كان القمص إبراهيم لوقا أمينا في الباب الرابع الفصل الأول وهو يثير
شبهته حول روح الله فأورد الآية التي يستشهد بها كاملة وبل وتكرم فأورد أقوال المفسرين غير رفض الأخذ بها وأقام نفسه مفسرا فقال
" هذا هو النص، وهذه هي خلاصة تفسيره، ولكننا نقول إن النتيجة التي يخرج بها من اطلع على النص وتفسيره هي أن الإسلام يشهد شهادة ناطقة صريحة بأن
المسيح إله حق، حسب ما تُعلّم به المسيحية وتعتبره أساس إيمانها القويم. فالقرآن يدعو المسيح كلمة الله وروحاً منه، "
هل حقا ان كل من يتطلع علي الآية يراها ناطقة بإلوهية المسيح ؟؟
علي القارئ أن يحكم بنفسه وعلينا أن نورد الآية وهي قوله تعالي
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ( النساء : 171 )
لقد عنون القمص شبهته ب " المسيح روح الله " وقال ان الآية تعترف للمسيح بهذا اللقب المجيد وبالرجوع إلي الآية لا نجد إن المسيح روح الله وإنما روح منه وجميع الأشياء منه وهو القائل (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ) [ الجاثية : 13 ]
مرادفات الروح
لكلمة الروح أكثر من معني منها النفس الني يحيا بها البدن والروح جبريل عليه السلام والروح وصف للقرآن (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مّنْ أَمْرِنَا ) [ الشورى : 52 ] ومن معانيها الرحمة { وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مّنْهُ } [ المجادلة : 22 ] أي برحمة منه .. ومن أكثر المعاني شيوعا عند النصارى النبي والشيطان وقد جاءت كلمة الروح بمعني النبي في رسالة يوحنا الأولي 4/1 . أيها الأحباء لا تصدقوا كل روح بل امتحنوا الأرواح هل هي من الله لان أنبياء كذبة كثيرين قد خرجوا إلى العالم ) وجاءت بمعني الشيطان في أماكن عديدة منها مرقص 1/12 (وللوقت أخرجه الروح إلى البرية ) ومتي 4/1 ثم أصعد يسوع إلى البرية من الروح ليجرب من إبليس) ومتي 8/16 (فأخرج الأرواح بكلمة وجميع المرضى شفاهم ) ولما كانت كلمة الروح تعني النبي أو الرسول والآية تخبرنا أن المسيح روح منه فإننا لا نري سببا لأن يتخبط القمص في فهم الآية علي ان المسيح روح منه ( رسول منه ) فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ ) خاصة وان المسيح لم يوصف في كتاب النصارى بأنه روح الله ولا حتى أنه روح منه
يقول المفسرون ان إضافة الروح إلي الله هو لأجل التشريف والتعظيم للمسيح عليه السلام ويلاحظ ان كلمة الروح لم تأتي في القرآن بمعني سيء ولا مرة بينما وردت في
الكتاب المقدس في أكثر الحالات بمعني الشيطان وإن كانت إضافتها إلي الله لأجل التشريف في القرآن فان إضافة الروح إلي الإله في الكتاب المقدس لا تزيد ولا تنقص من شرف المضاف إذ ان الكتاب المقدس لم ير بأسا من إضافة الشيطان إلي الإله فقد جاءت عبارة " روح منه " في الكتاب المقدس بمعني شيطان منه وذلك في سفر صمويل الأولي 16/14 – 16 (وفارَقَ روحُ الرَّبِّ شاوُل، ورَوَّعَه رِوحٌ شِرِّيرٌ مِن لَدُنِ الرَّبّ. 15 فقالَ لِشاوُلَ حاشِيته: "هُوَذا روحٌ شِرِّيرٌ مِن لَدُنِ اللهِ يُرَوَعُكَ. فلْيَأمُرْ سَيِّدُنا حاشِيَتَه الَّذينَ أَمامَه أَن يَبحَثوا عن رَجُل يُحسِنُ العَزفَ على الكِنَّارة، حتَّى إِذا اعتَراكَ الرُّوحُ الشِّرِّيرُ مِن لَدُنِ الله، يَعزِفُ بِيَدِه فتَتَحَسَّنُ حالَتُكَ " ( النسخة الكاثوليكية )
يلاحظ ان الترجمة قامت بمحاولة لا بأس بها من تقليل أثر وقع الكلام علي القارئ حيث استخدمت كلمة " شرير " بدلا من كلمة " شيطانية " بينما ترجمة الفاندايك استخدمت كلمة " رديء " مكان كلمة " شيطانية " والشيطانية هي الكلمة التي استخدمتها النسخ الإنجليزية وقال المفسر آلبيرت بانز في تفسيره لهذا النص " ان الروح الشيطانية المذكورة هنا يقصد بها روح الله " ¹
يلاحظ أيضا إضافة كلمة " لدن " بين " من و الرب " لإبعاد كلمة " روح شيطانية " من الرب , بينما استخدمت ترجمة الفاندياك عياره " من قبل من الرب وهذا وإن لم يغير المعني لكنه يقلل وقع العبارة السلبي علي القارئ فلا شك ان عبارة " روح شيطانية من الله " لها إيقاع مؤلم أكثر من عبارة " روح رديء من قبل الرب
يقول القمص
" وبما أن الإسلام لقب المسيح بأنه كلمة الله
وروح منه، فليس أمامنا إلا الاعتراف بأن المسيح هو الله سبحانه وتعالى. ... إذ لا يمكن أن يكون المسيح من روح الله إلا إذا كان من جوهره. فهو إذاً إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق. "
وفي ضوء النصوص المذكورة والتي وصفت الشيطان بأنه روح من الله يظهر مدي خطورة استنتاج القمص إبراهيم لوقا إذ انه يفهم منه أن النصرانية تري إن الشيطان أيضا إله كونه روحا من الإله
ويقول ايضا
ثم أن المنطق نفسه يقودنا كما قادنا في دعوة القرآن للمسيح بأنه كلمة الله إلى ضرورة الاعتقاد بإلوهية المسيح ما دام هو من روح الله، لأن روح الله لا بد أن يكون أزلياً كالذات
ويقول
فالقرآن يدعو المسيح كلمة الله وروحاً منه، وهذا يدفعنا إلى أنْ نتساءل: أكان الله قبل أن يبدع هذا العالم ذا روح وكلمة، أم لم يكن كذلك؟ فإن قيل هو روح وكلمة منذ الأزل، قلنا أهُمَا ذات الله أم غيره؟ فإن قيل هما غيره، قلنا، إذاً فمع الله اثنان، ومن كان معه غيره فهو ليس واحداً. وهذا باطل
ويقول
لأننا نعتقد فيه الحياة والنطق منذ الأزل، وليس من سبيل للاستدلال على الحياة والنطق إلا بالروح والكلمة، لأن الروح جوهر الحي،
يلاحظ من أقوال القمص أنه تارة يستخدم عبارة " روح منه " وتارة " روح الله " وسوف نتجاهل تردده ونشرع في مناقشة العبارة التي جعلها عنوانا لهذيانه وهي " روح الله "
بداية نذكر سبب تخبط النصارى في هذا الأمر ونري أنه ناجم من إيمانهم بتجسد الإله الذي رسخ في أذهانهم شكلا بشريا لله ومما زاد ذلك رسوخا في أذهانهم بعض نصوص العهد القديم التي لم تترجم بدقة فأعطت معاني غير دقيقة كالنص الوارد في التكوين 1/26 (. وقال الله نعمل الانسان على صورتنا كشبهنا ) وتأثروا أيضا بالنصوص التي طالتها أيادي الوثنيين كتلك التي تذكر ان الإله تصارع مع يعقوب أو انه يصفر للذباب ويحلق شعر رجليه وأحشائه ترن .. يحزن فيولول .. يأسف فيندم ... وهكذا يرون في الله جميع صفات البشر فيحسبون ان الله بحاجة إلي روح كي يحيا ولم يدركوا ان الله حي بذاته فقالوا ان الله حي بروحه .. وقال القمص في مقدمة الباب الثالث " فالله موجود بذاته، حي بروحه، ناطق بكلمته." وكرر هذا المفهوم في الفصل الذي بين أيدينا في قوله " وليس من سبيل للاستدلال على الحياة والنطق إلا بالروح والكلمة، لأن الروح جوهر الحي، " .. ويرفض النصارى أن في مفهومهم هذا, تركيب أو تجزيء قائلين بأن الروح والذات واحدة .. وهذا ما يعبر عنه القمص في قوله " فإن قيل هو روح وكلمة منذ الأزل، قلنا أهُمَا ذات الله أم غيره؟ فإن قيل هما غيره، قلنا، إذاً فمع الله اثنان، ومن كان معه غيره فهو ليس واحداً. وهذا باطل " لكن نجده القمص لا يثبت علي قوله فنراه يقارن بين الروح والذات في قوله " لأن روح الله لا بد أن يكون أزلياً كالذات " ومن هذا القول يتضح ان الروح ليست هي الذات
يحتج النصارى بقول الله سبحانه وتعالي في سورة الأنبياء : 91 ( وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آَيَةً لِلْعَالَمِينَ ) ويري النصارى ان هذه الآية تؤيد مفهومهم في ان الله حي بروحه .. ولتوضيح ما أشكل عليهم نطرح سؤالا وهو , هل كل ما أضيف إلي الله من ذات الله ؟؟
لا .. لأن ألمصاف إلي الله نوعان .. النوع الأول إضافة صفة لا تقوم بنفسها كالعلم والقدرة والنوع الثاني وهو الذي يهمنا حاليا وهو إضافة عين قائم بنفسه كبيت الله (وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ) الحج :26 ) وكرسول الله وناقة الله (فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا ) الشمس : 13 )
ومن الكتاب المقدس أضيف البيت إلي الإله في سفر الخروج 23/19 (أول إبكار أرضك تحضره إلى بيت الرب إلهك ) ويشوع 6/24 (واحرقوا المدينة بالنار مع كل ما بها.انما الفضة والذهب وآنية النحاس والحديد جعلوها في خزانة بيت الرب ) وجبل الرب في التكوين22/14 (حتى انه يقال اليوم في جبل الرب يرى ) وفي مزمور 24/3 (. من يصعد إلى جبل الرب ومن يقوم في موضع قدسه )
هذه النصوص تكفي ان توضح ان ليس كل ما يضاف إلي الله من ذاته ولا أتصور ان يتهور القمص إبراهيم لوقا ويقول ان الناقة من ذات الله وان البيت من ذات الله وان الجبل من ذات الله وان الخزانة من ذات الله
يقول بعض من ناقشتهم في هذه المسألة ان هذه النصوص تتحدث أشياء معلومة لنا ومن البديهي أنها ليس من ذات الله ولكن الروح إذا أضيفت إلي الله لا بد أن تكون من ذاته .. وهذا الكلام هش لا دليل عليه وقد ذكرنا ان الروح الشيطانية أضيفت إلي الإله في صمويل 16/14 فهل الشيطان من ذات الإله ... بالطبع هذا لا يقبله أحد بل وهناك نص أكثر دلالة من نص صمويل .. ورد النص في سفر الرؤيا الإصحاح 3/1 ( واكتب إلى ملاك الكنيسة التي في ساردس.هذا يقوله الذي له سبعة أرواح الله. ) وفي الرؤيا 4/5 ( ومن العرش يخرج بروق ورعود واصوات.وامام العرش سبعة مصابيح نار متّقدة هي سبعة ارواح الله. ) وفي الرؤيا 5/6 (. ورأيت فاذا في وسط العرش والحيوانات الأربعة وفي وسط الشيوخ خروف قائم كأنه مذبوح له سبعة قرون وسبع أعين هي سبعة أرواح الله المرسلة إلى كل الأرض. )
يتضح من هذه النصوص أن الأقانيم أكثر من ثلاثة مما يبطل عقيدة
الثالوث وينصب الشيطان إلها .. وأمم هذه الحقيقة لا مفر للنصارى من تأويل هذا النص والإقرار بأنه ليس كل ما يضاف إلي الله يجب أن يكون من ذات الله
محمود أباشيخ - صوماليانو
"