ولكن يسوع عزاهم قائلا: لا تخافوا لأنه لا يسلمني أحد منكم، فكان لهم بهذا شيء من العزاء، وجاء في اليوم التالي ستة وثلاثون تلميذا من
تلاميذ يسوع مثنى مثنى، ومكث في دمشق ينتظر الباقين، وحزن كل منهم لأنهم عرفوا أن يسوع سينصرف من العالم، لذلك فتح فاه وقال: ان من يسير دون أن يعلم الى أين يذهب لهو تعيس، وأتعس منه من هو قادر ويعرف كيف يبلغ نزلا حسنا ومع ذلك يريد أن يمكث في الطريق القذرة والمطر وخطر اللصوص، قولوا لي أيها الاخوة هل هذا العالم وطننا؟ لا البتة فان الإنسان الاول طرد الى العالم منفيا ، فهو يكابد فيه عقوبة خطأه، أيمكن أن يوجد منفي لا يبالي بالعودة الى وطنه الغني وقد وجد نفسه في الفاقة؟، حقا ان العقل لينكر ذلك ولكن الاختبار يثبته بالبرهان، لأن محبي العالم لا يفكرون في الموت، بل عندما يكلمهم عنه أحد لا يصغون الى كلامه.
صدقوني أيها القوم اني جئت الى العالم بامتياز لم يعط الى بشر حتى انه لم يعط لرسول الله لأن إلهنا لم يخلق الإنسان ليبقيه في العالم بل ليضعه في الجنة، ومن المحقق ان من لا امل له ان ينال شيئا من الرومانيين لأنهم من شريعة غريبة عنه لا يريد ان يترك وطنه وكل ما عنده ويذهب ليتوطن رومية على ان لا يعود، ويكون ميله الى ذلك أقل جدا اذا هو اغاظ قيصر، فالحق أقول لكم انه هكذا يكون وسليمان نبي الله يصرح معي: ( ما أمر ذكراك ايها الموت للذين يتنعمون في ثروتهم)، اني لا أقول هذا لأن علي ان اموت الآن، واني عالم باني سأحيا الى نحو منتهى العالم، ولكن أكلمكم بهذا لكي تتعلموا كيف تموتون، لعمر الله اذا اسيء عمل شيء ولو مرة دل على انه لابد من التمرن عليه اذا اريد اتقانه، ارايتم كيف تتمرن الجنود في زمن السلم بعضهم مع بعض كأنهم يتحاربون؟، وكيف يتاح لمن يتعلم كيف يحسن الموت ان يموت ميتة صالحة، قال النبي داود: ( ثمين في نظر الرب موت الطاهرين)، اتدرون لماذا؟، اني افيدكم، انه لما كانت الاشياء النادرة ثمينة وكان موت الذين يحسنون الموت نادرا كان ثمينا في نظر الله خالقنا، فمن المؤكد انه متى شرع المرء في امر لا يريد ان ينجزه فقط ولكنه يكدح حتى يكون لغرضه نتيجة حسنة، يا لك من رجل شقي يفضل سراويلاته على نفسه، لأنه عندما يفصل القماش يقيسه جيدا قبل تفصيله ومتى فصله خاطه باعتناء، اما حياته التي ولدت لتموت ـ اذ لا يموت الا من يولد ـ فلماذا لايقيسها الإنسان بالموت؟، ارأيتم البنائين كيف لا يضعون حجرا الا والاساس نصب عيونهم فيقيسونه ليروا اذا كان مستقيما لكيلا يسقط الجدار؟، يا له من رجل تعيس لأن بنيان حياته سيتهدم شر تهدم لأنه لا ينظر الى اساس الموت.