هل صحيح أن النصرانية تُعنى في عقائدها برعاية العقل، وترفض كل ما يخالفه؟
الحقيقة: أن الردَّ على هذين السؤالين كليهما بالنفي. بل العكس هو الصحيح، بل الصواب الذي تثبتُهُ كلُّ البراهين من داخل الدينين ونصوصهما ومصادرهما، ومن خلال موقف كل منهما مع العقل والعلم في التاريخ.
مَن يقرأ
الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد: فلا يكاد تمرُّ به هذه الكلمات: عقل يعقِل، وتفكَّر يتفكَّر، ونظر ينظُر، وكلمات: البُرهان والحجَّة والبيِّنة، والحِكمة والفقه، والعلم والتدبُّر، والألباب والنُّهي، وأمثالها.
وهذه الكلمات شائعة في
القرآن الكريم في سُوره المكيَّة والمدنيَّة، وقد ألَّفتُ كتابا سميتُه: (العقل والعلم في القرآن الكريم)[1]، بيَّنتُ فيه موقف القرآن من العقل والعلم، وهو أمر في غاية الوضوح. وهو ما جعل كاتبا عربيا مدنيا كبيرا مثل الأستاذ
عباس العقاد ، يؤلِّف كتابا عنوانه: (التفكير فريضة إسلامية).
إن المحقِّقين من علماء الإسلام مثل: الباقلاني والإسفراييني والجُويني والغزالي والرَّازي والآمدي، وغيرهم: جعلوا العقل أساس النقل، ولو انتفى العقل لانهدم النقل. أي انتفى ثبوت الوحي والنبوة، لأن النبوة لم تثبُت إلا بالعقل، إذ يستحيل أن تثبُت بالنقل، وإلا لزم الدور.
ويُعبِّر الإمام الغزالي عن ذلك بأن العقل هو الذي يثبتُ النقل، وبعد ذلك (يعزل العقل نفسه) ليتلقَّى من الوحي الإلهي، قائلا لكلِّ ما يأمره به أو ينهاه عنه: { سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} [البقرة:285].
ويُقرِّر المحقِّقون من العلماء: أن إيمان المُقلد غير مقبول، ولا يُحقِّق له النجاة عند الله والخلاص في الآخرة، بل يجب أن يؤمن عن طريق الدليل، ولو كان إجماليا، وغير مُرتَّب ترتيبا منطقيا. قال تعالى: { قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } [النمل:64]، { نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } [الأنعام:143]. كما قال صاحب الجوهرة في علم التوحيد:
إذ كلُ مَن قلَّد في التوحيد إيمانُه لم يخلُ من ترديد
وهذا بخلاف الإيمان في
النصرانية، فهو قائم على الوُجدان لا على البُرهان، وعلى التسليم لا على التفكير، ولهذا شاع عندهم قولهم: آمن ثم اعلم! اعتقد وأنت أعمى! أغمض عينيك ثم اتبعني!
الإمام محمد عبده يردُّ على فرح أنطون:
وقد ثارت قضية مُشابهة من بعض الوجوه، لقضية البابا في عصر الشيخ الإمام محمد عبده، أثارها الكاتب اللبناني فرح أنطون في (مجلة الجامعة)، التي كان يُصدرها، وزعم فيها أن النصرانية بما فيها من التسامح تتََّسع للعلم والفلسفة بما لا يتَّسع له صدر الإسلام، الذي يجمع بين السُلطتين الرُّوحية والزمنية في صورة قيادة واحدة.
وردَّ عليه الأستاذ الإمام بمقالات علمية فكرية موضوعية موفَّقة، بقلمه البليغ، وبعقله الكبير، وبثقافته الرَّحبة، فأبطل حُجَّته، وأسقط دعواه[2]، وبيَّن بما لا يَدَع مجالا للشك: أن الإسلام بأصوله القطعية هو الذي يتَّسع حقًّا للعلوم والفلسفات، وهو الذي أقام العلم والمدنية، ووسِع الفلسفة، ولم يعرف تاريخه صراعا بين العلم والدين، كما عرَفته أوربا المسيحية. وقد صدر بعد ذلك في كتاب بعنوان: (الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية) نشرته (المنار) وطبع عدة مرات، بتعليق تلميذه العلامة
محمد رشيد رضا.
ولا بأس هنا أن نقتبس بعض ما قاله الشيخ الإمام رحمه الله، وهو يتحدث عن أصول الإسلام، قال:
الأصل الأول للإسلام: النظر العقلي لتحصيل الإيمان:
(فأول أساس وضع عليه الإسلام هو النظر العقلي. والنظر عنده: هو وسيلة الإيمان الصحيح، فقد أقامك معه على سبيل الحُجَّة وقاضاك إلى العقل، ومَن قاضاك إلى حاكم فقد أذعن إلى سلطته، فكيف يمكنه بعد ذلك أن يجور أو يثور عليه؟
بلغ هذا الأصل بالمسلمين أن قال قائلون من أهل السنة: إن الذي يستقصي جهده في الوصول إلى الحقِّ، ثم لم يصل إليه ومات طالبًا غير واقف عند الظنِّ، فهو ناج. فأي سَعة لا ينظر إليها الحَرج أكمل من هذه السعة؟
الأصل الثاني للإسلام: تقديم العقل على ظاهر الشرع عند التعارض:
أُسرع إليك بذكر أصل يتبع هذا الأصل المتقدِّم قبل أن أنتقل إلى غيره: اتفق أهل المِلَّة الإسلامية إلا قليلاً ممَّن لا يُنظَرُ إليه: على أنه إذا تعارض العقل والنقل[3]، أُخِذَ بما دلَّ عليه العقل، وبقي في النقل طريقان:
طريق التسليم بصحة المنقول، مع الاعتراف بالعجز عن فهمه، وتفويض الأمر إلى الله في علمه.
والطريق الثانية: تأويل النقل مع المحافظة على قوانين اللغة[4]، حتى يتفق معناه مع ما أثبته العقل.
وبهذا الأصل الذي قام على الكتاب وصحيح السنة وعمل النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، مُهِّدَتْ بين يدي العقل كل سبيل، وأُزِيلَتْ من سبيله جميع العقبات، واتَّسع له المجال إلى غير حدٍّ، فماذا عساه يبلغ نظر الفيلسوف حتى يذهب إلى ما هو أبعد من هذا؟ وأي فضاء يسَع أهل النظر وطلاب العلوم إن لم يسَعهم هذا الفضاء؟ إن لم يكن في هذا مُتَّسع لهم فلا وسعتهم أرض بجبالها ووهادها، ولا سماء بأجرامها وأبعادها!!
أصل ثالث من أصول الأحكام في الإسلام: البعد عن التكفير:
البعد عن التكفير
هلاَّ ذهبت من هذين الأصلين إلى ما اشتهر بين المسلمين وعُرف من قواعد أحكام دينهم، وهو: إذا صدر قول من قائل يحتمل الكفر من مائة وجه، ويحتمل الإيمان من وجه واحد، حُمِلَ على الإيمان، ولا يجوز حمله على الكفر.
فهل رأيت تسامحًا مع أقوال الفلاسفة والحكماء أوسع من هذا؟ وهل يليق بالحكيم أن يكون من الحُمق بحيث يقول قولاً لا يحتمل الإيمان من وجه واحد من مائة وجه؟ إذا بلغ به الحمق هذا المبلغ، كان الأجدر به أن يذوق حُكم محكمة التفتيش البابويَّة، ويُؤخذ بيديه ورجليه فيُلقى في النار.
أصل رابع في الإسلام: الاعتبار بسنن الله في الخلق:
يتبع ذلك الأصل الأول في الاعتقاد - وهو أن لا يعول بعد الأنبياء في الدعوة إلى الحق على غير الدليل، وأن لا ينظر إلى العجائب والغرائب وخوارق العادات - أصل آخر وضع لتقويم ملكات الأنفس القائمة على طريق الإسلام وإصلاح أعمالها في معاشها ومعادها، ذلك هو أصل: العبرة بسُنة الله فيمَن مضى ومَن حضر من البشر، وفي آثار سيرهم فيهم.
فممَّا جاء في الكتاب العزيز مُقرِّرًا لهذا الأصل: { قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ } [آل عمران:137]، { سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً} [الإسراء:77]، { فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ الأَوَّلِــــــينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِـــدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً } [فاطر:43]، { أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم } [الروم:9]، إلخ .
في هذا يُصرِّح الكتاب أن لله في الأُمم والأكوان سُننًا لا تتبدَّل، والسُّنن: الطرائق الثابتة التي تجري عليها الشؤون وعلى حَسَبِهَا تكون الآثار. وهي التي تسمى شرائع أو نواميس ويُعبَّر عنها بالقوانين، ما لنا ولاختلاف العبارات؟ والذي ينادي به الكُتَّاب، أن نظام الجمعية البشرية وما يحدث فيها هو نظام واحد لا يتغيَّر ولا يتبدَّل، وعلى مَن يطلب السعادة في هذا الاجتماع: أن ينظر في أصول هذا النظام حتى يردَّ إليها أعماله، ويبني عليها سيرته، وما يأخذ به نفسه. فإن غفل عن ذلك غافل، فلا ينتظرنَّ إلا الشقاء، وإن ارتفع إلى الصالحين نسبُه، أو اتصلَّ بالمُقربين سببُه. فمهما بحث الناظر وفكَّر وكشف وقرَّر، أتى لنا بأحكام تلك السُّنن، فهو يجري مع طبيعة الدين، وطبيعة الدين لا تتجافى عنه، ولا تنفر منه، فَلِمَ لا يعظم تسامحها معه؟)[5] اهـ.
وذكر الأستاذ الإمام أصلين آخرين من أصول الإسلام، هما: الأول: نفي السلطة الكهنوتية المتحكمة في ضمائر الناس. والآخر: الجمع بين الدين والدنيا.
--------------------------------------------------------------------------------
[1]- نشر مكتبة وهبة في مصر، ومؤسسة الرسالة في بيروت، وطبع عدة مرات.
[2] - كما ردَّ على رينان في محاضرته في السوربون عن (الإسلام والعلم)، وأن الإسلام لا يشجع الجهود العلمية! الخ. كما ردَّ على المستشرق الفرنسي (هانوتو) بمقالاته الشهيرة. وقد أشرنا إلى ذلك من قبل.
[3]- يعني إذا تعارض الدليل العقلي القطعي مع ظاهر النقل غير القطعي الثبوت والدلالة – كما صرَّح به العنوان - يؤخذ بالدليل العقلي القطعي إلخ، وخرج بالقطعي: النظريات العقلية غير القطعية، كأكثر نظريات الفلاسفة والمتكلمين، فهذه لا تُقدَّم على ظاهر النقل الصحيح، وإن لم يكن قطعي الدلالة. (فإن قيل): وما تقولون في تعارض الدليلين القطعيين من العقل والشرع، وأيهما تقدمون؟ ما يقوله علماء الإسلام كافة: إن القطعيين لا يتعارضان، وإن صحيح المنقول في الإسلام موافق دائما لصريح المعقول، ففرض التعارض بينهما باطل.
[4]- خرج بهذا القيد: تأويلات الباطنية وغُلاة الصوفية وأمثالهم، والتأويل طريق الخَلَف، والتفويض طريق السَّلَف، ولكن لا كما قال الأستاذ، بل مذهبهم إمرار النصوص على ظاهرها بلا تعطيل ولا تمثيل ولا تأويل، فنقول: استوى على العرش، لا كاستوائنا، كما أن علمه ليس كعلمنا، وكذا قُدرته إلخ. رشيد رضا. وأقول: التفويض هو مذهب أكثر السلف، والإثبات مع نفي التشبيه هو مذهب كثيرين أيضا، وهو الذي اختاره
ابن تيمية.