معظم السطور التي سطرها القمص إبراهيم لوقا في إنكاره لنسخ شريعتهم تتعلق بمفهوم النسخ في الإسلام من حيث التعريف لغة واصطلاحا وأقوال العلماء في النسخ, ومن ثم سرد الآيات المنسوخة .. ,بينما حصر أدلته في سطور قليلة أثار فيها عدة نقاط وهي إنكار وجود دليل في القرآن أو السنة, الزعم بأن القرآن يوجب الرجوع إلي
الكتاب المقدس , قول السيوطي بأن النسخ مما خص الله به الإسلام بالإضافة إلي الاستنتاج العقلي باستحالة نسخ الكتاب المقدس وسوف نتناول هذه النقاط
أما عن عدم وجود دليل في القرآن فقد تم الرد عليها سابقا وكذلك قوله بوجوب الرجوع إلي الكتاب المقدس قد تم الرد عليها في الباب الثاني الفصل السادس ولم يبق إلا استناده علي قول السيوطي والاستنتاج العقلي
قال القمص إبراهيم لوقا
" فالنسخ في القرآن لا علاقة له بالتوراة والإنجيل، وقد صرح بذلك أكبر علماء الإسلام، كالإمام جلال الدين السيوطي الذي قال: إن النسخ مما خصّ الله به هذه الأمة يعني الأمة الإسلامية. " [1]
لا يفهم من قول السيوطي أن الشرائع السابقة غير منسوخة وإن افترضنا أنه يقصد ذلك فلا يوجد دليل علي قوله تماما كما لا يوجد دليل علي قول
العلامة النصراني اورجانوس بأن الشياطين يدخلون الملكوت[2]فهل الشياطين تدخل الملكوت, بالطبع وقد رد كثير من النصارى علي خطأ اويجينوس
مثل القديس اغسطينوس , هذا مثال نوضح به الأمر وإن كان قول السيوطي لا يفهم منه ما يحاول القمص إبراهيم لوقا ان يوهمه لقرائه، فالسيوطي لم ينف نسخ الإسلام للكتاب المقدس ولكن نسخ بعض نصوصها , ولو لم يكن القمص إبراهيم لوقا مضلا، لما قرأ السطور التي تروق له فقط، ولوثق مصادره، فالقمص نسب قولا الي العالم السيوطي، دون أن يوثق مصدره، وهذا من علامات التجليس، وإن كان ايضا من علامات الجهل بالكتابة الأكاديمية، والذي يغلب على ظني، ان إبراهيم لوقا يخشي من إطلاع القارئ على كلام السيوطي الكامل، إذ يقول السيوطي بعد السطور التي اقتبسها المضل "
وقسم رفع ما كان عليه الأمر في الجاهلية أوفي شرائع من قبلنا أوفي أول الإسلام ولم ينزل في القرآن، كإبطال نكاح نساء الآباء، ومشروعية القصاص والدية، وحصر الطلاق في الثلاث ............
إذ كله أوأكثره رافع لما كان عليه الكفار وأهل الكتاب [3]" ثم قال "
وأما ما ورد في القرآن ناسخاً لما كان عليه الجاهلية أو كان في شرع من قبلنا أوفي أول الإسلام فهو أيضاً قليل العدد كنسخ استقبال بيت المقدس بآية القبلة وصوم عاشوراء بصوم رمضان في أشياء أخر " [4]
قول السيوطي باختصاص الإسلام بالنسخ لم يقل به غيره فقد أجمع العلماء وجود النسخ في كتب أهل الكتاب, جاء في تفسير ابن كثير علي لسان الإمام أبو جعفر بن جرير
" وهذا الخبر وإن كان من الله تعالى خطابا لنبيه صلى الله عليه وسلم على وجه الخبر عن عظمته، فإنه منه تكذيب لليهود الذين أنكروا نَسْخَ أحكام التوراة، وجحدوا نبوة عيسى ومحمد، عليهما الصلاة والسلام، لمجيئهما بما جاءا به من عند الله بتغير ما غير الله من حكم التوراة [5]."
وعن إنكار اليهود للنسخ قال ابن كثير
" وقع ذلك في كتبه المتقدمة وشرائعه الماضية، كما أحل لآدم تزويج بناته من بنيه، ثم حرم ذلك، وكما أباح لنوح بعد خروجه من السفينة أكل جميع الحيوانات، ثم نسخ حِلُّ بعضها، وكان نكاح الأختين مباح لإسرائيل وبنيه، وقد حرم ذلك في شريعة التوراة وما بعدها. وأشياء كثيرة يطول ذكرها، [6]
وقال القرطبي
" وأنكرته أيضا طوائف من اليهود، وهم محجوجون بما جاء في توراتهم بزعمهم أن الله تعالى قال لنوح عليه السلام عند خروجه من السفينة: إني قد جعلت كل دابة مأكلا لك ولذريتك، وأطلقت ذلك لكم كنبات العشب، ما خلا الدم فلا تأكلوه." [7] وقال الشوكاني في تفسير سورة البقرة الآية 106
" وقد اشتهر عن اليهود ، أقمأهم الله إنكاره ، وهم محجوجون بما في التوراة أن الله قال لنوح عليه السلام عند خروجه من السفينة : إني قد جعلت كل دابة مأكلاً لك ، ولذريتك ، وأطلقت ذلك لكم كنبات العشب ما خلا الدم ، فلا تأكلوه ، ثم وقد حرّم الله ذلك على موسى عليه السلام وعلى بني إسرائيل كثيراً من الحيوان ، وثبت في التوراة أن آدم كان يزوّج الأخ من الأخت ، وقد حرّم الله ذلك على موسى عليه السلام ، وعلى غيره ." [8]
أما الدليل العقلي الذي استند إليه القمص فيتلخص في قوله
" فالكلام في الأسفار الإلهية نوعان: إخباري وإنشائي. والإنشائي نوعان أيضاً: عقلي ووضعي. فالنسخ لا يصح وقوعه في الإخباري لأنه يستلزم تكذيب رواية مطابقة للواقع, ولا يمكن وقوعه في الإنشائي العقلي، لأنه يستدعي نقض المبادئ الطبيعية التي لا تقبل التغيير كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. " [9]
لم يقل أحد ان كل حكم ورد في الكتب السابقة منسوخة لذلك ذكرنا سابقا أن شرع من قبلنا شرع لنا إذا ثبت بالقرآن أو السنة ولم ينسخ بالقرآن أو السنة, كحرمة النفس وتحريم الزنا, السرقة والكذب وأمور أخري كثيرة
ونقر ان النسخ لا يطرأ علي القصص والأخبار إذا لم يكن بمعني الطلب ونقول أنه يقع فقط في الأوامر والنواهي ولو بلفظ الخبر بل ونستثني الأحكام المؤبدة مثل (ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً ) ونحن بذلك نؤمن بصحة القصص في التوراة والإنجيل قبل التحريف أما ما ورد من القصص في العهد القديم والجديد فالقرآن لم ينسخها ولكن كذب بعضها والتكذيب ليس بنسخ
ومن القصص التي كذبها القرآن نزول الله ضيفا علي إبراهيم عليه السلام وتناول العجل معه ويخبرنا الله في القرآن ان الذي جاء إبراهيم ملكان ولم يأكلا العجل دعك من يأكله الله (وَلَقَدْ جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُواْ سَلاَمًا قَالَ سَلاَمٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَاء بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (69)
فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (70) ) سورة هود
ولا نقبل ان سليمان عليه السلام إرتد وعبد الأصنام كما ورد في سفر الملوك الأول, وقال الله تعالي عن سليمان ( وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا ) ( البقرة : 102 ) .. وبينما قال الكتاب القدس ان هارون عليه السلام صنع العجل لبني إسرائيل يخبرنا الله تعالي ان الذي صنع العجل هو السامري ( قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (87) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ (88) سورة طه
وكما لا نصدق ان يعبد الأنبياء غير الله لا نصدق ان لوطا زني بابنتيه كما هو مذكور في سفر التكوين: 19 ونكذب ما ورد في سفر صمويل الثاني من ان دوود زني بزوجة قائده ثم قتله وانه انجب من الزانية ابنه سليمان عليه السلام كما لا نصدق ان الله صارع يعقوب حتي الصباح فما قدر عليه كما هو مذكور في سفر التكوين 32
ولنري الآن كيف يناقض القمص نفسه, فبعد أن أنكر نسخ القرآن لما قبله من الشرائع وسطر سطورا لا علاقة لها بالموضوع, نراه فجأة يقول بنسخ العهد الجديد للعهد القديم
بدأ القمص بقبول مبدأ النسخ في الأمر والنهي فقال
" وأما الإنشائي الوضعي فالنسخ جائز فيه لإمكان تغيير الفرض بتغيُّر أحوال الزمان والمكان والأشخاص، كالأمر بإقامة الشعائر الدينية في أماكن معيّنة، والنهي عن بعض الأطعمة في أزمنة معلومة " [10]
إذن يجيز القمص النسخ وهذا ما لا يقبله المعاندون من النصارى وما أكثرهم , وإن كان هذا يحسب له لا عليه إلا انه غير منسجم مع ما يهدف إليه في كتابه حيث أنه أكثر من اللمز والغمز بخصوص الناسخ والمنسوخ في القرآن ومن ثم رفض منطقية نسخ القرآن لما قبله ليفاجئنا بالقول بالناسخ والمنسوخ في الكتاب المقدس, وبعد أن أقر القمص بالناسخ والمنسوخ في كتابه, أشار إلي ان العهد الجديد نسخ القديم فقال
" ومن هذا القبيل كان نسخ العهد القديم بالعهد الجديد، فإن هذا النسخ لم ينف أمراً واقعاً، ولا نقض مبدأ طبيعياً، كما قال المسيح: ما جئت لأنقض بل لأكمل . "
لقد صدق القمص في القول بنسخ العهد القديم وفقا لما جاء في العهد الجديد فقد قال بولس في العبراني 10/9 ينزع الأول لكي يثبت الثاني " وبالأول يقصد الشريعة الموسوية, بل ويعيب بولس في الشريعة الموسوية فيقول في نفس الرسالة 8/7 فانه لو كان ذلك الأول بلا عيب لما طلب موضع لثان " ويصفها بالضعف في 7/18 فيقول " فانه يصير ابطال الوصية السابقة من اجل ضعفها وعدم نفعها " وعن حتمية نسخ الشريعة الموسوية يقول بولس في 7/12 " لأنه إن تغيّر الكهنوت فبالضرورة يصير تغيّر للناموس أيضا " أي ان إنتقال القيادة الدينية من اللاويين يقتضي نسخ الشريعة الموسوية
وحين يحصر القمص النسخ في الأمر والنهي فغنه يتفق مع المسلمين لكنه المسلمين ويضرب عرض الحائط بقول بولس إذ ان قول بولس بنسخ الناموس كليا يقتضي نسخ أحكام مؤبدة فالكهنوت اللاوي كان حكما مؤبدا فقد جاء في سفر ارميا 33/18 " ولا ينقطع للكهنة اللاويين انسان من امامي يصعد محرقة ويحرق تقدمة ويهيئ ذبيحة كل الايام " وكذلك حكم الختان وتعظيم السبت وأحكام أخري كثيرة كانت أحكام أبدية وفقا للكتاب المقدس وبذلك يجب ان يطرأ عليها النسخ والأدهى من ذلك هو ان النصرانية تنسخ الأمور العقلية القطعية كوحدانية الله, من التوحيد المطلق إلي التثليث وهو ما يمكن أن نعتبره نسخ الكهنة للعهد القديم إذ انه لم يذكر التثليث في العهد الجديد
إن النصرانية نسخت الأحكام المؤبدة القصص الأخبار والتوحيد ثم أرسلوا لنا كاهنا يلقي علينا درسا في النسخ فتباكي علي منطقية نسخ الإسلام لما قبله من الشرائع غير أنه ينوح ويولول علي ما يقر به بينما يراه
بولس أمرا حتميا نظرا لانتقال الكهنوت, فهل قوانين المنطق تتعير حين تنتقل الإمامة والنبوة إلي المسلمين .. مالكم كيف تحكمون
محمود أباشيخ
[1] إبراهيم لوقا، المسيحية في الإسلام دار جود ويس - ريكو سويسرا 1995 الطبعة الخامسة. ص 63
[2]Origen de Principiis, 1:6
[3] جلال الدين السيوطي. الإتقان في علوم القرآن.الهيئة المصرية العامة للكتاب 1974 ج3. ص 72
[4] جلال الدين السيوطي. الإتقان في علوم القرآن.الهيئة المصرية العامة للكتاب 1974 ج3. ص 78
[5] ابن كثير تفسير القرآن العظيم . تحقيق سامي بن محمد سلامة. دار طيبة للنشر والتوزيع 1999م ج 1 ص 378
[6] المصدر السابق ج 1 ص 379
[7] القرطبي، الجامع لأحكام القرآن- تحقيق حمد البردوني وإبراهيم أطفيش. دار الكتب المصرية - القاهرة 1964 م ط2 ج 2 ص 63
[8]الشوكاني. فتح الغدير. دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق 1414هـ ص 147
[9]إبراهيم لوقا، المسيحية في الإسلام . ص 60
[10]المصدر السابق
الرجوع الي الرد علي شبهات النصاري