وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا
إن ما قاله القرآن هنا ليجرى فى عكس الاتجاه الذى يلوى القُمّصُ الغبىُّ الآيةَ نحوه، فالقرآن يقول: "ما المسيح بن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل" (المائدة/ 75)، ومعناه أن المسيح لا يمكن أن يكون إلها أو ابن إله، إنما هو واحد من الرسل الكثيرين الذين مَضَوْا من قبله، فكما كانوا بشرا فهو أيضا مثلهم بشر من البشر. وعلى أية حال فقد قيل الشىء نفسه عن محمد عليه الصلاة السلام، وبنفس التركيب، وهذا هو: "وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل" (آل عمران/ 144)، وكان ذلك حين ظُنّ فى معركة أُحُد أنه قد مات (صلى الله عليه وسلم، ومسح الأرض بكرامة من يتطاول عليه من كل كلب وثنى عابد للبشر عُتُلٍّ زنيم)، فقال الله لهم إن محمدا ليس إلا رسولا كسائر الرسل الذين سبقوه، وسيموت كما ماتوا، ولا معنى لانقلاب أحد على عقبيه بعد موته، لأن اللهَ صاحبَ الدين حىٌّ لا يموت، أما محمد فلم يكن إلا رسولا جاء ليبلغ العِبَاد دعوة الله!
ومما يظن الأحمق أنه يستطيع الشغب به على المسلمين قوله إن عيسى كان مبارَكا، أما محمد فلا. ولا أدرى من أين له بأن عيسى وحده هو الذى بورك دون الأنبياء جميعا. لقد ذكر القرآن، الذى يعتمد عليه أحمقنا فى محاولة التنقص من سيد الرسل والنبيين، أن البركة قد أُنْزِلَتْ على أشياء وأشخاص كثيرين، لا على عيسى وحده، كما أن البركة فى غير حالة عيسى عليه السلام قد تُذْكَر بلفظ آخر، أو يُذْكَر ما يزيد عليها فى الإكرام والمحبة. فبعض أجزاء الأرض قد باركها الله: "وأورثْنا القومَ الذين كانوا يُسْتَضْعَفون مشارق الأرض ومغاربها التى باركْنا فيها" (الأعراف/ 137)، والمسجد الأقصى بارك الله حوله: "سبحان الذى أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذى باركنا حوله" (الإسراء/ 1)، والموضع الذى رأى موسى فيه النار فى سيناء قد بارك الله حوله أيضا: "فلما جاءها نُودِىَ أنْ بُورِكَ مَنْ فى النار ومَنْ حولها" (النمل/ 8)، وإبراهيم وإسحاق قد بارك الله عليهما: "وباركنا عليه وعلى إسحاق" (الصافات/ 113)، وهناك نوح والأمم التى كانت مع نوح، وقد بارك الله عليه وعليهم حسبما جاء فى كلامه سبحانه له: "يا نوح، اهبط (أى من السفينة بعد انحسار الطوفان) بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك" (هود/ 48)، وهناك البيت الحرام، وقد باركه الله: "إن أول بيت وُضِع للناس لَلّذِى ببَكَّةَ مباركا وهدى للعالمين" (آل عمران/ 96)، وكذلك القرآن الكريم، وقد جعله الله مباركا أيضا: "وهذا ذِكْرٌ مباركٌ أنزلناه، أفأنتم له منكرون؟" (الأنبياء/ 50)، كما أن الليلة التى أُنْزِلَ فيها هذا الذكر هى أيضا ليلة مباركة: "إنا أنزلناه فى ليلة مباركة" (الدخان/ 3).
أما بالنسبة لنبينا، عليه وعلى كل الأنبياء الكرام أفضل الصلوات وأزكى التسليمات، فقد جاء فى القرآن أنه عز وجل يريد أن يُذْهِب الرِّجْس عن أهل بيته جميعا ويطهِّرهم تطهيرا: "إنما يريد الله لِيُذْهِب عنكم الرِّجْس أهل البيت ويطهِّركم تطهيرا" (الأحزاب/ 33) ، كما أثنى المولى عليه أعطر الثناء، وذلك فى قوله: "وإنك لعلى خُلُقٍ عظيم" (القلم/ 4) ، وقوله: "
وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" (الأنبياء/ 107)، وقوله: "لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيزٌ عليه ما عَنِتُّم حريصٌ عليكم بالمؤمنين رؤوفٌ رحيمٌ" (التوبة/ 128)، وقوله: "رسولاً يتلو عليكم آياتِ الله مبيِّناتٍ ليُخْرِج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور" (الطلاق/ 11)، وقوله: "من يُطِعِ الرسولَ فقد أطاع الله" (النساء/ 80)، وقوله: "إن الله وملائكته يصلّون على النبى. يا أيها الذين آمنوا َصَلُّوا عليه وسَلِّموا تسليما" (الأحزاب/ 56). والحق أن ما قاله سبحانه وتعالى فى تكريم حبيبه محمد فى هذه الآيات وغيرها لم ينزل مثله فى أى نبى آخر، وإن لم يكن مقصدنا هنا المقارنة بينه صلى الله عليه وسلم وبين إخوانه الكرام، اللهم إلا ردا على ذلك الأحمق الذى يريد أن يثيرها نعرة جاهلية رعناء. ولقد بلغ من عظمة نفسه عليه السلام ونبل أخلاقه أنْ نَهَى أتباعه عن تفضيله على أى من إخوانه الكرام كما يتبين من الأحاديث التالية: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: استبَّ رجلان: رجل من المسلمين ورجل من اليهود. قال المسلم: والذي اصطفى محمدا على العالمين. فقال اليهودي: والذي اصطفى موسى على العالمين. فرفع المسلم يده عند ذلك فلطم وجه اليهودي، فذهب اليهودي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بما كان من أمره وأمر المسلم، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم المسلم فسأله عن ذلك فأخبره، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تخيِّروني على موسى فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأصعق معهم فأكون أول من يفيق، فإذا موسى باطش جانب العرش، فلا أدري أكان فيمن صعق فأفاق قبل أو كان ممن استثنى الله". وعن أبي هريرة أيضا قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم. قال: ولو لبثتُ في السجن ما لبث يوسف ثم جاءني الرسول أجبتُ. ثم قرأ: فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن". وعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما ينبغي لعبد أن يقول إني خير من يونس بن متى".
ولم نكن لنحبّ أن ندخل فى هذا المضيق، إلا أن للضرورة أحكاما، إذ لم يكن متصوَّرا أن يهبّ الوثنيون فى هذا العصر فيتطاولوا على سيد الأنبياء جهارا نهارا، فكان لا مناص من إلجامهم بلجام الخَرَس حتى يعرفوا حدودهم ويلزموها فلا يُقِلّوا أدبهم عليه، أخزى الله كل وثنى حقير. وبالمناسبة فتكملة الآية الكريمة التى جاء فيها على لسان
المسيح أن الله قد جعله مباركا هى "وأوصانى بالصلاة والزكاة ما دمت حيا" (مريم/ 31). أى أنه عبد له سبحانه وتعالى لا ربٌّ مثله ولا ابنٌ له كما يدَّعى القوم، ولذلك أمره الله بالصلاة والزكاة ما دام حيا، إذ الرب لا يُؤْمَر ولا يُنْهَى، بل الذى يُؤْمَر ويُنْهَى هو العبد. لكن القُمّص البكاش الذى سيحرقه الله فى نار جهنم التى خلقت له ولأمثاله ما لم يَتُبْ ويؤمن بمحمد كما فعل كثير من القساوسة والأساقفة والقمامصة والشمامسة الذين كانوا يحاربون الله ورسوله ثم كتب الله لهم الهداية فيُقِرّ بالحقيقة التى يعرفها لكنه، ككل بكاش مثله، يكتمها فى قلبه من أجل حظوظ الدنيا وما يجنيه من مال حرام سوف يكويه فى جوفه يوم القيامة ويُشْوَى به جنباه ووجهه وظهره، هذا القُمّص البكاش يتجاهل هذا ولا يستشهد به حتى لا تنكشف فضيحته!
د إبراهيم عوض