دخلنا و كمال سليم، احد «الارهابيين الثلاث»، واقف يتكلم امام ميكروفون منصوب على الزاوية الشمالية. اثنان آخران يجلسان على طاولة في وسط المسرح.
نفس الرقم: ثلاثة ارهابيين. اثنان منهم ظهرا سابقاً على قناة «سي ان 8»، مع شخص ثالث اسمه ابراهيم عبدالله، لم يكن معهما في القاعة. كمال سليم، كان الوجه الجديد هذه المرة. تساءلت: اين ذهب ابراهيم عبدالله «الارهابي الثالث» الذي كان في المقابلة التلفزيونية وزعم انه من مواليد مدينة ديربورن. لكن سرعان ما اشعل دماغي محركات الدفع الرباعي وبدأت اشم رائحة الكذب في تلك المسرحية
سيئة الاخراج. تذكرت فرقة الـ«القطط الاربعة» (فور كاتس) الغنائية في لبنان، فكلما كانت تنسحب إحدى المغنيات من الفرقة لأسباب يعلمها المولى عز وعلا وغسان الرحباني، يزج الاخير قطة جديدة (مغنية) لتحل مكان المنسحبة. ليس المهم من تغني، المهم ان يكنّ اربعة قطط. فهل عزّ الامر على مروّجي هذه الندوة ليعتقدوا ان الكذبة لن توحي بالصدق الا ان كان «الممثلون» دائماً ثلاثة إرهابيين؟
لنبدأ بهم واحدا واحدا، مستعملين اسلوب نقد الاداء ومن ثم المضمون:
كمال سليم
لم تخل كلمة كمال سليم من مقاطعة المعترضين، وتطايرت في القاعة صرخات «كاذب» و«صهيوني» يمينا وشمالا. كان يبدو على المتكلم التوتر الحاد. انكليزيته سليمة، واضح انها لغته الاولى، وليست الثانية. فمخارج الحروف العربية لا توحي بأنه ولد ونشأ في فلسطين كما يدّعي. وهناك استحالة، طبقا لعلم اللغات، ان ينسى الانسان النطق بلغته الام التي نشأ عليها. قد ينسى التعابير ان لم يستعملها، لكنما محال مثلا على العربي ان ينسى كيفية نطق الاحرف «ع» او «ح» او «ق»، لأن اوتاره الصوتية اذا انجبلت على النطق بحروف اللغة الام اكتسبت تلك الخاصية مدى الحياة. ظهر ذلك جليا عندما اراد كمال سليم ان يستشهد بآيات قرآنية اذ كان نطقه مشابها لنطق الاميركي الذي اكتسب اللغة العربية بالتعلم لا بالوراثة عن بيئته. اما الزلة الاكبر فهي عندما استشهد بآية من سورة البقرة. وعندما اراد ان يلفظ اسم السورة اخطأ بالقراءة وقال سورة «البَرَأة». كان سليم أول «بيدق» يسقط في هذه «المسرحية» فهل يكون الآخران أكثر صدقاً؟
قصة كمال سليم ايضا لم تكن بتلك القصة المحبوكة جيداً. فكاتبها (اكيد ليس كمال نفسه) لم يلحظ التفاصيل الدقيقة في الثقافة العربية التي لا يعرفها الا ابناء البيئة. حتى رواية القصة توحي بأن راويها يسترجعها من ذاكرة حافظة وليس من حياة مُعاشة. ذكرني ذلك بمراحل الابتدائية عندما كان يقف زملاء لي في الصف يسمّعون الانشاء للمعلمة. يختلف الامر كليا عندما يروي الطالب قصة حدثت معه بالفعل. يضطر كمال سليم ان ينظر الى الورقة، عندما تخونه الذاكرة، لكي يروي القصة، ليرميه احد الغاضبين بالاعتراض على هذه
المهزلة: «انه يقرأ من الورقة». لكن المتعاطفين (بالاحرى الكارهين للمسلمين والمتشددين الانجيليين) اكثر من المعترضين. يمنح ذلك المتكلم بعض الدعم ليشد به أزره.
يروي كمال انه انضم الى الجماعات الارهابية عند السابعة، وكان عمله «ينحصر في توظيف المقاتلين». وانه كان في المعركة عندما «اصيب اخوه وحمله على ظهره ورجع فيه الى مكان آمن»!! لا يحدث ذلك الا في الافلام. وعندما اراد ان يقول خلاصة تجربته ظهر الهدف الحقيقي لكل هذه المسرحية: «لماذا ينتقدون اسرائيل على خرقها حقوق الانسان، اذا كان الفلسطينيون اصلا لا يعرفون حقوق الانسان ويمارسون كل هذا
الارهاب».
مستحيل على فلسطيني عاش في فلسطين وشهد كل الدمار والظلم الاسرائيلي ان يقول ذلك. الم يجد المروجون لهذا الكذب الا كمال سليم ليقوم بهذا الدور.
وليد شعيبات
اما وليد شعيبات، الذي يقدم نفسه على انه مؤلف كتب و«ارهابي سابق» وتربى على العنف، فله قصة رومانسية يذكرها في موقعه الالكتروني: لقد درس التوراة لكي «يؤسلم» زوجته، فما كان منه الا ان عرف الحقيقة! وادرك، بعد ستة اشهر فقط، ان اليهود ليسوا سيئين كما لُقن. وادرك انه كان الى جانب الشر عندما كان مسلماً. وبعد تلك «الرحلة الروحية»، رمى عن كاهله لباس الاسلام واصبح مدافعا عن اعدائه القدماء.
غريب ان تتطابق قصص الثلاثة الى هذا الحد. الم يكن عند مفبرك الرواية اوسع من تلك المخيلة السخيفة. للمصادفة، قصة عناني ايضا لا تخلُ من درامى على شاكلة الافلام العربية الرثة: كان قائدا ميليشياويا، قابل داعية مسيحياً، خاطبه بكلمات: «المسيح سيهبك الخلاص»، وفي اليوم التالي، نفض عنه كل بلل الوحل الارهابي، واصبح انسانا جديدا حرا. مع العلم ان كل الذين ينقلبون من فكر الى آخر يمرون لا محالة بمرحلة مخاض وشك وبحث فكري مضني وأرق ليلي، وسبات شتوي طويل قبل ان يستبدلوا جلدهم بآخر. شعيبات وعناني اختصرا المسافة كثيرا في عصر الصحون اللاقطة والاعراض الساقطة!
على كل، سأقف فقط على المغالطات التاريخية التي اوردها شعيبات. في تاريخ شعيبات، الذي لا اعرف من اين اتى به، «لم تكن الضفة الغربية الا ارضا محتلة من قبل المملكة الاردنية، ولم تفعل اسرائيل اكثر من تحريرها لأجل الفلسطينيين». لا تعليق. في تاريخه ايضا، ان العرب «عملوا على تهجير 800 الف يهودي من فلسطين»!
أولاً، لم يكن اليهود في فلسطين حتى ذلك الوقت اكثر من الثلث وممتلكاتهم كانت لا تزيد على 6٪ وذلك قبل قرار التقسيم، مع العلم ان اعداد اليهود مع كل هجراتهم بعد التقسيم لم يتعد النصف مليون.(ديفيد هرست، «البندقية وغصن الزيتون»، ص 294، الطبعة العربية 2003). فمن اين جاء بهذا الرقم. بالطبع لم يقرأ كتاب اليهودي ديفيد هرست الذي ذكر فيه ان قيام دولة اسرائيل في 1948 صاحبه تهجير 800 الف فلسطيني، وليس العكس. وهذا الكتاب هو بمثابة «شاهد من اهله» ناهيك عن المصادر الاخرى التي لا مجال لذكرها ههنا.
في عقلية مزوري التاريخ، يصبح الكذب وسيلة تضليل. فهو ان لم ينطلِ على العارفين، فلا بد ان يخلق على الاقل بلبلة عند المتعاطفين مع اسرائيل من الاميركيين البسطاء المحبين للسلام. فإذا امتنع على الظالم ان ينكر اجرامه فيكفيه بعقلية الرعاع ان يثبت خطأ المظلوم ليشرع افعاله. لذلك يقر شعيبات ان الاسرائيليين يقتلون الفلسطينيين، فهو لا يستطيع ان ينكر حقائق «الجزيرة» بعد ان كشفت عن عورة الاحتلال. لكنه يضعك امام معضلة تبرر خطأ الظالم. لذلك روى كيف قتل جنود اسرائيليون ابن عمه الذي كان معه في سيارة تحتوي على قنبلة! مبرر هذا القتل، اليس كذلك، لأن في السيارة قنبلة. فما بال الاف الذين قتلوا تحت ردم منازلهم وهم نيام، وما بال الاطفال الذين قتلوا وهم يرمون الحجارة. هل كانت حجارة محشوة باليورانيوم! لا اجابات في قصة شعيبات عن هذه الأسئلة لأنه يعتقد انه يتوجه الى جمهور اخرق!
زكريا عناني
اما زكريا عناني فقد استشهد بامور سخيفة جدا وحجج غير جدية تدل على سطحية مفرطة في فهم الفقه الاسلامي وعلوم القرآن واسباب التزيل.
فقد اجرى عناني قياسا فقهيا فاسدا، يخالف صريح الفقه، ما بين فريضة الصيام الواجبة على المسلمين دائما وفريضة الجهاد. اذ جاء باستنتاج غريب، مستشهدا بالاية «كتب عليكم الصيام» التي جاءت دون قيد زمني و آية «كتب عليكم القتال» ليستنتج ان الجهاد «واجب على المسلمين ليقاتلوا المسيحيين واليهود في كل مكان، ليس دفاعا عن ارض معينة في مكان محدد».
اولا من ناحية الاستدلال العقلي، يقوّل عناني الآية اكثر مما تقول. وتعريف مفردات القرآن يعتمد على سياق القرآن كله. فكيف يقول القرآن «فإن جنحوا للسلم فاجنح لها»، اذا كان القتال في الاسلام هجوميا وليس دفاعيا، كما يزعم عناني. اما الآية «واعدوا لهم ما استطعتم» فتعني التجهز للدفاع واليقظة وليس التربص للانقضاض والغدر. اما من الناحية العملية فالتاريخ يحكي نفسة وعمل النبي محمد والخلفاء من بعده لا يمكن ان يناقض صريح القرآن. والتاريخ الاسلامي يظهر ان المسلمين لم يقاتلوا بعد ان استتبت لهم البلاد الا دفاعا عن النفس. اما الفتوحات الاسلامية فهي كانت سمة العصر القديم. فكل الحضارات كانت تتوسع بنفس الطريقة. استمر ذلك الى القرن التاسع عشر عندما اتخذت التوسعات البريطانية والبرتغالية نفس المنهج. مع العلم ان التوسع الاسلامي كان اسرع توسع واقل دموية من كل الفتوحات عبر التاريح كما ذكر صاحب كتاب «قصة الحضارة»، وول ديورانت.
على كل لن نتوقف كثيرا امام مغالطات عناني التي يظهر منها مدى سخفه وبساطة ادعاءاته، فحمله اوراقا وكتابا عربيا بين يديه ولبسه نظارات ينظر الى الحاضرين من فوقها لن يجعل منه ناقدا اكاديميا.
فيما يلي سأكتفي بإيراد مغالطات عناني التاريخية وإيراد الرد عليها من كتاب «تاريخ الحضارة» الذي يمثل تحفة الانتاج الاكاديمي في تاريخ التأليف الغربي، ينقسم الى 11 جزء ويحتوي على مليوني كلمة، كتبه وول ديورانت، ليشمل في طياته كل التاريخ البشري في عمل ضخم كرس له حياته. (طبعة عربية ترجمة لجنة من المختصين باشراف جامعة الدول العربية)
يتهم عناني «القرآن بالحض على العنف». وأن «الحضارة الاسلامية انتشرت بالهمجية». يقول ديورانت في ص 4476 عن النبي محمد وثورته «وإذا ما حكمنا على العظمة بما كان للعظيم من أثر في الناس قلنا إن محمداً كان من أعظم عظماء التاريخ».
يزعم عناني ان الفتوحات العربية كانت احتلالا ولم تكن دعوة للتحرير، في محاولة للمقاربة فيما بين الفتوحات وما يفعله بوش. في الصفحة 4488 من الكتاب نفسه، يذكر ديورانت: «وحدث أن بعض القبائل العربية الضاربة في بلاد الشام رفضت المسيحية والخضوع للدولة البيزنطية، وصدت جيوش الإمبراطورية، وأرسلت تطلب النجدة من المسلمين، فأرسل إليها أبو بكر المدد، وعمل على نشر كراهية الدولة البيزنطية بين القبائل العربية». فهل هذا يعد تحريرا ام غزوا ايها المؤرخ المخضرم؟
يزعم عناني ان في الاسلام لا يوجد اسرى حرب وان الدين عنيف لدرجة ان المهزومين يخيرون بين القتل او الاسلام. في صفحة 4502 يقول ديورانت «ولم يكن الأعداء يخيرون بين الإسلام والسيف، بل كان الخيار بين الإسلام والجزية والسيف. وكانت هناك أخيراً أسباب حربية للغزو والفتح: ذلك أنه لما تضاعف عدد الجيوش العربية الظافرة ومن انظم إليها من المجندين كان لا بد من الزحف بهم إلى أرضين جديدة يفتحونها ليحصلوا منها على طعامهم وأجورهم إن لم يكن لغير ذلك من الأسباب. ونشأ من تقدمهم قوة هذا التقدم الدافعة، فكان كل نصر يتطلب نصراً جديداً، حتى أصبحت الفتوح العربية-التي كانت أسرع من الفتوح الرومانية، وأبقى على الزمان من الفتوح المغولية- أعظم الأعمال إثارة للدهشة في التاريخ الحربي كله».
واخيرا يزعم العبقري المفوة الذي لم يقرأ التاريخ ولا حتى الفقه الاسلامي كما يدعي، ان القرآن مليء بالترهيب والتخويف لكن هذا الأمر لم يكن حال القرآن وحده، فقد اشتركت اليهودية في كتابها مع هذا المبدأ. يذكر ديورانت في كتابه ايضا ما يلي: «والمحور الذي تدور عليه المبادئ الأخلاقية في القرآن، كما هي الحال في كتاب العهد القديم، هو خوف العقاب ورجاء الثواب في الحياة الآخرة» (ص 4485). ولم يشتمل الانجيل على هذا القدر من الترهيب والترغيب لأنه لم يحمل مشروع دولة بل فقط مشروعا اخلاقيا لبناء الفرد.
علي سليمان
المسلمون حول العالم
"