'وعلى شاكلة هذا السؤال تتمحور أسئلة أخرى حول من قام بالتسريب أو التهريب؟, وما الهدف من وراء ذلك؟, وهل للتوقيت القريب من الانتخابات البرلمانية دلالة معينة؟ أو هل لتسريبها أو تهريبها في هذا الشهر الفضيل ـ شهر رمضان المبارك ـ الذي تكون فيه العاطفة الإيمانية عند المسلمين في أوجها غرض ونية مبيته؟
هذه الأسئلة وغيرها تفرض نفسها على طاولة البحث, وقد يلف الغموض بعضها إلى حين, ولكن ثمة وقفات ما يجب أن نقفها مع دلالة الحدث المجردة من التخمينات والأسئلة التي تنتظر إجابة, قد يطول انتظارها.
الوقفة الأولى:
أن الإساءات القبطية للإسلام والمسلمين قد تتم داخل الكنيسة بصورة تكاد تكون متكررة واعتيادية, وبمباركة القساوسة ذاتهم, ولكن هذه هي المرة الأولى فيما نعلم التي يتم فيه نشر الإساءة والتجاوزات خارج الكنيسة بمثل هذه الصورة الفجة.
تلك الحادثة في صورتها هذه تعطى دلالة على تجاوز الأقباط في مصر لكافة الخطوط والأعراف في محاولتهم الدءوبة لفرض أجندتهم على البلاد, مستغلين حالة الضعف إلى تمر بها.
والذي يثير الكثير من الشكوك حول الغاية من ترويج هذه الاسطوانة التي تعرض منذ سنتين في الكنيسة أنها جاءت متزامنة مع عقد المؤتمر الدولي الثاني لأقباط المهجر بواشنطن والذي يعقد تحت عنوان 'غياب الديمقراطية وحرية الأديان بالشرق الأوسط' والذي يرأسه المصري المهاجر عدلي ابادير ويشارك فيه من مصر عديد من الأقباط, كما يشارك به سعد الدين إبراهيم مدير مركز بن خلدون المعروف بولائه المشبوهة للدوائر الغربية.
الوقفة الثانية
هي مع رئاسة الكنيسة البابا شنودة الثالث, فرغم ما يعلنه الرجل من شعارات للوحدة الوطنية والسلام الاجتماعي في كل المحافل فإننا نفتقر كثيرا لرؤية مواقف من مواقفه تثبت لنا التطبيق العملي لتلك الشعارات الإعلامية وهو الأمر الذي دعا كثيرا من المحللين السياسيين يتهمونه منذ توليه البابوية بتبنيه مواقف كلها تصب في خانة التهييج والإثارة صمتا وكلاما.
وبنظرة سريعة تجاه عدة مواقف سنجد الأتي :
ـ في القريب هذه الحادثة الماثلة أمامنا, حيث طالب الشعب السكندري باعتذار البابا شنودة عن المسرحية الإجرامية 'كنت أعمى والآن أبصر', وهو ذات المطلب الذي ارتأته القيادات الأمنية والشعبية في المدينة حتى يعود الهدوء إلى المتظاهرين الغاضبين على حرمة دينهم, ولكنه يرفض حتى الآن الحديث عن الواقعة أو تقديم الاعتذار المطلوب تاركا 'الأمور تتفاعل بصورة طبيعية', وهو ذات الموقف الذي تتشبث به الكنيسة تحت زعم أن المسرحية عمل فني لا يتعرض لأي دين.
ـ خلال شهر ديسمبر الماضي شغلت الأوساط المصرية والعالمية لأسابيع عدة بحادثة إسلام السيدة وفاء قسطنطين زوجة قس أبو المطامير, حيث روجت الكنيسة في حينه شائعات مثيرة ومغلوطة أدت إلى اشتعال المظاهرات والاحتجاجات القبطية ووقعت مصادمات بين الأمن و الشباب القبطي المعتصم أدت إلى إصابة 55 من رجال الأمن وإتلاف عدد من السيارات ولم يكن للبابا موقفا يذكر في تهدئة الموقف بل أعلن الاعتصام في الدير اعتراضا وغضبا .
ـ في حادثة الكشح الأولى التي وقعت في 15 أغسطس 1998 واتهم فيها الأقباط الشرطة بممارسة الاضطهاد ضدهم رفض البابا شنودة إصدار بيان لتهدئة الموقف المشتعل, ولكن وعقب المحاكمة التي تمت في حادثة الكشح الثانية والى وقعت في 31 ديسمبر 1999عقب على حكم المحكمة بقوله:' نصرخ إلى عدله الإلهي دماء عشرين قبطيا سالت على أرض الكشح في صعيد مصر وتصرخ معها دماء أخوة لهم سالت في أبو قرقاص و في دير المحرق و في ديروط و صنبو وفي التوفيقية بسمالوط وفي منشأة دملو وفي غير ذلك تصرخ إلى عدله النهائي، وإن لم تجد إنصافا على الأرض فهي تطلب الإنصاف من الله وحده وهو مصدر كل عدل'.
الوقفة الثالثة
هي مع القيادة الدينية الرسمية في مصر والممثلة في شيخ الأزهر محمد سيد طنطاوي, الذي لم ينبس ببنت شفه لتبيين الموقف وإجلائه , وهكذا في مجمل الحوادث التي تدور بين المسلمين والأقباط لائذا بالصمت تجده مكتفيا بسياسية القبلات كلما جمعه جامع مع أحد القسيسين أو الكهنه
ففي ظل الأزمة التي عاشها المجتمع المصري في حادثة وفاء قسطنطين لم نسمع من الرجل إلا دعوته لقسطنطين بالصبر[!!] تاركا الأمر لأصحاب السياسية باعتباره موظفا حكوميا لا يتحدث في الشؤون العامة إلا إذا طلبت منه الحكومة ذلك, في حين أن القبلات والأحضان متاحة ومعه بها تصريحا وتفويضا مفتوحا.
أضف إلى ذلك فتاوى الرجل ومواقفه التي تطرح أنشودة محبه لصديقة الراحل يوحنا بولس الثاني الذي اعتبره 'رجل سلام ومحبة وأنا أكن له كل حب وتقدير, وأدعو الله العلي القدير أن يتم له الشفاء ويزيده عافية', واصفاً إياه بأنه 'علامة مضيئة في تاريخ الحضارات التي تتلاقى وتتعاون على الخير والمنافع' وأنه لا يتعامل مع مرضه إلا بـ'مشاعر صاحب عقل سليم وخلق كريم يؤدي واجبه رغم المرض، ولا يتمسك بها إلا من أعطاهم الله صدق العزيمة والإخلاص وصدق النية في العمل'. [إذاعة
الفاتيكان 5/3/2005].
إن هذه المواقف وغيرها تسقط بلا ريب المؤسسة الدينية الرسمية في نظر العامة, وهو ما نحسبه أمر شديد الخطورة, إذ أن الساحة ستظل في هذه الحالة بلا مرجعية تعتمد عليها السلطات في مثل هذه الحالات, في ضوء اتهامها لبقية العلماء وطلاب العلم بالإرهاب والتطرف مما أوجد خصومة ممتدة المفعول .
نقول إن الحفاظ على استقلالية المؤسسة الدينية الرسمية في مصر والحفاظ على رجالاتها رغم كونه مطلبا عزيزا إلا أنه ضروري للغاية في ظل الأجواء المتوترة حاليا والمرشحة للتصعيد بين المسلمين والأقباط حتى يصدر العامة عن رأي حكيم يطمئنون له لا بوقا حكوميا لا يلقي احد له بالا ولا يعيرون لأقواله انتباها.
الوقفة الرابعة
مع الرؤية إلى تصدر منها السلطات في معالجة مشكلات المجتمع ومنها مشكلة الأقباط التي تزداد وتيرتها يوما بعد يوم, فسياسية الصمت والتجاهل الغالبة في معالجة غالب مشكلات المجتمع المصري أثبتت فشلا ذريعا, فما تحل المشكلة بتجاهلها وغمض العين عنها وإنما بدراسة أسبابها والوقوف على 'روشتة علاجية' ناجعة للازمة, وهو ما نراه غير مطروح بالمرة.
فما تحركت الحكومة في قضية وفاء قسطنطين إلا بعدما كثرت الشائعات وخرج الأمر عن حد السيطرة, واكتفت بدفن القضية وتسليم السيدة إلى الكنيسة متغافلة عن التداعيات التي تعقب ذلك, ولم تتحرك إلا على المستوى الأمني فقط في حادثة المسرحية الهزيلة التي عرضتها
كنيسة ماري جرجس, ولم تمارس حتى الآن أي قدر من نفوذها في وضع حد للتجاوزات القبطية التي تسببت في اشتعال الأزمة, واكتفت بعصا الأمن للتغلب على الموقف المشتعل.
ونحن نقول إن رؤية واضحة لخريطة الأزمات التي يعانيها المجتمع وفي مقدمتها التطاول القبطي على مقدسات المسلمين وارتفاع سقف المطالب الكنسية التي تتدثر بالخارج وتحتمي به لهي من الأولويات العاجلة للحكومة قبل تفجر الأوضاع بصورة تستعصي على عصا الأمن وتقوض أي إنجاز في أي مجال آخر.
الوقفة الخامسة
المتأمل للمظاهرات التي اندلعت عقب ترويج هذه المسرحية سيجد أنها مظاهرات 'غير مسيسة' فلا تقف وراءها جماعة تسعى لحصد أصوات انتخابية ولا أخرى تسعى لإثبات وجودها في الشارع المصري, بل هي وإن صح التعبير انتفاضة غضبية من أجل الدين يقودها العامي الذي لم يرض باستباحة دينه ولا انتهاك حرمة نبيه.
هذه المظاهرة تعطي دلالة واضحة أن الشارع المصري انتفض وأنه ربما بلا قيادة قادر على التحرك والتعبير عن شعوره واضعا خطا فاصلا بين القبول على مضض بشظف المعيشة وضنك السياسية وبين المحرم من دين وقداسة.
الوقفة الأخيرة
هي تخوف من استغلال الحادثة بصورة عكسية, بحيث يصور الأمر في النهاية على أنه 'محاربة للإبداع والفن', وان الأقباط في البلاد ليس لهم حتى إظهار قدراتهم الفنية والإبداعية, وان تجربة في هذا الصدد كلفتهم حصار كنيسة لعدة أيام ورشقها بالحجارة وإرهاب أهلها!!
ومما يعزز هذه المخاوف أن الكنيسة التي روجت للمسرحية تستضيف العديد من المراسلين, ومن بينهم مراسلو رويترز وBBC ووكالة الأنباء الفرنسية, فضلا عن مراسلين لبعض الصحف ومحطات التلفزة الأمريكية, كما أن فريقا من داخل الكنيسة يقوم بإمداد مواقع أقباط المهجر كل نصف ساعة بتطورات الأحداث بالمبالغة فيها .[ المصريون22/10/2005].
هذه المخاوف تحتم تدخل عناصر حكيمة سواء على المستوى الإعلامي والسياسي لاستغلال الحدث محليا وإعلاميا وإفشال التصعيد القبطي ووضع حد للأجندة الكنسية التي تحاول فرض نفسها على البلاد.
مفكرة الإسلام
المسلمون حول العالم