قل هاتوا برهانكم عقائد وأديان مسيحيات برهانكم للرد علي شبهات النصارى

آباء الكنيسة
 
الباترولوجي
[ الباترولوجي ]

·التثليث عند آباء الرسوليين
·العلامة ترتليانوس والزواج الثاني
·بابياس أسقف هيرابوليس
·بوليكاربس في الميزان
·القديس اغناطيوس الأنطاكي
·القديس أغسطينوس والإرهاب الديني
·الحرب العادلة في فكر أوغسطينوس
·جون كالفن
·الباترولوجي - آباء الكنيسة
·الكذب .. السر الثامن من اسرار الكنيسة
  .  

خربشات صوماليانو
 
خربشاتـــصوماليانو
[ خربشاتـــصوماليانو ]

·سويعات في برية التيه
·الإختلافات العددية في الكتاب المقدس
·البابا شتودة: المسيح لم يقل أنا الله أعبدوني
·بولس الرسول كبير الغنوصيين
·الغنوصية والرهبنة في الأناجيل
·تيري جون وثقافة الحرق
·ديونيسيوس يعقوب السرياني وضياع الأسفار
·سيدعى ناصريا
·التسامح سلاحنا في وجه شنودة
·القمص يوحنا سلامة : البروتستانت حرفوا الكتاب المقدس
·الدوناتستيون
·ثامار الزانية في ظل الشريعة
  .  

الرد علي زكريا بطرس
 
شطحاتــزكريابطرس
[ شطحاتــزكريابطرس ]

·المسيح الجبار
·مسرحية نشيد الإنشاد
·النكاح في الجنة وشطحات زكريا بطرس
·انتهى زكريا بطرس كغيره والإسلام باق
·أحلام زكريا بطرس
·تأملات في نشيد الأناشيد
·نشيد الإنشاد كأشعار رابعة العدوية
·هلوسات زكريا بطرس
·الرد السماوي على زكريا بطرس
·بيان الشيخ الزغبي
·الرب مخلص مسيحه
·زكريا بطرس يبكي علي أطلال قناة الحياة
  .  

صوماليانو
 

تعدد الزوحات لماذا ترعب الكنيسة
البابا غريغوريوس الثاني وتعدد الزوجات
ضيوف الأنبا بيشوي أم أتباع الغزاة
ضمان الخلاص والجنة
العتل الزنيم مرقس عزيز
لا محلل ولا طلاق لأن العصمة في يد الأنبا بولا

  .  

الإيمان والعقل بين النصرانية والإسلام

 - يوسف القرضاوي

الشيخ يوسف القرضاوي
ردا علي بابا الفاتيكان

كانت عَلاقة الإيمان بالعقل، وعَلاقة العقل بالعنف: أهم ما شغل البابا في محاضرته في الجامعة الألمانية، التي كان يدرِّس فيها من قبل.
ويُعلِّق البابا بنديكت على ما نقله عن الإمبراطور البيزنطي الأرثوذكسي في محاوراته للمسلم الفارسي، فيقول:       




(الجملة الحاسمة في تلك المحاورة ضدَّ الإكراه على الإيمان هي: (ألا يتصرَّف الإنسان وفقا للعقل هو أمر مخالف لطبيعة الرب). ويلاحظ المُحرِّر ثيودور خوري أنه بالنسبة للإمبراطور البيزنطي المُثقَّف بالفلسفة اليونانية هذه الجملة لا تحتاج إلى إثبات، لأنها دليل بنفسها. لكن بالنسبة للتعاليم الإسلامية: الله لا شأن له إطلاقا بالعقل (فوق العقل، يتجاوزه، لا يُقارن به). إرادته لا يحدُّها أي من معاييرنا بما في ذلك المعقولية. وينقل خوري هنا من عالم الإسلاميات الفرنسي أرنالدز: ما ينقله الأخير عن ابن حزم: من أن الله ليس مُلزما حتى بكلماته، وليس هناك ما يُلزمه أن يُوحي بالحقيقة. لو كانت تلك إرادة الله: أن نعبد الأصنام، لفعلنا! (انتهى كلام ابن حزم بحسب النقل الفرنسي عنه)).

وقفات تأملية مع ما نقله البابا


ولنا عدَّة وقفات مع هذه الفقرة، التي اعتمد فيها البابا على عالم اللاهوت الألماني اللبناني الأصل ثيودور خوري.

الوقفة الأولى مع البابا:

الوقفة الأولى مع جملة: (ألا يتصرف الإنسان وفقا للعقل، هو أمر مخالف لطبيعة (جوهر) الرب) ما مدلول هذه الجملة؟ ما معنى (مخالف لطبيعة الرب)؟ لو قال: مخالف لإرادة الرب، أي لما يُحبُّه الرب ويرضاه من خَلقه، أو مُخالف لأمر الرب الذي بلَّغه الأنبياء عنه إلى عباده ... لو قال شيئا من ذلك لكان مفهوما. ولكنه قال: مخالف لطبيعته أو جوهره، وكيف يستطيع المخلوق أن يخالف طبيعة الخالق؟

والعجيب أن خوري الناقل عن الإمبراطور: ذكر أن هذه الجملة لدى الإمبراطور الذي امتزجت تعاليمه النصرانية بالفلسفة اليونانية: لا تحتاج إلى إثبات، لأنها دليل بنفسها!
وقد عرَف المسلمون الفلسفة اليونانية، وتعمَّقوا فيها، وبلغوا فيها مبلغا عظيما، وسيطرت على عقول فئة منهم، هم فئة (الفلاسفة) الذين يطلق عليهم مؤرخو الفلسفة: اسم (المدرسة المشَّائية الإسلامية)[1]، التي تشمل الكِندي والفارابي وابن سينا، ومَن سار في دربهم. وكانت مهمَّتهم الأولى تتلخَّص في التوفيق بين الدين والفلسفة، أو بين الشريعة والحكمة.

وقد اصطدم المتكلمون والفقهاء بالفلاسفة، ونقدهم حُجَّة الإسلام الغزالي في كتابه الشهير (تهافت الفلاسفة) وخطَّأهم في سبع عشرة مسألة، وكفَّرهم في ثلاثة. كما نقدهم بعد ذلك ابن تيمية وغيره. ودافع عنهم العلامة ابن رشد في كتابه (تهافت التهافت).

ومن المعروف أن الفلسفة اليونانية، تشتمل على ألوان كثيرة، تتنوَّع وربما تتناقض من الفكر، فهناك الشاكُّون والمُشكِّكون من السوفسطائية ومَن تبعهم، وهناك الجاحدون المادِّيون الذين لا يؤمنون بالألوهية، وهناك الوثنيون الذين يؤمنون بآلهة اليونان المختلفة، وهناك المؤلِّهون، الذين يُثبتون الإله، مثل الفلاسفة الكبار: سقراط وأفلاطون وأرسطو.
ولكن تأليه هؤلاء ليس تأليها خالصا كالذي جاءت به الرسالات السماوية، حتى إن أرسطو، يعلم الدارسون أن إلهه لا يُحرِّك في الكون ساكنا، ولا يعلم عنه شيئا، فليس هو عِلَّة فاعلة في الكون، بل عِلَّة غائية، يتحرَّك الكون شوقا إليه. ولذا قال مؤرخ الفلسفة ول ديورانت في كتابه (مباهج الفلسفة): يا لإله أرسطو من إله مسكين! إنه مثل ملك الإنجليز، يملك ولا يحكم، لأنه لا يُدبّر في هذا العالم أمرا. وإله أرسطو لا يعلم شيئا إلا ذاته، وأشدُّ منه في ذلك (أفلوطين) الذي قال: إن الإله لا يعلم شيئا حتى ذاته!!
فيا تُرى ماذا عند الإمبراطور من العناصر الإيجابية التي تُثبت فكرة الألوهية مما اكتسبه من الفلسفة الإغريقية! وقد ذكر البابا في محاضرته بعد ذلك مواقف رجال النصرانية من الفلسفة اليونانية، واختلافهم حولها إلى ثلاث فئات.

الوقفة الثانية مع البابا:


والوقفة الثانية عند قول البابا: نقلا عن خوري: لكن بالنسبة للتعاليم الإسلامية: الله لا شأن له إطلاقا بالعقل، (فوق العقل، يتجاوزه، لا يقارن به)، مشيئة الله لا يحدُّها أي من معاييرنا بما في ذلك المعقولية!
هل هذا الكلام صحيح؟ الجواب: لا، بل لا صحَّة لهذا الكلام بالمرَّة. فعلم الكلام الإسلامي (الذي يختصُّ بالبحث في العقيدة) سواء عند المعتزلة أم الأشاعرة أم الماتريدية: علم قائم على العقل، والعقل وحده. ولا يُدخلون فيه النقل إلا استئناسا، وخصوصا في باب السمعيات. أما الإلهيات والنبوات فإن الأساس فيها المنطق العقلي، والدليل المُعتمد فيها هو الدليل العقلي.

ومَن قرأ كتب علم الكلام الشهيرة، مثل (المواقف) للإيجي، وشرحها للشريف الجرجاني، و(المقاصد) وشرحها لسعد الدين التفتازاني، و(الطوالع) للبيضاوي: عرَف حقيقة ما نقول.
فدعوى أن (الله) في التعاليم الإسلامية: لا شأن له بالعقل: دعوى مرفوضة. بل ما يرفضه العقل من صفات الله لا يثبت لله سبحانه، حتى لو جاءت به نصوص من القرآن والسنة، لا بدَّ أن تؤول تأويلا يُخرجها عن ظاهرها، حتى تتَّفق مع العقل، وهذا أمر متفق عليه بين المعتزلة وأهل السنة من الأشاعرة والماتريدية ومَن وافقهما.
وهذا سرُّ المعركة الدائرة بين السَّلَف والخَلَف فيما يُسمَّى بقضية (آيات الصفات) و(أحاديث الصفات) مما يُثبت لله تعالى ما يُشبِّهه بالمخلوقات مثل الوجه واليدين والقدمين والأصابع والأنامل، والنزول والصعود، ونحوها. مع أن مثل هذه العبارات منتشرة في التوراة، وخصوصا سفر التكوين، وهم يأخذونها على ظاهرها، تشبيها للخالق بخلقه، وهو ما يرفضه العقل المسلم، باتفاق السلف والخلف. ويعتبره كفرا ومُروقا من الدين ولهذا يضلِّل الجميع (المشبِّهة، والمجسِّمة) بل يكفِّرونهم إذا لم يكن لهم تأويل تسيغه اللغة. فالله تعالى في الإسلام: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى:11]، {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ} [الاخلاص:4].
والمسلمون يقفون من هذه النصوص مواقف ثلاثة:
السكوت عنها، وتفويض علمها إلى الله تعالى.
إثباتها لله تعالى مع نفي التشبيه والتمثيل، فيقال: لله يد ليست كأيدينا، وعين ليست كأعيننا.
تأويلها على ما تقتضيه اللغة من المجاز والكناية وغيره، فيقال في قوله: {يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ}: كناية عن البخل، ونحو ذلك[2].

والقول بأن مشيئة الله في التعاليم الإسلامية، لا يحدُّها شيء، ولا أي معيار من معايرنا، بما في ذلك (المعقولية): قول مرفوض، فمشيئة الله تعالى وقُدرته وعلمه وحياته وسمعه وبصره، وكل صفاته لا يجوز أن تخرج عن حدود العقل.

ولكن أي عقل؟ نحن هنا نعني بالعقل: العقل المنطقي العام، لا العقل المُتحيِّز لثقافة معينة، أو المُتشبِّع بفكرة رسخت فيه عن طريق التقليد، أو عن طريق الظن والتخمين، فهذا ليس هو العقل الذي يحتكم إليه العالم المسلم، بل المراد هنا: العقل الحُر، الذي يبني مسلَّماته على أدلة قطعية، لا يتطرَّق إليها خلل منطقي، أو رِيبة في مُقدماتها. فهذا وحده هو الذي يعتمد عليه في ساحة العقائد، التي ترفض الظن في موضع اليقين، فقد عاب القرآن على المشركين بقوله: {وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً} [لنجم:28].

وقد صنَّف شيخ الإسلام ابن تيمية كتابا نشر في عشرة مجلدات، لبيان قضية جوهرية واحدة، وهي: (درء تعارض العقل والنقل) وقد يذكر أحيانا تحت عنوان:(موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول) وبيَّن في هذا الكتاب الكبير العميق: أن العقل المراد ليس هو العقل التابع لفلسفة اليونان، المسلِّم بكل مقولاتها، التي يعتبرها أصلا، وما عداها تبعا؛ بل المقصود العقل المجرَّد من ضغط المواريث والأهواء والتبعية لأفكار الآخرين.

وما قاله ابن تيمية  مسلَّم ومقبول لدى علماء الإسلام بصفة عامة، من جميع المذهب والمدارس والاتجاهات.
والذي نقرِّره بوضوح: أن مشيئة الله وإرادته في التعاليم الإسلامية مُقيَّدة بحِكمته سبحانه، فلا تنفصل المشيئة بحال عن الحكمة، فلا يريد الله سبحانه شيئا يُخالف حكمته في خَلقه، أو حكمته في أمره، لأن من أسماء الله تعالى الثابتة له: الحكيم، وقد ورد في القرآن عشرات المرات، فهو حكيم فيما خلق، وحكيم فيما شرع، لا يخلق شيئا باطلا، ولا يشرع شيئا عبثا.
ولذلك لا يشاء لخَلقه إلا ما فيه خيرهم وصلاحهم، ولا يشاء شرًّا مُطلقا لهم، بل يشاء من الشرِّ الجزئي ما هو من لوازم الخير. ولذا جاء في مناجاة النبي صلى الله عليه وسلم لربه: "الخير بين يديك، والشرُّ ليس إليك"[3].

حتى إن طائفة المعتزلة من أوائل المتكلمين المسلمين: قالوا: إن فعل الصلاح والأصلح واجب على الله تعالى.
وأهل السنة لا يجرؤون على أن يقولوا: إن هناك شيئا واجبا على الله. وإن كان مُحقِّقوهم يقولون: إنه لا يفعل إلا ما فيه الخير والصلاح لخَلقه، لأنه بَرٌّ كريم، ورحمان رحيم، لا يبخل عن خير لعباده، {إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ} [البقرة:143].

الوقفة الثالثة مع البابا:


والوقفة الثالثة: لمناقشة ما نقله عالم الإسلاميات المستشرق الفرنسي (أرنالدز) عن ابن حزم[4] حيث أنه لم يُفهم حقَّ الفَهم، ولم يُوضع في موضعه الصحيح. فابن حزم يرفض مبدأ (الحسن والقبيح العقليين) الذي تبنَّاه المعتزلة، وينفي أن في الأشياء حُسنا ذاتيا اقتضى الأمر الشرعي بها، كما أن فيها قُبحا ذاتيا اقتضى نهي الشرع عنها. بل الحُسن والقُبح يأتي للأشياء من أمر الشرع بها، ونهيه عنها.
فالحَسَن ما حسَّنه الشرع، والقبيح ما قبَّحه الشرع. ولو أن الشرع جاءنا بعكس ما جاءنا به لكان هو المطلوب منا.
فلو أن الشرع أمرنا بالشرك وعبادة الأوثان، لكان ذلك عند ابن حزم حسنا، ما دام الله تعالى قد أمر به، ولو أنه نهانا عن التوحيد، لكان قبيحا، لأن الله نهانا عنه.
وذلك أن ابن حزم ظاهري النَّزعة، يُنكر التعليل للأحكام، ويرفض إثبات الحكمة لها، ولهذا ينفي القياس في الفقه ولا يُثبته.
ولكن مذهب ابن حزم وفقهه، لا يُوافق عليه جمهرة علماء الأمة الإسلامية، وليس هو الفكر الذي ساد المدارس الإسلامية، ووجَّه الثقافة الإسلامية، بل هو فكر مرفوض من معظم الطوائف الإسلامية.

وممَّن ردَّ على هذا المنطق الأعوج، والفهم الأعرج: شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام ابن القيم، فضلا عن المعتزلة وسائر علماء الماتريدية.
حتى الذين يقولون من الأشاعرة: الحَسَن ما حسَّنه الشرع، والقبيح ما قبَّحه الشرع. لا يصلون إلى الحدِّ الذي وصل إليه ابن حزم.
ولن أجد أبلغ ولا أوضح من كلام شيخنا العلاَّمة الدكتور محمد عبد الله دراز في توضيح هذه القضية، إذ قال في كتابه (كلمات في مبادئ علم الأخلاق) وقد درَّسه لنا في تخصص التدريس بالأزهر، وذلك حين قرَّر أن الإسلام يرجع إلى العقل والفِطرة في الحُكم الخُلُقي أو الإلزام الخُلُقي قبل ورود الشرع، وفي أثناء نزول الشرع، وبعد انتهائه. ويُدلِّل على ذلك بالنصوص من القرآن والحديث، ثم يقول متسائلا: (وبعد فما لي أراك ها هنا في شيء من الدهشة والاضطراب، كأنك تخشى أن نكون في هذه القضية قد أقدمنا على أمر خطير؟ لعلك سمعتَ بعض أهل العلم يقولون: إن تحكيم العقول في حُسن الأفعال وقُبحها إنما هو مقالة أهل الاعتزال، وإن أهل السنة لا يرون للأفعال في نفسها حُسنا ولا قُبحا، وإنما الحَسَن ما أمر به الشرع، والقبيح ما قبَّحه الشرع!
ألا فاعلم أنه ليس في الدنيا عاقل: أشعري ولا معتزلي ولا غيرهما، يُنكر ما منحه الله للإنسان من مَلَكَة التمييز بين الأفعال، والحُكم عليها بالحُسن أو القُبح، بمعنى أن بعضها يُعدُّ صفة كمال، وبعضها يُعدُّ صفة نقص، أو أن بعضها يقبله الطبع المستقيم، وبعضها يمجُّه الذوق السليم، أو أن بعضها يُمدح فاعله، وبعضها يُذمُّ مرتكبه ... فذلك كلُّه مما لا جدال فيه.

وأما الجدل الذي سمعتَ خبره بين الأشاعرة والمعتزلة كان في شأن آخر: وهو أن هذه الأحكام التي تُصدرها عقولنا، هل نجزم بمطابقتها للواقع وبأنها هي حُكم الله في نفس الأمر؟ وهل نعتقد أن الله كلَّفنا باتباعها، وسيحاسبنا عليها، ويجزينا بها مثوبة أو عقوبة، من قبل أن يُرسل بها رسولا من عنده، أو يُنزل إلينا بها كتابا نقرؤه؟ أم أننا ينبغي لنا ألا نتخذَّ أحكامنا مرآة صادقة لأحكام الله، ولا نجترئ على القول بأنها مقياس أمره ونهيه، إلا أن يبعث إلينا من عنده، من يُقرُّنا عليهما، ويُلزمنا بقضيتهما[5]؟) اهـ.

وهذا ما قرَّره العلاَّمة سعد الدين التفتازاني، المُتكلم الأُصولي البلاغي الشهير في كتابه (شرح المقاصد) أي مقاصد الطالبين في أصول الدين. قال رحمه الله:
(قد اشتهر أن الحُسن والقُبح عندنا شرعيان، وعند المعتزلة عقليان. وليس النزاع في الحُسن والقُبح بمعنى صفة الكمال والنقص، كالعلم والجهل. وبمعنى الملاءمة للغرض وعدمها، كالعدل والظلم. وبالجملة كل ما يستحقُّ المدح أو الذمَّ في نظر العقول، ومجاري العادات، فإن ذلك يُدرك بالعقل، وَرَدَ الشرع أم لا.

وإنما النزاع في الحُسن والقُبح عند الله تعالى، بمعنى استحقاق فاعله - في حُكم الله تعالى - المدح أو الذمَّ عاجلا، والثواب والعقاب آجلا.
ومبنى التعرُّض للثواب والعقاب على أن الكلام في أفعال العباد، فعندنا ذلك بمُجرَّد الشرع، بمعنى أن العقل لا يحكم بأن الفعل حَسَن أو قبيح في حُكم الله تعالى، بل ما ورد الأمر به فهو حَسَن، وما ورد النهي عنه فقبيح، من غير أن يكون للعقل جهة مُحسِّنة أو مُقبِّحة في ذاته، ولا بحسب جهاته واعتباراته. حتى لو أمر بما نهى عنه صار حَسَنا وبالعكس.
 
وعندهم للفعل جهة مُحسِّنة أو مُقبِّحة في حُكم الله تعالى، يُدركها العقل:
بالضرورة، كحُسن الصدق النافع، وقُبح الكذب الضار.
أو بالنظر، كحُسن الكذب النافع، وقُبح الصدق الضار.
أو بوُرود الشرع، كحُسن صوم يوم عرفة، وقُبح صوم يوم العيد.
فإن قيل فأي فرق بين المذهبين في هذا القسم؟

قلنا: الأمر والنهي عندنا من مُوجبات الحُسن والقُبح، بمعنى أن الفعل أُمر به فحُسن ونُهي عنه فقُبح. وعندهم من مقتضياته، بمعنى أنه حسُن فأُمر به، أو قبُح فنُهى عنه، فالأمر والنهي إذا ورد كشفا عن حُسن وقُبح سابقين حاصلين للفعل لذاته أو لجهاته)[6].

الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي
الرجوع الي ردود يوسف القرضاوي على شبهات النصارى

 الرد علي بابا الفاتيكان
-------------------------------------------------------

[1]- لأن معلمهم الأول: أرسطو، وهو مؤسس المدرسة المشائية اليونانية، وسمِّيت كذلك، لأنه كان يدرس طلابه وهو يمشي في الحديقة!
[2]- للمزيد راجع ما ذكرناه حول هذا الموضوع في كتابنا: (فصول في العقيدة بين السلف والخلف) طبعة مكتبة وهبة القاهرة.
[3]- جزء من حديث رواه مسلم في صلاة المسافرين وقصرها (771)، وأحمد في المسند (803)، وأبو داود في الصلاة (744)، والترمذي في الصلاة (266)، والنسائي في الافتتاح (897)، وابن ماجه في إقامة الصلاة والسنة فيها (864)، عن علي، ونصه: "... والخير كله في يديك والشر ليس إليك ...".
[4]- انظر: كلام ابن حزم بنصه ملحق (2).
[5]- انظر: كلمات في مبادئ علم الأخلاق.
[6]- شرح المقاصد للتفتازاني صـ148، 149.

مقالات مشابهة
الإسلام والعقل
مناقضة النصرانية للبديهيات العقلية / الشيخ رشيد رضا
  أرسلت في الخميس 09 نوفمبر 2006 اعتمد بواسطة somaliano  


 

روابط ذات صلة
 · زيادة حول - يوسف القرضاوي
· الأخبار بواسطة somaliano


أكثر مقال قراءة عن - يوسف القرضاوي:
يا أخت هارون

  .  

تقييم المقال
 
المعدل: 5
تصويتات: 1


الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ

  .  

خيارات
 
 صفحة للطباعة صفحة للطباعة

  .  

"الإيمان والعقل بين النصرانية والإسلام" | دخول/تسجيل عضو | 0 تعليقات
التعليقات مملوكة لأصحابها. نحن غير مسؤلون عن محتواها.

عبد الباسط عبد الصمد

الرد على القمص إبراهيم لوقا

تنزيه القرآن الكريم

العقيدة المسيحية

الأسفار القانونية الثانية والأبوكريفا

الله واحد أم ثلاثة


برهانكم للرد علي شبهات النصارى مكرس للرد علي ترهات النصاري وتطاولهم علي الإسلام .. حقوق النشر متاحة للجمع ونرجوا ذكر صفحة المقال واسم الكاتب ..