زائر المراسل "
هل أتى الإسلام بجديد
الشيخ عبد الله علوان
من خصائص التشريع الإسلامي أنه يلائم بين المادة والروح ، يوفق بين الدنيا والآخرة ويربط بين العبادة والحياة .. بل ينظر إلى الحياة على أنها وحدة متكاملة توظف الإنسان على أن يؤدي حق ربه ، وحق نفسه ، وحق غيره بكل دقة وأمانة وتساوٍ وتنسيق ؛ وبهذا يتسنى للإنسان أن يمارس الحياة الاجتماعية العملية بكل طاقاته وأشواقه على أسس من مباىء الإسلام توافق الفطرة ، وتتلاءم مع واقعية الحياة .
فالإسلام بتشريعه المتكامل لا يقر الحرمان ، ولا الترهبن ، ولا العزلة الاجتماعية ، وفي الوقت نفسه لا يقر الإنسان في أن ينهمك بكليته في الحياة المادية ، وينسى ربه والدار الآخرة ؛ بل يهيب به أن يتوازن مع هذا وذاك ، وأن يعطي حق الله ، وحق نفسه ، وحق الناس .. دون أن يغلب حقاً على حق ، ودون أن يتساهل في واجب على حساب واجب آخر .
والقرآن الكريم قد قرر هذا التوازن بين المادة والروح ، وبين العبادة والحياة في كثير من آياته التي تلامس المشاعر والوجدان قبل أن تخاطب عقل الإنسان .
ففي تذكيره بأداء حق الله في العبادة في غمرة الانهماك في الأعمال الدنيوية ، والمزاولات التجارية يقول في سورة النور :
{رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار} .
وفي تذكيره بأداء حق النفس والعيال في التكسب ، وابتغاء الرزق في غمرة المناجاة الربانية ، والنفحات المسجدية ، يقول في سورة الجمعة :
{فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله ..} .
ومن الأصول التي وضعها القرآن الكريم في هذا التوافق :
ابتغاء الدار الآخرة مع الأخذ بحظوظ الدنيا : قال تعالى في سورة القصص :
{وابتغ فيما أتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا ..} .
الاستنكار على من يحرم على نفسه الزينة المباحة ، والطيبات من الرزق : قال تعالى في سورة الأعراف :
{قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده ، والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة ..} .
وما ذاك إلا ليوازن الإنسان بين الدين والدنيا ، والعبادة والحياة .
ولو تأملنا مواقف رسول الله r في تحقيق التوافق ، ومعالجة ظاهرة العزلة والانطوائية والتخلي عن الدنيا ؛ لازددنا يقيناً أن هذه المواقف ، وهذه المعالجة قائمة على إدراك فطرة الإنسان ، ورامية إلى تلبية أشواقه وميوله ، حتى لا يتجاوز أي فرد من أفراد المجتمع حدود فطرته ، ولا يسلك سبيلاً منحرفاً يصطدم مع أشواقه ؛ بل يسير على مقتضى المنهج القويم السوي الذي رسمه الإسلام سيراً طبيعياً متوازناً معتدلاً سوياً بلا عوج ولا شذوذ ولا التواء .
وإليكم بعض هذه المواقف :
روى الشيخان عن أنس t : (جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي r يسألون عن عبادة النبي r، فلما أخبروا كأنهم تقالوا (أي وجدوها قليلة ) ، فقالوا : وأين نحن من النبي r قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ؟!!..
قال أحدهم : أما أنا فإني أصلي الليل أبداً !!
وقال آخر : أنا أصوم الدهر ولا أفطر !!
وقال آخر : أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً !!
فجاء رسول الله r فقال : " أنتم الذين قلتم كذا وكذا ، أما والله إني لأخشاكم لله ، وأتقاكم له ، لكني أصوم وأفطر ، وأصلي وأرقد ، وأتزوج النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني " ) .
ثبت في الصحيح أنه r أنكر على عبد الله بن عمرو بن العاص حينما علم أنه قد تخلى عن الدنيا ، وعزم على نفسه أن لا ينام ، وأن لا يفطر ، وأن لا يأكل اللحم ، وأن لا يؤدي إلى أهله حقها ، فقال له r ناصحاً وموجهاً ومرشداً : " إن لك في رسول الله أسوة حسنة ، إن رسول الله r ينام ويصلي ، ويصوم ويفطر ، ويأكل اللحم ، ويؤدي إلى أهله حقوقهن . يا عبد الله بن عمرو : إن لله عليك حقاً ، وإن لنفسك عليك حقاً ، وإن لأهلك عليك حقاً ، فأعط كل ذي حق حقه" .
من هذه المواقف التي وقفها النبي r مع بعض أصحابه تعطينا دليلاً قاطعاً ، وحجة بينة على أن هذا الإسلام العظيم هو دين الفطرة ، والتوازن ، والوسطية والاعتدال ؛ يضع الأسس الكفيلة ، والمبادىء الواقعية في بناء الشخصية الإنسانية واكتمالها وتوازنها لتنهض برسالتها ، ومهمتها في الحياة على أكمل وجه .
هذا شرع الله فأروني ماذا شرع الذين من دونه ، ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون .
الشيخ عبد الله علوان
الدهاب الي - الرد علي شبهات النصاري حول الإسلام
مقالات مشابهة
هل جاء الإسلام بجديد - القرضاوي
إنسانية واحدة كريمة - ردا على سؤال : هل أتي الإسلام بجديد - سعيد حوا
"