يقول القمص إبراهيم لوقا
ومن بين تلك العجائب التي ذكرها القرآن عن المسيح قدرته على أن يخلق من الطين طيراً بنفخه فيه. وأنّ الباحث المنصف لا يستطيع أن يواجه شهادة كهذه جاء بها القرآن عن المسيح دون أن يرى فيها إقراراً صريحاً بسمو شخصية المسيح عن طبقة البشر. وعندما نواجه هذه الشهادة بآيات أخرى جاء بها القرآن في نفس الموضوع نجد أنها لا تقف عند حد إثبات امتياز المسيح عن البشر وحسب، ولكنها أيضاً تثبت لاهوته الممجَّد. فالقرآن صرح بأن قوة الخلق هي لله وحده دون سواه.
دعونا أولا نعرف القمص إبراهيم لوقا الفرق بين الخلق كتصوير أو تقدير
والخلق الإبداعي – بداية الخلق لغة التقدير والتصوير و يقال: خَلَقْتُ الأديمَ، إذا قَدَّرْتَهُ قبل القطع , قال زهير بن أبي سلمى المزني
وأراك تخلق ما فريت ... وبعض القوم يخلق ثم لا يفري
والخلق نوعان .. الخلق بمعني إيجاد الشيء من شيء أما النوع الثاني فهو الخلق الإبداعي بمعني إيجاد الشيء من لا شيء أو الخلق من عدم (
بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) البقرة :117
الخلق التقديري يقدر عليه كل الناس لا شك في ذلك وقد نسب الي المشركين في القرآن (
إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا ) العنكبوت : 17 – وإذا تدبرنا الآيات سوف نجد ان خلق
المسيح لم يكن أصلا معجز فكل منا يستطيع ان يصور من الطين كهيئة الطير لو كان هذا جائزا في شريعتنا .. أما المعجزة فهي تكمن في أنه ينفخ في الطير فيصير طيرا بإذن الله
وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (آل عمران : 49)
بدا المسح عليه السلام بدعوة النبوة ثم قدم برهانه فص رمن الطين كهيئة الطير أي استخدم مادة ليست من إبداعه ولو كان إلها لبدأ بدعوة الألوهية ثم خلق إنسانا خلقا ابداعيا بقول كن فيكون إنسانا دون ان يحتاج الي الطين ودون ان يقول بإذن الله أكثر من مرة
ماذا عن نفخ المسيح في الطير ؟
لا شك أنها معجزة مبهرة لكنه لم يفعلها بأمره بل بإذن الله الذي جعل عبده سببا كما جعل الملاك سببا في الخلق والإحياء والإماتة وأظهر أفعالا كثيرة من العباد ولكن يبقي الفاعل الحقيقي هو الله - إذن خلق الطير المذكور خالقه الله بواسطة المسيح عليه السلام وما أظهر الله في المسيح لم يتفرد به فالله يخلق بواسطة ملائكته
قال رسول الله صلي الله عليه وسلم
إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها ثم. قال يا رب أذكر أم أنثى فيقضى ربك ما شاء ويكتب الملك ثم يقول يا رب أجله. فيقول ربك ما شاء ويكتب الملك ثم يقول يا رب رزقه. فيقضى ربك ما شاء ويكتب الملك ثم يخرج الملك بالصحيفة فى يده فلا يزيد على ما أمر ولا ينقص
صحيح مسلم
من الواضح ان الحديث أضاف الخلق الي الملاك ولا يشك أحد ان الخالق المبدع هو الله , كذلك الخلق من الطين كهيئة الطير ونفح الروح فيه جاز ان يضاف الي المسيح كما جاز ان يضاف الخلق الي الملائكة , ونري أيضا ان الإماتة تضاف الي الله في القرآن وتضاف الي ملك الموت في موضع آخر والي الملائكة مرة أخري
اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا ( الزمر : 42 )
قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ( السجدة : 11 )
وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ ( الأنعام : 61 )
ونجد ان القرآن ينفي عنا الزرع كحقيقة ويبين إننا لسنا إلا سببا والخالق الحقيقي لما نزرع هو الله سبحانه وتعالي
أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (63) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (64) الواقعة
إن المشكلة الني وقع فيها
النصارى للأسف أنهم تأثروا كثير بالوثنية خاصة في تسرعهم في تأليه البشر وما أشبه ترهات إبراهيم لوقا بالوثنيين الذين دعاهم بولس
وبرنابا الي عبادة إلههما, ويصرخ الوثنيون (
ان الآلهة تشبهوا بالناس ونزلوا الينا ) أعمال الرسل 14/11 أي أنهم ظنوا أن
بولس وبرنابا إلهان ! فهل من فرق بين هؤلاء الوثنيين والنصارى ؟
إذا عدنا الي الآية القرآنية التي يستشهد بها إبراهيم لوقا لن نجد فرق بين الحالتين ففي القرآن المسيح
بدأ بدعوة النبوة وقال أنه رسول من الله ثم قدم البراهين
وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ( آل عمران :49 )
وحين قدم لهم آيات الله التي أظهرها فيه أكد علي أنها ليست منه بل من الله وكرر القول ( بإذن الله ) مرتان
أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ
وفي أنجيل يوحنا 5/30 يعلن ان معجزاته بإذن الله
انا لا اقدر ان افعل من نفسي شيئا
وبعد أن يؤكد تأكيدا جازما انه رسول من الله وان معجزاته بإذن الله يدعوا الي عبادة الله وحده
ثم دعا الي عبادة الله وحده
إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (51 )
وهكذا فهم الحواريون دعوة المسيح عليه السلام وآمنوا بالمسيح الرسول
رَبَّنَا آَمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (53)
وبعد عدة آيات نجد تأكيدا آخر علي عبودية المسيح
إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (59 )
وفي سورة الزخرف : 59
إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ
وفي سورة النساء : 172
لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا
ومع ذلك يصر القوم علي تكذيب المسيح عليه السلام وكفروا بالحق المبين
فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ
الملخص
الخلق نوعان والخلق الذي نفاه الله عن غيره هو الخلق الإبداعي أي إيجاد الشيء من عدم ويضاف الخلق أو أي فعل آخر الي العباد إذا ما أظهره الله فيهم كإضافة الخلق الي الملائكة والإماتة الي ملك الموت والزرع الي الفلاح , وكما أضيف الخلق الي الملائكة أضيف كذلك الي المسيح اما الخالق المبدع فهو الله الذي أظهر الأفعال في عباده
محمود أباشيخ
الرجوع الي الرد علي شبهات النصاري
الرد علي القمص إبراهيم لوقا
ردود محمود أباشيخ علي شبهات النصارى