يقول هـ. أ. ر. جب:
" إنه من المسلم به عالمياً بصفة عامة أن إصلاحاته ( أي محمد صلى الله عليه وسلم ) رفعت من قدر المرأة ومنزلتها ووضعها الإجتماعي والشرعي "(1) ..
ويرى ول ديورانت(2)أن الإسلام قد رفع "من مقام المرأة في بلاد العرب ... وقضى على عادة وأد البنات وسوى بين الرجل والمرأة في الإجراءات القضائية والاستقلال المالي، وجعل من حقها أن تشتغل بكل عمل حلال ، وأن تحتفظ بما لها ومكاسبها، وأن ترث،وتتصرف في مالها كما تشاء، وقضى على ما اعتاده العرب في الجاهلية من انتقال النساء من الآباء إلى الأبناء فيما ينتقل لهم من متاع ، وجعل نصيب الأنثى في الميراث نصف نصيب الذكر، ومنع زواجهن بغير إرادتهن"(3).
ويوضح إميل درمنغم (4)كيف حرر محمد صلى الله عليه وسلم المرأة ويفصل في ذلك.. قائلاً :" مما لا ريب فيه أن الإسلام رفع شأن المرأة في بلاد العرب و حسن حالها، قال عمر بن الخطاب [ رضي الله عنه ] : "مافتئنا نعد النساء من المتاع حتى أوحى في أمرهن مبينا لهن " ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقاً، وخياركم خياركم لنسائهم" .. أجل، إن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى الزوجات بإطاعة أزواجهن، ولكنه أمر بالرفق بهن ونهى عن تزويج الفتيات كرهاً وعن أكل أموالهن بالوعيد أو عند الطلاق .... ولم يكن للنساء نصيب في المواريث أيام الجاهلية ... فأنزلت الآية التي تورث النساء. وفي القرآن تحريم لوأد البنات، وأمر بمعاملة النساء والأيتام بالعد ,ونهى محمد صلى الله عليه وسلم عن زواج المتعة وحمل الإماء على البغاء وأباح تعدد الزوجات..ولم يوصي الناس به، ولم يأذن فيه إلا بشرط العدل بين الزوجات فيهب لإحداهن إبرة دون الأخرى...وأباح الطلاق أيضاً مع قوله: "ابغض الحلال إلى الله تعالى الطلاق". وليس مبدأ الاقتصار على زوجة واحدة من الحقوق الطبيعية مع ذلك، ولم يفرضه كتاب العهد القديم على الآباء، وإذا كان هذا قد أصبح سنة في النصرانية فذلك لسابق انتشاره في بلاد الغرب ، وذلك من غير أن يحمله رعايا نيرون إلى بلاد إبراهيم ويعقوب [عليهما السلام] ...وأيهما أفضل : تعدد الزوجات الشرعي أم تعدد الزوجات السري ؟...إن تعدد الزوجات من شأنه إلغاء البغاء والقضاء على عزوبة النساء ذات المخاطر......" (5) ..
إن " تحرير المرأة" الذي قام به النبي محمد صلى الله عليه وسلم، كان تحريراً شاملاً وكاملاً بمعنى الكلمة .. فقد كان النبي ـ محمد صلى الله عليه وسلم هو العامل الأساس في إيقاف الجريمة الكبرى التي كانت تمارس في حق المرأة، ألا وهي جريمة " قتل البنات خشية العار" .. إن ثقافة وأد البنات كانت هي الثقافة السائدة في تصور المجتمع نحو المرأة .. ولم يجرأ أحد المصلحين قبل محمد صلى الله عليه وسلم التصدي لهذه العادة القبيحة .. بل كانت تزداد فحشاً وانتشاراً في أنحاء الجزيرة ..
هذا، وقد كانت المرأة تباع وتُشترى وتُورث .. فلما بعثَ الله محمداً صلى الله عليه وسلم أعاد للمرأة حقوقها المسلوبة، فمنحها حق الحرية، وأن تبيع وتَشتري لا أن تُباع وتُشترى، وأن ترث كما يرث الرجل، لا أن تَورث كما كان الرجل يرثها مع مال أبيه .. إن العالم عن بكرة أبيه لم يعترف بالذمة المالية للمرأة .. وجاء النبي محمد صلى الله عليه وسلم هذا الحق للمرأة .. فأصبحت تستطيع أن تعقد كبرى الصفقات التجارية، وتتعاقد مع من تشاء وتوكل من تشاء ..
و"في سور القرآن أشار إلى المساواة عند الله بين الذكر والأنثى بغير تفريق في التكليف أو الجزاء ، وإشارة صريحة مساواة المرأة والرجل في ثمرات الأعمال و الجهود .. وفي بعض الأمم القديمة ، والحديثة , كانت المرأة تحرم غالبا من الميراث، فأبى الإسلام هذا الغبن الفاحش...." (6) .
أما عن الاستقلال الفكري والأدبي للمرأة ، فيقول الله تعالى في القرآن : ]يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمْ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ[(الممتحنة10)
"والآية تشير -بجانب ما فيها من أحكام- إلى ما كانت تستمتع به المرأة من استقلال فكري وكيان أدبي محترم"(7)..
و"لم تكن النساء (المسلمات) متأخرات عن الرجال في ميدان العلوم والمعارف فقد نشا منهن عالمات في الفلسفة والتاريخ والأدب والشعر وكل ألوان الحياة" (8)..
وتبين ماكلوسكي (9) " أن نشاطات المرأة المسلمة قد تمتد أحيانا خارج المنزل، فبعض النساء المسلمات كن يقمن بمسؤوليات عامة ..في الحرب والتجارة. ولكن ذلك
كله كان في إطار الخلق الكريم" (10).
وعن حق المرأة في العمل تقول روز ماري(11):
" إن الإسلام قد كرم المرأة وأعطاها حقوقها كإنسانة ، وكامرأة ، وعلى عكس ما يظن الناس من أن المرأة الغربية حصلت على حقوقها ... فالمرأة الغربية لا تستطيع مثلا أن تمارس إنسانيتها الكاملة وحقوقها مثل المرأة المسلمة . فقد أصبح واجبا على المرأة في الغرب أن تعمل خارج بيتها لكسب العيش . أما المرأة المسلمة فلها حق الاختيار , ومن حقها ان يقوم الرجل بكسب القوت لها ولبقية أفراد الأسرة . فحين جعل الله سبحانه وتعالى للرجال القوامة على النساء كان المقصود هنا أن على الرجل أن يعمل ليكسب قوته وقوت عائلته . فالمرأة في الإسلام لها دور أهم واكبر مجرد الوظيفة , وهو الإنجاب وتربية الأبناء , ومع ذلك فقد أعطى الإسلام للمرأة الحق في العمل إذا رغبت هي في ذلك , وإذا اقتضت ظروفها ذلك " (12).
ومما يدل على احترام الإسلام للمرأة ورعاية حقوقها مسألة نكاح المرأة واختيارها في ذلك: فقد بوب الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه وقال: باب لا ينكح الأب وغيره البكر والثيب إلا برضاهما، ثم أورد حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن"، قالوا يا رسول الله وكيف إذنها؟ قال: "أن تسكت"(13)
وتقديراً لدور المرأة في بناء المجتمع الإسلامي، فقد بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء في موقعة مشهودة للقاصي والداني، فكانت بيعة النساء ثانى يوم الفتح ـ في العام الثامن من الهجرة ـ على جبل الصفا بعدما فرغ من بيعة الرجال ..
قال الله تعالى : ]يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهََ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)[الممتحنة12( .
واشتراك المرأة مع الرجل ، على أساس المساواة التامة ، في جميع المسؤوليات التي ينبغي أن ينهض بها المسلم ، ولذلك كان على الخليفة أو الحاكم المسلم أن يأخذ عليهنّ العهد بالعمل على إقامة المجتمع المسلم بكل الوسائل المشروعة الممكنة ، كما يأخذ العهد فى ذلك على الرجال ’ ليس بينهما فرق ولا تفاوت .
ومن هنا كان على المرأة المسلمة أن تتعلم شئون دينها ودنياها ، كما يتعلم الرجل، وأن تسلك كل السبل المشروعة الممكنة إلي التسلح بسلاح العلم والوعي و التنبه إلي مكامن الكيد و أساليبه لدى أعداء الإسلام الذين يتربصون به، حتى تستطيع أن تنهض بالعهد الذي قطعته على نفسها وتنفذ عقد البيعة الذي في عنقها، وواضح أن المرأة لا تستطيع أن تنهض بشيء من هذا إذا كانت جاهلة بحقائق دينها غير منتبهة إلي أساليب الكيد الأجنبي من حولها(14).
ولقد احترم الرسول صلى الله عليه وسلم جوار المرأة ، فكان محمد صلى الله عليه وسلم أول من اعترف بجوار المرأة في الجزيرة العربية بعد عهود الظلام .
ومثال أم هانىء واضح وجلي .. فقد أدخلت أحد المجرمين في جوارها يوم فتح مكة وقبل وعفا الرسول صلى الله عليه وسلم عن هذا المجرم ..
فلقد ذهبت أم هانئ بنت أبى طالب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح فقالت : يا رسول الله زعم ابن أمي علىّ أنه قاتل رجل أجرته : فلان ابن هبيرة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ" (15)
"وتستطيع أن تتأمل هذا، فتعلم مدى الرفعة التي نالتها المرأة في حمى الإسلام وظله، وكيف أنها نالت كل حقوقها الإنسانية و الاجتماعية كما نالها الرجل سواء بسواء، مما لم يحدث نظيره في أمة من الأمم غير أن المهم أن تعلم الفرق بين هذه المساواة الإنسانية الرائعة التي أرستها شريعة الإسلام، والمظاهر التقليدية لها مما ينادى به عشاق المدنية الحديثة اليوم، تلك شريعة من المساواة الدقيقة القائمة على الفطرة الإنسانية الأصيلة، يتوخى منها سعادة الناس كلهم نساءً ورجالاً، أفراداً وجماعات، وهذه نزوات حيوانية أصيلة يتوخى من ورائها اتخاذ المرأة مادة تسلية ورفاهية للرجل على أوسع نطاق ممكن، دون أى نظر إلى شئ آخر ."(16).
إن النبي محمد صلى الله عليه وسلم لم يعتبر المرأة جرثومة خبيثة كما اعتبرها الآخرون، ولكنه قرر حقيقة تزيل هذا الهوان عنها، وهي أن المرأة بين يدي الإسلام قسيمة الرجل، لها ما له من الحقوق وعليها أيضاً من الواجبات ما يلائم تكوينها وفطرتها، وعلى الرجل بما اختص به من صفة الرجولة، وقوة الجلد، وبسطة واتساع الحيلة، أن يلي رعايتها، فهو بذلك وليها، يحوطها بقوته، ويذود عنها بدمه، وينفق عليها من كسب يده، ذلك ما قرره الله تعالى بقوله،: ]وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ[ (البقرة: 228).
محمد مسعد ياقوت
هوامش
2 هـ. أ. ر. جب : المحمدية ، طبعة لندن ( 1953 ) ص 33.
3 مؤلف أمريكي معاصر، يعد كتابه ( قصة الحضارة) ذو ثلاثين مجلدا ، واحد من أشهر الكتب الني تؤرخ للحضارة البشرية عبر مساراتها المعقدة المتشابكة , عكف على تأليفه السنين الطوال , وأصدر جزأه الأول عام 1935، ثم تلته بقية الأجزاء ومن كتبه ( قصة الفلسفة ) .
4 ول ديورانت: نقلاً عن : عماد الدين خليل: قالوا عن الإسلام.
5 مستشرق فرنسي ، عمل مديرا لمكتبة الجزائر، من آثاره : ( حياة محمد) (باريس 1929) وهو من أدق ما صنفه مستشرق عن النبي صلى الله عليه وسلم , و ( محمد والسنة الإسلامية ) (باريس 1955) ، ونشر عددا من الأبحاث في المجلات الشهيرة مثل : (المجلة الأفريقية ) ، و ( حوليات معهد الدراسات الشرقية) ، و ( نشرة الدراسات العربية) ...الخ).
6 نقلاً عن : عماد الدين خليل : قالوا عن الإسلام..
7 نظمي لوقا: نقلاً عن : عماد الدين خليل : مرجع سابق.
8 محمد الغزالي : فقه السيرة، ص 260.
9 ايفلين كوبولد: نظمي لوقا: نقلاً عن : عماد الدين خليل : مرجع سابق.
10 منى عبدالله ماكلوسكي ، ألمانية، تعمل قنصلا لبلادها ، ألمانيا الاتحادية ، في بنغلاديش، اهتدت إلى الإسلام في مطلع عام 1976 ، على يد شيخ الجامع الأزهر الدكتور عبدالحليم محمود –رحمة الله – وشعرت يومها (وكأنها ولدت من جديد.).
10-نقلاً عن : عماد الدين خليل : مرجع سابق.
11-روز ماري ( مريم هاو) صحفية إنكليزية، نشأت في عائلة نصرانية متدينة , ولكنها مع بلوغها مرحلة الوعي بدأت تفقد قناعاتها الدينية السابقة وتتطلع إلى دين يمنحها الجواب المقبول . وفي عام 1977 أعلنت إسلامها , وهي تعمل الآن في صحيفة (الاراب تايمز ) اليومية الكويتية التي تصدر بالإنكليزية.
12-نقلاً عن : عماد الدين خليل : مرجع سابق.
13-صحيح – البخاري، باب لا ينكح الأب وغيره البكر والثيب إلا برضاها، برقم ( 4843)، ومسلم، باب استئذان الثيب في النكاح بالنطق والبكر بالسكوت، برقم( 1419 ) .
14-انظر: محمد سعيد رمضان البوطي: فقه السيرة، 283
15-صحيح - البخاري ( 1 469)، ومسلم (4 45).
16-انظر: محمد سعيد رمضان البوطي: مرجع سابق ، 154