ورأينا تجبُّر إيطاليا على الشعب الليبي في فترة استعمارها له، ومعاملته بكل قسوة وجبروت، وخصوصا مَن قاوموا الاستعمار، مثل عمر المختار ورفاقه.
وقبل ذلك بخمسمائة عام أو تزيد (سنة1591م) ساهمت
الكنيسة الكاثوليكية مع الدولة الأسبانية في إبادة المسلمين من بلاد الأندلس في إسبانيا، عن طريق
التنصير أو القتل أو الهجرة غير الآمنة التي لا توصِّل إلى بلد إسلامي، وانتهى الوجود الإسلامي نهائيا من الأندلس، بعد أن ظلُّوا فيها نحو ثمانية قرون، أقاموا فيها حضارة شامخة متوازنة، تعلَّمت منها أوربا، واقتبست من نورها ما ساعدها على الخروج من ظُلُمات القرون الوسطى.
ورأينا في العصر الحديث: الذين يصوِّرون
الإسلام على غير حقيقته، ويشوِّهون صورته لجماهير المجتمعات الغربية، لينفِّروهم منه، وكتب في ذلك من كتب من المستشرقين والسياسيين - ناهيك
بالمبشرين - وغيرهم، وصبُّوا جام حقدهم على الإسلام، من كل مَن لا يزال يحمل في إهابه الرُّوح الصليبية!
ففي الربع الأخير من القرن التاسع عشر تعرَّض الفيلسوف الفرنسي المعروف (رينان) للإسلام بالنقد العنيف، في محاضرة قريبة في اتجاهها من محاضرة البابا، في جامعة (السوربون) في باريس، عن (الإسلام والعلم)، ردَّ عليها السيد جمال الدين الأفغاني ردًّا موجزا، وردَّ عليها الإمام محمد عبده ردًّا أكثر بيانا وتفصيلا.
وكان مما قاله رينان في محاضرته: (أن الإسلام لا يشجِّع الجهود العلمية، بل هو عائق لها، بما فيه من اعتقاد للغيبيات، وخوارق العادات، وإيمان تام بالقضاء والقدر).
وقد صوَّر رينان: عقيدة التوحيد - التي هي جوهر العقيدة الإسلامية - بأنها تؤدِّي إلى حيرة المسلم! كما أنها تحطُّ به - باعتباره إنسانا - إلى أسفل الدرك!
والحقيقة أن عقيدة التوحيد هي التي تُحرِّر الإنسان من الخوف والذلِّ واليأس والكآبة والقلق، وتضع يد المسلم في يد الله، وتمدُّه بقوة خارقة، حين يعلم أن الله معه، وأنه قريب منه، وأنه يعلم سرَّه ونجواه، وأنه حافظه وحاميه، فيشعر بالأمن والسكينة التي لا يشعر بها الجاحدون، ولا الشاكُّون، ولا المشركون، والقرآن يعتبر الشرك انحطاطا بالإنسان، كما قال تعالى: {وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} [الحج:31].
والقول بأن الإسلام يرفع الإله عن الإنسان في علاء لا نهاية له! قول صحيح في ذاته، ولكنه لا يمثِّل الحقيقة كلَّها. فإن الله هو الكبير المتعال، والإسلام يفرِّق بوضوح بين المخلوق والخالق، وبين الباقي والفاني، وبين المحدود والمطلق، فهو تعالى (فوق عباده) وهو (الرب الأعلى) ولكنه - مع هذا - قريب من عباده: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ} [البقرة:186]، {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} [الحديد:4]، {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق:16].
كما فسَّر (رينان) عقيدة القضاء والقدر، بأنها تعني: الجبر، وسَلبه إرادة الإنسان ومسؤوليته عن عمله، وهو موضوع طويل الذيول، كثير التفاريع، اختلفت فيه الأديان والفلسفات قديما وحديثا، ومَن رجع فيه إلى القرآن يجده بوضوح يحمِّل الإنسان تَبعة ما يعمل، يقول القرآن: {قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا} [الأنعام:104]، {مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا} [الاسراء:15]، {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [فصلت:46]، {وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الزخرف:72]، {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ} [الزلزلة:8].
وبعد رينان جاء فرنسي كاثوليكي آخر، ليسيء إلى الإسلام وأمته وحضارته، بمقالة يكتبها، تنشرها الصحف الفرنسية، ذلكم هو مسيو (هانوتو) المستشرق الفرنسي، ومستشار وزارة الاستعمار الفرنسية. والتي تُرجِمت مقالته ونشرتها صحيفة (المؤيد)، التي كان يصدرها الصحفي الشهير الشيخ علي يوسف، والتي كان لنشرها صدًى واسع في الناس، أثار الرأي العام الإسلامي في مصر، وكان ذلك في نهاية القرن التاسع عشر (1900م) الموافق (1317هـ).
وقد تصدَّى للردِّ على هذا النقد العنيف: أشهر المتحدثين عن الإسلام وأبلغهم في الدفاع عن حِماه، في ذلك الزمن: الأستاذ الإمام محمد عبده، الذي ردَّ على هانوتو بمقالات ثلاث، اتَّسمت بسَعَة العلم، وعمق الفكر، وقوة الحُجَّة، ونصاعة البيان، والجمع بين الأصالة والتجديد، وقوة الاطلاع على
الثقافة الإسلامية والثقافة الغربية بمدارسها المختلفة. وقد كانت مقالات محمد عبده: حديث الناس، وشغلهم في ذلك الوقت.
تكلم هانوتو في مقاله عن تاريخ النزاع بين الإسلام والمسيحية، وتحقُّق الظفر للديانة الأخيرة في القرن التاسع عشر. وقال: (إن فرنسا قد صارت بكل مكان في صلة مع الإسلام، بل صارت صدر الإسلام وكبده(!) فالإسلام يحيط بها في إفريقيا، ويمتدُّ في آسيا إلى الصين، وهو قائم بأوربا في الأستانة حيث عجزت الشعوب
المسيحية عن استئصال جرثومته من هذا الركن المنيع الذي يحكم منه على البحار الشرقية، ويفصل الدول الغربية بعضها عن بعض.
ثم قال: إن المسلمين في سائر أقطار الأرض يتَّجهون إلى الكعبة وتجمعهم رابطة واحدة، وأنهم يكرهون الدول المسيحية التي تحتلُّهم. فالدراويش يبذرون بذور الحقد والكراهية للدول المسيحية حيث حلُّوا في تنقلاتهم بين البدو والقرى والمدن. وقال: إن المتعصِّبين من المسلمين (مثل السنوسي)، تقوم عقيدتهم على كفاح غير المؤمنين، وعلى كراهية المدنيَّة الحاضرة. وقد لبثوا زمنا مديدا لا يرتبطون بعَلاقة ما مع الدولة العليَّة بسبب ما بينها وبين المسيحية من عَلاقات. وانتهى من هذا العرض إلى قوله: توجد بالأستانة نفسها وبالشام وبلاد العرب ومُرَّاكش عصابة خفية ومؤامرة سرية تحيط بنا أطرافها وتضغط علينا من قرب. ويُخشى أن تفترسنا إذا أغمضنا الطرف.
ثم دخل هانوتو في موازنة بين الدينين، فقال: إن المسائل الأساسية في كل دين هي التي ترتبط بالقَدَر، والمغفرة، والحساب. وقال: إن نظرة الأديان والمفكرين إلى هذه المسائل تتمثَّل في اتجاهين: اتجاه يقول بتناهي الربوبية في العظمة والعلو، ويجعل الإنسان في حضيض الضعف ودَرْك الوهن. واتجاه آخر يرفع مرتبة الإنسان، ويخوِّله حقَّ القربى من الذات الإلهية، بما فطر عليه من إيمان وإرادة، وبما أتاه من أعمال صالحة ومن حسنات.
ثم قال هانوتو: إن نتيجة الاتجاه الأول هو تحريض الإنسان على إغفال شؤون نفسه، وبثُّ القنوط في قلبه، وتثبيط همته. أما الاعتقاد بمذهب الفريق الثاني، فهو يؤدِّي إلىالجِلاد والعمل.
ومثَّل للاتجاه الأول بالديانة
البوذية، كما مثَّل للاتجاه الثاني بالثقافة اليونانية. ثم قال: إن المسيحية هي الوارثة لآثار الآريين، وهي منقطعة الصلة بالمذاهب الساميَّة، وإن كانت مشتقَّة منها. أما الإسلام فهو متأثِّر بالمذهب السامي، ولذلك فهو ينزل بالإنسان إلى أسفل الدرك، ويرفع الإله عنه في علاء لا نهاية له. وأصول
الثالوث السري مشتقَّة من ضرورة وجود إله بشري يمحو ذنب الجنس البشري، ويحمِل المسيحي على إتيان الأعمال التي تقرِّبه من الله. أما الإسلام فهو يتمسَّك بالوحدانية، ويرفض ذلك، فيجعل المسلم كمَن يهوي في الفضاء بحسب ناموس لا يتحوَّل، ولا يملك في ذلك من حيلة غير متابعة الصلوات. فلفظ (الإسلام) معناه: الاستسلام لإرادة الله.
ثم أشار هانوتو إلى اختلاف الباحثين والسياسين الفرنسيين في تصوُّر العلائق التي تربطهم بالمسلمين. فالمسيو (كيمُون) يعتقد أن الإسلام جُذام فشا بين الناس وأخذ يفتك بهم فتكا ذريعا. بل هو مرض مريع، وشلل عام، وجنون ذهولي، يبعث على الخمول والكسل، ولا يوقظه منهما إلا ليسفك الدماء. وهو يرى المسلمين وحوشا ضارية. ويعتقد أن الواجب إبادة خُمسِهم، والحكم على الباقين بالأشغال الشاقَّة، وتدمير الكعبة، ووضع ضريح (محمد) في متحف اللوفر. والمسيو لوازون (القس ياسنت سابقا)، يعتقد أن الإسلام هو الدين المسيحي مُحسَّنا ومُحوَّرا. فهو يعتبر الإسلام أرقى مبدءًا، وأسمى كعبا من المسيحية. وهناك فريق ثالث يتوسَّط بين الفريقين، ويقول: إن الإسلام قنطرة للأمم الإفريقية، ينتقلون بواسطتها من ضفة الوثنية إلى ضفة المسيحية.
ثم قال هانوتو: إن هذه الآراء المتباينة هي التي أحدثت التناقض في أعمال فرنسا الاجتماعية والسياسية والإدارية. وطالب أن تقوم السياسة الاستعمارية على الدراسة العميقة الدقيقة للشعوب الإسلامية وللإسلام)[1] اهـ.
وقد ردَّ الشيخ الإمام محمد عبده - كما ذكرنا - على هذه الدعاوى الظالمة والزائفة، بمنطق علمي موضوعي تاريخي سليم كلِّ السلامة، لا يستطيع أحد أن يعترض عليه، ولا أن يجد فيه شائبة لتحامل أو تعصُّب، أو اتجاه عاطفي. ولا يتَّسع المجال هنا، لأورد هذا الردَّ النبيل، وأحيل القارئ ليقرأه في موضعه، في تاريخ الأستاذ الإمام، كما أنه نشر منفردا، وكذلك نقل منه وعقَّب عليه أستاذنا الدكتور محمد البهي في كتابه القيم: (الفكر الإسلامي الحديث، وصلته بالاستعمار الغربي). وقد عقَّب على الجانب الفكري من مقالة (هانوتو). أما ما نقله (كيمون) واتهاماته الفاجرة للإسلام، وافتراءته على المسلمين، واقتراحه تدمير الكعبة، ووضع قبر محمد في متحف اللوفر، فهي لا تستحقُّ أن يقف عليها عالم أو مفكر.
ولكنا سننقل عن الإستاذ الإمام في مقام آخر: ردَّه في قضية مشابهة اتُّهم فيها
الإسلام بأنه يضادُّ العلم والفلسفة، ولا يتَّسع لهما، كما تتَّسع النصرانية. وذلك في ردِّه على فرح أنطون، ومجلة (الجامعة).
نسينا الماضي وفتحنا صفحة جديدة
ومع هذه المرارات التي تجرَّعناها مع
الكاثوليك: رأى الكثيرون من المسلمين - وخصوصا من علمائهم ومفكريهم ودعاتهم - أن يفتحوا صفحة جديدة
مع الكاثوليك خاصة، ومع النصارى عامة، وعُقدت من حوالي أربعين سنة ندوات وحلقات ومؤتمرات للحوار الإسلامي المسيحي، رحَّبنا به وفتحنا له صدورنا.
ولم يكن ذلك منا موقفا بعيدا عن الدين، أو خارجا على تعاليمه، مداهنة في ديننا، أو مجاملة لغيرنا. بل هو نصُّ ما أمر به ديننا في منهج الدعوة إلى الإسلام، وهو الذي بيَّنته الآية الكريمة بكلماتها البليغة الموجزة من سورة النحل: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل:125].
فالدعوة بالحكمة والموعظة الحسنـة تكون - عادة - مع الموافقين. والجدال - (أو الحوار) - بالتي هي أحسن، تكون - عادة - مع المخالفين.
وقد ذهب وفد من رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة، على رأسه الأمين العام للرابطة الشيخ محمد علي الحركان، للقاء الكرادلة والأساقفة في
الفاتيكان، وكان في وفد الرابطة عالمان معروفان، هما: د. معروف الدواليبي، و د. محمد المبارك، وغيرهما.
وصدرت الحوارات والموضوعات التي تناولها المتحاورون في كتاب.
وصارت حوارات في ليبيا، وحوارات في مصر، وحورات في غيرهما من البلدان العربية والإسلامية والأوربية.
وشاركتُ في حوار مع أحبار الكنيسة فيما سُمِّي القمة الإسلامية المسيحية الأولى في روما في أكتوبر 2001م، وفي القمة الثانية في برشلونة 2003م.
وقلنا: يجب أن ننسى سواد الماضي وظلامه وظلمه، ونعيش على حاضر جديد، ونتطلَّع إلى مستقبل أفضل، يسود فيه التفاهم، والتسامح، بل التعاون بين الأديان الكتابية بعضها وبعض.
ولكن العالم المسيحي للأسف، لا تزال تسري في جنباته بقايا الرُّوح الصليبية القديمة، وإن ظهرت في ثوب جديد، وبأسلوب جديد، اشتركت في ذلك المسيحية الغربية بكل أطيافها ومذاهبها.
تجلَّى ذلك فيما سُمِّي (الحرب على الإرهاب) وهو في الحقيقة: الحرب على الإسلام، وعلى أمة الإسلام.
وتجلَّى ذلك في التضييق على العمل الخيري في كل مكان، وعلى الدعوة الإسلامية في أنحاء العالم، وعلى مسلمي أوربا وأمريكا، وأبرز مثل لذلك: قضية الحجاب في فرنسا.
وتجلَّى ذلك أيضا في الرسوم الدانماركية الكاريكاتورية المسيئة إلى رسول الإسلام، والبالغة في الإساءة والإسفاف حدًّا لا يمكن السكوت عليه.
ثم فوجئنا أخيرا بهذا الهجوم من أكبر شخصية مسيحية في العالم: بابا الفاتيكان، فهل هذه يا ترى عودة إلى الوراء؟ هل هي حرب صليبية جديدة، كما قالها بوش يوما، وإن اعتذر المعتذرون عنه بأنها سبق لسان؟
الشيخ يوسف القرضاوي
[1]- انظر: الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر للدكتور محمد حسين جـ2 صـ347 وما بعدها، طبعة دار النهضة العربية الثالثة، وانظر أيضا: الفكر الإسلامي الحديث للدكتور محمد البهي صـ30 – 34 طبعة دار الفكر. بيروت، وتاريخ الأستاذ الإمام جـ2 صـ401 – 424.