الإمام ابن القيم الجوزية
سأقيم لبني إسرائيل نبيا من إخوتهم مثلك اجعل كلامي في فيه ويقول لهم ما آمره به والذي لا يقبل قول ذلك النبي الذي يتكلم باسمي أنا انتقم منه ومن سبطه "
فهذا النص ما لا يمكن أحدا منهم جحده وإنكاره؛ ولكن
لأهل الكتاب فيه أربعة طرق " أحدها " حمله على
المسيح وهذه طريقة النصارى
وأما اليهود فلهم فيه ثلاثة طرق " أحدها " إنه على حذف أداة الاستفهام، والتقدير أءقيم لبني إسرائيل نبيا من إخوتهم أي لا أفعل هذا، فهو استفهام إنكار حذفت منه أداة الاستفهام. " الثاني " إنه خبر ووعد ولكن المراد به شمويل النبي فإنه من بني إسرائيل، والبشارة إنما وقعت بنبي من إخوتهم، وإخوة القوم هم بنو أبيهم، وهم شأنهم وهم ينتظرونه إلى الآن. وقال المسلمون البشارة صريحة في النبي صلى الله عليه وسلم العربي الأمي محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه لا يحتمل غيره؛ فإنها إنما وقعت بنبي من إخوة بني إسرائيل لا من بني إسرائيل نفسهم، والمسيح من بني إسرائيل، فلو كان المراد بها هو المسيح لقال أقيم لهم نبيا من أنفسهم، كما قال تعالى: (لَقَد مَنّ اللَهُ عَلى المُؤمنينَ إذ بَعَثَ فيهِم رَسولاً مِن أَنفُسِهِم) وإخوة بني اسرائيل هم بنو إسماعيل، ولا يعقل في لغة أمة من الأمم أن بني إسرائيل هم اخوة بني إسرائيل، كما أن إخوة زيد لا يدخل فيهم زيد نفسه، وأيضا فإنه قال " نبيا مثلك " وهذا يدل على أنه صاحب شريعة عامة مثل موسى، وهذا يبطل حمله على شمويل من هذا الوجه أيضا،
ويبطل حمله على يوشع من ثلاثة أوجه: " أحدها " إنه من بني إسرائيل لا من إخوتهم " الثاني " إنه لم يكن مثل موسى، وفي التوراة لا يقوم في بني إسرائيل مثل موسى " الثالث " أن يوشع نبي في زمن موسى، وفي التوراة لا يقوم في بني إسرائيل مثل موسى " الثالث " إن يوشع نبي في زمن موسى، وهذا الوعد إنما هو بنبي يقيمه الله بعد موسى. وبهذه الوجوه الثلاثة يبطل حمله على هارون عليه السلام مع أن هارون توفي قبل موسى، ونبأه الله مع موسى في حيابتهن ويبطل ذلك من وجه " رابع " أيضا وهو أن في هذه البشارة أنه ينزل عليه كتابا يظهر للناس من فيه وهذا لم يكن لأحد بعد موسى غير النبي صلى الله عليه وسلم وهذا من علامات نبوته التي أخبرت بها الأنبياء المتقدمون، قال تعالى: (وَإِنّهُ لَتَنزيلُ رَبِ العالَمين، نَزَلَ بِهِ الروحُ الأَمين عَلى قَلبِكَ لِتَكونَ مِنَ المُنذَرينَ، بِلسانٍ عَربي مُبين وَإِنّهُ لَفي زُبرِ الأَولين، أو لَم يَكُن لَهُم آَيةٌ أَن يَعلَمَهُ عُلماءُ بَني إسرائيل) فالقرآن نزل على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم وظهر للأمة من فيه، ولا يصح حمل هذه البشارة على المسح باتفاق النصارى لأنها إنما جاءت بواحد من إخوة بني إسرائيل، وبنو إسرائيل وإخوتهم كلهم عبيد ليس فيهم إله، والمسيح عندهم إله معبود، وهو أجل عندهم من أن يكون من إخوة العبيد، والبشارة وقعت بعبد مخلوق يقيمه الله من جملة عبيده وإخوتهم، وغايته أن يكون نبيا لا غاية له فوقها وهذا ليس هو المسيح عند النصارى. وأما قول المحرفين لكلام الله " إن ذلك على حذف ألف الإستفهام وهو إستفهام إنكار والمعنى لا أقيم لبني إسرائيل نبيا. فتلك عادة لهم معروفة في تحريف كلام الله عن مواضعه والكذب على الله، وقولهم لما يبدلونه ويحرفونه هذا من عند الله، وهذا التحريف والتبديل من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم التي أخبر بها عن الله من تحريفهم وتبديلهم، فاظهر الله صدقه في ذلك لكل ذي لب وعقل، فازداد إيمانا إلى إيمانه، وازداد الكافرون رجسا إلى رجسهم.
الإمام ابن القيم
الرجوع الي
الدليل والبرهان - دلائل نبوة محمد
مواضيع مشابهة براهين سعيد حوى