قل هاتوا برهانكم عقائد وأديان مسيحيات برهانكم للرد علي شبهات النصارى

آباء الكنيسة
 
الباترولوجي
[ الباترولوجي ]

·التثليث عند آباء الرسوليين
·العلامة ترتليانوس والزواج الثاني
·بابياس أسقف هيرابوليس
·بوليكاربس في الميزان
·القديس اغناطيوس الأنطاكي
·القديس أغسطينوس والإرهاب الديني
·الحرب العادلة في فكر أوغسطينوس
·جون كالفن
·الباترولوجي - آباء الكنيسة
·الكذب .. السر الثامن من اسرار الكنيسة
  .  

خربشات صوماليانو
 
خربشاتـــصوماليانو
[ خربشاتـــصوماليانو ]

·سويعات في برية التيه
·الإختلافات العددية في الكتاب المقدس
·البابا شتودة: المسيح لم يقل أنا الله أعبدوني
·بولس الرسول كبير الغنوصيين
·الغنوصية والرهبنة في الأناجيل
·تيري جون وثقافة الحرق
·ديونيسيوس يعقوب السرياني وضياع الأسفار
·سيدعى ناصريا
·التسامح سلاحنا في وجه شنودة
·القمص يوحنا سلامة : البروتستانت حرفوا الكتاب المقدس
·الدوناتستيون
·ثامار الزانية في ظل الشريعة
  .  

الرد علي زكريا بطرس
 
شطحاتــزكريابطرس
[ شطحاتــزكريابطرس ]

·المسيح الجبار
·مسرحية نشيد الإنشاد
·النكاح في الجنة وشطحات زكريا بطرس
·انتهى زكريا بطرس كغيره والإسلام باق
·أحلام زكريا بطرس
·تأملات في نشيد الأناشيد
·نشيد الإنشاد كأشعار رابعة العدوية
·هلوسات زكريا بطرس
·الرد السماوي على زكريا بطرس
·بيان الشيخ الزغبي
·الرب مخلص مسيحه
·زكريا بطرس يبكي علي أطلال قناة الحياة
  .  

صوماليانو
 
تعدد الزوحات لماذا ترعب الكنيسة
البابا غريغوريوس الثاني وتعدد الزوجات
ضيوف الأنبا بيشوي أم أتباع الغزاة
ضمان الخلاص والجنة
العتل الزنيم مرقس عزيز
لا محلل ولا طلاق لأن العصمة في يد الأنبا بولا
  .  

البولسيه و الغنوصيه

 - المسيحية

هناك عنصر غنوصى يظهر منذ البدايه فى فكر بولس من خلال اعلان الله فى المسيح , و هى الثمره الناضجه للفكر الغنوصى أو اللاهوت التأملى . صحيح أن بولس شعر أنه دعى ليكرز بالإنجيل ليس بحكمة الكلمات , بل بالروح و القوه , بحيث أن كنائسه لا تؤسس على حكمة الرجال , بل على قوة الله . ( كورنثوس الأولى 1 - 17 و 21 , 2 - 4 و 5 ) . و لكن على الرغم أن انجيله كان عقبة أمام اليهود و جهاله عند الأمميين , الا أنه على الرغم من ذلك يحتوى على حكمة الله , و نعمة الله التى كانت مخفيه , و لكنها أظهرت الآن بواسطة الروح الذى يفحص أعماق الله , و الذى أخذناه من الله لنعرف الاشياء المعطاه لنا من الله ( كورنثوس الأولى 1 - 23 و 24 , 2 - 6 الى 12 ) .

 




و على الرغم أن الانسان الذى بحسب الطبيعه لا يستطيع أن يفهم الأمور الروحيه , الا أن المؤمن الذى أضاء روح الله عقله يستطيع أن يفهم غرض الله فى الخلاص الذى عرف من خلال موت المسيح و قيامته , و يستطيع أن يوضحها للناس , و يوضح علاقتها بوحى الله طوال التاريخ , و أنها ترتكز على ما قاله الله فى العهد القديم .

لقد كان هذا كما رأينا سابقا هو ما ينادى به اللاهوت البولسى , مع الشرح المنطقى ل " كلمة الصليب " . لقد كانت معرفة
gnosis سر ابن الله المصلوب كما أعلنه الله فى عقل بولس , و من خلال هذا الضوء الذى أعلن له من وجه المسيح , هو ما أوضح له أهمية الوحى الإلهى فى العهد القديم , و جعل " برقع موسى " الذى أخفى العهد القديم عن اليهود , بحيث لم يستطيعوا أن يستوعبوا الروح الذى يقبع تحت الحرف , ينكشف لبولس من خلال المسيح .( كورنثوس الثانيه 3 - 14 ) , و أعلن له الروح الذى يقبع تحت الحرف , مما مكنه أن يرى فى الناموس و الأنبياء مرحلة اعداديه و وعودا تحققت فى المسيحيه .

إن موضوع هذا التفسير " الروحى " pneumatic للعهد القديم , الذى يعتبر الحرف مجرد أداه لمعنى روحى أعمق , تحدد عند بولس من خلال خبرته الدينيه الشخصيه , و لكنه كان مرتبطا أيضا بنوع اللاهوت اليهودى الذى كان ينمو و بخاصه فى الأسكندريه . على الرغم من احترام المدرسه السكندريه الشديد للحرف الذى نقل التقليد , الا أنه قد أخذ مسارا فكريا جديدا كان بعيدا كل البعد عن اليهوديه الايجابيه و قريبا كل القرب من المثاليه idealism فى الفلسفه اليونانيه .

هذه المدرسه الفكريه لم يكن بقدرتها أن تخرج خارج أسوار اليهوديه , لتؤسس دينا عالميا موحدا , فقد افتقدت القوه المطلوبه لمثل هذه الخطوه , و لكن عندما انضمت الى الإنجيل البولسى عن يسوع المسيح صارت النزعه السكندريه ذات قوة فى نشر العالميه المسيحيه , لأن فكرها كان أكثر وضوحا و مفهوما عند عقول اليهود و الأمميين أكثر من المنطق الخاص ببولس .

ان الدمج ما بين الغنوصيه البولسيه و السكندريه و التى صار لها أهميه فى كل العصور , تقابلنا أول مره فى الرساله الى العبرانيين , التى كتبها أحد أتباع بولس أثناء فترة حكم دوميتيان , و الذى تعلم فى المدرسه السكندريه , مستهدفا أن يثبت علو قدم المسيحيه على النزعه اليهوديه للمسيحيين المتهودين ( ربما فى روما و الكنائس الايطاليه الأخرى ) لأولئك الذين اهتز ايمانهم . لم يكن الهدف من هذا مهاجمة اليهوديه العنيفه الغيوره على الناموس و التى ربما ظلت هى السائده فى فلسطين , و لكن الرساله موجهه لتشجيع أقليه مضطهده .

إن المشاعر اليهوديه تجاه هذه الأقليه قد جرحها التأثير الكبير للمسيحيه الأمميه , فبدأت هذه الأقليه تتعرض للتهديد و الاضطهاد من أجل اسم المسيح , و بالتالى بدأ ايمانها المسسيحى يتزعزع , و تعود للطقوس الدينيه الخاصه بالمجمع اليهودى ( عبرانيين 10 - 23 الى 35 , و خصوصا العدد 25 ) . لقد كان من الضرورى أن يوضح لهؤلاء الناس أن اليهوديه تقدم كل شىء فى قالب تنظيمات دينيه , و لكن المسيحيه تقدم وسائل النعمه بطريقة أفضل , بل و فيها فقط الطريقه الأكمل التى تشبع القلب .

و بالتالى فهذا الكتاب لا يصورالعلاقه بين اليهوديه و المسيحيه على أنه الناموس ضد الإنجيل كما كان ينادى بولس , بل غير الكامل و المؤقت مقارنة بالكامل و الأبدى , و بالتالى فكلا من الناموس و الإنجيل يعتبران وسائل خلاصيه , و مركز ذلك يقبع فى خدمة الكهنوت الذى ينفذ فيه عهد الله مع شعبه .
كل شىء يوجد فى اليهوديه يعاود ظهوره فى المسيحيه , الكهنوت و المذبح و الذبائح و العهد و شعب الله المقدس و العهود و النعمه و راحة السبت , و لكن المسيحيه تمتلك هذه الاشياء فى صورة أسمى من اليهوديه , فهناك كهنوت خاطىء متغير , و لكن هنا الكهنوت الدائم غير الخاطى , هناك ذبائح تكفى للتطهير الخارجى فقط , و هنا الذبيحه الوحيده فى حياة المسيح المقدسه التى أدت الى خلاص و تطهير دائم , و هناك دخول الكاهن الأكبر مرة فى العام الى المذبح الأرضى , أما هنا فالدخول مرة واحدة الى قدس الأقداس السماوى المفتوح للجميع بواسطة المسيح الكاهن الأكبر المتوج فى السماء . ان المفهوم الأساسى للمسيحيه الذى تعرضه الرساله للعبرانيين تقبع فى هذه الفكرة عن المذبح السماوى بكهنوته الإلهى .

و لكن فى هذه الفكره يجرى دمج لمفاهيم متنوعه , ففى الأساس من أسفل يوجد مفهوم العباده فى الهيكل اليهودى , و الذى يبدو أن الكاتب لم يكن يعرف عنها من خلال ممارسه شخصيه , بل فقط من خلال دارسته للأسفار الخمسه التوراتيه , و بالتالى عندما يتحدث عن هذه العباده الأرضيه على أنها ظل لعبادة سماويه أصليه ( عبرانيين 10 -1 ) , فمن الواضح أن أمام ذهنه المفهوم السكندرى عن العالم العلوى أو العالم المثالى ( κοσμος νοητος ) , الذى يعتبر العالم المنظور مجرد صوره له لا تتسم بالكمال .

و هذا " العالم العلوى " من المثاليه المسيحيه يرتبط مرة أخرى فى فكره ب " العالم المستقبلى " فى الاسخاتولوجى الخاص بالمسيحيه المتهوده , بالصوره التى يصف بها سفر الرؤيا ملكوت الله عند اتمام كل الأشياء بأنه نزول أورشليم السماويه , و لكن ما يميز المسيحيه السكندريه هو تعريفها للعالم السامق للفكر التأملى , أو الحدس الرؤوى , حيث نجد التناقض , بأن المسيحيه ليست شيئا ينتمى الى الحاضر بل فقط الى العالم المستقبلى .

و لكن الحل لهذا التناقض على الرغم من ذلك يقبع فى حقيقة بسيطه , هى أن العالم المستقبلى يفهم بطريقة مشابهة للعالم العلوى أو السماء , و بالتالى يبدو على هذا النحو أنه واقع حاضر , فيه المسيحيون مع المسيح الكاهن الأكبر السماوى , و يمكنهم أن يتذوقوا قوة هذا العالم , بل و نالوا بالفعل عطاياه الأولى ( عبرانيين 6 - 4 و 5 ) .

ان الهوه التى تفصل بين عالم الحس و عالم الأفكار و التى حاولت ردمها فلسفات أفلاطون و فيلو السكندري دون جدوى , و التى نقلتها اليهوديه الى المستقبل , قد ردمت بالفعل فى الفكر المسيحى السكندرى , عبر الوساطه الشخصيه ليسوع المسيح الذى أتى من السماء و رفع اليها , و عبر دوره الوساطى ككاهن أكبر لكنيسة العهد الجديد الذى وصل ما بينها و بين الملكوت الدائم , و الذى معه الوعد بإتمام كل رغبه فى المستقبل .

إن تأكيد المسيحيه على الخلاص فى فكر كاتب الرساله الى العبرانيين يعتمد كلية - مثله فى ذلك مثل بولس - على يسوع المسيح و موته الكفارى و ارتفاعه الى السماء , و ان كان مصدر هذا الفكر عند كاتب رسالة العبرانيين يختلف عن مصدره عند بولس . ان الكريستولوجى الموجود فى الرساله الى العبرانيين ليس أقل عزارة من الكريستولوجى الخاص ببولس , بل بالأحرى أكثر غزارة منه , بما أنه وفق نظرته المثاليه السامقه عن شخص المسيح , ينسب أيضا للجانب التاريخى من حياة يسوع الأهميه اللائقه به , و بالتالى يحاول مثلما حاول كاتب انجيل يوحنا أن يدمج ما بين النظرتين الى المسيح , و التى انقسم بسببها بولس و الكنيسه الأولى .

الا أنه ينبغى علينا أن نعترف أن هذه المصالحه ليست شامله , فمن ناحية ما , يصور يسوع على أنه كائن الهى يرتفع عن مقام البشر و الملائكه , و أنه سطوع لمجد الله , الذى به صنع العالم , و الحامل لكل شىء بكلمة قدرته , و هى الصفات التى ترتكز على العقيده السكندريه عن الحكمه و اللوجوس ( عبرانيين 1 - 2 و 3 , قارن مع سفر حكمة سليمان 7 - 22 ) .

و لكن ابن الله السماوى هذا لم يأخذ على نفسه مجرد اللحم و الدم لأبناء الله , بل اشترك أيضا فى ضعفاتهم و تجاربهم أثناء حياته على الأرض , و لكن بدون خطيه , و تعلم الطاعه من خلال المعاناه , و كمكافأة له توج بالمجد و الشرف , و صار كاهنا أعلى رحيما , يستطيع على الرغم مما عاناه من التجارب أن يغيث المجرب . ( عبرانيين 2 - 14 و 18 و 19 , 5 - 7 ) .

و أيضا فبحسب الرساله الى العبرانيين , فإن موت المسيح هو مركز العمل الخلاصى , و لكن على الرغم من ذلك فإن الموت ليس كذلك , و مثلما وجدنا فى فكر بولس , فإن تنفيذ لعنة الناموس على النائب عن البشريه و معاناته كمثال للطاعه كذبيحه كفاريه مطهره أكثر فعاليه من ذبائح العهد القديم , و يزيل الاحساس بالذنب و بالتالى يبطل الذبائح القديمه ( عبرانيين 2 - 9 و 10 , 5 - 9 , 9 - 14 , 10 - 14 ) .

و بالتالى فالتأكيد الذى نجده فى هذه الرساله ليس على مجرد التحمل السلبى للموت passive endurance of death لتكفير الغضب الإلهى , بل على تقديم الذبيحه المقبوله للحياه المقدسه , بناء على المشاعر و الدوافع الأخلاقيه لمقدمها , و هذه الذبيحه الروحيه الحقيقيه تبطل ذبائح العهد القديم الماديه , و تفتتح عهدا من العبادة لله عن طريق الروح و الحقيقه .

و بالتالى فإن مؤلف الرساله للعبرانيين يصل الى نفس النقطه التى وصل لها بولس , و لكنه لم يصل لها من خلال النظريه الفريسيه عن التكفير , بل من خلال فكرة الرمزيه فى طقوس العهد القديم , و من خلال طقس ذبائحى أخلاقى , و هى وجهة نظر جديده نقابلها أيضا فى انجيل يوحنا , و التى كانت بلا شك أكثر قبولا فى الأفهام بشكل عام , أكثر من نظرية التكفير النصف - يهوديه و النصف - مستيكيه التى نادى بها بولس . إن تأثير موت و تخليص المسيح بحسب الرساله للعبرانيين هو انفتاح العالم السماوى أمام علاقة كاملة مع الله لأصحاب الأرواح المؤمنه الصادقه مقلدين فى ذلك مؤسس ايمانهم .
فى هذه الرساله , لا يلتفت الايمان كثيرا الى المسيح بقدر ما يلتفت الى الهدف منه ( عبرانيين 2 - 12 , 13 - 13 ) , و لا يتحدث عن اتحاد مستيكى مع المسيح المصلوب و المقام , و لكنه يهتم بالحاله الدينيه و الأخلاقيه للعقل , التى بحسب مثال المسيح لها أمل فى العالم غير المنظور , و تظهر صدقيتها من خلال طاعتها فى التحمل و المعاناه . و بخصوص هذا العقل المؤمن , فإن الإيمان تصرف أخلاقى ممتاز , و الذى بحسب هذه الرساله لا يناله المؤمن كعطيه من الله , و لكن الله يقبله كفضيله أخلاقيه موجوده بالفعل ( عبرانيين 11 - 4 و 5 و 33 و 39 ) .

ان الفكر البولسى الذى يرى تعارضا بين الايمان و الأعمال أو الايمان و الناموس , لا يوجد هنا بسبب الفكرة الأبسط عن القلب المؤمن الذى يسر به الله , و اذا اعتبرنا هذا كما هو مؤكد فى بعض النواحى تقاربا مع نمط التفكير المسيحى المتهود , إلا أن الرساله الى العبرانيين على الرغم من ذلك ترفض النظاميه اليهوديه بدرجة لا تقل عن موقف بولس بنفس هذا الخصوص . ( عبرانيين 7 - 12 , 10 - 9 , 3 - 3 الى 6 و 12 الى 15 ) . صحيح أنه لا يبرر التخلى عن اليهوديه عن طريق الارتكاز على التناقضات الجريئه التى نادى بها فكر بولس عن الناموس , و لكن استخدام هذا الكاتب للأسلوب المجازى فى حديثه عن طقوس العهد القديم ليس سوى طريقة أخرى لعرض الفكر البولسى الأصيل , بأن المسيحيه هى الدين الحقيقى الوحيد , و أن اليهوديه مجرد مرحله سابقه غير كامله فى تعبيرها عن الحقيقه , و ينبغى أن تفسح المجال للمسيحيه .

من خلال هذه الطريقه التى عرض بها فكرته , من حيث الحقيقه النسبيه فى اليهوديه , و الاتصال التاريخى الايجابى للمسيحيه مع العهد القديم , فإن فكرته هذه لاقت قبولا أكثر من منطق بولس الجدلى السلبى , و بالتالى فإن اللاهوت البولسى السكندرى الموجود فى الرساله الى العبرانيين جرى تبنيه ليعمل كوسط محايد فى رأب الخلافات التى نشأت فى الكنيسه الأولى .

حدثت خطوة أخرى الى الأمام فى الرساله المعروفه باسم رسالة برنابا , و التى خرجت من نفس المنطقه , و التى فعلت نفس الشىء من استخدام الأسلوب المجازى فى تفسير العهد القديم لتظهر أن المسيحيه هى الاتمام الحقيقى لليهوديه , و لكنه يفعل هذا عن طريق حرمان الصوره القوميه و النظاميه لليهوديه حتى من أهميتها النسبيه , بل و يدينها بوصفها افساد شيطانى للحقيقه ( رسالة برنابا 2 و 3 و 9 و 10 و 15 و 16 ) . بحسب وجهة نظر كاتب رسالة برنابا , فإن الله لم يأمر أبدا بختان الجسد , بل فقط بختان القلب و الأذن التى تحدث عنها الأنبياء السابقون , و لكن اليهود الذين خدعهم ملاك شرير أساءوا فهم الإراده الإلهيه و مارسوا الختان الجسدى , و الذى لا يمكن أن يكون على أى حال هو علامة العهد , لأن الختان كان يمارس أيضا بواسطة السوريين و العرب و المصريين .

و أيضا الأوامر المتعلقه بالأطعمه , فقد قصد بها فى الأصل أخلاق معينه , فمثلا المنع عن أكل الخنزير هو مجرد تحذير عن الحياه المترفه , و السماح بالمجترات مجرد اشاره مجازيه الى حياة الايمان و التأمل فى كلمة الله , و لكن العقل الجسدانى لدى اليهود هو فقط الذى تسبب فى فهم هذه الأمور بصورة حرفيه . و كذلك حفظ يوم السبت مجرد اشاره الى بدء عهد جديد فى المسيح , و بالتالى يجد تتميمه فى يوم الأحد الخاص بالمسيح بصفته اليوم الذى قام فيه المسيح . و يبدو برنابا ممتعضا من احترام اليهود للهيكل كأن هذا طقس وثنى , و هو العمل الذى أدانه الله عن طريق تدميره , و أعلن أن الهيكل الحقيقى هو قلوب القديسين أو المؤمنين , و لقد أعلن الله منذ زمن بعيد عن طريق الأنبياء أنه لا يرغب فى ذبائح أخرى بل فى تقدمة القلب , و أن ما يهمه هو فعل الخير و ترك الشر ( انظر سفر اشعياء ) .

بسبب سوء تفسير اليهود لكل هذه الأمور , و محافظتهم عليها بطريقة حسيه , بدلا من فهمهما بالطريقة الأخلاقيه التى قصدها أصلا الله و موسى و الأنبياء , فإن برنابا يرى أن هذا السلوك يدل على أن شعب اسرائيل ليس شعب الله كما يدعون , و أكد على هذا من خلال استعراض لكل تاريخ شعب اسرائيل , بدءا من عبادتهم الوثنيه فى سيناء حتى صلبهم ليسوع الذى وصل به شعب اسرائيل الى أقصى حد ممكن فى ارتكاب الخطايا .

مثل هذه النزعه المضاده لليهوديه التى رأيناها منذ قليل نبتت دون شك فى التربه البولسيه , و لكنها نمت أكثر بكثير من مشاعر بولس الذى رفض فى ( روميه 9 ) المبالغه فى إدانة شعب اسرائيل , و لكن على الرغم من ذلك فقد كان من الواضح أنها على بعد خطوة قصيره من هذا الموقف البولسى المتطرف المضاد لليهوديه ( يقصد الكاتب موقف برنابا ) , كما كانت هى نفس المسافه التى تبعد هذا الأخير عن الثنائيه الغنوصيه لمرقيون , الذى قطع فى النهايه كل صله تاريخيه بين المسيحيه و اليهوديه .

اذا لم تكن بعد هذه الغنوصيه التى تريد رسالة برنابا اضافتها الى الإيمان هى العنوصيه الصارمه فى معناها الهرطوقى لأنها لم تشغل نفسها حتى الآن بالعالم السامى , إلا أن تعاملها المجازى مع التاريخ الدينى يجعلها تقدم مرحلة انتقاليه بين المسيحيه السكندريه و الغنوصيه الهرطوقيه . و لكن قبل أن نتتبع مسار تطور الغنوصيه البولسيه المتطرفه , لا بد أن نلقى نظرة على صورة منها اعترفت بها الكنيسه , و التى نشأت فى اطار البولسيه الأرثوذكسيه , تحت تأثير النزعه السكندريه فى بداية القرن الثانى , و احتفظت لنا بها رسالتا كولوسى و أفسس .

إن الشكل الذى توجد عليه رسالة كولوسى , التى تعتبر أحد منتجات المدرسه البولسيه , يهدف الى مقاومة المعلمين الكذبه , الذين على الرغم من كونهم متهودين , الا أنهم ينتمون الى فئة مغايرة تماما عن أولئك الذين تمت مهاجمتهم فى الرسائل الأقدم لبولس , و يبدو أنهم مسيحيون أسينيون أرادوا أن يدخلوا الى المسيحيه تأملاتهم عن العالم الروحى العلوى , و الزهد الروحانى المرتبط بذلك , و بسبب اهتمامهم بهذه القداسه و هذه الحقيقه العلويه فقدوا الأساس التاريخى للإيمان بالمسيح و الحياه الكنسيه الأخلاقيه الصحيه .

ان البولسية الكنسيه المعارضه لهذه الغنوصيه المزيفه التى تذكرنا ب " كرينثوس " Cerinthus و العنوصيه الحقيقيه , عارضت أفكارها العجيبه عن الملائكه و الكريستولوجى المتأمل الخاص بها , و زهدها الأبيونى و مبادئها الأخلاقيه المسيحيه المثاليه . إن الهراطقه فى كولوسى قد وضعوا المسيح على قدم المساواه مع الملائكه , بل و حتى جعلوه أقل منها , و لكن البولسيه الأرثوذكسيه تنادى بعلو قدر المسيح فوق كل القوى الروحيه , بلغة لا تذكرنا فقط بالكريستولوجى البولسى الأقدم , بل و أيضا بعقيدة اللوغوس عند فيلو .

ان المسيح بحسب مؤلف رسالة كولوسى , مركز العالم , فكل الأشياء لم تخلق فقط عن طريقه , بل و أيضا فيه , و فيه يقوم الكل , و فيه يحل كل ملء اللاهوت جسديا , و بالتالى فتجسد المسيح لم يعد يفهم ( كما كان فى الكريستولوجى عند بولس ) على أنه تخلى عن المجد السماوى , بل بكل بساطه أنه اخفاء لهذا المجد فى جسد فان . و الأمر ذو الصله بخصوص هذا الوضع الكونى للمسيح هو أهمية عمله الخلاصى , فالتأثير الكفارى لموت المسيح لم يعد محدودا بمصالحة البشر مع الله , بل يشمل كل العالم ذو الوجودات الروحانيه , و القوى الملائكيه للعالم غير المنظور يتضمنها أيضا هذا السلام الذى صنعه المسيح . ان المسيح ليس فقط مركز خلق العالم , بل أيضا الوسيط الكفارى للسلام فى كل العالم الجسدانى و السماوى ( كولوسى 1 - 20 ) . و يجرى تصويره بنفس الكيفيه على أنه المنتصر على القوى الروحيه الشريره , و ضد الممسكين بالصك ( الناموس ) .

ان الفكره البولسيه أن المسيح افتدانا من لعنة الناموس بأن حملها بنفسه , تكتسب اذن فى فكر هذا الكاتب البولسى , اشاره الى السيطره على الامبراطورية الشيطانيه , التى دمرت سيطرتها على العالم بواسطة موت المسيح , و هو المفهوم الذى يذكرنا بالفكره الأسطوريه التى تلت ذلك عن الصراع بين المسيح و الشيطان .

لقد صالح المسيح العالم فى شخص نفسه , فلم يعد لزاما على المسيحيين أن يظلوا خاضعين عن طريق عبادة الملائكه و عن طريق الزهد العنيف المتشكك , بل لا بد من احداث ملائمة أكثر بين كنوز الحكمه و المعرفه المخفيه فى المسيح , و لا بد من زيادة المعرفه بالله و السير فى طريقه . صحيح أن هذا المؤلف البولسى الأرثوذكسى يؤكد على أهمية المعرفه فى المسيحيه , و لكنه يميز بينها و بين العنوصيه المزيفه , و بالتالى يطلب الالتزام بالمسيح بوصفه رأس الكنيسه المسيحيه .

و بعد ذلك أخذ المنعطف العملى الذى مرت به العنوصيه البولسيه خطوة متقدمة أكثر فى الرساله الى أهل أفسس , التى تتوافق كلية مع انجيل يوحنا فى الميول اللاهوتيه . لقد لوحظ طويلا التقارب ما بين هذه الرساله و الرساله الى كولوسى , و لكن الاختلاف بينهما ليس تافها , سواء فى الموضوع أو فى النبره , و هو الأمر الذى جرى تجاهله فى الغالب .

لا نجد فى رسالة أفسس أى أثر للهرطقات التى حاربتها رسالة كولوسى , فصراعها ليس مع المسيحيين المتهودين الأبيونيين , بل مع المسيحيين الأمميين البولسيين المتطرفين , و ليس مع الزهد المتشكك بل مع التحرريه الطائشه , و ليست مع الخصوصيه اليهوديه بل مع الصلف الأممى المضاد لليهوديه و الذى يفتقد للمحبه الأخويه . لقد كان الهدف من الرساله الى أفسس هو رأب الصدع بين الحزبين و الذى ظل يقسم الكنيسة المسيحيه , و هو الأمر الذى يرى الكاتب أنه الهدف من الوحى الإنجيلى , و هو الغرض من مهمة و موت المسيح .

ان التعليم التأملى فى رسالة كولوسى بخصوص مصالحة العالم الأرضى و العالم السماوى عن طريق موت المسيح , يكتسب فى رسالة أفسس التطبيق الأخلاقى , بأن الأمميين و اليهود قد وحدهم موت المسيح فى جسد واحد هو الكنيسه , عبر ازالة الحاجز الذى كان يفصل بينهما و هو الناموس ( أفسس 2 - 14 ) , و الهدف الضرورى من موت المسيح بحسب رسالة أفسس لم يعد ( كما فى كتابات بولس ) هو التخليص من لعنة الناموس , بل تأسيس الكنيسه العالميه عن طريق اذابة كل الخلافات .

ان النزعه التأمليه فى رسالة كولوسى بأن " كل ملء اللاهوت حل جسديا " فى المسيح , تأتى فى رسالة أفسس لتقول أن الكنيسه بوصفها جسد المسيح هى " ملؤه " , أى الظهورالكامل لطبيعته الإلهيه فى شكل انسانى ( أفسس 1 - 23 , 4 - 13 ) , و التأكيد الشديد الذى تضعه هذه الرساله على دور الروح القدس كمصدر الوحى للكنيسه يرتبط بهذه الفكره , فالروح لم يكشف فقط عن الروح المسيحيه من خلال الرسل , بل لا يزال يظهرها من خلال الأنبياء المسيحيين ( يقصد أتباع رسل المسيح , و ليس أنبياء العهد القديم ) ( أفسس 1- 17 , 3 - 5 , 4 - 11 ) .

و بالتالى فالوحى المسيحى ليس أمرا وقع فى الماضى , بل هى عملية مستمرة فى الكنيسه , و هى الفكره التى تجعل رسالة أفسس تتصل اتصالا مباشرا بإنجيل يوحنا و بالمونتانيه ( أفسس 1 - 17 , 4 - 13 , قارن مع يوحنا 16 - 12 , انظر ترتليان De Virgin . veland . 1 ) . و عندما يصف فى النهايه دعوة الأمميين الى ملكوت المسيح ( أفسس 3 - 5 ) كموضوع لوحى تلقاه " الرسل المقدسون و الأنبياء " , فإننا نجد فى هذا اشارة واضحة للمشاعر السلميه التى تحلت بها البولسيه المتأخره , و التى نست أو حاولت أن تنسى الاختلافات التى كانت موجودة فى العصر الرسولى . و بالتالى فالرساله الى أفسس تحفة فنية مهمه تمثل الرغبه فى الإتحاد التى تميزت بها البولسيه فى القرن الثانى , و التى نعلم من خلالها أن إحداث مصالحه بين الأحزاب المتنوعه كان حاجة ملحة شعر بها البولسيون .

إن آخر عمل يعبر عن نزاع المائة عام بين المسيحيين الأممين و المسيحيين المتهودين حدث فى كنيسة روما فى منتصف القرن الثانى , و لكنه يختلف جوهريا عن الأعمال السابقه , لأنه لم يكن ثمة أحزاب فى الكنيسه تدور بينها رحى الحرب , بل متطرفين هرطوقيين من اليمين و اليسار , بينما حافظت الكنيسه على موقفها المحايد و معارضتها لهم , و زادت من قوة اتحادها إبان هذا الصراع .

ان النظم العنوصيه الأقدم و التى تخلط بين الفلسفه الهيلينيه و الأساطير الشرقيه , لم تستطع أن تشق لها طريقا فى روما , بينما على الجانب الآخر فإن مرقيون الغنوصى الموهوب وجد التربه المناسبه للمعارضه العنيفه ضد اليهوديه و للغلو فى البولسيه , فعندما جاء الى روما أثناء حكم " أنطونينوس بيوس " و أثناء أسقفية " بيوس " ( 142 ميلاديه ) , رغب فى البدايه أن يلتصق بالكنيسه الجامعه , و لكن سرعان ما ظهرت ميوله الهرطوقيه من اسئلته التمحكيه التى كان يلقيها على المعلمين .

ان الغنوصى السورى " جيردون " الذى كان يعلم فى العاصمه أثناء هذه الفتره , أثر جدا على مرقيون , و قد كان " جيردون " يكره الماده و هو الأمر المشهور فى النزعه التأمليه الشرقيه , و بالتالى يضع خالق العالم المادى فى درجة ناقصة مقارنة بالله أبى يسوع . إن الموقف المتردد لهذا المعلم تجاه الكنيسه لم يردع مرقيون تلميذه الجرىء من أن يستنتج الأمور المترتبه على هذه الثنائيه الميتافيزيقيه , بشكل جعله يضع المسيحيه ضد أى شىء آخر سابق لها , و خصوصا الدين اليهودى .

ان الأهميه الخاصه لتأثير مرقيون على الكنيسه ترتكز على هذه الحقيقه , فبغض النظر عن التأملات السامقه و الأساطير الكونيه , فقد طبق الغنوصيه مباشرة على الأسئله الدينيه العمليه , و هذا هو سبب المعارضه العنيفه التى لاقاها من الآباء الأرثوذكس أكثر من أى هرطوقى آخر من القرون الأولى .
ان نقطة البدايه فى فكر مرقيون ليس شيئا آخر سوى البولسيه , و التى ضخمها حتى أقصى درجه ممكنه . كان بولس قد اعتبر أن المسيحيه " تجديد للروح " , بالمقارنه باليهوديه التى تهتم بالحرف الذى يقتل , و وصف الجزء الطقسى من ناموس موسى بأنه عبادة الضعفاء , و أن المسيحيين قد تحرروا منه بإيمانهم فى ابن الله .

ان مؤلفى رسالة العبرانيين و رسالة كولوسى قد اعترفا فى الطقوس اليهوديه بأنواع من الأشياء الساميه , و لكنها تعبير ضئيل عن الحقيقه الموجوده فى المسيحيه . إن كاتب رسالة برنابا ذو النزعه البولسيه الصارمه قد ذهب الى ما هو أبعد من ذلك , و وصف أن المحافظه اليهوديه الحرفيه على الناموس هى افساد شيطانى لغرض الله الحقيقى , و علينا فقط أن نخطو خطوة واحده لنجد أنفسنا عند مرقيون الذى يعتبر اله اليهوديه أقل من اله المسيحيه , و هو نفس البون الشاسع الذى يوجد بين الناموس و الإنجيل كمبادىء انجيليه , و بين العالم المادى التى يعنى بها الناموس فى أوامره و العالم السماوى فى الوعد الإنجيلى , و بالتالى فبحسب مرقيون لا بد أن من أعطى الدين اليهودى يختلف عمن أعطى الدين المسيحى .

أن الإله اليهودى أو Demiurgus كما أسماه مرقيون وفق المصطلحات الغنوصيه هو اله قاس و عنيف , و ليس رحيما و ودودا مثل اله الإنجيل , و قد جمع مرقيون كل ما ينسب فى العهد القديم لله من مشاعر انسانيه , و تناقضات بين أوامر الله و طرق عمله فى العديد من المواقف , و قصة السقوط خاصة بدت له غير متوافقه مع الكمال الإلهى . لقد رأى أن هذا العالم المادى شرير جدا و لا يليق أن يكون من صنع الله الحقيقى , و بالتالى فقد ظل الله الحقيقى مجهولا عند العالم القديم , و أعلن أول مرة فى المسيحيه , و وحى هذه الإله فى المسيحيه أعطى دون وساطة تاريخيه بحسب مرقيون .

لقد كان المسيح عند بولس هو الانسان الروحى من السماء , و لكنه بحسب الجسد اتصل بالبشريه الجسديه , خصوصا آباء اسرائيل , و لكن مرقيون حاول ازالة هذه الصله , فمسيحه لا علاقة له باليهوديه و لا بالعالم الجسدى , و لهذا أنكر أن يكون للمسيح جسد حقيقى و أنكر ولادته الجسديه , و قال أن المسيح نزل للأرض مباشرة من السماء , فى روح نقيه لها مظهر جسدى خادع , و أنه ظهر فى المجمع فى كفرناحوم .

لقد نادى الغنوصيون الآخرون بالدوسيتيه , بشكل يقرب قليلا أو يبتعد قليلا عن هذا , و لكن كلامهم وجد له أساسا فى النظريه الميتافيزيقيه عن علاقة الماده بالروح , بينما كان رأى مرقيون لا يرتكز على نظريه ميتافيزيقيه , و رأى أن المسيحيه ينبغى أن تفهم على أنها شىء جديد تماما , و معجزة مفاجئه , ليست لها صلة تاريخية أو طبيعية بالجنس الانسانى السابق , و هذا تضخيم لفكرة بولس أنه فى المسيح لا يوجد يهودى و لا يونانى , بل خليقة جديده .

لقد اشارت رسالة برنابا سابقا الى هذه المسلمه , فقد رأت فى المسيح ابن الله فقط , و لم تعتبره ابن الانسان أيضا , و لدينا دليل واضح على السيطره الكبيره فى الدوسيتيه المرقيونيه للجانب الدينى فوق الهدف التأملى , نجد ذلك فى الغياب المدهش للاتساق ( و الذى عابه ترتليان و معه الحق فى ذلك ) الذى يظهر فى تأكيد مرقيون على حقيقة و آلام موت المسيح بينما ينكر ميلاده و امتلاكه لجسد بشرى حقيقى . و السبب فى عدم الاتساق هذا واضح , فلو كان المسيح مولودا لكانت له صلة بإله العهد القديم , بينما على الجانب الآخر فإن موت المسيح الذى عاناه بسبب هذا الإله يعبر عن التضاد الكامل بينه وبين هذا الإله , و هو الحدث الذى هيأ للإطاحه بحاكم هذا العالم , فبقتله للمسيح افتقد اله العهد القديم أى حق له فى حكم هذا العالم .

من السهل أن نرى فى هذا امتدادا أسطوريا للفكره البولسيه عن تخليص المسيح لنا من لعنة الناموس بأن صار لعنة من أجلنا , أو موتنا للناموس من خلال الناموس , و كما استنتج بولس أخيرا من غنوصيته الخاصه بصلب المسيح نتيجتها , بأننا قد متنا عن الخطيه و صلبنا الجسد بشهواته , كذلك وصل مرقيون أيضا الى نفس الإستدلال فى الكريستولوجى الخاص به , مضخما فى هذه المره أيضا من المثاليه البولسيه , و مؤسسا لنظام زهدى صارم يرى كل شىء طبيعى مستحقا للتعنيف . استاء مرقيون و أتباعه من علاقة الزواج بصفة خاصه , كوضع ينتمى الى عالم اله العهد القديم , و ينبغى للمسيحى أن يبتعد عنه بوصفه عضوا فى العالم غير المادى لإله العهد الجديد , و بالتالى حرم الزواج على أعضاء مذهبه , أما المتزوجون بالفعل فقد طلب منهم التقشف الصارم . بدون شك كان هذا الزهد المفرط الذى أمر به مرقيون لا يقل درجة عن ميوله العقائديه التى أدت الى حرمانه من كل الكنيسه الجامعه , بما فى ذلك البولسيون المعتدلون خاصة الذين حرموه أيضا , و الذين كان يهمهم أن يقطعوا صلتهم بغلاة البولسيين .

لقد ضخم مرقيون من التضاد البولسى بين الناموس و الإنجيل , بينما أحدثت الكنيسه تقاربا بين الإثنين , بحيث صار الإنجيل لها ناموسا جديدا . كذلك فإن مرقيون لم يعترف برسول حقيقى سوى بولس , و لهذا قبل فقط عشرة من رسائل بولس , و صورة مشوهة من انجيل لوقا , و اعتبرها هى الكتب المقدسه الأصيله , و أصر على أن المسيحيين المتهودين قد غيروا من حقيقة الإنجيل , و بالتالى لم تستطع الكنيسه أن تعرف حقيقة التعارض بين الرسل الأوائل , و أخطأت فى وضع بطرس و بولس على قدم المساواه , بل و فى الواقع وضعت بطرس فى مرتبة أعلى من بولس .

بنفس الدرجه التى هددت بها البولسيه الغنوصيه وجود الكنيسه المسيحيه , زاد التقدير لسمعة بطرس , و قد صار اسمه محل جدل تاريخى فى البحث عن السلطه الكنسيه , و هو الأمر الذى شعرت به كنيسة روما مما دعاها لتأسيس نفسها على اسم هذا الرسول .

الى هذا السلوك الأرثوذكسى المضاد لغلو مرقيون فى البولسيه , يدين الكتاب الخيالى ( Tendenz - roman ) الذى ظهر فى منتصف القرن الثانى تحت اسم " عظات و اعترافات اكليمندس " بانتشاره الواسع و شعبيته فى الكنيسه الرومانيه . و الهدف من هذه الكتاب أن يقص على الناس سلسلة من المناظرات العلنيه بين بطرس و سيمون الساحر. يعتبر سيمون الساحر فى هذه الكتاب ممثلا لهرطقة مرقيون , و لكنه فى بعض الأحيان أيضا يعتبر ممثلا لبولس الذى يعتبره الكاتب مؤسس هذه الهرطقه , ففى رسالة بطرس الى يعقوب التى تتصدر هذه الكتاب , يعبر الكاتب اليهودى عن كراهيته لبولس , و أن بطرس يشتكى أن بعض الأمميين يؤمنون بالعقيده الفاسده inimicus homo , و يفسر كلمات بطرس هذه كما لو أنه يعادى الناموس بنفس الدرجه , و لكن لا يجرؤ أن يعلن عن موقفه هذا علانية , و هى اشارة صريحة الى تهمة النفاق التى وجهها بولس لبطرس فى أنطاكيه .

و كذلك فإن نقطة النزاع القديمه المتعلقه بالكرامه الرسوليه لبولس , و التى خاض بولس بسببها عددا من المعارك , تبعث من جديد للحياه , فإن سيمون الساحر يحتج بالرؤى التى يراها , مدعيا أنه عن طريقها صار له معرفة أكثر من بطرس الذى قابل المسيح بالجسد , و يجيب بطرس على هذا بأن الأحلام و الرؤى لا يمكن أن تثبت علما يقينيا , لأنه قد يتسبب فيها روح شريرة أو شيطان خبيث , و فى الواقع فإن هذا هو المحتمل جدا , لأن الصوره غير الماديه لله أو لابنه لا يمكن أن يراها الفانون بسبب نورها السامى , و بالتالى اذا ادعى رجل أنه رأى حلما أو رؤيا , فإن هذا لا يدل بالضروره على أنه رجل تقى , فعلى العكس , فإن الحقيقة تعلن للرجل التقى بواسطة احساس غريزى و عبر البصيره و ليس من خلال الأحلام , فقد وضع الله فى قلوبنا بذور الحقيقه , و يد الله هى التى تكشف عنها أو تغطيها .

عندما يؤكد سيمون ( بولس ) أن الإنسان قد يتعلم من خلال الرؤى فيصير معلما , فإنه يواجه بالسؤال , لماذا ظل الرب عاما كاملا يتحدث مع البشر المستيقظين ؟ , و كيف يمكن لنا أن نصدق أن الرب قد ظهر له بما أنه ينادى بآراء تعارض آراء الرب ؟ " و لكن اذا كان قد جعلك حقا رسولا عن طريق الرؤى و تعليم أخذته فى ساعة زمن , اذن انشر كلامه و ناد بعقيدته , و أحب تلاميذه , و لا تتنازع معى أنا الذى حظيت بمقابلة الرب , فأنت مضاد تقاومنى أنا صخرة الكنيسه و أساسها , و اذا لم تكن عدوا لم يكن لك أن تشتمنى و تحتقر تعليمى , بحيث لا يصدقنى الناس عندما أتحدث بالأشياء التى سمعتها من الرب نفسه , و اذا قلت عنى أننى مدان - غلاطيه 2 .12 - فإنك تتهم الله , الذى أعلن المسيح لى , و أنت تلوم من يباركنى اعتمادا على رؤياك هذه - متى 16 . 18 - . و لكن اذا كنت معينا للعمل من أجل الحقيقة معنا , فتعلم منا أولا الأشياء التى تعلمناها من الرب , و بالتالى تصير تلميذا للحقيقه , و تصير عاملا معنا " . و بالتالى فقد كانت العداوه كامنة فى قلوب الدوائر المسيحيه المتهوده بسبب الموقف الذى حدث فى أنطاكيه , و ظلت فى قلوبهم حتى منتصف القرن الثانى , و بالتالى فقد عارضوا بعند شديد أن يكون لبولس منصب رسولى , و أكدوا على شكهم فى دعوته الى الرسوليه .

إن هذه المعارضه التى نجدها عند " كليمنت - المزيف pseudo-clement "توجه بكل تأكيد ضد المواقف العقيديه لكرازة بولس , فمن وجهة نظره , المسيحية ليست عهدا جديدا و خليقة جديده , بل على العكس هى ليست سوى يهودية نقية و مصلحه , و يقول أن عقيدة موسى و يسوع هى نفس العقيدة , و بالتالى فالله يقبل كل انسان يؤمن بأى منهما , و يحافظ على أوامر أى منهما , و من يعتبر كلاهما كارزا بنفس العقيده , و أن الاشياء القديمه قد صارت جديده و الأشياء الجديده صارت قديمه , و هو انسان غنى فى الله .

بينما تجاوز مرقيون فكرة بولس الرسول , واضعا المسيحيه و اليهوديه على طرفى نقيض , فأحدهما دين الإنجيل و الآخر هو دين الناموس , الا أن " كليمنت المزيف " يعتبر اليهوديه هى الدين الحق لأنها تعترف بالآب الواحد و خالق العالم , العادل فى محاسبته على الأعمال و فى مغفرته للخطايا , و يعتبر المسيحية قد فاقت اليهوديه لأنها أزالت الإضافات المتتاليه على الوحى الإلهى الأصلى و أعادته الى نقاءه الأول , و يعتبر " كليمنت المزيف " أن كل الجزء الطقسى فى ناموس موسى من ضمن هذه الزيادات الفاسده , سويا مع تقييده بأمة اليهود , و كل الصفات و الأفعال التى تنسب لله و لا تتفق مع المفهوم الروحى و الأخلاقى للإله , و كذلك القصص الوارده فى العهد القديم التى تنسب لرجال الله المختارين أفعالا مشينه أخلاقيا . لقد اعتبر أن هذه الأشياء لا تمت بصلة للوحى الحقيقى , بل أصلها نبوات زائفه شيطانيه , الأمر الذى يشير له قول يسوع " كل زرع لم يغرسه أبى السماوى سيقلع " , و هو ما يدل على أن يسوع لم يعتبر هذا من الناموس الأصلى الذى سيظل حتى تزول السماء و الأرض , و الدليل على هذا بحسب " كليمنت المزيف " أن الذبائح اليهوديه , و الملكيه و الأنبياء قد زالت , بينما لا زالت السماء و الأرض موجودتين . و بالتالى نرى أن " كليمنت المزيف " بالرغم من معارضته للثنائيه عند مرقيون , الا أنه يوجه لليهوديه التاريخية درجة من درجات النقد , و هو الأمر الذى يأتى فى المرتبه الثانيه من حيث الجرأه خلفا للمرقيونيه المضاده لليهوديه .

من أجل اثبات وحدة المسيحيه و اليهوديه , و الإنجيل و الناموس , فإنه يميز داخل اطار اليهوديه ذاتها بين الحس المثالى عن الحقيقه المطلقه و الصوره القوميه المحدوده , و يقبل الصوره الأولى على أنها موحى بها , بينما يعتبر أن الصوره الثانيه أصلها شيطانى و يضعها على قدم المساواه بالوثنيه . ان المؤلف البولسى لرسالة برنابا كان قد فعل سابقا نفس هذا التمييز , و بالتالى فقد التقى الرجل البولسى و الرجل المضاد للبولسيه فى الموقع الوسط الخاص بالكنيسه العالميه , حيث أزيل من اليهوديه كل شىء له صبغة قوميه و لا يتفق مع العالميه , بينما احتفظت الكنيسه بأى شىء يبدو أنه يدعم سلطتها و نظامها .

ما كان مهما فى البولسيه عند الكنيسه الناشئه هو مبدأها فى العالميه و ابطالها للناموس اليهودى , و هو ما جعل المسيحيه اليهوديه توائم نفسها و تقدم التنازلات أمام ضغط هذه الحقائق , و لكنها ضغطت على الكنيسه العالميه و أرغمتها على قبول مبدأها فى التبرير بالأعمال و ايجاد نظام كنسى شرعى و هو ما يضاد المبدأ البولسى عن الإيمان و الروح المتحرره .

من ناحية أخرى لا بد أن نعترف أن الغنوصيه المسيحيه اليهوديه التى نادى بها " كليمنت المزيف " تتوافق مع النزعه الزهديه المتأمله للمرقيونيه فى الاعتدال و المسامحه . بينما و بحسب مرقيون نزل المسيح مباشرة من السماء ككائن معجزى ليست له أى علاقه بالجنس الإنسانى , ألا أن " كليمنت المزيف " رأى فيه الوحى الأخير و الأعلى لنفس الروح النبويه الإلهيه , التى ظهرت قبل ذلك فى آدم , و الآباء البطاركه و موسى , و التى لا تختلف عن روح الله الخالده المزروعه فى كل البشر . يما أن آدم كان فيه الروح المقدسه للمسيح كما يؤكد " كليمنت المزيف " كثيرا , اذن فالمسيح ليس ظاهرة فوق طبيعيه , بل بكل بساطه الظهور الأمثل للإنسان المثالى , يختلف فقط عن الظهورات السابقه الناقصه لنفس الروح الإلهيه للإنسانيه .

من الصعب أن نغفل عن تشابه هذه النظريه مع عقيدة بولس فى المسيح بوصفه " آدم الثانى " , و بالتالى من الممكن أن نقول أن الكريستولوجى الخاص ببولس كان حجر الأساس للمدرستين الغنوصيتين , التى نمت فى فكر مرقيون باتجاه الدوسيتيه الروحانيه , بينما أخذت عند " كليمنت المزيف " شكل الأبيونيه التاريخيه .

اذا كان كل البشر السابقين للمسيحيه - بحسب مرقيون - سواء يهود أو أمميين تحت سيطرة الإله الناقص , و ليس لديهم معرفة عن الله الحقيقى , الا أن معرفة الحقيقه بحسب " كليمنت المزيف " مغروسه فى كل قلوب البشر , و يعلنها الله لكل انسان بدرجة تقل أو تزيد على حسب درجة استحقاقه . بما أن الإنسان يحمل فى طبيعته صورة خالقه , أى الله الحسن , فإن هذا الإنسان قادر بل و يجب عليه أن يصير مثل الله عن طريق نقاوة العقل و فعل ما هو حسن , و عليه أن يحترم صورة الله فى البشر الآخرين بأن يبذل لهم المحبه , لأن الدليل على حب الله هو أن تبذل المحبه لمن يحملون صورته . بحسب هذا المفهوم , فإن الوثنى قادر على أن يفعل ما هو حسن , مما يجعله مستحقا لإعلان أعلى من المسيح , كما يتضح هذا فى حالة كليمنت نفسه و أمه العفيفه .

و فى النهايه , اذا كان مرقيون بحسب وجهة نظره الثنائيه عن العالم المادى , نادى بتعاليم زاهده رهبانيه , بل و شجب الزواج باعتباره أمرا لا يسر به الله , إلا أن " كليمنت المزيف " الذى يؤمن بإله واحد يرى أن العالم المادى من خلق الله , و أعد لخدمة الانسان و لنموه الأخلاقى , و بالتالى فالزواج أمر لا ينبغى شجبه , و يأمر الأساقفه أن يحفزوا الشباب على الزواج فى السن المناسب , و فى الواقع فإن نموذجه الأخلاقى يتسم بالحكمه بحيث لا يحلق عاليا فى سماء الحماسه متجاهلا الحياه الطبيعيه للمجتمع الانسانى , بل يعظم من شأنها وفق صبغة دينيه , و بالتالى يساعد الكنيسه فى أن تتم مهمتها فى تعليم العالم .

عندما نفكر أكثر فى التأكيد الشديد على سلطة الكنيسه , و هو الأمر الذى كان ضروريا لنمو المسيحيه فى وسط العداوات و النزاعات , يمكننا أن نفهم لم أن عظات " كليمنت المزيف " المضاد للبولسيه قد لاقت استحسانا فى الكنيسه الرومانيه , و بينما وعلى الرغم من ذلك ظلت ذكرى بولس مكرمه , إلا أن هذه العظات قد استخدمت لتعظيم التأثير الذى أحدثه بطرس بوصفه ممثلا للسلطه التاريخيه لهذه الكنيسه .

ملخص محاضرات عن تأثير بولس على المسيحيه

لخصها ابن أويس القرني

  أرسلت في السبت 10 يوليو 2010 اعتمد بواسطة abasheikh  


 

روابط ذات صلة
 · زيادة حول - المسيحية
· الأخبار بواسطة abasheikh


أكثر مقال قراءة عن - المسيحية:
نشيد الانشاد

  .  

تقييم المقال
 
المعدل: 1
تصويتات: 1


الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ

  .  

خيارات
 
 صفحة للطباعة صفحة للطباعة

  .  

"البولسيه و الغنوصيه" | دخول/تسجيل عضو | 0 تعليقات
اكتب اسمك أسفل تعليقك.

التعليق غير مسموح للضيوف, الرجاء التسجيل

عبد الباسط عبد الصمد

الرد على القمص إبراهيم لوقا

تنزيه القرآن الكريم

العقيدة المسيحية

الأسفار القانونية الثانية والأبوكريفا

الله واحد أم ثلاثة


برهانكم للرد علي شبهات النصارى مكرس للرد علي ترهات النصاري وتطاولهم علي الإسلام .. حقوق النشر متاحة للجمع ونرجوا ذكر صفحة المقال واسم الكاتب ..