قل هاتوا برهانكم عقائد وأديان مسيحيات برهانكم للرد علي شبهات النصارى

آباء الكنيسة
 
الباترولوجي
[ الباترولوجي ]

·التثليث عند آباء الرسوليين
·العلامة ترتليانوس والزواج الثاني
·بابياس أسقف هيرابوليس
·بوليكاربس في الميزان
·القديس اغناطيوس الأنطاكي
·القديس أغسطينوس والإرهاب الديني
·الحرب العادلة في فكر أوغسطينوس
·جون كالفن
·الباترولوجي - آباء الكنيسة
·الكذب .. السر الثامن من اسرار الكنيسة
  .  

خربشات صوماليانو
 
خربشاتـــصوماليانو
[ خربشاتـــصوماليانو ]

·سويعات في برية التيه
·الإختلافات العددية في الكتاب المقدس
·البابا شتودة: المسيح لم يقل أنا الله أعبدوني
·بولس الرسول كبير الغنوصيين
·الغنوصية والرهبنة في الأناجيل
·تيري جون وثقافة الحرق
·ديونيسيوس يعقوب السرياني وضياع الأسفار
·سيدعى ناصريا
·التسامح سلاحنا في وجه شنودة
·القمص يوحنا سلامة : البروتستانت حرفوا الكتاب المقدس
·الدوناتستيون
·ثامار الزانية في ظل الشريعة
  .  

الرد علي زكريا بطرس
 
شطحاتــزكريابطرس
[ شطحاتــزكريابطرس ]

·المسيح الجبار
·مسرحية نشيد الإنشاد
·النكاح في الجنة وشطحات زكريا بطرس
·انتهى زكريا بطرس كغيره والإسلام باق
·أحلام زكريا بطرس
·تأملات في نشيد الأناشيد
·نشيد الإنشاد كأشعار رابعة العدوية
·هلوسات زكريا بطرس
·الرد السماوي على زكريا بطرس
·بيان الشيخ الزغبي
·الرب مخلص مسيحه
·زكريا بطرس يبكي علي أطلال قناة الحياة
  .  

صوماليانو
 

تعدد الزوحات لماذا ترعب الكنيسة
البابا غريغوريوس الثاني وتعدد الزوجات
ضيوف الأنبا بيشوي أم أتباع الغزاة
ضمان الخلاص والجنة
العتل الزنيم مرقس عزيز
لا محلل ولا طلاق لأن العصمة في يد الأنبا بولا

  .  

حدوتة الأنبا جرجي

 - رد شبهات النصارى

 رسالة مفتوحة الي القمص زكريا بطرس

الكل يتبرأ من القمص المنكوح ويقول إنه لا يوافق على شتمه للمسلمين ونبيهم ودينهم، يستوى فى ذلك المهذبون، والسفلة الذين لا يقلون عنه بذاءة وتطاولا. والغاية من ذلك واضحة: أن نسكت فلا ندافع عن ديننا وقرآننا ورسولنا وأمتنا، تحت ذريعة أن من غير اللائق مجاراته فى أسلوبه. وهذا كلام حق يراد به باطل، وبخاصة أننا لا نجاريه فى أسلوبه، رغم أننا لو فعلنا ذلك فلا ملام علينا، لأن جميع القوانين والأعراف تعطى كل إنسان الحق فى الدفاع عن نفسه، وبذات الطريقة، بل كل ما نفعله هو الرد المنطقى الباتر الذى يترك الخصم واقفا مبلولا لا يحير جوابا لا من فوق ولا من تحت، اللهم إلا الشتائم العاجزة التى لا يأبه بها إلا أصحابها ومن على شاكلتهم، وإن كنا لا ننكر أن ما نكتبه لا يخلو من شىء من التهكم يكشف خزى الطرف المعتدى السافل وهشاشته، غير متطرقين إلى المساس بسيدنا عيسى ولا بأمه وحوارييه ولا بالمؤمنين به عليه السلام سواء فى ذلك من يراه نبيا رسولا أو من يؤلهه فيقول إنه ابن الله أو الله ذاته. فكل إنسان حر تمام الحرية فيما يعتقد، والآخرون الذين لا يعتدون علينا ولا على إلهنا وديننا وقرآننا ونبينا هم منا على العين وعلى الرأس. نقول هذا دون مجاملات كاذبة، ذلك أنهم بشر مثلنا، ويحبون دينهم كما نحب نحن ديننا ونغار عليه ونفديه بالغالى والرخيص.


ونحن على إدراك وفهم تام للقانون الكونى الذى على أساسه خلق الله البشر مختلفين فى أشياء كثيرة منها الدين، مثلما هم متفقون فى أشياء أخرى كثيرة أيضا. لكن لا يمكن أن يحظى المتطاولون المتباذئون مشعلو الحرائق بمثل هذه المعاملة الطيبة. ولو كان الحق هو مقصد هؤلاء المتبرئين من القمص المنكوح لكان الأولى بهم أن يحوّلوا رسائلهم إليه بدلا من توجيهها إلينا. ولَكَمْ يكون الأمر مضحكا لو أننا تركنا القمص المنكوح دون أن نُرِيَه مركزه، فمضى بغير حياء يشتم ويتطاول ويتحدى ونحن واضعون أيدينا على خدودنا كالولايا، فإذا ما طلبنا منهم إسكاته ردوا فى شماتة وهم يضحكون فى أكمامهم من سذاجتنا: "إنه خارج علينا، ولا نملك من أمره شيئا"! عظيم، فلماذا تغضبون لما نقول فى حقه إذن؟ دَعُونا له ودَعُوه لنا، وكونوا على الحياد، فلا تعاونونا عليه ولا تعاونوه علينا. أما إذا لم يعجبكم هذا الحل فلا أدرى ماذا أفعل، لأنه ليس لدىّ للأسف حلٌّ سواه. ترى هل هذا الكلام يصعب فهمه؟ ثم إننا لا نحرّض ولا نهيّج، بل ولا نتعصب تعصب الذى لا يرى فى نفسه وفى أمته إلا كل جميل، والدليل على ذلك أننا نُسْمِع أمتنا من قارص القول ما نرى أنها تستأهله، ودائما ما نقول إنها تستحق ما يحدث لها بل ما هو أفظع منه لأنها رضيت بالهوان فأهانها الله: أهانها على أيدى حكامها، وعلى أيدى أعدائها، وعلى أيدى كل ذليل وغد يطمئن إلى حسن عاقبة التطاول عليها وعلى دينها ونبيها وكتابها. نعم لقد أذلت نفسها بركونها إلى الجهل وانتهاجها ثقافة البكش والبلادة والجعجعة بلا طِحْن ونفاد الصبر وكراهية العمل والإتقان واللامبالاة بقِيَم الجمال والنظام والذوق والنفور من ضريبة المجد والسيادة. وكل ما نفعله هنا هو أننا نرد على الشبهات الطفولية المتخلفة عقليا بالحجة المفحمة المخرسة، ولا نسكت على ما يوجهه الأوغاد اللئام لنا ولديننا ولرسولنا وصحابته والكتاب الذى أنزله الله عليه من إهانات، وهذا كل ما هنالك.

صحيح أن الإسلام بوجه عام يؤثر العفو والتغاضى، لكن ليس فى مثل تلك الظروف ولا فى تلك القضايا، ولا فى أيامنا هذه التى يظن كثير من أعداء ديننا العظيم أن ساعة وفاته قد دَنَتْ بل قد دَقَّتْ. إننا هنا إنما نتأسى بقوله تعالى: "لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا (148)" (سورة "النساء")، وبقوله تعالى: "وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (41) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (42)" (سورة "الشورى"). ولا بأس أن أكرر مرة أخرى ما أقوله دائما من أن كل إنسان يرى نفسه على الحق، وهذا من حقه تماما. بل إننى لأعتقد أن الله سبحانه وتعالى لن يعامل الكافرين جميعهم نفس المعاملة بحيث يتساوى رأس المجرم المكابر منهم برأس الذى يبحث عن الحق جهد استطاعته فلم يهتد إليه سبيلا. والآن نبدأ الكلام، وهو للصنف المكابر المجرم الذى فهم وعرف، لكنه يكتم الحق ويذهب فيصيح متباذئا علينا وعلى ديننا ورسولنا فى الفضائيات التى تخاطب الملايين، على حين تضيق صدور فريق من الناس بردّنا عليه وفضحنا لسوآته الفكرية والنفسية رغم أننا ليس عندنا فضائيات ولا مؤسسات تقف وراءنا ولا حتى حزب أو جماعة سياسية أو دينية، بل مجرد جريدة ضوئية محدودة الانتشار. فأبو جمل إذن يحسد أبا معزة على طريقة "إن هذا أخى له تسعٌ وتسعون نعجةً، ولى نعجةٌ واحدة، فقال: أَكْفِلْنيها، وعَزَّنى فى الخِطَاب"! والسبب معروف، وهو أن صاحب الجمل، رغم كل هذا الهيل والهيلمان، يشعر أنه عاجز أمام سطوة الحق الذى فى يد صاحب المعزة وبطش منطقه. أى أن المسألة ليست جملا فى مواجهة معزة، بل حقا يمسك بالباطل من زمارة رقبته ويجعل منه مسخة، ومن لا يشترى يتفرج، وهذا هو السبب فى كثرة رسائل السباب التى تبرهن بأجلى بيان على التهاوى وفقدان الأعصاب والرعب من سطوة الحقيقة. وإذن فعلى الله نتوكل، وباسمه سبحانه نُسَمِّى، وإياه نستعين فنقول:

منذ نحو عشرة أيام وصلتنى من القمص المنكوح رسالة تتضمن حدوتة تبشيرية مضحكة لا يصدقها إلا أبله مثله، تدور حول ما يزعم كاتبها أنه مجادلة قامت بين راهب نصرانى وثلاثة شيوخ من أئمة المسلمين فى العصر الأيوبى، وتحدانى أن أرد عليها. وكالعادة أهملتها، وإن اتخذتها مع ذلك فرصة للسياحة فى كتب التاريخ لعلى أصل إلى أية معلومات تتعلق بطَرَفَىِ المجادلة المزعومة، فلم أصل إلى شىء. إلا أن العزم صح منى فجأة منذ أربعة أيام على التعليق على هذا السخف المتخلف الذى يحسب المنكوح أنه يشكل تحديا مستحيلا سنقف أمامه حيارى لا نحير جوابا، وهو ما يدل على أن مستواه الفكرى والعقلى على درجة كبيرة من الضحولة والانحطاط، وأنه فعلا كما قيل ليس أكثر من آلة دعائية يبرمجونها ويطلقونها على المسلمين على أمل أن ينشر بينهم الشك فى دينهم وحضارتهم وتاريخهم ورموزهم. وكانت نتيجة ذلك العزم هى المقالة التالية التى أنهيتها البارحة قبل مباراة الأهلى والزمالك فى نهائى الكأس بنحو ربع ساعة قبل أن أعود اليوم (السبت 17 يونيه 2006م) فأضيف هذه المقدمة، على عادتى من تأجيل مقدمات كتبى ودراساتى إلى ما بعد الانتهاء تماما من البحث، على أن أقوم لاحقا بما يلزم من المراجعة والتنقيح والحذف والإضافة.

هذا، ولم أفعل، فى الرد على تلك الحدوتة المتخلفة مثله هو وأشباهه من المناكيح المتنطعين، إلا المضىّ فى قراءتها فقرة فقرة والرد مباشرة على ما جاء فى تلك الفقرات أولا بأول، اللهم إلا إذا احتاج الأمر التثبت من شىء، فعندئذ كنت أرجع إلى هذا الكتاب أو ذاك. وتتلخص تلك الحدوتة المتخلفة تخلف عقل منكوحنا أبى الزيك، ذى الجلد السميك، فى أن جماعة من الرهبان الحلبيين ذهبوا لمقابلة الملك الظاهر بن صلاح الدين الأيوبى صاحب حلب فى شأن من شؤون الدير الذى يسكنونه، فتصادف مجىء ثلاثة من أئمة المسلمين وهم فى حضرة أخيه الأمير المشمّر، وجرت بينهم وبين أحد أولئك الرهبان، واسمه الأنبا جرجى، مناظرة بين الإسلام والنصرانية خرج منها دين التثليث منتصرا بالضربة القاضية على دين التوحيد. وقد أظهرت الحدوتة المضحكة الأمير الأيوبى منحازا طول الوقت إلى الجانب التثليثى شامتا بالمشايخ "المساكين المحتاسين" العاجزين عن الرد والفهم. بل زاد على ذلك فأسرّ إلى الراهب المذكور، على مرأًى من الحاضرين، أن أمه نصرانية رومية، وأنه ينبغى أن يأخذ راحته فى مسح أولئك المشايخ البُلْه بالأرض دون خوف من أى اعتبار. والحدوتة تصرخ بأعلى حِسّها أنها مصنوعة صنعا كما سنبين بالدليل القاطع الذى لا يمكن نقضه بأى حال، وأن شيئا مما ورد فيها لم يقع، وأن المقصود منها هو مكايدة المسلمين ورفع الروح المعنوية لجماهير المثلثين عن طريق إيهامهم أن أئمة المسلمين أنفسهم لا يستطيعون الوقوف أمام ضياء التثليث الباهر الذى يُعْشِى العيون!

والآن إلى مناقشة الحدوتة التى أعتذر للقراء مقدما عن نزولى إلى مستواها، إذ لا يليق فى الواقع أن آخذ مثل تلك التحديات الطفولية مأخذ الاهتمام، إلا أننى قد لاحظت أثناء السياحة التاريخية التى قمت بها فى البداية أنها منشورة فى مواقع تبشيرية كثيرة، ومعنى هذا أن مِن القراء الخالى البال مَنْ قد يظن أنها قصة حقيقية، فقلت: إنها فرصة لفضح أساليب الكيد الرخيص الذى يلجأ إليه القمّص المنكوح ذو ال... المقروح وأمثاله فى محاربة الإسلام حتى يعرف القاصى والدانى أن القوم مفلسون تمام الإفلاس وأنهم إنما ينتهزون سانحة ضعف المسلمين فى العصر الحالى وهجوم الثور الأمريكى الأحمق على المنطقة، للتنفيس عن أحقادهم والجرى فى بيداء الأوهام التى تصور لهم، كما يصرح المنكوح منتشيا وشامتا، أن ساعة الإسلام الأخيرة قد دنت، وأن المسألة مسألة وقت. أما نحن فواثقون بعون الله، رغم الفروق الهائلة بيننا وبين الأمريكان فى العتاد والسلاح والتقدم العلمى والتقنى، أن الثور الأمريكى الأحمق سوف تكون نهايته بمشيئته سبحانه على يد أبطال المقاومة العربية والإسلامية، وإن كان هذا لا يعنى أننا بعدها سنكون عال العال، إذ لا بد من النهوض مما نحن فيه من بلادة حضارية، وكراهية للعلم والعالمين والعمل والعاملين، ونفور من النظافة والجمال، وعداوة للنظام والتخطيط والطموح، وعجز عن الابتكار وجبن أمام المجهول، وقِصَر نَفَسٍ وباعٍ فى ميادين الصبر على مشقات العمل والإتقان والتجديد والتحسين، لا الصبر على الهوان والمذلة والظلم والرضا به والاستزادة منه والركوع أمام الظالم، وبخاصة إذا كان هذا الظالم حاكما من الحكام. وقادة العرب والمسلمين بوجه عام هم، بحمد لله الذى لا يُحْمَد على مكروه سواه، من أسوإ حكام الأرض وأخشاهم لأعداء أوطانهم ودينهم وأمتهم وأطوعهم لأولئك الأعداء وأعملهم لمصلحتهم، وهو أمر طبيعى، إذ "كما تكونوا يُوَلَّ عليكم"، ونحن سيئون مثل حكامنا بل أسوأ، فنحن وهم "ذرية بعضها من بعض"، ذرية غير طيبة، وإلا لكنا قد متنا منذ وقت طويل من الغم والقهر بسبب ما نحن فيه، أو على الأقل: توارينا خجلا! أما النصر الذى سيبوء به المسلمون بمشيئة الله فهو بفضل أبطال فلسطين والعراق وأفغانستان وغيرها من المجاهدين الذين لم يفتّ فى عضدهم شىء من عوامل الإحباط ولا يهابون أمريكا ولا أذيالها من أمتهم، لعنة الله على كل ذليل تعيس!

إذن فالمنكوح يتحدى المسلمين بهذه القصة وقد بلغ ...ه غاية الانتشاء والنعنشة! ماشٍ يا منكوح! والآن تَعَالَوْا، أيها القراء الأعزاء، لنرى ما فى جعبة الحاوى المثلِّث من كتاكيت يخرجها من كُمّه يحاول إيهامنا أنه يأتى بها من الهواء! أين المرحومة زينات صدقى لتقول له: "كتاكيته بُنّىّ"؟ والقصة، بالمناسبة، قد تبناها ونشرها راهب يقول إنه من المرسلين الكاثوليكيين العاملين فى إفريقيا، وإنه اعتمد فى نشره لها على عدة مخطوطات يرجع أقدمها إلى ما بعد تاريخ وقوع المجادلة المزيفة بثلاثة قرون وربع القرن، وإنه ليس هناك أية معلومات تاريخية، لا فى كتب المسلمين ولا فى كتب النصارى، عن الأنبا جرجى أو المشايخ الثلاثة الذين جادلوه. وعنوان الحدوتة هو "مجادلة الأنبا جرجي الراهب السمعاني مع ثلاثة شيوخ من فقهاء المسلمين بحضرة الأمير مشمر الأيوبي". فعلى بركة الله إذن، وسوف يتبين بما لا مجال معه للشك أن الحكاية ليست أكثر من حدوتة لم يحسن ملفقها تزييفها فجاءت وبالا على كل من اشترك فى كتابتها وتحريرها ونشرها والتحدى بها، ومثلت فضيحة مدوية للجميع كما سيتضح حالا.

وأول داهية من الدواهى الثقيلة التى أوقع نفسه فيها محقق القصة الكذاب مثل كاتبها الكذاب هى أول جملة فى التقديم، وها هى ذى: "من سمات كنيسة المسيح الظاهرة أن تدعو جميع الناس في كل عصر ومصر إلى دين الله بحسب البيان وجميل الإحسان عملا بأمره، له المجد: بشّروا بالإنجيل في الخليقة كلها". ووجه الكذب والتدليس فى هذا الكلام أنه لم يكن هناك، فى اعتقاد النصارى، وجود للإنجيل قبل ترك السيد المسيح للدنيا، إذ الأناجيل (حسب كلام النصارى. ولاحظ: "الأناجيل" لا الإنجيل) إنما كُتبت بإلهام من الروح القدس بعد ذلك، أما فى حياة عيسى بن مريم على الأرض فلم يكن ثمة أناجيل ولا يحزنون. فأى إنجيل كان هناك إذن (حسب كلام المحقق الكذاب الذى لا يعرف كيف يدارى كذبه وتدليسه، إذ من نعم الله على العباد أن الجريمة الكاملة لا وجود لها فى الحياة) حتى يكلف المسيح تلاميذه بالدعوة إلى دين الله من خلال التبشير به؟ أما إذا قالوا إنه كان فى حياته صلى الله عليه وسلم إنجيل أو أناجيل، فالسؤال الذى ينبثق فى الذهن على الفور: وأين ذلك الإنجيل، أو تلك الأناجيل؟ من ثَمّ كان على محقق الكتاب المزيَّف المملوء بالترهات والأباطيل والتناقضات والأكاذيب أن يجيب على هذا السؤال بدلا من خَوْتَة الدماغ التى لا يَنُون عن إزعاجنا بها كلما حاولوا أن يردوا على اتهامنا لهم بالتلاعب فى الإنجيل والعبث به، إذ يتساءلون وبراءة الأطفال فى عينيهم: إذا كان هناك إنجيل صحيح تم العبث به، فأين ذلك الإنجيل؟ ولماذا لم يعثر أحد ولو على نسخة واحدة منه يتضح منها الاختلافات التى يتحدث عنها المسلمون؟ وسوف نرد على هذه النقطة فيما بعد، أما الآن فتعليقنا هو: إذا كان هناك إنجيل فى حياة السيد المسيح كما تقول العبارة المنسوبة له عليه السلام، فعليكم أنتم أن تخبرونا بموضعه وتحضروه لنا حتى نقارن بينه وبين الأناجيل التى بين أيديكم والتى إنما أُنجِزَت بعد انتقال عيسى بن مريم عن الدنيا وتحيط بها الشكوك والشبهات من كل جانب، سواء فيما يتعلق بمؤلفيها أو بتواريخ كتابتها أو الظروف التى كُتِبَتْ فيها. أما إذا قلتم إنه لم يكن هناك أناجيل فى حياته، فعليكم فى هذه الحالة أن تقروا بأن هذا الكلام المنسوب للسيد المسيح عليه السلام فى الأناجيل الحالية عن وجوب التبشير بالإنجيل فى كل الأمم هو كلام كاذب لم يقله المسيح لأن الإنجيل لم يكن قد وُجِد بعد. هكذا بصريح العبارة دون لف أو دوران!

ثم داهية ثقيلة أخرى هى الفقرة الثانية من التقديم الذى قدم به لها محررها، إذ يقول ما نصه: "إن دين المسيح لم يستطع أن يحجبه الإسلام بحجته الكبرى التي هي الجهاد وقتال من لا يدين به. ولم يقطع سيفُه كلَّ لسان ولم يكسر أقلام ضعاف الرهبان الذين هم أخص دعاة النصرانية الموصوفون بــ"جند الكنيسة". ومن هؤلاء الشجعان الذين أرهفوا القلم وأحسنوا البيان الأنبا أو الأب جرجي أحد رهبان دير القديس سمعان الذي موقعه في جبل سمعان في ولاية حلب الذي كان من أعظم وأشهر ديارات البطركية الأنطاكية"، ففى هذه الفقرة نقرأ أن الإسلام لم يمنع واحدا كالأنبا جرجى أو غيره من التبشير بالإنجيل بين المسلمين، حتى فى حضور أمرائهم ومواجهة شيوخهم. فما معنى ذلك؟ معناه ببساطة ووضوح أن كل ما يزيفه المزيفون ويدلس به المدلسون الأفاكون المشّاؤون بالنميم بين الأمم والطوائف المثيرون للفتن عن الضغوط التى تعرَّض ويتعرّض لها النصارى فى بلاد المسلمين هو كلام لا أساس له من الصواب، وإلا أفلو كان الإسلام يضطهد الأديان الأخرى أكان أتباعها يستطيعون أن يفتحوا أفواههم مجرد فتح، فضلا عن أن يدخلوا مع أئمة الإسلام فى جدال من أجل نشر دينهم وتخطئة دين المسلمين؟

إذن فالإسلام لم يضطهد الأديان الأخرى، بل أفسح لها صدره وحمى أهلها وأسبغ عليهم كرمه وعطفه، ولم يفكر مجرد تفكير فى استئصالهم مثلما استأصل النصارى كل من يخالفهم فى الدين فلم يسمحوا له أن يعايشهم فى وطن واحد، كما هو الحال فى الأندلس مثلا حين أجبر فرناندو وإيزابلا ومن جاء بعدهما عشرات الملايين من المسلمين الأسبان أهل البلاد على التنصر، وإلا فالحرق أو الإغراق أو الحشر فى نعوش مبطنة بالمسامير الضخام تُغْلَق على من بداخلها فتخترق المسامير بطنه وظهره وصدره وعينيه ورأسه وقفاه وفخذيه وساقيه وقدميه ويديه فى الحال وتهرسه هرسا وتحوله إلى مصفاة من اللحم والعظام (اللهم لطفا!)، وهو ما يمثل أسلوبا واحدا من أساليب محاكم التفتيش التى أقيمت لإرضاء الرب ونشر دينه، دين الرحمة والتواضع والسلام، وكما هو الحال أيضا فى الأمريكتين حيث تم القضاء على دين أهل البلاد تماما فلم يعد له من أثر، بل حيث تم القضاء أيضا على أهل البلاد أنفسهم فى أمريكا الشمالية‍‍، وعلى عشرات الملايين منهم فى أمريكا الجنوبية! و"إن كنت ناسيا (كما تقول الأغنية) أفكرك" بكتاب المطران برتولومى دى لاس كازاس: "المسيحية والسيف"، الذى ترجمته سميرة عزمى الزين، وبمقال فنسينزو أوليفيتى الذى ترجمه العبد لله ونشره على المشباك بعنوان "العنف النصرانى للتاريخ"، ولا داعى لذكر غيرهما، ففيهما الكفاية بمشيئة الواحد الأحد الفرد الصمد الذى لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد. ومِثْلَ ذلك قُلْ عن الأستراليين الأصليين الذين لم يعد لهم وجود فى بلادهم بعد أن دنستها أقدام نصارى أوربا ودمرت كل شىء يخصهم من حضارة وثقافة ودين، ثم دمرتهم هم أيضا فلم تكد تبقى منهم باقية على ظهر البسيطة! أما تشريع القتال فهو فعلا موجود فى الإسلام، ذلك الدين العظيم الذى لم يبرع أصحابه فى تسويقه بالحق براعة النصارى فى تسويق دينهم بالباطل حين ادَّعَوْا أن دينهم هو دين الرحمة والسلام، على حين أنهم فى احتلالهم للبلاد الأخرى لا يعرفون رحمة ولا سلاما، على عكس الإسلام، الذى ينص فعلا على قتال المعتدين حين لا يكون أمام أهله مناص من القتال وبعد أن يستنفدوا كل سبل السلام والتفاهم مع أعدائه، لكنه رغم كل هذا يحرص على العدل والإنسانية والتسامح ما أمكن مع هؤلاء الأعداء، فإذا بأصحاب دين الرحمة والسلام يشنعون عليهم وعلى نبيهم ويتهمونهم بما ليس فيهم ولا فى دينهم اعتمادا على آلة الإعلام الجهنمية التى يمتلكها الأقوياء منهم فى الدول المتقدمة ويستثمرها سائرهم فى كل أرجاء الأرض بالكذب الفاجر المتوحش الذى لا يعرف الحياء!

وعلى كل حال ها هو ذا كاتب الحدوتة يعلن كيف عومل الرهبان والقساوسة من قِبَل الأمير الأيوبى المسلم: "اتفق أن رئيس دير القديس ماري سمعان العجائبي البحري حضر بين يدي الأمير والسلطان صاحب مدينة حلب وأعمالها حيث كان ينزل جيشه في الفضا الذي بين عُمّ وحارم. وكان حضور الرئيس لدى الأمير لأجل حوائج عرضت له من حوائج ديره ومصالحه. فلما مثل بين يدي السلطان مع من كان قد صحبه من الرهبان قبلهم أحسن قبول وأمر بقضاء حوائجهم وما التمسوه. ورسم لهم النزول في خيمة أخيه الملك المشمّر... فحين حضر بين يدي الملك المشمّر قبلهم أحسن قبول بغاية الإكرام والإجلال. ولما نظر إلى الشيخ أنبا جرجي استلذّ بالنظر به وأدناه إليه ورسم له الجلوس بقربه. ولما عاد الرئيس من عند السلطان ليكمل حوائجه تمسك الأمير بالشيخ وأخذ يحدّثه ويسأله عن أمور الدين والرهبان وعيشتهم وسيرتهم وتصرفهم"، فضلا عما ذكرته الحدوتة فى نهايتها من إتحاف الأمير للرهبان بوَسْقِ بغلٍ (مثل الأنبا جرجى) سمكا، وبغلةٍ من بغاله الأميرية مُسْرَجة. وواضح أن ما حدث لهم من الإكرام والترحيب لم يكن شيئا استثنائيا، بل كان أمرا معتادا، وإلا لم يفكروا أصلا فى المجىء والمثول بين يَدَىِ الحاكم المسلم. أليس هذا ما يقول به المنطق؟ علاوة على أنه لم تصدر عن الكاتب أية كلمة تدل على أن هذا الاستقبال الذى حَظِىَ به الرهبان والقساوسة كان شيئا غريبا لم يتوقعوه. لكن الخبيث القليل الأدب لا يريد أن يقر بجميل للمسلمين، بل ينزل على حكم طبيعته الثعبانية السامة فيعض اليد الكريمة التى امتدت له بالحسنى! ألا لعنة الله على الحقدة المارقين الذين يعاملهم الإسلام أجمل المعاملات فلا يكون منهم إلا أن ينقلبوا عليه فيتهموه كذبًا وزُورًا بكل نقيصة فيهم، وإن كنا نشك فى الحدوتة كلها، لكننا إنما ندينهم بما تخطه أيديهم النجسة الدنسة! بالسم الهارى، يا بعيد، السمك الذى أطعمكم إياه الأمير رغم أننا لا نصدق حدوتتك، وبخاصة أنك تقول إن الأمير قد أمر حاجبه الموجود عند مَسْمَكته (ولا أدرى ماذا يفعل الحُجّاب عند مصايد السمك!) أن يعطى السمك الرهبان "معافًى مبرّأً من سائر الغرامات والحقوق"، وكأن عطايا الملوك والأمراء فى تلك الأيام كانت تخضع للمحاسبة الضريبية وأمثالها فأراد الأمير أن يستثنى الرهبان المناجيس منها! عال والله! هذا ما كان ينقصنا فى يومنا العجيب! كما تذكر الحدوتة أن اسم الحاجب هو تمام السيارى، وقد حاولت العثور على هذا الاسم فى مواقع المشباك المختلفة، وبالذات فى المواقع التى توجد فيها عادةً كتب ذلك العهد فلم أفلح فى الوصول إلى شىء! وأغلب الظن أنه اسم منتحل كأسماء بيّاعى البطاطة الثلاثة الذين اخترعهم ... الكاتب السقيم وجعلهم من "أئمة الإسلام"!

وبالإضافة إلى ذلك نرى الأمير يوقع باسم "المشمر الملكى"، وهذا غريب، فالمعروف أن لقب "المشمر" إنما أطلقه الأمير على نفسه (حسبما كتب بعض المؤرخين) إشارة إلى أن أباه لم يعطه مملكةً كبعض إخوته، فكيف لم يستخدم لنفسه إلا هذا اللقب الذى يرمز إلى الحرمان، مع أن له لقبا آخر فخما ليست له هذه الإيحاءات السلبية، وهو "الظافر"؟ ثم، وهذا مجرد استفسار، هل كان أحد من الأمراء الأيوبيين يصف نفسه بــ"الملكى"؟ ليس ذلك فحسب، إذ يقول الكذاب النجس إن المصيدة كانت عند برزة. أتدرى، أيها القارئ، أين تقع برزة؟ إنها فى غوطة دمشق، ونهرها (الذى سوف يأخذ الراهب المنفوخ ذو ال... المشروخ السمك منه) هو نهرٌ محلىٌّ صغير ينبع من عينٍ هناك ولا يزيد طوله كثيرا عن عشرة كيلو مترات، والمسافة بين دمشق ومنطقة حلب حيث جرت أحداث الحدوتة وحيث كان دير الرهبان السناكيح المناكيح، الذين يخرج من أدبارهم دائما فحيح، علامة الشوق إلى التشليح والتلقيح، هى فوق الثلاثمائة والخمسين كيلو مترا. أى أن الكذاب يريد أن يفهمنا أنهم قد خرجوا عن مسار عودتهم إلى ديرهم عدة مئات من الكيلومترات كى يحصلوا على وَسْقِ بغلٍ مثلهم سمكا، وأن الأمير لم يجد فى ممتلكاته إلا هذه المصيدة التى يقطّع الوصول إليها الأنفاس كى ينعم على الراهب ببعض ما يصاد منها من سمك! هذا ليس سمكا. هذا سمك، لبن، تمر هندى! ثم بالله كيف يمكن أن يبقى السمك طوال طريق العودة سليما لا ينتن ك... قمصنا وراهبنا، ومعروفٌ بطء وسائل المواصلات فى ذلك العهد وعدم وجود حافظات للَّحم والسمك وأمثالهما من الأطعمة التى تفسد سريعا؟

وهذا النهر، كما هو واضح، لا يتبع مملكة حلب، التى كانت تحت إمرة الملك الظاهر، بل يقع فى مملكة دمشق، التى كانت تحت سلطان أخ آخر هو الملك الأفضل، الذى كان يتبعه الأمير المشمر (اسمه الحقيقى "الخضر"، ولقبه الرسمى "الظافر" كما سبق بيانه)، ولعل فى ذلك ما يفسر أن المصيدة التى يملكها الأمير كانت فى دمشق لا فى حلب، وإنْ ظن محقق الحدوتة أنه كان تابعا لأخيه الملك الظاهر صاحب حلب (الذى لم يكن شقيقا له)، على عكس "الأفضل" (الذى كان أخاه لأبيه وأمه معا). وهذه عبارته: "ويظهر أنه كان من أتباع أخيه الملك الظاهر غياث الذين غازي صاحب مدينة حلب أصغر أولاد صلاح الدين. ومن ثم كان الأمير المشمّر أقل شأنا من أخيه الملك الظاهر الذي مات في حلب ودفن في قلعتها سنة 617 للهجرة التي توافق سنة 1216 مسيحية عندما جرت هذه المجادلة، ولعلّه كان تابعا لأخيه المذكور". والصواب ما ذكرناه من أنه كان تابعا للأفضل، أما الذى كان تابعا للظاهر فهو شقيقه الأمير داود، وكانت فى يده قلعة البيرة على الفرات. يقول النويرى فى "نهاية الأَرَب": "استقر ملك دمشق وما معها للملك الأفضل نور الدين أبي الحسن علي، وهو أكبر أولاده وولي عهده، وعنده أخواه شقيقاه الملك الظافر خضر والملك المفضل موسى. واستقر ملك حلب ما يليها للملك الظاهر غياث الدين غازي، وعنده أخوه الملك الزاهر، فجعله من قِبَله على البيرة"، وفى "النجوم الزاهرة" لابن تغرى بردى أن أولاد صلاح الدين "كانوا ستة عشر ذكرًا وابنةٌ واحدةٌ: أكبرهم الأفضل علي، ولد بمصر سنة خمس وستين يوم عيد الفطر. وأخوه لأبيه وأمه الملك الظافر خضر، ولد بمصر سنة ثمان وستين. وأخوهما أيضا لأبيهما وأمهما قطب الدين موسى، ولد بمصر سنة ثلاث وسبعين. فهؤلاء الثلاثة أشقاء. ثم الملك العزيز عثمان الذي ملك مصر بعد أبيه، ولد بها سنة سبع وستين. وأخوه لأبيه وأمه الأعز يعقوب، ولد بمصر سنة اثنتين وسبعين. والملك الظاهر غازي صاحب حلب، ولد بمصر سنة ثمان وستين. وأخوه لأبيه وأمه الملك الزاهر داود، ولد بمصر سنة ثلاث وسبعين. والملك المعز إسحاق، ولد سنة سبعين. والملك المؤيد مسعود، ولد بدمشق سنة إحدى وسبعين. والملك الأشرف محمد، ولد بالشام سنة خمس وسبعين. وأخوه أيضا لأبيه وأمه الملك المحسن أحمد، ولد بمصر سنة سبع وسبعين. وأخوه أيضا لأبيه وأمه الملك الغالب ملكشاه، ولد بالشام سنة ثمان وسبعين. وأخوهم أيضا لأبيهم وأمهم أبو بكر النصر، ولد بحران بعد وفاة أبيه سنة تسع وثمانين. والبنت مؤنسة خاتون تزوجها ابن عمها الملك الكامل... ابن الملك العادل وماتت عنده. وملك بعد السلطان صلاح الدين مصر ابنه الملك العزيز عثمان...، وملك دمشق بعده ابنه الملك الأفضل علي، وملك حلب ابنه الظاهر غازي كما كانوا أيام أبيهم"، وإن كنت لا أحب أن أقف عند هذه النقطة أطول من ذلك رغم إمكان اتخاذها دليلا إضافيا على الاضطراب والتدليس فى تلك الحدوتة، إذ ثم سؤال يفرض نفسه هنا، ألا وهو: ماذا كانت صلاحية الأمير الظافر فى حلب بحيث يقوم بتضييف الرهبان المذكورين، ولم تكن له صفة رسمية فى تلك المملكة؟

كذلك ففى هذه الفقرة الأخيرة يوقع المحققَ فى المهالك غباؤُه مرة أخرى فيكون فى هذا برهان جديد على أنه لا توجد جريمة كاملة أبدا مهما ظن مرتكبها أنه قد احتاط فيها لكل شىء فسدّ كل الثغرات ولم يترك وراءه قط أى أثر يمكن أن يكشف أمره، إذ قال الكذاب عن الأنبا جرجى المزعوم إنه "من هؤلاء الشجعان الذين أرهفوا القلم وأحسنوا البيان"، مع أن راوى الحدوتة المضحكة قد ذكر أن ما جرى على لسان ذلك الأنبا (الذى ليس له وجود إلا فى العقول المدلسة) لم يكن سوى كلام شفوى لم يُسْتَخْدَم فيه قلم ولا ورق ولم يكن ثمة وقت للتحبير وإظهار البيان، على عكس ما يكذب المحقق المدلس الذى يعرف قبل غيره أن هذه المجادلة لم تقع قط وأنه لم يكن هناك مثل ذلك اللقاء المزعوم بين جرجى ومن سماهم بـ"أئمة المسلمين". كذلك أين كتبه الأخرى التى تظهر براعته البيانية ومواهبه العقلية؟ بل أين أخباره وتاريخ حياته عندهم، وهو الرجل الذى انتصر ذلك الانتصار الباهر على المسلمين وفى حضور أمير من كبار أمرائهم كما يزعمون؟ وبالإضافة إلى هذا فإن فى الحدوتة أخطاء لغوية لا تليق إلا بكذاب غبى مثله. إنهم أهل الإعلام الطنان من قديم الزمان، وصناع النجوم الزائفة بالباطل! ثم لو كان هناك لقاء كهذا، فأين خبره فى كتب المسلمين؟ أمن المعقول أن يقع مثل ذلك اللقاء، وأن يكون وقوعه فى معسكر الأمير الأيوبى ابن صلاح الدين، ثم تسكت عنه كل كتب المسلمين فلا تتعرض له ولو بكلمة؟ لقد ذهبتُ ففتشتُ بطون كتب تلك الفترة فلم أجد لتلك الحدوتة من أثر، بل لم أجد أى أثر لأى واحد من طرفيها: لا الأنبا جرجى ولا الفقهاء الثلاثة الذين تقول الحدوتة إنهم جادلوا هذا الجرجى فجندلهم، وهم أبو سلامة وأبو ظاهر والرشيد بن الهادى. ثم ما هذه النغمة الغريبة، نغمة انتصار النصارى على المسلمين فى الجدال، والمعروف أن علماء المسلمين لم يدخلوا قط مع رهبان النصارى ورجال دينهم فى جدال إلا كان الفلج للمسلمين، وكثيرا ما انتهى الجدال بدخول مجادليهم فى الإسلام. وما خبر المناظرة التى تمت فى السودان بين مجموعة الدكتور محمد جميل غازى وجماعة القساوسة السودانيين فى أواخر القرن الماضى وانتهت بإعلان القساوسة جميعا اعتناق الإسلام على بكرة أبيهم ببعيد! وبإمكان القارئ أن يطالع وقائع تلك المناظرة كاملة فى كتاب "مناظرة بين الإسلام والنصرانية"، ويقع فى طبعته الثانية (الرياض/ 1413هـ- 1992م) فى 500 صفحة، وهو متاح على المشباك لمن يريد تحميله. وبالمناسبة فقد كان بين أعضاء الوفد المسلم الأستاذ إبراهيم خليل أحمد، وهو قس مصرى سابق أسلم وأصبح من أشد المدافعين عن سيد الأنبياء والدين الذى جاء به.

كذلك أين خبر هذا اللقاء فى كتب النصارى فى ذلك الوقت، بل إلى ما بعد ذلك الوقت بعدد من القرون؟ لقد جرت المجادلة المزيفة عام 1216م تقريبا، إلا أن أقدم مخطوط لهذه الحدوتة يعود إلى عام 1539م، فأين كانت تلك الحدوتة طوال تلك القرون الثلاثة والعقدين والنصف؟ يقول المحقق الكذاب ككاتبها الكذاب: "لم ننشرها إلا بعد أن قابلناها على عدة نسخ قديمة وجدناها في مكتبة الأمّة في باريس وغيرها من مكاتب الشرق، وهي كثيرة تعدّ بالعشرات، وأقدمها وأصحها كتبت بخط جميل سنة 1539 عن نسخة قديمة لا نعلم تاريخها". إننى فى الواقع لا أطمئن إلى أولئك الناس، فهم متخصصون فى التزييف والعبث حتى بكتبهم المقدسة، وما خبر تحريفهم إنجيلهم بالذى يجهله أحد، ومن هنا فليس لكلام ذلك الكذاب عندى وعند كل عاقل من معنى إلا أنها قد وُضِعَتْ وَضْعًا فى ذلك التاريخ إن صح ما يقول. أى أنها قد اخْتُرِعَتْ من بُنَيّات الخيال والأوهام بعد الوقت الذى قيل إنها وقعت فيه بأكثر من ثلاثة قرون! ترى أين حمرة الخجل عند أولئك الكذابين؟ الواقع أنهم لا يخجلون ولا يستحون، ومن كان هذا شأنهم فإن الله سبحانه لا يكتب لهم التوفيق أبدا، بل يفضحهم ويهتك سترهم كما فضح القمص المنكوح، ذا ال... المقروح، الذى منه الديدان تلوح، والنتانة تفوح!

ثم من هم أولئك المشايخ الثلاثة النكرات الذين لا نعرف عنهم شيئا البتة، وكأن الحاشية الأيوبية والبيئة الحلبية قد خلتا من مشاهير المشايخ والعلماء والكتاب ممن كانوا يستطيعون أن ينفضوا هذا الراهب فى الأرض كما أفعل أنا الآن بالقمص المنكوح رغم أنى عبد ضعيف لا أرتقى إلى مستواهم من العلم بهذه الموضوعات؟ ودعنا الآن من أن الأمير المشمر ذاته كان من أهل العلم والحديث وصاحب ثقافة تاريخية واسعة كما سيأتى فيما بعد من هذه الدراسة! أو كأن المسلمين يمكن أن يتجاهلوا مثل أولئك العلماء فلا يكتبوا عنهم أو يترجموا لهم! عال والله عال، لم يبق إلا أبو سلامة وأبو ظاهر والرشيد بن المهدي! لو أن الملفق الكذاب قال إن هؤلاء ثلاثة من العربان مثلا أو من بائعى البطاطا من أمثاله فلربما كان لكلامه بعض القبول، أما أن يكونوا علماء فقهاء فليس لذلك من معنى إلا أن الأبعد كان يفكر ب...ه المنتن كفمه ويستملى قلمه من دواته الخلفية السفلية! أيعقل أن يكون هؤلاء من كبار أئمة المسلمين على ما يزعم ملفق الحدوتة ولا يرد لهم ذكر بين علماء حلب ولا غيرها من تلك البلاد؟ لقد وقعت مثلا، وأنا بصدد إعداد هذه الدراسة، على مقال فى العدد 1007 من "جريدة الاسبوع الادبي" (20/ 5/ 2006م) بعنوان "لماذا حلب عاصمة للثقافة الإسلامية؟" ذكر فيه كاتبه د.أحمد فوزي الهيب، ضمن من ذكر من علمائها فى الميادين المختلفة على مر العصور القديمة، مشاهيرهم فى العصر الأيوبى، فكان منهم الأسماء التالية، وليس فيها لا أبو ظاهر ولا أبو باطن ولا دياولو، ببساطة لأنهم ليس لهم وجود إلا فى ... الراهب المدلس. قال المؤلف: "ومن علماء حلب آنذاك في التفسير والحديث والفقه وعلوم العربية والخط والتاريخ والجغرافية الفلك والرياضيات والطب والفلسفة: القفطي وابن العديم وابن سعيد الأندلسي وابن شداد وابن العجمي وعالي بن إبراهيم الغزنوي وابن الصلاح والكاشغري والكاساني وصقر بن يحيى وعبد الله الجماعيلي والهاشمي عبد المطلب بن عبد الفضل وابن الخباز وشهدة بنت ابن العديم وابن يعيش وابن عمرون وابن مالك والواسطي القاسم بن القاسم والحسين بن هبة الله الموصلي وسعيد بن أبي منصور الحلبي وحمد بن علي المازندراني وابن خروف النحوي وعبد اللطيف البغدادي وعلي بن أبي الفرج البصري والأسعد بن مماتي وابن المولي ويحيى بن محمد وابن أبي طي وياقوت الحموي وحمد بن طلحة والهروي علي بن أبي بكر والسهروردي الفيلسوف المتصوف وأبو الفضل بن يامين الحلبي وأبو الحجاج يوسف الإسرائيلي وغيرهم. ومن أطبائها عبد اللطيف البغدادي وعفيف بن سكرة الحلبي وحسون الرهاوي"ـ وغير هؤلاء كثير.

على أن هناك شيئا فى زاوية السرد الخاصة بالحدوتة، ألا وهى أن الراوى، رغم ما قيل من أنه كان أحد أعضاء الوفد الذى ذهب للقاء الملك الأيوبى وأنه كان حاضرا المجادلة المزعومة فى حضرة الأمير المشمر كلمة كلمة، لم يَرْوِ الحدوتة بضمير المتكلم، شأن من كان فى مثل موقفه من الحضور والمشاركة، بل حكاها بضمير الغائب، لا على سبيل النحو فقط، بل على سبيل الملاحظة والوجدان أيضا، إذ لم يحدث أنْ فَكَّر فى التعبير عن مشاعره مرة أو التعليق على ما جرى رغم خطورته البالغة ولو بكلمة واحدة، فيقول مثلا: كنت واحدا من وفد الرهبان الذى ذهب للقاء الأمير المشمر فى شأن كذا فقال لنا كذا وقلنا له كيت، وكنت أشعر بالسرور وأنا أرى الأنبا جرجى يفحم المشايخ المسلمين ويحظى بتشجيع الأمير...إلخ. بل إنه حين تكلم عن الراهب الذى تولى المجادلة المزعومة لم تبدر منه لفظة واحدة تنبئ أنه كان يعرفه أو كانت له به علاقة قط! وهذه ثغرة خطيرة فى الحدوتة تدل على أنها مصنوعة صنعا وأن قائلها لا يمكن أن يكون قد حضر شيئا مما يَدَّعِى وقوعه بين الأنبا المذكور والمشايخ الثلاثة.

ولكى يعرف القارئ ما أريد أن أقوله ويتمثل الأمر التمثل الصحيح أسوق له هذه الأسطر من رواية أم سلمة رضى الله عنها عما وقع للمسلمين فى الحبشة فى عهد النبى حيث كانت معهم هناك: "قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ الْمَخْزُومِيِّ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ بِنْتِ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ زَوْجِ رَسُولِ اللَّهِ r قَالَتْ: لَمَّا نَزَلْنَا أَرْضَ الْحَبَشَةِ جَاوَرْنَا بِهَا خَيْرَ جَارٍ النَّجَاشِيَّ: أَمِنَّا عَلَى دِينِنَا، وَعَبَدْنَا اللَّهَ تَعَالَى لا نُؤْذَى وَلا نَسْمَعُ شَيْئًا نَكْرَهُهُ. فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ قُرَيْشًا ائْتَمَرُوا بَيْنَهُمْ أَنْ يَبْعَثُوا إلَى النَّجَاشِيِّ فِينَا رَجُلَيْنِ مِنْهُمْ جَلْدَيْنِ، وَأَنْ يُهْدُوا لِلنَّجَاشِيِّ هَدَايَا مِمَّا يُسْتَطْرَفُ مِنْ مَتَاعِ مَكَّةَ، وَكَانَ مِنْ أَعْجَبِ مَا يَأْتِيهِ مِنْهَا الأُدْمُ، فَجَمَعُوا لَهُ أُدْمًا كَثِيرًا، وَلَمْ يَتْرُكُوا مِنْ بَطَارِقَتِهِ بِطْرِيقًا إلا أَهْدَوْا لَهُ هَدِيَّةً، ثُمَّ بَعَثُوا بِذَلِكَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ وَعَمْرَو بْنَ الْعَاصِ وَأَمَرُوهُمَا بِأَمْرِهِمْ، وَقَالُوا لَهُمَا: ادْفَعَا إلَى كُلِّ بِطْرِيقٍ هَدِيَّتَهُ قَبْلَ أَنْ تُكَلِّمَا النَّجَاشِيَّ فِيهِمْ، ثُمَّ قَدِّمَا إلَى النَّجَاشِيِّ هَدَايَاهُ، ثُمَّ سَلاهُ أَنْ يُسَلِّمَهُمْ إلَيْكُمَا قَبْلَ أَنْ يُكَلِّمَهُمْ. قَالَتْ: فَخَرَجَا حَتَّى قَدِمَا عَلَى النَّجَاشِيِّ، وَنَحْنُ عِنْدَهُ بِخَيْرِ دَارٍ، عِنْدَ خَيْرِ جَارٍ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْ بِطَارِقَتِهِ بِطْرِيقٌ إلا دَفَعَا إلَيْهِ هَدِيَّتَهُ قَبْلَ أَنْ يُكَلِّمَا النَّجَاشِيَّ، وَقَالا لِكُلِّ بِطْرِيقٍ مِنْهُمْ: إنَّهُ قَدْ ضَوَى إلَى بَلَدِ الْمَلِكِ مِنَّا غِلْمَانٌ سُفَهَاءُ فَارَقُوا دِينَ قَوْمِهِمْ، وَلَمْ يَدْخُلُوا فِي دِينِكُمْ، وَجَاءُوا بِدِينِ مُبْتَدَعٍ لا نَعْرِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتُمْ، وَقَدْ بَعَثَنَا إلَى الْمَلِكِ فِيهِمْ أَشْرَافَ قَوْمِهِمْ لِيَرُدَّهُمْ إلَيْهِمْ. فَإِذَا كَلَّمْنَا الْمَلِكَ فِيهِمْ فَأَشِيرُوا عَلَيْهِ بِأَنْ يُسَلِّمَهُمْ إلَيْنَا وَلا يُكَلِّمَهُمْ، فَإِنَّ قَوْمَهُمْ أَعْلَى بِهِمْ عَيْنًا، وَأَعْلَمُ بِمَا عَابُوا عَلَيْهِمْ. فَقَالُوا لَهُمَا: نَعَمْ. ثُمَّ إنَّهُمَا قَدَّمَا هَدَايَاهُمَا إلَى النَّجَاشِيِّ فَقَبِلَهَا مِنْهُمَا، ثُمَّ كَلَّمَاهُ فَقَالا لَهُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، إنَّهُ قَدْ ضَوَى إلَى بَلَدِكَ مِنَّا غِلْمَانٌ سُفَهَاءُ فَارَقُوا دِينَ قَوْمِهِمْ، وَلَمْ يَدْخُلُوا فِي دِينِكَ، وَجَاءُوا بِدِينٍ ابْتَدَعُوهُ لا نَعْرِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ. وَقَدْ بَعَثَنَا إلَيْكَ فِيهِمْ أَشْرَافُ قَوْمِهِمْ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَعْمَامِهِمْ وَعَشَائِرِهِمْ لِتَرُدَّهُمْ إلَيْهِمْ، فَهُمْ أَعْلَى بِهِمْ عَيْنًا، وَأَعْلَمُ بِمَا عَابُوا عَلَيْهِمْ وَعَاتَبُوهُمْ فِيهِ...". فانظر كيف روت أم سلمة حكايتها بضمير المتكلم فقالت: "نزلنا، جاورنا، أَمِنّا، عَبَدْنا، لا نُؤْذَى، لا نسمع..." رغم أنها لم تكن من الحاضرين مجلس النجاشى، بل كانت فقط واحدة من جماعة المهاجرين المسلمين هناك، فما بالنا بمن كان حاضرا وسمع ورأى كل شىء كراوى هذه الحدوتة؟

ويقول الراهب جرجى ردًّا على ما نُسِب إلى الأمير المشمّر من سؤاله إياه عن الحكمة فى تحريمهم اللحم والنساء على أنفسهم (مع تأكدى أن الأمير لم يكن بحاجة لمثل هذا السؤال لمعرفته أنه لا ينفر من النساء إلا كل منكوح ذى ... مقروح، إذ لم يخلق الله جنسى الذكر والأنثى فى البشر عبثا، بل لينكح الرجال النساء كى تستمر مسيرة الحياة، أما من يعيب النكاحين فهو لا يمكن إلا أن يكون منكوحا يحقد على النساء ويريد أن ينال نصيبه مثلهن مما عند الرجال، غافلا ب...ه الغبى مثله أن ذلك شذوذ ولواط قذر كخلقته وطبيعته القذرة لا يرضاه الرجال النكاحون الأسوياء)، المهم أن الراهب يقول فى الرد على سؤال الأمير: "ولا نحن نحرّم الزيجة ولا أكل اللحم. وإنما نقصد بذلك العيشة اللطيفة غير الهيولية لنتقرّب إلى الله الجوهر اللطيف غير الهيولي بتلطيف الجسم". ووجه الشاهد هنا هو وصف الراهب المنكوح لله سبحانه بأنه "جوهر لطيف غير هيولى". الله أكبر! أليس هذا شيئا قريبا مما تعب المسلمون فى قوله للنصارى طوال هاتيك القرون؟ أليس ما يزعمونه من أن الله قد تجسد ونزل إلى الأرض وأكل وشرب وتبول وخرأ وشُتِم وضُرِب وأُهين وطُعِن فى جنبه بالحربة ولُعِن وصاح واستغاث وما من مغيث، كل ذلك فساد فى فساد حسب ما قاله ذلك المنكوح فى "لحظة" تجلٍّ كانت استه فيها (على غير العادة الشهرية، وكذلك اليومية، التى تصيبه فيها دائما) لا تنبض بالألم ولا تعانى من سعار الشهوة فنطق بالحقيقة؟ ومع ذلك فمن قال إننا نتقرب لله بالتنكر لأجسادنا وشهواتها؟ إن هذه الأجساد وتلك الشهوات إنما هى جزء أصيل من كياننا لا تستقيم الحياة بدونه، فكيف يطلب عز وجل منا أن نتنكر لها؟ وما العلاقة بين كون الله غير ذى جسد وبين تنكر البشر لأجسادهم؟ لو قال الراهب الأبله إن الاعتدال مطلوب فى إشباع شهواتنا لقلنا له: نعم ونعام عين! أما تجاهل الجسد ومطالبه فإنه ينتهى بكوارث أخلاقية واجتماعية ليس أقلَّها أن يتحول بعض من يتجاهلون تلك المطالب إلى مناكيح، إذ الطبيعة لا ترحم من يتنكر لقوانينها التى فطرها الله عليها، لا تبديل لخلق الله! وحتى المسيح عليه السلام الذى يقول ذلك الراهب ومن على شاكلته إنه هو الله لم يكن ليستطيع أن يعيش إلا بإشباع فمه وبطنه، ولو استطالت به الحياة فأغلب الظن أنه كان سيتخذ له زوجة، إن لم يكن قد تزوج فعلا كما يقول مؤلف "شفرة دافنشى"، وهو أمر غير مستبعد لأنه مسألة طبيعية تماما، وإن لم يرد ذِكْره فى كتب التاريخ التى بين أيدينا! وبالمناسبة فقانون الاعتدال غير خاص بمطالب الجسد، بل يصدق على مطالب العقل والروح كذلك، فمثلا لو أنفق الإنسان عمره أو معظم عمره فى العبادة دون الالتفات لمصالحه الدنيوية أو واجباته الاجتماعية لكانت عقابيل ذلك سيئة أيضا، وقد تكون كارثية فى بعض الأحيان.

ويستمر الراهب فى سماديره قائلا إن "السيد المسيح قال لنا: إنكم ما تقدرون أن تنالوا الفرح والسرور في العالم الآتي دون الشقاء والحزن في هذا العالم الفاني". ونحب أن نعرف أين قال عيسى بن مريم ذلك. وإذا كان هذا القول صحيحا أيــًّا من كان قائله فليس له من معنى إلا أن النصارى كلهم، اللهم إلا من يَصْدُق القولَ والعملَ بذلك من الرهبان (وأين هم؟)، سوف يكون مصيرهم أسود من قرن الخروب، إذ هم كلهم يستمتعون بملاذّ الجسد، شأنهم شأن سائر عباد الله! هيه يا كذاب! ماذا تراك قائلا فى هذا؟ لقد كان المسيح يأكل الطعام الطيب مثلما يحب أن يأكله جميع الناس، وكلنا يعرف كيف حنق عليه السلام على التينة بل لعنها لأنها لم يكن فيها تين فى غير إبانه حسبما لفق مؤلفو الأناجيل! ترى لماذا غضب عليه السلام على الشجرة المسكينة حين لم يجد فى أغصانها تينا رغم أنها لم تكن فى موسم الثمر ورغم أنها لا تعقل ولا تملك من أمر نفسها شيئا؟ أليس لأنه يحب التين ويريد أن يأكله، وهو طيّبة من طيبات الدنيا؟ ألم تطلب أمه أن يوفّر الخمر لضيوف أحد الأعراس فاستجاب لها، وكانت هذه أول معجزة قام بها فى حياته؟ وإن كنا لا نصدق أن أمه قد طلبت منه ذلك ولا أنه عصى الله وصنع هذه المعجزة! ألم يقم بمعجزة إطعام الآلاف طبقا لما جاء فى الأناجيل؟ أهناك من ينكر أن الطعام والشراب لذتان من لذائذ الحياة؟ ألم يعمل بكل ما وهبه الله من مقدرة على شفاء العُمْى والبُرْص والبُكْم، وقد كان ينبغى، لو كان ما نسبه له ذلك الراهب صحيحا، ان يُبْقِيَهم فيما هم فيه من هم وشقاء ومعاناة حتى يكون حظهم فى ملكوت السماوات عظيما؟ ألا يرى القارئ أن ما قاله الراهب الكذاب مجرد كلام فى الهواء لا مضمون له ولا مصداقية فيه؟

كذلك يدل على أن راوى الحدوتة كذاب أيضا فيما قاله عن الجسد وطيبات الحياة أنه يركز، فى مدحه للرهبان، على أشكالهم وملابسهم. ترى لو كان الجسد وما يتعلق به يمثل سوءا ونقمة على صاحبه، فلم اهتم ذلك الكذاب بحلاوة منظر الراهب فوصفه بقلمه مرة، وعلى لسان الشيوخ المسلمين مرة، بطريقة من ينظر إليه على أنه امرأة فاتنة تستهوى ألباب الرجال وعيونهم، فهو يزينها لهم كى ينكحوها؟ إنه يقدمه لنا على النحو التالى: "تَزَيَّنَ بشيبةٍ زاهرةٍ وأخلاقٍ عذبةٍ تتوق الألحاظ إلى معاينته"، كذلك فأبو ظاهر البغدادى يقول عنه: "كل ما عنده حسن وجميل، ووجهه صبيح ومليح". أوهذا كلام من يرى متع الدنيا مناقِضة للعاقبة الحسنى فى دار النعيم؟ جدير بالذكر فى هذا السياق أن نشير إلى ما كان يفعله بعض شياطين المسلمين فى الأزمان القديمة حين كانوا يقصدون الأديرة للفِسْق بالرهبان، وبخاصة الشبان منهم، ثم ينظمون فى هذا شعرا عجيبا حتى تكون الفضيحة بجلاجل. وهذا معروف للجميع، ومن يُرِدْ أن يستزيد من ذلك الموضوع فليقرأ مثلا كتب "الديارات"!

وبالمثل لا يمكن أن يصدّق إنسان أن الراهب يفقد عقله إلى المدى الذى يقول فيه للشيخ: "إننا عارفون أن الغضب والقتل عندكم سنّة لا تُعاب، وعادة بها تفتخرون، وقد قال بعضهم: دارِهم ما دمتَ في دارهم، وأَرْضِهم ما دمتَ في أرضهم... يا أبا سلامة نحن لا نورد مكان الصدق كذبا، وإنما نخشى أن تتصوّر، لغلظ طباعك، الحق كذبا". إن هذا لهو الجنون بعينه، لأن المسلمين لم يكونوا بالهوان الذى يسوّل لمثل هذا الراهب المنكوح أن يجبههم فى وجههم بتلك الكلمات القاسية المهينة. بل إن أحدا من النصارى الآن فى ظل التجبر الأمريكى الحالى والشماتة التى يبديها بعضهم فى أكمامه بالمسلمين لا يجرؤ أن ينطق بشىء من هذا فى مثل تلك الظروف، فما بالنا بالعصر الذى كان المسلمون يُنْزِلون فيه بالصليبيين الضربات تلو الضربات، وكانت ممالك هؤلاء الخنازير فى الشام وفلسطين تتقلص باستمرار وتنبئ الشواهد بأنهم عما قليل مكسوحون إلى بلادهم النجسة مثلهم؟ ثم ما معنى قوله لهم فى وجههم: "دارِهم ما دمت فى دارهم، وأَرْضِهم ما دمتَ في أرضهم"؟ أليس معناه أنه لا يقدر على مواجهتهم بما يريد أن يقوله؟فكيف إذن يواجههم بل يجبههم بذلك الكلام القاسى المهين؟ بل كيف يفضح نفسه ويكشف عن خطته فى مداهنتهم واستغفالهم؟ ما رأيك يا أيها القمص المنكوح، يا من ظننت أنك ستفحمنى بإرسال هذه الحدوتة لى فى بريدى المشباكى؟ أجب يا ذا الدبر المقروح! ردّ يا من تتعذب ليلك ونهارك مما تسومك إياه اسْتُك التى تظل تدهنها بالأصفر والأحمر والأخضر تزيينا لها، والتى لا تكف عن التشنّج والتغنّج، والشهيق والنهيق، والزَّفِير والزَّحِير طول اليوم طلبا للسِّفَاد يا أيها الشائب العائب! أجب، لعنة الله عليك وعلى اسْتٍ تجشّمك كل هذا العذاب والهوان! ألا يمكن أن تفيق مما أنت فيه مرة فتعرف أن دبرك لم يعد صالحا للنكاح بعد أن شاخ كما شِخْتَ، وتهدَّل كما تهدل عقلك الزنخ، وفقد مرونته وخاصته المطاطية (elasticity)، وأن كل ما يمكن أن يصلح له الآن هو تحويله إلى مِبْصَقَة للتفّ والنفّ، أو إلى مِبْوَلَة لقضاء الحاجة؟ تصوروا القمص المنكوح وقد كُتِب عليه طول عمره أن ينام منتكس الوجه، وقد شرع دبره فى الهواء يتلقى فيه ما لذ وطاب، من ذلك السخام والهباب، ثم إذا ما امتلأت استُه المنتنة رَكَله المارة بأقدامهم فقَلَبوه على الناحية الأخرى وأخذوا يتفّون وينفّون ويتبولون فى فمه الأكثر نتانة؟

الدكتور إبراهيم عوض

 الرجوع الي النكاح في الجنة وشطحات زكريا بطرس

  أرسلت في الثلاثاء 26 ديسمبر 2006 اعتمد بواسطة somaliano  


 

روابط ذات صلة
 · زيادة حول - رد شبهات النصارى
· الأخبار بواسطة somaliano


أكثر مقال قراءة عن - رد شبهات النصارى:
الرد علي شبهات النصارى حول القرآن

  .  

تقييم المقال
 
المعدل: 4.8
تصويتات: 5


الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ

  .  

خيارات
 
 صفحة للطباعة صفحة للطباعة

  .  

"حدوتة الأنبا جرجي" | دخول/تسجيل عضو | 0 تعليقات
التعليقات مملوكة لأصحابها. نحن غير مسؤلون عن محتواها.

عبد الباسط عبد الصمد

الرد على القمص إبراهيم لوقا

تنزيه القرآن الكريم

العقيدة المسيحية

الأسفار القانونية الثانية والأبوكريفا

الله واحد أم ثلاثة


برهانكم للرد علي شبهات النصارى مكرس للرد علي ترهات النصاري وتطاولهم علي الإسلام .. حقوق النشر متاحة للجمع ونرجوا ذكر صفحة المقال واسم الكاتب ..