 |
|
المرأة باعتبارها عضواً في المجتمع
|
|
 |

الشيخ يوسف القرضاوي
يشيع بعض المغرضين أن الإسلام حكم على المرأة بالسجن داخل البيت , فلا تخرج منه إلا إلى القبر !
فهل لهذا الحكم سند صحيح من القرآن والسنة ؟ ومن تاريخ المسلمات في القرون الثلاثة الأولى , التي هي خير القرون ؟
لا . . ثم لا .
فالقرآن يجعل الرجل والمرأة شريكين , في تحمل أعظم المسؤوليات في الحياة الإسلامية , وهي مسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
يقول تعالى : ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض , يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله ) .
وتطبيقا لهذا المبدأ وجدنا امرأة في المسجد ترد على أمير المؤمنين عمر الفاروق وهو يتحدث فوق المنبر على ملأ من الناس , فيرجع عن رأيه إلى رأيها ويقول بصراحة : « أصابت امرأة وأخطأ عمر » .
والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : « طلب العلم فريضة على كل مسلم » .
فيجمع علماء المسلمين على أن المسلمة أيضا داخلة في معنى الحديث ففرض عليها أن تطلب من العلم ما يصحح عقيدتها , ويقوم عبادتها , ويضبط سلوكها بأدب الإسلام في اللباس والزينة وغيرها , ويقفها عند حدود الله في الحلال والحرام , والحقوق والواجبات . ويمكنها أن تترقى في العلم حتى تبلغ درجة الاجتهاد .
وليس لزوجها أن يمنعها من طلب العلم الواجب عليها , إذا لم يكن هو قادراً على تعليمها , أو مقصراً فيه .
فقد كان نساء الصحابة يذهبن إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسألنه فيما يعرض لهن من شؤون , ولم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين .
وصلاة الجماعة ليست مطلوبة من المرأة , طلبها من الرجل , فإن صلاتها في بيتها قد تكون أفضل لظروفها ورسالتها , ولكن ليس للرجل منعها إذا رغبت في صلاة الجماعة بالمسجد , قال عليه الصلاة والسلام : « لا تمنعوا إماء الله مساجد الله » .
وللمرأة أن تخرج من بيتها , لقضاء حاجة لها أو لزوجها وأولادها , في الحقل أو السوق , كما كانت تفعل ذات النطاقين أسماء بنت أبى بكر , فقد قالت : « كنت أنقل النوى على رأسي من أرض الزبير - زوجها - وهي من المدينة على ثلثي فرسخ » .
وللمرأة أن تخرج مع الجيش , لتقوم بأعمال الإسعاف والتمريض وما شابه ذلك من الخدمات الملائمة لفطرتها ولقدراتها .
روى أحمد والبخاري عن الربيع بنت معوذ الأنصارية قالت : « كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نسقي القوم ونخدمه ونرد القتلى والجرحى إلى المدينة » .
وروى أحمد ومسلم عن أم عطية قالت : « غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم , سبع
غزوات , أخلفهم في رحالهم , وأصنع لهم الطعام , وأداوي الجرحى , وأقوم على الزمنى » .
فهذه هي الأعمال اللائقة بطبيعة المرأة ووظيفتها , أما أن تحمل السلاح وتقاتل وتقود الكتائب فليس ذلك من شأنها , إلا أن تدعو لذلك حاجة , فعند ذلك تشارك الرجال في جهاد الأعداء بما تستطيع , وقد اتخذت أم سليم يوم « حنين » خنجراً , فلما سألها زوجها أبو طلحة عنه قالت : « اتخذته إن دنا مني أحد من المشركين بقرت بطنه » .
وقد أبلت أم عمارة الأنصارية بلاءً حسناً في القتال يوم « أحد » , حتى أثنى عليها النبي صلى الله عليه وسلم , وفى حروب الردة شهدت المعارك بنفسها , حتى إذا قتل مسيلمة الكذاب عادت وبها عشر جراحات .
فإذا شاع في بعض العصور حبس المرأة عن العلم , وعزلها عن الحياة , وتركها في البيت كأنها قطعة من أثاثه , لا يعلمها الزوج , ولا يتيح لها أن تتعلم - حتى إن الخروج إلى المسجد أصبح عليها محرماَ - إذا شاعت هذه الصورة يوما فمنشؤها الجهل والغلو والانحراف عن هدي الإسلام , واتباع تقاليد مبالغة في التزمت , لم يأذن بها الله , والإسلام ليس مسؤولا عن هذه التقاليد المبتدعة بالأمس , كما أنه ليس مسؤولا عن تقاليد أخرى مسرفة ابتدعت اليوم . إن طبيعة الإسلام هي التوازن المقسط , في كل ما يشرعه ويدعو إليه من أحكام وآداب , فهو لا يعطي شيئا ليحرم آخر , ولا يضخم ناحية على حساب أخرى , ولا يسرف في إعطاء الحقوق , ولا في طلب الواجبات .
ولهذا لم يكن من هم الإسلام تدليل المرأة على حساب الرجل , ولا ظلمها من أجله , ولم يكن همه إرضاء نزواتها على حساب رسالتها , ولا إرضاء الرجل على حساب كرامتها , وإنما نجد أن موقف الإسلام تجاه المرأة يتمثل فيما يلي :
( أ ) إنه يحافظ - كما قلنا - على طبيعتها وأنوثتها التي فطرها الله عليها ويحرسها من أنياب المفترسين الذين يريدون التهامها حراما , ومن جشع المستغلين الذين يريدون أن يتخذوا من أنوثتها , أداة للتجارة والربح الحرام .
( ب ) إنه يحترم وظيفتها السامية التي تهيأت لها بفطرتها , واختارها لها خالقها , الذي خصها بنصيب أوفر من نصيب الرجل , في جانب الحنان والعاطفة , ورقة الإحساس , وسرعة الانفعال , ليعدها بذلك لرسالة الأمومة الحانية , التي تشرف على أعظم صناعة في الأمة , وهي صناعة أجيال الغد .
( جـ ) إنه يعتبر البيت مملكة المرأة العظيمة , هي ربته ومديرته وقطب رحاه , فهي زوجة الرجل , وشريكة حياته , ومؤنس وحدته , وأم أولاده , وهو يعد عمل المرأة في تدبير البيت , ورعاية شؤون الزوج , وحسن تربية الأولاد , عبادةً وجهاداً , ولهذا يقاوم كل مذهب أو نظام يعوقها عن رسالتها , أو يضر بحسن أدائها لها , أو يخرب عليها عشها .
إن كل مذهب أو نظام يحاول إجلاء المرأة عن مملكتها , ويخطفها من زوجها , وينتزعها من فلذات أكبادها - باسم الحرية , أو العمل , أو الفن , أو غير ذلك - هو في الحقيقة عدو للمرأة , يريد أن يسلبها كل شيء , ولا يعطيها لقاء ذلك شيئا يذكر , فلا غرو أن يرفضه الإسلام .
( د ) إنه يريد أن يبني البيوت السعيدة , التي هي أساس المجتمع السعيد . والبيوت السعيدة إنما تبنى على الثقة واليقين , لا على الشك والريبة , والأسرة التي قوامها زوجان يتبادلان الشكوك والمخاوف , أسرة مبنية على شفير هار , والحياة في داخلها جحيم لا يطاق .
( هـ ) إنه يأذن لها أن تعمل خارج البيت فيما يلائمها من الأعمال التي تناسب طبيعتها واختصاصها وقدراتها , ولا يسحق أنوثتها , فعملها مشروع في حدود وبشروط . وخصوصاً عندما تكون هي أو أسرتها في حاجة إلى العمل الخارجي , أو يكون المجتمع نفسه في حاجة إلى عملها خاصة . وليست الحاجة إلى العمل محصورة في الناحية المادية فحسب , فقد تكون حاجة نفسية , كحاجة المتعلمة المتخصصة التي لم تتزوج , والمتزوجة التي لم تنجب , والشعور بالفراغ الطويل , والملل القاتل .
وليس الأمر كما يدعيه أنصار عمل المرأة دون قيود ولا ضوابط , وسنتناول هذا الموضوع بشيء من التفصيل في الصفحات القادمة إن شاء الله
أنصار المغالاة في عمل المرأة وشبهاتهم
ولكن كما دعا أسرى الغزو الفكري إلى اختلاط المرأة بالرجل , وتذويب الحواجز بين الجنسين , رأيناهم يدعون أيضا إلى تشغيل المرأة في كل مجال , سواء أكان لها حاجة إلى العمل أم لا , وسواء أكان المجتمع في حاجة إلى هذا العمل أم لا , فهذا الأمر مكمل للأمر الأول , فهو من تمام الاختلاط وذوبان الفوارق , والتحرر من ظلم العصور الوسطى وظلامها , كما يقال !
ومن مكرهم ودهائهم أنهم - في كثير من الأحيان - لا يعلنون صراحة أنهم يريدون للمرأة أن تتمرد على فطرتها , وتخرج من حدود أنوثتها , وأنهم يريدون استغلال أنوثتها للمتعة الحرام , أو الكسب الحرام , بل يظهرون في صورة الأطهار المخلصين , الذين لا يريدون إلا المصلحة , فهم يؤيدون رأيهم في تشغيل المرأة بأدلة مبعثرة , نجمع شتاتها فيما يلي :
1. إن الغرب وهو أكثر منا تقدماً ورقياً في مضمار الحضارة قد سبقنا إلى تشغيل المرأة , فإذا أردنا الرقي مثله فلنحذ حذوه في كل شئ فإن الحضارة لا تتجزأ .
2. إن المرأة نصف المجتمع , وإبقاؤها في البيت بلا عمل تعطيل لهذا النصف , وضرر على الاقتصاد القومي , فمصلحة المجتمع تقضي بعمل المرأة .
3. ومصلحة الأسرة كذلك تقضى بعملها , فإن تكاليف الحياة قد تزايدت في هذا العصر , وعمل المرأة يزيد من دخل الأسرة ويعاون الرجل على أعباء المعيشة , وخصوصا في البيئات المحدودة الدخل .
4. ومصلحة المرأة نفسها تدعو إلى العمل , فإن الاحتكاك بالناس وبالحياة وبالمجتمع خارج البيت يصقل شخصيتها , ويمدها بخبرات وتجارب , ما كان لها أن تحصل عليها داخل الجدران الأربعة .
5. كما أن العمل سلاح في يدها ضد عوادي الزمن , فقد يموت أبوها أو يطلقها زوجها , أو يهملها أولادها , فلا تذلها الفاقة والحاجة . ولا سيما في زمن غلبت فيه الأنانية , وشاع فيه العقوق , وقطيعة الأرحام , وقول كل امرئ : نفسي نفسي .
الرد على هذه الشبهات :
1. أما الاحتجاج بالغرب فهو احتجاج باطل , للأسباب الآتية :
( أ ) لأن الغرب ليس حجة علينا , ولسنا مكلفين أن نتخذ الغرب إلها يعبد ولا قدوة تتبع : ( لكم دينكم ولي دين ) .
( ب ) إن المرأة في الغرب خرجت إلى المصنع والمتجر وغيرهما مجبورة لا مختارة , تسوقها الحاجة إلى القوت , والاضطرار إلى لقمة العيش , بعد أن نكل الرجل عن إعالتها , في مجتمع قاس لا يرحم صغيراً لصغره , ولا أنثى لأنوثتها , وقد أغنانا الله بنظام النفقات في شريعتنا عن مثل هذا .
وقد ذكر أستاذنا محمد يوسف - رحمه الله تعالى - في كتابه « الإسلام وحاجة الإنسانية إليه » أثناء حديثه عن عناية الإسلام بالأسرة قال : « ولعل من الخير أن أذكر هنا أنى حين إقامتي بفرنسا كانت تخدم الأسرة التي نزلت في بيتها فترة من الزمن فتاة يظهر عليها مخايل كرم الأصل , فسألت ربة البيت : لماذا تخدم هذه الفتاة ؟ أليس لها قريب يجنبها هذا العمل , ويوفر لها ما تقيم به حياتها ؟ فكان جوابها : أنها من أسرة طيبة في البلدة , وعمها غني موفور الغنى , ولكنه لا يعنى بها ولا يهتم بأمرها . فسألت : لماذا لا ترفع الأمر للقضاء , ليحكم لها عليه بالنفقة ؟ فدهشت السيدة من هذا القول , وعرفتني أن ذلك لا يجوز لها قانونا . وحينئذ أفهمتها حكم الإسلام في هذه الناحية , فقالت : ومن لنا بمثل هذا التشريع ؟ لو أن هذا جائز قانونا عندنا لما وجدت فتاة أو سيدة تخرج من بيتها للعمل في شركة أو مصنع أو معمل أو ديوان من دواوين الحكومة » . تعني : أن خوفهن من الجوع والضياع هو الذي دفع تلك الجيوش من النساء إلى العمل بحكم الضرورة .
( جـ ) إن الغرب الذي يقتدون به أصبح اليوم يشكو من عمل المرأة وما جره من آثار , وأصبحت المرأة نفسها هناك تشكو من هذا البلاء , الذي لم يكن لها فيه خيار , تقول الكاتبة الشهيرة « آنا رود » في مقالة نشرتها في جريدة « الاسترن ميل » : « لأن تشتغل بناتنا في البيوت خوادم أو كالخوادم خير وأخف بلاءً من اشتغالهن في المعامل , حيث تصبح البنت ملوثة بأدران تذهب برونق حياتها إلى الأبد .
« ألا ليت بلادنا كبلاد المسلمين فيها الحشمة والعفاف والطهر رداءً , الخادمة والرقيق يتنعمان بأرغد عيش , ويعاملان كما يعامل أولاد البيت , ولا تمس الأعراض بسوء . . نعم إنه لعار على بلاد الإنجليز أن نجعل بناتها مثلاً للرذائل بكثرة مخالطة الرجال , فما بالنا لا نسعى وراء ما يجعل البنت تعمل بما يوافق فطرتها الطبيعية من القيام بالبيت وترك أعمال الرجال للرجال سلامة لشرفها » .
( د ) إن مصلحة المجتمع ليست في أن تدع المرأة رسالتها الأولى في البيت , لتعمل مهندسة أو محامية أو نائبة أو قاضية أو عاملة في مصنع , بل مصلحته أن تعمل في مجال تخصصها الذي هيأتها له الفطرة : مجال الزوجية والأمومة - وهو لا يقل - بل يزيد - خطراً عن العمل في المتاجر والمعامل والمؤسسات , وقد قيل لنابليون : أي حصون فرنسا أمنع ؟ فقال : الأمهات الصالحات !!
والذين يزعمون أن المرأة في البيت عاطلة , يجهلون أو يتجاهلون , ما تشكو منه فضليات النساء , من كثرة الأعمال والأعباء المنزلية , التي تستنفد وقتها وجهدها كله , ولا يكاد يكفي , فإن كان عند بعض النساء فضل وقت فلنعلمها قضاءه في الخياطة والتطريز , وما يليق بها من الأعمال , التي لا تتعارض مع واجبها في البيت ( ويمكن أن تعمل هذا بأجر لبعض المؤسسات , وهي في البيت ) أو في خدمة مجتمعها وبنات جنسها , والإسهام في مقاومة الفقر والجهل والمرض والرذيلة .
والواقع أن كثيراً من النساء العاملات يستخدمن نساء أخريات للعمل مربيات لأولادهن أو شغالات في بيوتهن . ومعنى هذا أن البيت في حاجة إلى امرأة ترعى شئونه , وأولى الناس بذلك ربته وملكته , بدل المرأة الغريبة , والتي كثيراً ما تكون غريبة الدار والخلق والدين واللغة والأفكار والعادات - كما هو شائع في مجتمعات الخليج من المربيات والخادمات المستوردات من الشرق الأقصى - وخطورة هذا الأمر لا تخفى على عاقل .
( هـ ) كما أن سعادة الأسرة ليست في مجرد زيادة الدخل , الذي ينفق معظمه في أدوات الزينة , وثياب الخروج , وتكاليف الحياة المختلطة , التي تقوم على التكلف والتصنع وسباق الأزياء , و « المودات » وما إلى ذلك , ويقابل هذه الزيادة في الدخل حرمان البيت من السكينة والأنس , الذي تشيعه المرأة في جو الأسرة , أما المرأة العاملة فهي مكدودة الجسم , مرهقة الأعصاب , وهي نفسها في حاجة إلى من يروح عنها , وفاقد الشيء لا يعطيه .
( و ) إن مصلحة المرأة ليست في إخراجها عن فطرتها واختصاصها وإلزامها أن تعمل عمل الذكر , وقد خلقها الله أنثى , فهذا كذب على المرأة وعلى الواقع , وقد تفقد المرأة من هذا الصنف أنوثتها بالتدريج , حتى أطلق عليها بعض الكتاب الإنجليز « الجنس الثالث » , وهذا ما اعترف به كثير من النساء من ذوات الشجاعة الأدبية .
( ز ) وما يدعى من أن العمل سلاح في يد المرأة , إن صح في الغرب فلا يصح عندنا نحن المسلمين , لأن المرأة في الإسلام مكفية الحاجات بحكم النفقة الواجبة شرعا على أبيها , أو زوجها , أو أبنائها أو أخيها , أو غيرهم من العصبات والأقارب , وان كان تقليد الغرب بدأ يفقدنا خصائصنا شيئا فشيئا
مضار اشتغال المرأة بعمل الرجال
وبهذا نعلم أن اشتغال المرأة في أعمال الرجال وانهماكها فيها بغير قيود ولا حدود , مضرة لا شك فيها , من جوانب شتى :
1. مضرة على المرأة نفسها : لأنها تفقد أنوثتها وخصائصها , وتحرم من بيتها وأولادها , حتى إن كثيراً من النساء أصبن بالعقم . وبعضهم سماهن « الجنس الثالث » أي الذي لا هو رجل ولا هو امرأة !
2. مضرة على الزوج : لأنه يحرم من نبع سخي كان يفيض عليه بالأنس والبهجة , فلم يعد يفيض عليه إلا الجدل , والشكوى من مشكلات العمل , ومنافسة الزميلات والزملاء , فضلاً على أن الرجل يفقد كثيراً من سلطانه وقوامته عليها , لشعورها بأنها مستغنية بعملها عنه , وربما كان راتبها أكبر من راتبه , فتشعر بالاستعلاء عليه . هذا إلى ما يشعر به كثير من الأزواج من عذاب الغيرة والشك .
3. مضرة على الأولاد : لأن حنان الأم , وقلب الأم , وإشراف الأم , لا يغني عنه غيره من خادم أو مدرسة , وكيف يستفيد الأولاد من أم تقضي نهارها في عملها , فإذا عادت إلى البيت عادت متعبة مهدودة , متوترة , فلا حالتها الجسمية ولا النفسية تسمح بحسن التربية وسلامة التوجيه .
4. مضرة على جنس الرجال : لأن كل امرأة عاملة , تأخذ مكان رجل صالح للعمل , فما دام في المجتمع رجال متعطلون , فعمل المرأة إضرار بهم .
5. مضرة على العمل نفسه : لأن المرأة كثيرة التخلف والغياب عن العمل , لكثرة العوارض الطبيعية التي لا تملك دفعها , من حيض وحمل ووضع وإرضاع وما شابه ذلك , وهذا كله على حساب انتظام العمل وحسن الإنتاج فيه .
6. مضرة على الأخلاق : أخلاق المرأة إذا فقدت حياء النساء , وأخلاق الرجل إذا فقد غيرة الرجال , وأخلاق الجيل إذا فقد حسن التربية والتهذيب منذ نعومة الأظفار , وأخلاق المجتمع كله إذا أصبح كسب المال وزيادة الدخل هو الهدف الأكبر , الذي يسعى إليه الناس , ولو على حساب القيم الرفيعة , والمثل العليا .
7. مضرة على الحياة الاجتماعية: لأن الخروج على الفطرة , ووضع الشيء في غير موضعه الذي اقتضته هذه الفطرة , يفسد الحياة نفسها , ويصيبها بالخلل والتخبط والاضطراب .
متى يجوز للمرأة أن تعمل
هل يفهم من هذا أن عمل المرأة حرام أو ممنوع شرعا بكل حال ؟
كلا , وينبغي أن نبين هنا إلى أي مدى , وفى أي مجال , تجيز الشريعة للمرأة أن تعمل .
هذا ما نحدده بإيجاز ووضوح أيضا , حتى لا يلتبس الحق بالباطل في هذه القضية الحساسة . إن عمل المرأة الأول والأعظم الذي لا ينازعها فيه منازع , ولا ينافسها فيه منافس , هو تربية الأجيال , الذي هيأها الله له بدنياً , ونفسياً , ويجب ألا يشغلها عن هذه الرسالة الجليلة شاغل مادي أو أدبي مهما كان , فإن أحداً لا يستطيع أن يقوم مقام المرأة في هذا العمل الكبير , الذي عليه يتوقف مستقبل الأمة , وبه تتكون أعظم ثرواتها , وهي الثروة البشرية .
ورحم الله شاعر النيل حافظ إبراهيم حين قال :
الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعباً طيب الأعراق
وهذا لا يعنى أن عمل المرأة خارج بيتها محرم شرعاً , فليس لأحد أن يحرم بغير نص شرعي صحيح الثبوت , صريح الدلالة , والأصل في الأشياء والتصرفات العادية الإباحة كما هو معلوم .
وعلى هذا الأساس نقول : إن عمل المرأة في ذاته جائز , وقد يكون مطلوباً إذا احتاجت إليه , كأن تكون أرملة أو مطلقة , أو لم توفق للزواج أصلاً , ولا مورد لها ولا عائل , وهي قادرة على نوع من الكسب يكفيها ذل السؤال أو المنة .
وقد تكون الأسرة هي التي تحتاج إلى عملها كأن تعاون زوجها , أو تربي أولادها , أو إخوتها الصغار , أو تساعد أباها في شيخوخته , كما في قصة ابنتي الشيخ الكبير التي ذكرها القرآن الكريم في سورة القصص , وكانتا تقومان على غنم أبيهما , قال تعالى : ( ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان , قال ما خطبكما , قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء , وأبونا شيخ كبير) .
وقد يكون المجتمع نفسه في حاجة إلى عمل المرأة , كما في تطبيب النساء وتمريضهن , وتعليم البنات , ونحو ذلك من كل ما يختص بالمرأة . فالأولى أن تتعامل المرأة مع امرأة مثلها , لا مع رجل , وقبول الرجل في بعض الأحوال يكون من باب الضرورة التي ينبغي أن تقدر بقدرها , ولا تصبح قاعدة ثابتة . ومثل ذلك إذا احتاج المجتمع لأيد عاملة , لضرورة التنمية .
وإذا أجزنا عمل المرأة , فالواجب أن يكون مقيداً بعدة شروط :
1. أن يكون العمل في ذاته مشروعاً , بمعنى ألا يكون عملها حراماً في نفسه , أو مفضياً إلى ارتكاب حرام , كالتي تعمل خادماً لرجل أعزب , أو سكرتيرة خاصة لمدير تقتضي وظيفتها أن يخلو بها وتخلو به , أو راقصة تثير الشهوات والغرائز الدنيا , أو عاملة في « بار » تقدم الخمر التي لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم ساقيها وحاملها وبائعها .. أو مضيفة في طائرة يوجب عليها عملها التزام زي غير شرعي , وتقديم ما لا يباح شرعاً للركاب , والتعرض للخطر بسبب السفر البعيد بغير محرم , بما يلزمه من المبيت وحدها في بلاد الغربة , وبعضها بلاد غير مأمونة , أو غير ذلك من الأعمال التي حرمها الإسلام على النساء خاصة أو على الرجل والنساء جميعا .
2. أن تلتزم أدب المرأة المسلمة إذا خرجت من بيتها : في الزي والمشي والكلام والحركة : ( ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها ) , ( ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن ) , ( فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولاً معروفاً ) .
3. ألا يكون عملها على حساب واجبات أخرى لا يجوز لها إهمالها كواجبها نحو زوجها وأولادها وهو واجبها الأول وعملها الأساسي .
والمطلوب من المجتمع المسلم : أن يرتب الأمور , ويهيئ الأسباب , بحيث تستطيع المرأة المسلمة أن تعمل - إذا اقتضت ذلك مصلحتها أو مصلحة أسرتها , أو مصلحة مجتمعها - دون أن يخدش ذلك حياءها , أو يتعارض مع التزامها بواجبها نحو ربها ونفسها وبيتها , وأن يكون المناخ العام مساعداً لها على أن تؤدى ما عليها , وتأخذ ما لها . ويمكن أن يرتب لها نصف عمل بنصف أجر ( ثلاثة أيام في الأسبوع مثلاً ) . كما ينبغي أن يمنحها إجازات كافية في أول الزواج , وكذلك إجازات الولادة والإرضاع .
ومن ذلك : إنشاء مدارس وكليات وجامعات للبنات خاصة , يستطعن فيها ممارسة الرياضات والألعاب الملائمة لهن , وأن يكون لهن الكثير من الحرية في التحرك وممارسة الأنشطة المختلفة .
ومن ذلك : إنشاء أقسام أو أماكن مخصصة للعاملات من النساء في الوزارات والمؤسسات والبنوك , بعداً عن مظان الخلوة والفتنة .
إلى غير ذلك من الوسائل التي تتنوع وتتجدد , ولا يسهل حصرها .
والله يقول الحق , وهو يهدي السبيل .
الرد علي شبهات النصاري
الرجوع الي ردود يوسف القرضاوي على شبهات النصارى
الرجوع الي الرد علي شبهات النصارى حول الإسلام
|
| |
 |
|
 |
| روابط ذات صلة |
 |
|
 |
| تقييم المقال |
المعدل: 5 تصويتات: 4

|
 |
|
 |
| خيارات |
|