل معه النظام السياسي الذي تركه، وقبله رحل سعد زغلول ومصطفى النحاس
وحسن البنا، ورحلت معهم القوة والنظرة التي تقود .... جاءت الجامعة لكي تجعل حركة التنوير جزء لا يمكن فصله عن الثقافة الوطنية. في بحث رائد لم ينشر بعد، وجد الباحث أن رواد حزب الوفد مثل مكرم عبيد وويصا واصف وعدد آخر من الأقباط والمسلمين كانوا طلاباً في مدارس أسيوط أو كلية الأمريكان في أسيوط. وكانت الدراسة تقوم على تدريس الفروع السبعة للعلوم الإنسانية ... وجاءت هذه الدراسة بتكوين عقل ووعي القادة ....
أقول مرةً ثانية عندما يصبح البرنامج الإصلاحي جزء من برنامج تعليم، تتولى المؤسسات التعليمية دفعه إلى الأمام. أمَّا إذا ظل قائماً بقيام القائد "الكارزمي"، فإن أُفول وسقوط البرنامج هو مسألة وقت. وهنا يجب الإشادة بالجهود التي بذلها قادة مدارس الأحد في خلق تعليم وبرامج هي في ذاتها تطور هام في مجال التعليم، ولكن لم يستمر الدفع إلى الأمام، بل توقف، وسوف نذكر السبب الأول والأخير في الفقرة التالية.
الفجوة الثانية
دراستنا لكل برامج التعليم الديني في مدارس الأحد والكلية الإكليريكية حسب الوثائق التي لا تزال تحت أيدينا، وهي لا تزال في حوزة بعض القادة تؤكد ما يلي:
1- السباق الدائم مع ما جاءت به حركة الإرساليات البروتستانتية والكاثوليكية، ولذلك جاءت دراسة
الكتاب المقدس في مدارس الأحد موازية لما كانت تصدره مطبعة النيل المسيحية، وخلاصة الدرس المطبوع خلف الصور. وكان أستاذنا حبيب جرجس قد عهد إلى رسام ألماني برسم صور لما جاء بهذه البرامج. هنا بدأ الفصل التام والتدريجي بين الكتاب المقدس والحياة الليتورجية حتى بدأ الاهتمام بالقراءات الكنسية في بداية عصر
البابا كيرلس السادس، ثم توقف؛ لأنه كان مثل غيره حركة رواد عصاميين. ومن هنا أيضاً جاء فهم العقيدة الأرثوذكسية نفسها من خلال دروس الكتاب المقدس وحده بعيداً عن الليتورجية وعن شرح
آباء الكنيسة. ولذلك عندما سمعنا في معهد الكتاب المقدس صوت بابا الإسكندرية يؤكد – حتى – في الحوار مع الكنيسة الإنجيلية الالتزام بما جاء في الكتاب المقدس وحده، قلنا هذا هو أول بطريرك إنجيلي - بالمعنى المذهبي والطائفي – يجلس على كرسي مار مرقس.
2- وولد في هذا السباق نوع من "الأصولية"؛ لأن شرح الكتاب المقدس يعتمد على:
أ – قدرة من يشرح ومعلوماته.
ب –الانتماء المذهبي
خلال الخمسينيات، وما بعدها كان شرح الكتاب المقدس للقس "ويليام أيدي" الأمريكاني، ثم
ما صدر من مؤلفات مطبعة الأخوة ومطبعة النيل المسيحية هو المرجع أو المراجع التي عاد إليها كل الذين نعرفهم من قادتنا. ومن الإنصاف أن نقول هنا إن مؤلفات الآباء لم تكن معروفة لهؤلاء، بل لم تكن موجودة. ولعل الشهود الأحياء يذكرون أول زيارة لقداسة البابا شنودة الثالث إلى الولايات المتحدة، فقد طلب هو شخصياً ومعه ثلاثة أساقفة شراء مجموعة القس المعمداني "سبرجن"؛ لأنها - حسب وصف هؤلاء – الشرح الروحي الذي يفيد في الخدمة.
وكما قلنا سابقاً، ليس لدينا برامج ولا مؤسسة تعليمية تستطيع أن تضع المراجع الأساسية في يد الشعب والأكليروس ...
أليست هذه حقيقة تاريخية: إن أول كتاب عن الصلاة هو كتاب "حياة الصلاة الأرثوذكسية" الذي به كشف الأب متى المسكين ومعه عدد من الرهبان في دير السريان 1952 محاولة جادة لاسترجاع التراث؟
3- هكذا جاء التعليم الديني بما هو غير أرثوذكسي – عن حسن نية – وعن جهل. هذا هو ما يمكن أن نكتبه في الوقت الحاضر:
أ- فصل دراسة العقيدة عن التاريخ الكنسي. وكانت أول محاولة لوضع دراسات تاريخية للعقيدة هي مذكرات "اللاهوت المقارن" للدكتور وهيب عطا الله (الأنبا أغريغوريوس)، واعتمد فيها أحياناً على ترجمة حرفية لكتاب تاريخ العقيدة للأستاذ بيكر Bethune - Baker أستاذ تاريخه العقيدة المسيحية السابق بجامعة كمبردج.
ب- الاكتفاء بوضع نصوص من مؤلفات لا تأخذ بكل ما جاء عند الآباء، والمثال الواضح هو أن الأريوسية دُرِّست لنا في الإكليريكية عن كتاب الأستاذ بيكر، ولم ندرس رد القديس أثناسيوس على الأريوسيين إلاَّ بعد اقتناء المجلد الخاص بالقديس أثناسيوس، والذي نشرته جامعة أكسفورد 1890م وطبع بعد ذلك عدة طبعات في الغرب. وإلى الأب متى المسكين يعود الفضل في جلب أو استيراد مجموعات الآباء (28 مجلد) لكي تسهم في تطوير الدراسة التاريخية واللاهوتية. لكن الملخصات مثل كتب وزارة التعليم "ملخص كذا ... إلخ" تقطع الصلة بين القارئ والمراجع الأساسية، أي المصادر الأولى Primary Sources وتعزل القارئ عن الأبعاد التاريخية للجدل كله، بل تحرم القارئ من دراسة جوانب الصراع العقيدي. هكذا درسنا أن النسطورية كانت صراعاً حول لقب "والدة الإله"، هذا سبب واحد من عدة أسباب، أهمها فشل نسطور في إدراك حقيقة تجسد ابن الله، وما جاء به التجسد من علاقة جديدة تماماً مع الله، وبين الإنسان وأحيه الإنسان، أي الكنيسة ودور الأسرار لا سيما الإفخارستيا . ولم يكن غريباً أن يكتب البابا شنودة نفسه ذات عبارات نسطور في كتيب الإفخارستيا حيث يؤكد أننا نتناول الناسوت، وعبارة نسطور التي قُرأت في مجمع أفسس 431م هي ذاتها عبارة الأنبا شنودة: "لم يقل خذوا كلوا هذا هو لاهوتي، بل هذا هو جسدي". هذه ليست مصادفة بحتة؛ لأن الملخصات حجبت عن الأنبا شنودة نفسه أبعاد الصراع ضد النسطورية. ولا زال شك كاتب هذه السطور في صدق عدد كبير من الإكليروس في إيمانهم بالتجسد وبالثالوث.
جـ - ولعل أفظع ما يقال عن الثالوث هو أنه "وجود وعقل وحياة"، وهو ذات بدعة سابيليوس. ولأن الثالوث لم يُدرس بعد على الأصول الآبائية، وقع الأنبا شنودة نفسه في هذه البدعة – دون أن يدري – وعن حسن نية ودافع عن بدعة سابيليوس في محاضرة مشهورة في اجتماع للشباب المسكوني في الكاتدرائية، وعندما حاول كاتب هذه السطور مراجعة ما جاء في هذه المحاضرة بدأ العد التنازلي لإبعادي عن الكلية الإكليريكية. ففي هذه السنة ألغى قداسة البابا امتحان القسم النهاري والليلي معاً عقاباً لي، وحتى يبدو أمام الطلبة أنه صاحب السلطة.
د – أليس من حق القارئ أن يقف ليسأل: لماذا نُشر كتاب تجسد الكلمة من دار النشر للكنيسة الأسقفية SPCK فرع القاهرة، وهي ترجمة الأب الفاضل مرقس داوود عن الترجمة الإنجليزية التي صدرت من جامعة أكسفورد 1890؟ الناشر ليس أرثوذكسياً، والنص ليس هو النص الأصلي، بل ترجمة عن ترجمة ضاعت معها بعض معاني الكلمات اللاهوتية مثل "الفساد"، "الشفيع"، وغيرها. ولم يكن هذا الكتاب يُدَّرس في الكلية الإكليريكية. وأول دراسة منهجية تاريخية كانت محاضرات أستاذ الآباء في جامعة كامبريدج جيفري لامب 1965م وهو الأستاذ الذي وضع أول قاموس يوناني – إنجليزي لكل مصطلحات الآباء اليونانية. طبعاً لم يكن تدريس اللغة اليونانية، بل اللغة القبطية كافياً لقراءة الكتاب. وما أبعد الفرق بين طالب في جامعة كامبريدج يقرأ الآباء باللغة الأصلية، وطالب في الكلية الإكليريكية سمع عن أثناسيوس، وقرأ بعض أو ربما قرأ "تجسد الكلمة" باللغة العربية، ولم يسمع محاضرة واحدة عن الكتاب نفسه. أليست هذه هي الفجوة بين التاريخ الكنسي واللاهوت؟ ثم هي نفسها ذات الفجوة بين المصادر الأولى ألأساسية والملخصات التاريخية السيئة؟
ما ورثه الأنبا شنودة
عندما نكتب عن الواقع المعاش، فإننا يجب أن نتوخى الدقة؛ لأننا، ونحن نطالب بالإصلاح يجب أن يكون لهذا النداء أساس تاريخي قادر على استيعاب ما حدث قبل مجيء الأنبا شنودة إلى كرسي ما مرقس، وما ورثه من نظام كنسي وعُرف وتقاليد سائدة لكي نعطي الرجل حقه الذي يستحقه؛ لأن البحث عن "كبش فداء" أو "ثور عزازيل" الذي يحمل الخطايا ليس حلاً روحياً، أو ثقافياً أو حتى إنسانياً؛ لأن إصلاح النظام أجدى من تجريم فرد أو جماعة.
* ورث الأنبا شنودة المجمع المقدس الحاضر بالاسم والغائب دائماً عن كل الأمور الهامة والأساسية. وأضاف إليه "لجان المجمع" الخاصة بالعقيدة والطقوس، والتي لم تقدم شيئاً ذا بال؛ لأن التركة التي ورثها لم يكن فيها أسقفاً تخصص في دراسة معينة سوى الأنبا ديسقورس والأنبا يؤنس وكلاهما مؤرخٌ كنسيٌ، والأنبا إغريغوريوس الذي أُبعد عن المشاركة، ويضاف إليه قائمة من العلمانيين مثل الدكتور وليم سليمان. ومع انعدام التخصص لدى أغلب الأساقفة، أي معرفة التاريخ واللاهوت، بل والكتاب المقدس نفسه، ولدت لجان المجمع مثل "السقط"، أي الجنين الذي لم يكتمل نموه.
* ورث أيضاً معهد الدراسات القبطية الذي كان يضم أكبر نخبة من المثقفين: د. مراد كامل – د. زاهر رياض – د. سامي جبرة … إلخ ولكن حدث تداعي غريب، وانهار المعهد تدريجياً، وانعدم الدعم المالي لا سيما بعد رسامة أنبا إغريغوريوس، وعجز الأنبا إغريغوريوس عن الحصول على المال اللازم. إغلاق مكتبة المعهد نفسه.
* ورث أيضاً الكلية الإكليريكية التي كان من الممكن أن تصبح جامعة لاهوتية تضارع جامعات أوربا خصوصاً بعد عودة وعمل الذين حصلوا على بعثات دراسية في الخارج في ألمانيا – اليونان – إنجلترا – أمريكا، ولكن تم ترحيل البعض للخدمة خارج مصر في المهجر مثل وجدي الياس، وغيره، ورسامة البعض للكهنوت. ورُحِّل الأنبا باسيليوس أول من تخصص في التاريخ الكنسي لرعاية إيبارشية القدس حتى لا يبقى منافساً لمنصب البطريركية … وما أصاب الباقين من المبعوثين.
خلاصة
كل هذه تؤدي بنا إلى ملاحظة واحدة هامة تجعلنا نبتعد عن الجدل العقيم، وهي أنه لا يوجد لدينا خطة للإصلاح ولا هيئة تتولى الإصلاح وإن كل ما حاول الأساقفة إدارته خارج تخصص كل منهم أي رعاية الإيبارشية قد فشل تماماً وانهار.
جورج حبيب بباوي