ومن أي بلد قدِم؟ من إيران، أي من بلاد الفرس؟ هل الفرس في ذلك الحين كانوا معنيين بجدال البيزنطين، الذين يقاتلون خصومهم الأتراك؟
وأين موقع هذا المسلم - أيًّا كان قدره ومستواه - في هذا الجدال: ما أسئلته للقيصر؟ وما ردوده عليه؟
بالطبع مصدرنا في هذا كله، هو ما كتبه الإمبراطور مانويل الثاني، فليس لنا لهذه القصة كلِّها مصدر سواه.
ولو كانت قد حصلت بالفعل، ولم يكن افتراضا من الإمبراطور، وهو أسلوب أدبي متَّبع لدى بعض الكُتَّاب، كأن يقول سألني سائل عن كذا، فقلت كذا. أو قال التلميذ الفتى لشيخه المربي، ونحو ذلك ... فإن القيصر لم يكتب هذه المحاورة حال وقوعها أو بعده بقليل، بل يبدو أنه كتبها بعد سنوات، وكتبها كما يريد هو، وأجرى الحوار كما يريد أن يجري.
وسنناقش في الصحائف القادمة بالتفصيل: ما جاء في كلمة البابا على لسان القيصر، مما يتعلَّق بالإسلام ونبيه وعقيدته وشريعته وحضارته وأمته.
البابا وتفسير القرآن:
أقحم
البابا (بنديكتوس) نفسه فيما لا يُحسنه من علوم القرآن وتفسيره، واجترأ على أن يقول فيه بغير علم، وهو ما لا يليق بمثله، وحوله الخبراء والمستشارون، وما أسهل أن يرجعوا إلى كتاب من كتب التفسير المعتمدة عند المسلمين، فيعرفوا منها المعنى المقبول أو الراجح.
ولكن البابا لم يفعل ذلك، وتعرَّض للكلام في آية [البقرة]: {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} [البقرة:256].
قال البابا: إن القيصر كان يعلم بيقين: أن الآية (256) من سورة البقرة تقضي بأن: {لا إكراه في الدين} وهي آية من السور الأولى، التي نزلت لما كان محمد - كما قال لنا العارفون - لا يزال عديم القوة، وواقعا تحت التهديد.
لكن القيصر كان يعلم كذلك: أن آيات أخرى من القرآن نزلت بعد ذلك تتضمَّن تحديدات وتدقيقات أخرى حول الحرب المقدَّسة (يعني
الجهاد).
فالبابا يزعم حسبما قاله العارفون: أن آية: {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} كانت من أوائل ما نزل من القرآن، عندما كان محمد ضعيفا عديم القوة، يعيش تحت سلطان مشركي قريش الذين يسودون مكة، ويتحكَّمون في مصيرها.
وهنا يبدو البابا ومن حوله من العارفين الذين يعتمد عليهم: غاية في الضحالة والجهل بالأوليات اللازمة لمعرفة القرآن وعلومه وتفسيره. فمن المعروف: أن هناك قرآنا مكيًّا (نزل في مكة قبل الهجرة)، وقرآنا مدنيًّا (نزل في المدينة بعد الهجرة). وأن سورة البقرة من السور المدنية بالإجماع، وموضوعاتها تدلُّ على ذلك. فكيف تستثنى منها آية واحدة، لتنزل في السور الأولى، أي في أوائل العهد المكي؟! هذا أمر غير مفهوم قط.
ولو رجع البابا والعارفون الذين فسَّروا له الآية، إلى أي كتاب من كتب تفسير القرآن، لعلم أن هذه الآية لم تنزل إلا بعد عدَّة سنوات من الهجرة، أي بعد غزوة بدر، وجلاء بني قينقاع من
اليهود، ووقوع غزوة أحد، وجلاء بني النضير، وكان من أبناء الأنصار مَن دخل في اليهودية بنذر أمه: إذا عاش ولدها: أن تُهوِّده! فلما وقع الجلاء من المدينة لبني النضير، قال آباؤهم: أبناؤنا، كيف نَدَعهم يرحلون معهم؟ وأرادوا أن يُكرهوهم على ترك اليهودية، والبقاء مع أهليهم وعشيرتهم وقومهم، فنزلت الآية الكريمة: {
لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ}.
وأما ما زعمه البابا من الآيات الأخرى التي نزلت بعد ذلك حول (الحرب المقدسة) أو الجهاد، والتي يرى الإمبراطور البيزنطي - والبابا تبعا له - أنها تحمل في طياتها (العنف) مع الآخر، وتدعو إلى نشر الدين بحدِّ السيف! فسنردُّ عليها في موضعها، ردًّا يُخرس كل معاند، ويُسكت كل مجادل بالباطل
"