الشيخ يوسف القرضاوي
قد تساءل الكثيرون عن (الدوافع) الحقيقية وراء هذا الهجوم البابوي على نبي الإسلام، وعلى عقيدته، وشريعته، وحضارته، وأمته؟
وتعدَّدت الآراء في التفسير والتعليل، واختلفت في البرهنة والتدليل، لأن النوايا الحقيقية تكنُّها القلوب، والله وحده هو الذي يعلم ما تُخفي الصدور، والبشر لهم الظواهر، والله يتولَّى السرائر.
وقد لخَّص الأستاذ الدكتور عز الدين إبراهيم المستشار في وزارة شؤون الرئاسة في (أبو ظبي)، ورئيس مجلس أمناء (دار زايد للثقافة الإسلامية)، مقالات المتكلمين والمحللين
لدوافع البابا تلخيصا حسنا، في دراسته الشاملة عن مقالة البابا، أو قُل عن محاضرته، وأنا أنقله عنه هنا:
(أما عن الدوافع: فقد قامت نظريات لا يمكن القطع بصحة أيٍّ منها، فالله وحده هو المطَّلع على النوايا. ومع ذلك فإن كلا منها يُلقي ظلالا على الموقف وآثاره.
فهناك مَن يقول بأن البابا يريد أن يغطِّي على ماضيه مع الحركة النازية المعادية للصهيونية، أو كما يقال - المعادية للسامية - فقد كان البابا ضمن الشبيبة الهتلرية في صباه، ثم خدم في سلاح المشاة بالجيش النازي ووقع في الأسر. وهذا الانخراط في النازية لا يمكن أن تنساه إسرائيل وحُماتها، وسوف تُبرز هذه الورقة عند اللزوم إذا كان ذلك في مصلحتها، ولكنها يمكن أن تتناساه إذا خاصم الرجل الدين المُواجه للصهيونية وأتباعه، وهو ما يمكن القول بأن المحاضرة قد قامت به.
وهناك مَن يقول بأن المذهب الكاثوليكي في الولايات المتحدة يعاني من مشكلات أثَّرت على سُمعته لدى المجتمع الأمريكي، فجاءت هذه المحاضرة لتُجامل السياسة الأمريكية وتعاضدها في حربها المسمَّاة أحيانا بالحرب على الإرهاب، وأحيانا أخرى معاداة الفاشية الإسلامية. فها هو الحبر الأعظم يقول ما تقوله السياسة من موقعه كأكاديمي لاهوتي قديم، ورأس للكنيسة الكاثوليكية، ورئيس لدولة الفاتيكان، ويتوقَّع في مقابل ذلك ترميم سُمعة الكنيسة في تلك الديار.
وهناك مَن يقول بأن البابا لا يريد للوجود الإسلامي في أوربا أن يتَّسع ويتثبَّت، وقد عبَّر عن ذلك صراحة في معارضته العلنية، حينما كان (الكاردينال جوزيف راتزِنجر) لانضمام تركيا المسلمة إلى الاتحاد الأوربي باعتبار أنها تنتمي لحضارة غير متجانسة مع الغرب المسيحي.
وأخيرا هناك مَن يقول بأن البابا ينتمي إلى الفريق الكنسي الذي لا يؤيِّد الحوار الجاد مع الأديان، لأن فيها تعطيلا وتنكُّرا لرسالة التبشير المسيحية (انظر: جون ستوت في كتابه Christian Mission in The Modern World). ويستشهد هؤلاء على هذه الدعوى بأن البابا بدأ فترة بابويته بنقل الكردينال البريطاني فيتز جيرالد من موقعه في الفاتيكان إلى الخارج، وهو من أعلام الحوار في روما.
وإذا لم نكن قد أكَّدنا أيًّا من هذه الدعاوى عن الدوافع، فإننا لا نتصوَّر أن الناس سوف يُسقطونها من حسابهم)[1].
وقد سمعتُ من عدد من الأوربين المسلمين يؤكِّدون: أن دافع البابا هو خوفه مما يرى من
انتشار الإسلام في العالم بصفة عامة، وفي أوربا بصفة خاصة، فكان هجومه الحاد والمفاجئ نوعا من الدفاع الخفي أمام ظاهرة انتشار الإسلام السلمي.
[1]- محاضرة البابا بينديكيت السادس عشر وتوابعها: دراسة شاملة بقلم د. عز الدين إبراهيم صـ15، 16، نشرتها جريدة الخليج بتاريخ: 18/ 10/ 2006م.
الرجوع الي ردود يوسف القرضاوي على شبهات النصارى
الرد علي بابا الفاتيكان