قل هاتوا برهانكم عقائد وأديان مسيحيات برهانكم للرد علي شبهات النصارى

آباء الكنيسة
 
الباترولوجي
[ الباترولوجي ]

·التثليث عند آباء الرسوليين
·العلامة ترتليانوس والزواج الثاني
·بابياس أسقف هيرابوليس
·بوليكاربس في الميزان
·القديس اغناطيوس الأنطاكي
·القديس أغسطينوس والإرهاب الديني
·الحرب العادلة في فكر أوغسطينوس
·جون كالفن
·الباترولوجي - آباء الكنيسة
·الكذب .. السر الثامن من اسرار الكنيسة
  .  

خربشات صوماليانو
 
خربشاتـــصوماليانو
[ خربشاتـــصوماليانو ]

·هل يلد الله ويولد
·سويعات في برية التيه
·الإختلافات العددية في الكتاب المقدس
·البابا شتودة: المسيح لم يقل أنا الله أعبدوني
·بولس الرسول كبير الغنوصيين
·الغنوصية والرهبنة في الأناجيل
·تيري جون وثقافة الحرق
·ديونيسيوس يعقوب السرياني وضياع الأسفار
·سيدعى ناصريا
·التسامح سلاحنا في وجه شنودة
·القمص يوحنا سلامة : البروتستانت حرفوا الكتاب المقدس
·الدوناتستيون
  .  

الرد علي زكريا بطرس
 
شطحاتــزكريابطرس
[ شطحاتــزكريابطرس ]

·المسيح الجبار
·مسرحية نشيد الإنشاد
·النكاح في الجنة وشطحات زكريا بطرس
·انتهى زكريا بطرس كغيره والإسلام باق
·أحلام زكريا بطرس
·تأملات في نشيد الأناشيد
·نشيد الإنشاد كأشعار رابعة العدوية
·هلوسات زكريا بطرس
·الرد السماوي على زكريا بطرس
·بيان الشيخ الزغبي
·الرب مخلص مسيحه
·زكريا بطرس يبكي علي أطلال قناة الحياة
  .  

صوماليانو
 
تعدد الزوحات لماذا ترعب الكنيسة
البابا غريغوريوس الثاني وتعدد الزوجات
ضيوف الأنبا بيشوي أم أتباع الغزاة
ضمان الخلاص والجنة
العتل الزنيم مرقس عزيز
لا محلل ولا طلاق لأن العصمة في يد الأنبا بولا
  .  

من مظاهر كمال عقل الرسول ص

 - محمد رسول الله

  من مظاهر عصمته صلى الله عليه وسلم كمال عقله :

... إن كمال العقل وفطنته من أبرز صفات الرسل الذاتية التى منحهم الله تعالى إياها، وهى من لوازم الرسالة الإلهية، والاصطفاء الربانى لها، كما أنها عامل مهم، وسبب قوى من أسباب تبليغ رسالة الرسل إلى أقوامهم، ومعالجتهم بالتربية الحكيمة، والقيادة السليمة وفق طبائعهم وأخلاقهم. قال تعالى : { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى أحسن } (الآية 125 النحل) وواضح من هذه الآية الكريمة التى تبين سبيل الدعوة أنها تعتمد على رجاحة العقل وفطنته.




... فلابد أن يكون الرسول أكمل الناس عقلاً وفطنة حتى يقيم الحجة على قومه على خير وجه، بحيث تكون ملزمة للخصم كل الإلزام، فإن آمن، وإلا جادله فاستعمل معه أسلوب المعارضة، والمناقضة، وهو فى كل ذلك يسلك مسالك الكرام لا يسئ ولا يغضب(2) وقد قص الله عز وجل لنا من أحوال فطنة الرسل مالا ينقض منه العجب، من سرعة البديهة، وإقامة الحجة الصادقة، وذلك كنوح، وهود، وصالح، وإبراهيم، ولوط، ويونس، وموسى، وداود، وسليمان، وعيسى، ومحمد، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
... وإذا ذهبنا لذكر نماذج من فطن الأنبياء فى القرآن الكريم، فإن ذلك يفضى بنا إلى الإطالة، ولكن بحسبنا أن نأتى ببعض النماذج من واقع حياة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، لتكون كافية للدلالة على باقى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، إذ ما يجوز فى حق نبى يجوز فى حق غيره من الأنبياء.
... قال القاضى عياض : بعد أن قرر أنه لا مرية فى أنه صلى الله عليه وسلم أعقل الناس وأذكاهم وفى ذروة الذرى فى الفطنة، ورجاحة العقل قال : "ومن تأمل تدبيره أمر بواطن الخلق وظواهرهم، وسياسة العامة والخاصة، مع عجيب شمائله، وبديع سيره، فضلاً عما أفاضه من العلم، وقرره من الشرع، دون تعلم سبق، ولا ممارسة تقدمت، ولا مطالعة للكتب فيه، لم يمتر فى رجحان عقله، وثقوب فهمه لأول بديهة"(3).
... وإليك بعض الأمثلة على كمال عقله وفطنته من سيرته العطرة :


أ- سرعة حله للمشاكل المستعصية التى تحار فى حلها العقول الكبيرة الشهيرة وصور ذلك كثيرة منها :
حله لمشكلة قريش فى وضع الحجر الأسود الذى تنافست فيه قبائلها، وأرادت كل قبيلة أن تحوز شرف وضعه، وتستأثر به على غيرها، حتى وصل بها الحال إلى شفا الحرب، حيث قربت بنو عبد الدار جفنة مملوءة دماً، ثم تعاقدوا هم وبنو عدى على الموت، وأدخلوا أديهم فى ذلك الدم فى تلك الجفنة، فسموا لعقة الدم، فمكثت قريش على ذلك أربع ليال أو خمساً ثم إنهم اجتمعوا فى المسجد فتشاوروا وتناصفوا، وأشار عليهم أبو أمية بن المغيرة، وكان يومئذ أسن قريش كلها على أن يجعلوا بينهم فيما يختلفون فيه أول من يدخل من باب هذا المسجد – يعنى باب بنى شيبة – فكان أول داخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأوه قالوا : هذا الأمين رضينا، هذا محمد! فلما انتهى إليهم أخبروه الخبر فقال صلى الله عليه وسلم : "هلم إلى ثوباً، فأتى به، فأخذ الركن فوضعه فيه بيده، ثم قال : لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب، ثم ارفعوه جميعاً. ففعلوه حتى إذا بلغوا به موضعه، وضعه هو بيده صلى الله عليه وسلم ثم بنى عليه"(4).

وبذلك رفع ما بينهم من ذلك الخلاف الذى كاد يؤدى برجالهم، والذى حارت فيه عقولهم، وفيهم المشهورون بالعقل والحنكة والتجربة والسؤود، ومع ذلك بارت فى هذه المشكلة العويصة، حتى خلصهم منها ذو الفطنة النبوية سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وهو يومئذ فى سن الخامسة والثلاثين من عمره صلى الله عليه وسلم(5) على الرغم من وجود الكبار والكبار جداً، وعلى الرغم من وجود العقلاء والنبلاء جداً، إلا أنه صلى الله عليه وسلم هو الذى حل المشكلة، إنه صلى الله عليه وسلم الذى ارتضاه الجميع لمكانته، فلما حكم ارتضوا حكمه لعدالته. لم يعترض أحد على شخصه، ولم يعترض أحد على فكره، حتى قال من لا يعرفه! يا عجبا لقوم أهل شرف وعقول، وسن وأموال، عمدوا إلى أصغرهم سناً، وأقلهم مالاً، فرأسوه فى مكرمتهم وحرزهم، كأنهم خدم له!! (6).
 
ومثل هذا الحل السريع الحاسم حله صلى الله عليه وسلم لمشكلة المهاجرين { الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً وينصرون الله ورسوله } (الآية 8 الحشر) فوفدوا إلى المدينة لا يملكون شيئاً، فكانوا بذلك فى خطر المجاعة والغربة، مما اقتضى إيجاد حل سريع لهذه المشكلة، وكان رجلها وواحدها رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث آخى بين المهاجرين والأنصار على المواساة والحق، والتوارث، واستمروا على ذلك الحال إلى أن أنزل الله تعالى : { وأولوا الرحام بعضهم أولى ببعض فى كتاب الله } (الآية 75 الأنفال) فنسخت حكم التوارث بين المهاجرين والأنصار(7) وبذلك حل النبى صلى الله عليه وسلم مشكلة من أكبر المشاكل استعصاءً فى الحل.
كما حل فى نفس الوقت مشكلة أخرى هى بمثابة المشكلة الأولى فى الأهمية، وهى مشكلة التعايش فى المدينة بين طوائف مختلفة : الأوس والخزرج الذى كان بينهما من العداء بسبب ما كان يجرى بينهما من الحروب مالا يكاد ينسى والمهاجرين الذين تركوا أوطانهم وأموالهم، وأتوا لنصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وجموع يهود التى كانت تسيطر على الحركة الاقتصادية فى المدينة باحتكارها التجارة فيها، وتشكيلهم خطراً عظيماً على الدولة الإسلامية الفتية، وهم أيضاً منقسمون على أنفسهم، فبعضهم يوالى الأوس، والبعض الآخر يوالى الخزرج. فكان لابد من إيجاد ثقة كاملة، بين هذه الأطراف المختلفة للتعايش السلمى، والدفاع العام عن عدو مشترك يقدم عليهم من الخارج، يريد المساس بأحد من هذه الطوائف، فكان ذلك بما أجراه النبى صلى الله عليه وسلم من عهد موادعة بين هذه الطوائف يرضى جميعها.
 
وبهذا العهد(8) قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على النعرات الجاهلية، والدسائس اليهودية، وأوجب للجميع الود والإخاء، والتراحم، وإقامة العدل، وما كان لذلك أن يتم لولا هذا العلاج الناجح، من ذى الفطنة العظيمة، والسياسة الحكيمة – صلوات الله وسلامه عليه.
وكم كانت فطنته الكاملة تحل من مشاكل عديدة فى أسرع وقت وأقصره، فيتحقق بذلك له ولأمته ما يصبون إليه من نصر وسعادة وعز وسيادة، وليس أدل على ذلك من صلح الحديبية! الذى كان آية من الآيات العظيمة، فبه فتح الله عليه مكة دون حرب أو قتل… ومن كان يتصور فتح مكة بهذا السلام العظيم؟!! والأمثلة غير ذلك ينوء عنها الحصر فى مثل هذا المقام المقتضى للإيجاز، والإتيان من كل بحر قطرة كالأنموذج لغيره، والدليل على ما سواه.
ب- ومن مظاهر كمال عقله صلى الله عليه وسلم وفطنته، سرعة إقامة الحجة على المعارضين وقطع شغبهم وجدالهم بالباطل، فلا يستطيعون مجاراته أو مكابرته، بل لا يسعهم إلا الإذعان والتسليم، أو النكوص على أعقابهم خاسئين خاسرين، وصور ذلك كثيرة منها :
 
1- ما جاء عن سعيد بن أبى راشد(9) – رحمه الله – قال : رأيت التنوخى رسول هرقل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (بحمص) وكان جاراً لى شيخاً كبيراً، قد بلغ الفناء أو قرب، فقلت : ألا تخبرنى عن رسالة هرقل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هرقل؟ قال : بلى… وذكر الحديث وفيه : "فانطلقت بكتابه (أى كتاب هرقل) حتى جئت "بتبوك" فإذا هو جالس بين أصحابه على الماء، فقلت : أين صاحبكم؟، قيل : ها هو ذا، قال : فأقبلت أمشى حتى جلست بين يديه، فناولته كتابى فوضعه فى حجره، إلى أن قال : ثم إنه ناول الصحيفة رجلاً عن يساره، فقلت : من صاحب كتابكم الذى يقرأ لكم؟ فقالوا : معاوية. فإذا فى كتاب صاحبى : يدعونى إلى جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين! فأين النار؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "سبحان الله، فأين الليل إذا جاء النهار؟!…"(10).
 
2- وجاءت قريش إلى حصين بن عبيد(11) وهو من عظماء قريش، فقالوا له : كلم لنا هذا الرجل، يقصدون : رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه يذكر آلهتنا ويسبهم، فجاءوا معه حتى جلسوا قريباً من باب النبى صلى الله عليه وسلم، فقال : أوسعوا للشيخ، وعمران(12) وأصحابه متوافرون.
 
... فقال حصين : ما هذا الذى بلغنا عنك، إنك تشتم آلهتنا، وتذكرهم، وقد كان أبوك حصينة وخيراً؟ فقال صلى الله عليه وسلم : يا حصين، إن أبى وأباك فى النار. يا حصين! كم تعبد من إله؟ قال : سبعاً فى الأرض، وواحداً فى السماء. قال : فإذا أصابك الضر من تدعوا؟ قال : الذى فى السماء. قال: فإذا هلك المال من تدعوا؟ قال : الذى فى السماء. قال : فيستجيب لك وحده، وتشركهم معه؟! أرضيته فى الشكر أم تخاف أن يغلب عليك؟ قال : لا واحدة من هاتين. قال : "وعلمت أنى لم أكلم مثله" قال : يا حصين! أسلم تسلم. قال : إن لى قوماً وعشيرة فماذا أقول؟ قال : قل : اللهم إنى أستهديك لأرشد أمرى، وزدنى علماً ينفعنى. فقالها حصين، فلم يقم حتى أسلم. فقام إليه عمران فقبل رأسه، ويديه، ورجليه، فلما رأى ذلك النبى صلى الله عليه وسلم بكى، وقال : بكيت من صنيع عمران، دخل حصين، وهو كافر، فلم يقم إليه عمران، ولم يلتفت ناحيته، فلم أسلم قضى حقه، فدخلنى من ذلك الرقة، فلما أراد حصين أن يخرج قال لأصحابه : قوموا فشيعوه إلى منزله، فلما خرج من سدة الباب رأته قريش فقالوا : صبأ(13) وتفرقوا عنه(14).
... فنتأمل كلمة "حصين" الذى تعظمه قريش : "وعلمت أنى لم أكلم مثله" إن هذه الكلمة من هذا الرجل تبين مدى كمال عقله صلى الله عليه وسلم، وأنه يفوق عقل المعظمين من البشر، إنه عقل نبى مصطفى معصوم!(15).
 
3- وعن أبى أمامة رضى الله عنه(16) قال : إن فتى شاباً أتى النبى صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله، ائذن لى بالزنا!! فأقبل القوم عليه، فزجروه، وقالوا : مهٍ مهٍ(17) فقال صلى الله عليه وسلم : أدنه، فدنا منه قريباً. قال : فجلس فقال صلى الله عليه وسلم : أتحبه لأمك؟ قال : لا! والله، جعلنى الله فداك فقال صلى الله عليه وسلم : ولا الناس يحبونه لأمهاتهم. ثم قال صلى الله عليه وسلم : أفتحبه لابنتك؟ قال : لا!، والله يا رسول الله، جعلنى الله فداك. قال صلى الله عليه وسلم ولا الناس يحبونه لبناتهم. ثم قال صلى الله عليه وسلم : أفتحبه لأختك؟ قال : لا والله، جعلنى الله فداك. قال صلى الله عليه وسلم : ولا الناس يحبونه لأخواتهم، ثم قال صلى الله عليه وسلم : أفتحبه لعمتك؟ قال : لا والله، جعلنى الله فداك. قال صلى الله عليه وسلم ولا الناس يحبونه لعماتهم. ثم قال صلى الله عليه وسلم : أفتحبه لخالتك؟ قال : لا والله، جعلنى الله فداك. قال صلى الله عليه وسلم : ولا الناس يحبونه لخالاتهم. قال : فوضع يده عليه، وقال : اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصن فرجه، فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شئ"(18).
 
... انتهى الفتى عن هذه الفاحشة، وأصبح لا يلتفت إليها، فقد أقنعه صلى الله عليه وسلم إقناعاً تاماً، وردد، وكرر، حتى قبح هذا الفعل فى نظر الرجل، فأبغضه وابتعد عنه، وهو صلى الله عليه وسلم بدعائه له زاد الأمر حسناً فلم يقف عند حد الإقناع، وإنما دعا له – وهو مستجاب الدعوة – فاقتناع الرجل، وهداه الله، وهكذا النبوة(19).
... والشاهد مما سبق أنه صلى الله عليه وسلم لم يغضب، ولم يثر، وإنما كلمه كلاماً سهلاً غاية السهولة، أقنعه كل الإقناع. وهذا من كمال العقل وفطنته.
4- وعن أبى هريرة رضى الله عنه أن أعرابياً أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله! إن امرأتى ولدت غلاماً أسود، وإنى أنكرته(20) فقال له النبى صلى الله عليه وسلم هل لك من إبل؟ قال : نعم. قال صلى الله عليه وسلم ما ألوانها؟ قال : حمر. قال صلى الله عليه وسلم : فهل فيها من أورق(21) قال : نعم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأنى هو؟(22) قال : لعله يا رسول الله يكون نزعه عرق له(23) فقال له النبى صلى الله عليه وسلم وهذا لعله يكون نزعه عرق له(24).
 
... إنه صلى الله عليه وسلم فى هذا الموقف جعل السائل ينطق بالجواب، وضرب له صلى الله عليه وسلم مثلاً من بيئته، وأقنعه أيما إقناع، ولقد كان الرجل منصفاً، فما أن ضرب له صلى الله عليه وسلم المثل إلا اقتنع. لقد سلم الرجل واعترف أن العرق نزاع، وعليه فلعل عرقاً نزع ابنه هذا، كما أن إبله التى فيها جمل يختلف لونه عن بقية الإبل لعله نزعه عرق(25).
جـ- ومن مظاهر كمال عقله وفطنته صلى الله عليه وسلم براهينه الساطعة القاطعة التى كان يقيمها على مجادليه ومناظريه من مشركين، وأهل كتاب وغيرهم، وصور ذلك كثيرة أكتفى منها بما يلى :
 
مجادلته لكفار قريش، وهو ما كان من ابن الزبعرى(26) الذى سمع بقول الله تعالى { إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون. لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون. لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون } (الآيات 98 – 100 الأنبياء) فقال : أما والله لو وجدت محمداً لخصمته، فسلوا محمداً! أكل ما يعبد من دون الله فى جهنم مع من عبده؟ فنحن نعبد الملائكة! واليهود تعبد عزيزاً! والنصارى تعبد عيسى ابن مريم! فعجب الحاضرون مما قاله ابن الزبعرى، ورأوا أنه قد خصم رسول الله صلى الله عليه وسلم وغلبه، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: "إن كل من أحب أن يعبد من دون الله فهو مع من عبده، إنهم إنما يعبدون الشياطين، ومن أمرتهم بعبادته" فأنزل الله تعالى تصديقاً لنبيه صلى الله عليه وسلم : { إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون. لا يسمعون حسيسها وهم فى ما اشتهت أنفسهم خالدون. لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذى كنتم توعدون } (27).
فانظر إلى هذا الجواب المفحم الذى لم يترك للمجادل مجالاً للتمادى بالباطل، حيث أعلمه أن من ذكر لم يأمروهم بعبادتهم، وأنهم إنما يعبدون الشياطين، وأنهم لو أمروهم بذلك أو حبذوا ذلك منهم لكان الحكم عاماً فيهم.
 
على هذا النحو كانت مجادلة النبى صلى الله عليه وسلم للمشركين فى مكة، وأهل الكتاب فى المدينة(28) والوفود الواردة من كل نواحى الجزيرة، يجادلوه فيأيده الله، ويقيم الحجة عليهم، وأذكر من ذلك مثالاً ما يلى :
وفد بنى تميم : فلقد قدم عليه أشرافهم، منهم الأقرع بن حابس، وهو من سادات العرب وحكامها(29) والزبرقان بن بدر التميمى– أحد بنى سعد – وعمرو بن الأهتم. وقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : جئنا نفاخرك، فأذن لشاعرنا وخطيبنا، وتمت المفاخرة، وفى نهايتها قال الأقرع بن حابس : إن هذا الرجل لموتى له(30) لخطيبه أخطب من خطيبنا، ولشاعره أشعر من شاعرنا، ولأصواتهم أعلى من أصواتنا(31).
لقد اعترف الرجل بكمال عقله وفطنته صلى الله عليه وسلم، وأنه اختار من أتباعه خطيباً يناسب هذه القبيلة من العرب، ففاق خطيبهم، واختار شاعراً فاق شاعرهم، وما ذلك إلا لكمال عقله وفطنته، وفهمه الدقيق للوافدين عليه، وفهمه الدقيق لأتباعه.
لقد أسلم الوفد(32)، وهكذا كل من ورد عليه، يعترف بنبوته، وعصمة المولى عز وجل له، وتأييده فى كل أموره(33).
 
وبعد : يتضح من خلال القرآن الكريم والسنة المطهرة، والسيرة العطرة، عصمة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من كل ما يمس قلبه وعقيدته بسوء، من التمسح بالأصنام، أو الحلف بها، أو أكل ما ذبح على النصب، ونحو ذلك من مظاهر الكفر والشرك والضلال، والغفلة، والشك، وكذا عصمته من تسلط الشيطان عليه، وعصمته من كل ما يمس أخلاقه بسوء حتى استحقت أن توصف بالعظمة قال تعالى : { وإنك لعلى خلق عظيم } (الآية 4 القلم) وبلغ من عظمة أخلاقه تكافؤها بنسب متفقة، فحلمه مثل رحمته، ورحمته مثل مروءته، الخ، وهو فى كل ذلك فى أول شبابه كآخر حياته. وكذلك اتضح عصمته صلى الله عليه وسلم من كل ما يمس عقله بسوء، حتى كان قبل النبوة وبعدها أكمل الناس عقلاً وفطنة، كما كان صلى الله عليه وسلم أكمل الناس إيماناً وخلقاً.
وكذا عصم رب العزة رسوله صلى الله عليه وسلم وخصه دون سائر الأنبياء بعصمة بدنه الشريف من القتل، وقد دل على ذلك الكتاب الكريم، والسنة المطهرة، والسيرة العطرة

 

الشيخ عماد الشربيني


(1) ينظر : محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم لفضيلة الشيخ محمد الصادق عرجون 1/211 - 213 بتصرف، ونبى الإسلام بين الحقيقة والادعاء للدكتور عبد الراضى محمد ص49، 212، وأعلام النبوة للماوردى ص309 .
(2) ينظر : أعلام النبوة للماوردى ص89، 309 بتصرف، والمدخل إلى السنة النبوية للدكتور عبد المهدى عبد القادر ص172، وأخلاق النبى صلى الله عليه وسلم فى القرآن والسنة للدكتور أحمد الحداد 2/1037 .
(3) الشفا 1/66، 67 .
(4) ينظر : السيرة النبوية لابن هشام 1/252 نص رقم 197، والروض الأنف 1/346، وطبقات ابن سعد 1/146، ودلائل النبوة للبيهقى 2/56 – 62، وعيون الأثر 1/52، وأصل القصة فى سند أحمد 3/425 من حديث مجاهد عن مولاه السائب بن عبد الله، وقال الهيثمى فى مجمع الزوائد 3/292، 8/229، رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح غير هلال بن خباب وهو ثقة، وأخرجه الحاكم فى المستدرك 1/628 رقم 1683 وقال : صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبى.
(5) وهذا رأى ابن إسحاق، وإليه جنح جمهور المؤرخين، ومؤلفى السير والمغازى. ينظر : المصادر السابقة، مع محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم للشيخ محمد عرجون 1/190 .
(6) ينظر : المدخل إلى السنة النبوية للدكتور عبد المهدى عبد القادر ص169 .
(7) ينظر : السيرة النبوية لابن هشام 2/130 نص رقم 540، مع الروض الأنف 2/350 ووفاء الوفاء للسمهودى 1/267، وعيون الأثر 1/21 .
(8) نص ذلك العهد فى السيرة النبوية لابن هشام 2/126 نص رقم 538، وعيون الأثر 1/97 والروض الأنف للسهيلى 2/346 .
(9) قال الحافظ فى التهذيب 4/26، ذكره ابن حبان فى الثقات 4/290، وفى التقريب 1/352 رقم 2308 مقبول.
(10) أخرجه عبد الله بن أحمد فى زوائده على المسند 3/441 وأبو يعلى، وإليهما عزاه الهيثمى فى مجمع الزوائد 8/236 وقال : رجال أبى يعلى ثقات، ورجال عبد الله بن أحمد كذلك.

(11) هو والد عمران بن حصين رضى الله عنهما، له ترجمة فى أسد الغابة 2/34 رقم 1185، وتجريد أسماء الصحابة 1/132، والاستيعاب 1/353 رقم 514 .
(12) عمران هو : ابن حصين الذى يتحدث مع الرسول هنا، إلا أن عمران كان قد أسلم، أما أبوه فقد أسلم فى هذه الجلسة. له ترجمة فى : مشاهير علماء الأمصار ص48 رقم 218، وتاريخ الصحابة ص183 رقم 949، والاستيعاب 3/1208 رقم 1969، وأسد الغابة 4/269 رقم 4048 .
(13) أى ترك دينهم، وأسلم لله رب العالمين. ينظر : النهاية فى غريب الحديث 3/3 .
(14) ذكره ابن حجر فى الإصابة 2/87، وعزاه لابن خزيمة، وشئ منه عند الترمذى فى سننه كتاب الدعوات، باب بعد باب جامع الدعوات بأربعة أبواب 5/485 رقم 3483 وقال حديث غريب، وفيه حديث عند أحمد فى مسنده 4/444 .
(15) ينظر : المدخل إلى السنة النبوية للدكتور عبد المهدى عبد القادر ص165 .
(16) صحابى جليل له ترجمة فى : مشاهير علماء الأمصار ص65 رقم 327، وتاريخ الصحابة ص137 رقم 675، وأسد الغابة 6/14 رقم 5695، والإصابة 2/182 .
(17) كلمة زجر بمعنى اسكت. النهاية فى غريب الحديث 4/321 .
(18) أخرجه أحمد فى مسنده 5/256، 257، وعزاه إليه وإلى الطبرانى فى الكبير وقال رجاله رجال الصحيح الهيثمى فى مجمع الزوائد 1/129 .
(19) ينظر : المدخل إلى السنة النبوية ص166 .
(20) أى أنكر أن يكون هذا الغلام ابنه، إذ هو أبيض والابن أسود، كما جاء فى رواية أخرى : "وهو حينئذ يعرض بأن ينفيه" أى يدعى أنه ليس ابنه، وإنما جاءت به أمه من زنا!!.
(21) الجمل الأورق : هو الذى سواد لونه ليس صافياً.ينظر : مختار الصحاح ص717 .
(22) أى : من أين جاء هذا الأورق الذى يختلف لونه عن لون جمالك.
(23) أى : يحتمل أن يكون فى آبائه من الإبل ما هو أسود، فأشبهه هذا.
(24) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب اللعان 5/385 رقم 1500، والبخارى (بشرح فتح البارى) كتاب الاعتصام، باب من شبه أصلاً 13/309 رقم 7314 .
(25) المدخل إلى السنة النبوية ص167 .
(26) هو عبد الله بن الزبعرى، شاعر قريش فى الجاهلية، كان شديداً على المسلمين إلى أن فتحت مكة، فهرب إلى نجران، ثم عاد إلى مكة، فأسلم واعتذر. مات سنة 15هـ له ترجمة فى : أسد الغابة 3/239 رقم 2946، والاستيعاب 3/901 رقم 1533 .
 (27) الآيات 101 – 103 الأنبياء، وينظر : السيرة النبوية لابن هشام 1/451، 452 نص رقم 349، والبداية والنهاية لابن كثير 3/86، 87 نقلاً عن ابن إسحاق.
(28) ينظر أمثلة على ذلك فى البداية والنهاية 6/179، وحوار الرسول صلى الله عليه وسلم مع اليهود للدكتور محسن عبد الناظر.
(29) له ترجمة فى : أسد الغابة 1/264 رقم 208، وتاريخ الصحابة ص38 رقم 73، والاستيعاب 1/103 رقم 69 .
(30) أى : أنه صلى الله عليه وسلم مؤيد وموفق.
(31) قصة الوفد ذكرها ابن إسحاق، ومن طريقة غيره، ينظر : السيرة النبوية لابن هشام 4/242 – 251 من نص 1932 – 1942، وطبقات ابن سعد 1/293، 294، وتاريخ الطبرى 3/115،= والدرر = فى اختصار المغازى والسير لابن عبد البر ص255، ودلائل النبوة للبيهقى 5/313، والبداية والنهاية لابن كثير 5/41، 42 .
(32) ينظر المصادر السابقة.
(33) المدخل إلى السنة النبوية ص170 بتصرف يسير.

مقالات مشابهة

بعد نظره صلى الله عليه وسلم
عقله العظيم وفطانته عليه الصلاة والسلام
قدرته الكاملة صلوات الله عليه على حل المشاكل الطارئة
  أرسلت في الأربعاء 20 أكتوبر 2010 اعتمد بواسطة abasheikh  


 

روابط ذات صلة
 · زيادة حول - محمد رسول الله
· الأخبار بواسطة abasheikh


أكثر مقال قراءة عن - محمد رسول الله:
أشرف الخلق

  .  

تقييم المقال
 
المعدل: 4.20
تصويتات: 44


الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ

  .  

خيارات
 
 صفحة للطباعة صفحة للطباعة

  .  

"من مظاهر كمال عقل الرسول ص" | دخول/تسجيل عضو | 0 تعليقات
اكتب اسمك أسفل تعليقك.

التعليق غير مسموح للضيوف, الرجاء التسجيل

عبد الباسط عبد الصمد

الرد على القمص إبراهيم لوقا

تنزيه القرآن الكريم

العقيدة المسيحية

الأسفار القانونية الثانية والأبوكريفا

الله واحد أم ثلاثة


برهانكم للرد علي شبهات النصارى مكرس للرد علي ترهات النصاري وتطاولهم علي الإسلام .. حقوق النشر متاحة للجمع ونرجوا ذكر صفحة المقال واسم الكاتب ..