قل هاتوا برهانكم عقائد وأديان مسيحيات برهانكم للرد علي شبهات النصارى

آباء الكنيسة
 
الباترولوجي
[ الباترولوجي ]

·التثليث عند آباء الرسوليين
·العلامة ترتليانوس والزواج الثاني
·بابياس أسقف هيرابوليس
·بوليكاربس في الميزان
·القديس اغناطيوس الأنطاكي
·القديس أغسطينوس والإرهاب الديني
·الحرب العادلة في فكر أوغسطينوس
·جون كالفن
·الباترولوجي - آباء الكنيسة
·الكذب .. السر الثامن من اسرار الكنيسة
  .  

خربشات صوماليانو
 
خربشاتـــصوماليانو
[ خربشاتـــصوماليانو ]

·سويعات في برية التيه
·الإختلافات العددية في الكتاب المقدس
·البابا شتودة: المسيح لم يقل أنا الله أعبدوني
·بولس الرسول كبير الغنوصيين
·الغنوصية والرهبنة في الأناجيل
·تيري جون وثقافة الحرق
·ديونيسيوس يعقوب السرياني وضياع الأسفار
·سيدعى ناصريا
·التسامح سلاحنا في وجه شنودة
·القمص يوحنا سلامة : البروتستانت حرفوا الكتاب المقدس
·الدوناتستيون
·ثامار الزانية في ظل الشريعة
  .  

الرد علي زكريا بطرس
 
شطحاتــزكريابطرس
[ شطحاتــزكريابطرس ]

·المسيح الجبار
·مسرحية نشيد الإنشاد
·النكاح في الجنة وشطحات زكريا بطرس
·انتهى زكريا بطرس كغيره والإسلام باق
·أحلام زكريا بطرس
·تأملات في نشيد الأناشيد
·نشيد الإنشاد كأشعار رابعة العدوية
·هلوسات زكريا بطرس
·الرد السماوي على زكريا بطرس
·بيان الشيخ الزغبي
·الرب مخلص مسيحه
·زكريا بطرس يبكي علي أطلال قناة الحياة
  .  

صوماليانو
 

تعدد الزوحات لماذا ترعب الكنيسة
البابا غريغوريوس الثاني وتعدد الزوجات
ضيوف الأنبا بيشوي أم أتباع الغزاة
ضمان الخلاص والجنة
العتل الزنيم مرقس عزيز
لا محلل ولا طلاق لأن العصمة في يد الأنبا بولا

  .  

مزاح النبي

 - محمد رسول الله

هدي النبي صلى الله عليه وسلم في المزاح


الأصل في المسلم أن يكون جاداً، إذ لم يخلقنا في هذه الدنيا للعبث واللعب، لكن الجد لا يدوم إلا إذا خالطه شيء من المزاح، الذي هو بمثابة الملح من الطعام، فبالمزاح والدعابة تزهو علاقات الناس وتزدان مجالسهم، إذا لم يجاوز قدره، فكما يقولون : الشيء إذا جاوز حده انقلب إلى ضده.
وكما نهى ﷺ عن الإفراط في كل أمر ولو كان حسناً؛ فإنه قد نهى عن الإفراط في المزاح، لما يجر إليه من غفلة القلب وقسوته، وشغله عما خلق له من عظائم الأمور «ولا تكثر الضحك، فإن كثرة الضحك تميت القلب» [1]، والمزاح سبب رئيس من أسباب الضحك.
وإذا كان الإكثار من الضحك مذموماً، فإن أصلَه غيرُ ممنوع، فقد كان النبي ﷺ يستمع إلى ضحك أصحابه، ويشاركهم بالتبسم يقول جابر بن سمرة: كان لا يقوم من مصلاه الذي صلى فيه الصبح حتى تطلع الشمس، وكانوا يتحدثون، فيأخذون في أمر الجاهلية، فيضحكون، ويتبسم صلى الله عليه وسلم [2].




وحتى يتمكن الصحابة الكرام من التمازح؛ فإن النبي عليه السلام كان لا يلتفت إذا مشى، وكان ربما تعلق رداؤه بالشجرة أو الشـيء، فلا يلتفت حتى يرفعوه، لأنهم كانوا يمزحون ويضحكون، وكانوا قد أمنوا التفاته صلى الله عليه وسلم[3] فالصحابة يعرفون قدر النبي عليه السلام فيهابون المزاح أمامه، وهو لا يريد أن يضيق عليهم فيما أحله الله لهم.


المزاح المذموم :


والمزاح يصبح حراماً إذا صاحبه مخالفة شرعية، كالكذب والترويع وغيرها مما بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد يخرج صاحبه عن الغاية التي شرع لأجلها.
فالبعض يمزح، ويكذب في مزاحه، و يعلله بأنه كذب أبيض، يقصد أن إضحاك الحضور وبعث السرور في نفوسهم، ولم يدر المسكين أن الكذب لون واحد محرم، سواء أكان هذا الكذب لإضحاك الناس أم لغيره، فقد قال عليه السلام: «ويل للذي يحدث بالحديث ليضحك به القوم فيكذب، ويل له، ويل له»[4]، وفي رواية لأحمد «إن الرجل ليتكلم الكلمة لا يريد بها بأساً إلا ليضحك بها القوم؛ فإنه يقع فيها أبعد ما بين السماء والأرض»[5].
ويضمن النبي صلى الله عليه وسلم الجنة لمن فعل ثلاث خصال، ومنها ترك الكذب في المزاح، يقول صلى الله عليه وسلم: «أنا زعيم ببيت في رَبَض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحاً، وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه» [6].
وهكذا فالمزاح مباح ما لم يتلبس بالكذب، وقد كان نبينا عليه السلام يمزح ولا يكذب، قال له أصحابه: يا رسول الله إنك تداعبنا! فقال: «إني لا أقول إلا حقاً»[7].
ومما يجعل المزاح حراماً أن يتلبس بترويع الآمنين وتخويفهم، كالاختباء للشخص؛ ثم مفاجأته بقصد تخويفه للضحك من ذلك، ومثله ترويعه بإخفاء جواله أو مفاتيح سيارته أو غيرها، بقصد الضحك والممازحة.
ولمن أراد أن ينظر هدي محمد صلى الله عليه وسلم نذكر أن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يسيرون مع رسول الله في مسير، فنام رجل منهم، فانطلق بعضهم إلى نبل معه فأخذها، فلما استيقظ الرجل فزع، فضحك القوم، فقال عليه السلام: «ما يضحككم؟» فقالوا: لا، إلا أنا أخذنا نُبُل هذا ففزع. فقال رسول الله عليه السلام: «لا يحل لمسلم أن يروع مسلماً» [8]أي "لا يحل لمسلم أي يفزع مسلماً ؛ وإن كان هازلاً كإشارته بسيف أو حديدة أو أفعى أو أخذ متاعه؛ فيفزع لفقده، لما فيه من إدخال الأذى والضرر عليه، والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده"[9].
وقال صلى الله عليه وسلم: «لا يأخذنَّ أحدُكم متاعَ صاحبه جاداً ولا لاعباً، وإذا وجد أحدكم عصا صاحبه؛ فليردها عليه» [10].
ومن أعظم الترويع وأمقته إلى الله رفعُ السلاح في وجه المؤمن ولو بالمزاح، فكم من مزاح انقلب إلى مأساة، لعدم الوقوف عند حدود الهدي النبوي: «لا يشير أحدُكم إلى أخيه بالسلاح، فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزع في يده، فيقع في حفرة من النار» [11].
 وفي حديث آخر من الوعيد ما فيه مزدجر لكل من ألقى السمع وهو شهيد: «من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه حتى يدعه، وإن كان أخاه لأبيه وأمه» [12].
كما يذم المزاح إذا اقترن بمنكرات يفعلها البعض، فتهدم الأسر أحياناً وتهدم الدين في أحيانَ أخرى.
وأما ما يهدم الأسر فهو ما دأب عليه بعض الأزواج من جعل الحلف بالطلاق فاكهة لمجالسهم، فإذا أراد من زميله أن يكمل عشاءه حلف عليه بالطلاق؛ فلربما أكل الزميل فسعدت الأسرة، ولربما امتنع فوقعت المصيبة وتشتت الأبناء، وكذلك إذا أراد هذا العابث التأكيد على حضوره لموعد ما أقسم بالطلاق، ولربما أراد ممازحة زميل له، فطلق زوجته هازلاً في ذلك، أو لربما زوج بعضهم ابنته لصديقه وهو يمزح في ذلك كله ولا يقصده، وقد قال النبي عليه السلام: «ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد: النكاح والطلاق والرجعة» [13].
وأما ما يهدم الدين من المزاح، فهو ما خرج عن دائرة الشرع وضوابطه، وأوقع صاحبه في أبواب الكبائر، ونراه عند كثيرين اليوم، ممن لا يجدون مادة لطرفتهم وظُرْفهم إلا الدين وما يتعلق به من مقدسات، فالبعض يطلق نكاتاً وطُرفاً يتلبسها الاستهزاء ببعض القرآن أو الأنبياء أو الأحكام الفقهية أو العلماء حملة الدين، وهذا باب خطير حذر منه القرآن، واعتبره نوعاً من النفاق.
وقد وقع هذا النوع من المزاح من بعض المنافقين يوم تبوك حين استهزؤوا برسول الله عليه السلام وأصحابه حين قالوا: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء، أرغب بطوناً، ولا أكذب ألسنة، ولا أجبن عند اللقاء.
فبلغ ذلك النبي عليه السلام، فسألهم، فأقروا واعتذروا إليه بأنهم كانوا يمزحون ويهزلون، وأنهم لم يقولوا هذا جادين، فأنزل الله: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ` لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ﴾ التوبة:64-65 [14].
قال القاضي ابن العربي: "لا يخلو أن يكون ما قالوه من ذلك جداً أو هزلاً، وهو - كيفما كان - كفر، فإن الهزْل بالكفر كفر لا خلاف فيه بين الأمة، فإن التحقيق أخو العلم والحق، والهزل أخو الباطل والجهل"[15].
والإمام ابن تيمية ينقل اتفاق المسلمين على أن كفر مرتكب الإساءة إلى النبي عليه السلام ولو بالهزل: " قد اتفقت نصوص العلماء من جميع الطوائف على أن التنقص له [عليه السلام] كفر مبيح للدم .. ولا فرق في ذلك بين أن يقصد عيبه .. أو لا يقصد شيئاً من ذلك، بل يهزل و يمزح أو يفعل غير ذلك، فهذا كله يشترك في هذا الحكم إذا كان القول نفسه سباً ، فإن الرجل يتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى ما يظن أن تبلغ ما بلغت؛ يهوي بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب"[16].
وأما ما نراه من بعض الناس من استخدام آيات القرآن في غير ما نزلت له من المزاح واللغو من غير الوقوع في الاستهزاء، فإن أقل ما يقال في فعل هؤلاء أنه مكروه، قال النووي: "يكره من ذلك ضرب الأمثال في المحاورات والمزح ولغو الحديث، فيكره في كل ذلك تعظيماً لكتاب الله تعالى"[17].
وقد استقبح القرآن الكريم اتهام اليهود لموسى عليه السلام بالهزل والمزاح حين أمرهم بذبح البقرة فقالوا: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً﴾، أي أتمازحنا وتهزل معنا؟ وما درى هؤلاء أن الهزل لا يكون في مثل هذا، فالدين والوحي والبلاغ عن الله هو أبعد ما يكون عن هذا الباب، لذا أجابهم موسى عليه السلام بقوله: ﴿ أَعُوذُ بِاللّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾ البقرة: 67.
والبعض يتجنب المزاح الحرام، لكنه لا يمتنع عن مجالسة أهله، ولربما شاركهم بالتبسم والاستماع، وهذا باب من الحرام والمشاركة في الإثم، وقد حذر الله منه في القرآن فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين من بعده: ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾ الأنعام: 86، فالخوض مع هؤلاء يعرضهم لسخط الله ﴿ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ` قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ ` وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ ` وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ ﴾ المدثر: 42-45، فالجلوس مع هؤلاء الهازلين ومشاركتهم الضحكَ على طرفهم التي جعلت من الدين مادة للسخرية سبب في استجلاب مقت الله، وهو نوع من المشاركة والرضا بما يصدر منهم ﴿ وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً ﴾ النساء:140.
 قال الطبري في تفسيره: "وقد نزل عليكم أنكم إن جالستم من يكفر بآيات الله ويستهزئ بها وأنتم تسمعون، فأنتم مثله، يعني: فأنتم إن لم تقوموا عنهم في تلك الحال، مثلُهم في فعلهم، لأنكم قد عصيتم الله بجلوسكم معهم، وأنتم تسمعون آياتِ الله يكفر بها ويستهزأ بها، كما عصوه باستهزائهم بآيات الله، فقد أتيتم من معصية الله نحو الذي أتَوْه منها، فأنتم إذاً مثلهم في ركوبكم معصية الله، وإتيانكم ما نهاكم الله عنه"[18].
ولما كان الاستماع إلى المزاح الحرام يشرك السامع في المعصية، فإن النبي عليه السلام لم يرض به في مجلسه، بل استنكره، فقد صعد ابن مسعود ضى الله عنه على شجرة، فنظر أصحابه إلى ساقه وكانت نحيلة جداً، فضحكوا من ذلك، فقال رسول الله عليه السلام : «ما تضحكون! لرِجلُ عبد الله أثقل في الميزان يوم القيامة من أحد» [19].
وهكذا فالمزاح يحرم ويكره حين تتلبسه المحرمات والمكروهات، ولكنه مباح حين يبرأ من هذه الرزايا وأمثالها ، بشرط أن لا يجاوز قدره.


صور من مزاح النبي عليه السلام :


وقد أجاز العلماء المزاح، ونقل المناوي أنه "قيل لابن عيينة: المزاح سبة؟ فقال: بل سُنَّة، ولكن من يحسنه، وإنما كان [عليه السلام] يمزح، لأن الناس مأمورون بالتأسي به والاقتداء بهديه، فلو ترك اللطافة والبشاشة، ولزِم العبوس والقطوب لأخذ الناس من أنفسهم بذلك على ما في مخالفة الغريزة من الشفقة والعناء، فمزح ليمزحوا، ولا يناقض ذلك خبر «ما أنا من دد، ولا الدد مني» فإن الدد اللهو والباطل، وهو كان إذا مزح لا يقول إلا حقاً"[20].
وقد مزح النبي عليه السلام مع أصحابه، فكيف كان عليه السلام يمزح، ولم كان يمزح، هل لمجرد الضحك والتسلي، أم كان له عليه السلام في مزاحه مقاصد سامية؟
لا ريب أن مزاح النبي عليه السلام مبرء عن العبث؛ مشتمل على مقاصد عظيمة ودروس تربوية بليغة، ما أحرانا أن نعمل على تلمسها من خلال تتبع بعض صور مزاحه عليه السلام.
وأول ما يلوح لنا من هذه المقاصد في تحببه عليه السلام لأصحابه ومؤانسته لهم، وقد نبه عليه النووي بقوله: "المزاح المنهي عنه ما فيه إفراط ومداومة، فإنه يورث الضحك والقسوة، ويشغل عن الذكر والفكر في مهمات الدين، فيورث الحقد، ويسقط المهابة والوقار.
 وما سلم من ذلك هو المباح الذي كان المصطفى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يفعله، فإنه إنما كان يفعله نادراً لمصلحة، كمؤانسة وتطييب نفس المخاطب، وهذا لا منع منه قطعاً، بل هو مستحب"[21].
ومن مزاحه عليه السلام الذي يتحبب به إلى أصحابه أنه قدم إليه صهيب الرومي وهو رمد العين، وبين يدي النبي صلى الله عليه وسلم تمر وخبز، فقال لصهيب: «أدن فكُل»، فأخذ صهيب يأكل من التمر دون الخبز، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم مازحاً: « تأكل تمراً وبك رمد؟!» قال: إني أمضغ من ناحية أخرى. فتبسم رسول الله عليه السلام[22].
وفي مرة أخرى دخل رجل على النبي عليه السلام فقال: يا رسول الله احملني، قال النبي عليه السلام مازحاً: «إنا حاملوك على ولد ناقة»، فظن الرجل أن النبي صلى الله عليه وسلم يحمله على ابن صغير للناقة فقال: وما أصنع بولد الناقة، فقال عليه السلام: «وهل تلد الإبل إلا النوق» [23].
وفي رجوع النبي عليه السلام من غزوة تبوك جلس في قبة صغيرة، فأتاه عوف بن مالك الأشجعي يستأذن في الدخول عليه، يقول عوف: فسلمتُ، فردَّ وقال: «ادخل».
فلما رأى عوف صغر القبة قال للنبي صلى الله عليه وسلم ممازحاً: أكلي يا رسول الله؟ قال: «كلُّك»، فدخل ضى الله عنه[24].
وجاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم تقول له: يا رسول الله، ادع الله لي أن يدخلني الجنة. فقال لها: «يا أم فلان، إن الجنة لا يدخلها عجوز».
ولم تفطن المرأة لمزاح النبي عليه السلام معها، فانزعجت، وبكت ظناً منها أن العجائز من أمثالها لا يدخلون الجنة، فلما رأى ذلك صلى الله عليه وسلم منها بيَّن أن العجوز لن تدخل الجنة عجوزاً، بل ينشئها الله خلقاً آخر، فتدخلها شابة بكراً، وتلا عليها قول الله تعالى : ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً ` فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا ` عُرُبًا أَتْرَابًا ﴾ الواقعة: 35-37 [25].
ومن مزاح النبي عليه السلام بقصد التحبب وتطييب النفس مزاحُه مع أعرابي ذميم الخِلقة، يستنكف الكثيرون عن المزاح مع مثله، أما النبي عليه السلام الذي يزن الرجال بميزان الله ؛ الإيمان والتقوى، فلا يستنكف عن ممازحة هؤلاء، بل لعلهم أحق به لضعفهم وإعراض الناس عنهم.
والقصة يحكيها أنس بن مالك ، فيذكر أن زاهراً من أهل البادية ، كان النبي عليه السلام يحبه، وكان رجلاً دميماً، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يوماً وهو يبيع متاعه، فاحتضنه من خلفه، وزاهر لا يبـصره، فقال الرجل: أرسلني. من هذا؟
فالتفت، فعرف النبي عليه السلام، فجعل لا يألوا ما ألصق ظهره بصدر النبي عليه السلام حين عرفه، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول ممازحاً: «من يشتري العبد؟» فقال: يا رسول الله: إذاً والله تجدني كاسداً. فقال عليه السلام: «لكن عند الله لست بكاسد» أو قال: «لكن عند الله أنت غالٍ» [26].
ومن مزاحه عليه السلام مع أصحابه أنه كان يقول لهم: «ارموا، من بلغ العدو بسهم رفعه الله به درجة» [أي في الجنة] فسأله أحد أصحابه: يا رسول الله وما الدرجة؟ فقال عليه السلام له مداعباً: «أما إنها ليست بعتَبة أمك، ولكن ما بين الدرجتين مائة عام»[27].
ولكن أهم ما يمزح لأجله العقلاء؛ التربية والتنبيه على الخطأ بعيداً عن أساليب الجفاء والغلظة والمواجهة بالخطأ ، وهذا ما صنعه النبي عليه السلام مع خوات بن جبير الأنصاري حين رآه جالساً إلى نسوة بطريق مكة فقال له: «يا أبا عبد الله مالك مع النسوة؟»، فتلعثم خوات، وبدلاً من أن يقر بخطئه ويستغفر قال: يفتلن ضفيراً لجمل لي شرود.
فمضى رسول الله لحاجته ، ثم عاد فلقي خوات فقال له: «يا أبا عبد الله، أما ترك ذلك الجمل الشِّراد بعد؟».
 قال خوات: فاستحيت وسكت، فكنت بعد ذلك أتفرر منه؛ حتى قدمت المدينة، فرآني في المسجد يوماً أصلي، فجلس إلي، فطوَّلتُ في صلاتي فقال: «لا تطوِّل، فإني أنتظرُك»، فلما سلمت، قال: «يا أبا عبد الله، أما ترك ذلك الجمل الشِّرادَ بعد؟».
 فسكتُّ واستحيت فقام، وكنت بعد ذلك أتفرر منه، حتى لحقني يوماً، فقال: «يا أبا عبد الله، أما ترك ذلك الجمل الشِّرادَ بعد؟».
وهنا آتى المزاح ثماره في التنبيه على الخطأ والإرشاد؛ فقال خوات معترفاً بالحقيقة: والذي بعثك بالحق ما شرد منذ أسلمت. فقال عليه السلام وهو مسرور بإنابة خوات: «الله أكبر، الله أكبر، اللهم اهد أبا عبد الله». فحسن إسلامه وهداه الله[28].
وهكذا فإنه عليه السلام كان يمزح مع أصحابه من غير أن يكون هذا ديدنه، وكان مزاحه عليه السلام بقصد الإيناس والتحبب، لا مجرد الهزل واللعب، وكان في مزاحه لا يقول إلا حقاً، وصدق ابن قتيبة بقوله: "وقد درج الصالحون والخيار على أخلاق رسول الله عليه السلام في التبسم والطلاقة والمزاح بالكلام المجانب للقدح والشتم والكذب "[29]، فهذا أدب النبي صلى الله عليه وسلم في المزاح وأدب أصحابه من بعده، فقد وصفهم بكر بن عبد الله فقال: "كان أصحاب النبي عليه السلام يتبادحون بالبطيخ، فإذا كانت الحقائق كانوا هم الرجال"[30]، فمزاحهم لا يشغلهم عن الحق، ولا يغيِّب علامات الجد والرجولة.

الشيخ منقذ السقار

------------------------------------

[1]أخرجه الترمذي ح 2305، وابن ماجه ح 4193، وأحمد ح 7748.
[2]أخرجه مسلم ح 670.
[3] أخرجه الطبراني في الأوسط ح 3216، قال الهيثمي: إسناده حسن، مجمع الزوائد 8/303.
[4]أخرجه الترمذي ح 2315، وأبو داود ح 4990، الدارمي ح 2702، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي ح 2315.
[5]أخرجه أحمد ح 10903.
[6]أخرجه أبو داود ح 4800.
[7]أخرجه الترمذي ح 1990، وأحمد ح 8366.
[8]  أخرجه أحمد في مسنده ح 21986، ونحوه أبو داود ح 5004.
[9]  فيض القدير، المناوي 6/579.
[10]  أخرجه أحمد في مسنده ح 17261 و أبو داود ح 2194.
[11] أخرجه مسلم ح 2616.
[12]أخرجه البخاري ح 7072، ومسلم ح 2617.
[13]أخرجه الترمذي ح 1184، وأبو داود ح 2194، وابن ماجه ح 2039.
[14]  أخرجه الطبري في تفسيره 14/333.
[15]  نقلاً عن الجامع لحكام القرآن 8/197.
[16]  الصارم المسلول 1/526.
[17]  شرح النووي على صحيح مسلم 12/164.
[18]  جامع البيان 9/320.
[19]أخرجه أحمد ح 922، والبخاري في الأدب المفرد ح 237، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد ح 105.
[20]فيض القدير 3/18، والحديث أخرجه البخاري في الأدب المفرد ح 785، والطبراني في الأوسط ح 413، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع ح 4673.
[21]  الأذكار ، ص 327.
[22]  أخرجه أحمد ح 16155، وابن ماجه ح 3443.
[23]  أخرجه أبو داود ح 4998، والترمذي ح 1991.
[24]أخرجه أبو داود ح 5000 وأحمد ح 22846، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه ح 4042.
[25] أخرجه الطبراني في الأوسط ح 5545، وهناد بن السري في الزهد ح 24، والترمذي في الشمائل ح 238، وحسنه الألباني في تحقيقه لشمائل الترمذي ح 205.
[26]  أخرجه أحمد ح 12187.
[27]  أخرجه النسائي ح 3144، وأحمد ح 17369، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ح 1287.
[28]أخرجه الطبراني في معجمه الكبير ح 4083، قال الهيثمي: أخرجه الطبراني من طريقين، ورجال أحدهما رجال الصحيح غير الجراح بن مخلد، وهو ثقة. مجمع الزوائد 9/401.
[29]تأويل مختلف الحديث، ص 294.
[30]أخرجه البخاري في الأدب المفرد ح 266، وصححه الألباني في صحيح الأدب ح 41، المقصود بالبطيخ ذو القشرة الصفراء اللينة، فالبدح رميك بكل شيء فيه رخاوة . انظر فضل الله الصمد في توضيح الأدب المفرد للجيلاني 1/366.

  أرسلت في الثلاثاء 29 يونيو 2010 اعتمد بواسطة abasheikh  


 

روابط ذات صلة
 · زيادة حول - محمد رسول الله
· الأخبار بواسطة abasheikh


أكثر مقال قراءة عن - محمد رسول الله:
أشرف الخلق

  .  

تقييم المقال
 
المعدل: 5
تصويتات: 1


الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ

  .  

خيارات
 
 صفحة للطباعة صفحة للطباعة

  .  

"مزاح النبي" | دخول/تسجيل عضو | 0 تعليقات
التعليقات مملوكة لأصحابها. نحن غير مسؤلون عن محتواها.

عبد الباسط عبد الصمد

الرد على القمص إبراهيم لوقا

تنزيه القرآن الكريم

العقيدة المسيحية

الأسفار القانونية الثانية والأبوكريفا

الله واحد أم ثلاثة


برهانكم للرد علي شبهات النصارى مكرس للرد علي ترهات النصاري وتطاولهم علي الإسلام .. حقوق النشر متاحة للجمع ونرجوا ذكر صفحة المقال واسم الكاتب ..