قل هاتوا برهانكم عقائد وأديان مسيحيات برهانكم للرد علي شبهات النصارى

آباء الكنيسة
 
الباترولوجي
[ الباترولوجي ]

·التثليث عند آباء الرسوليين
·العلامة ترتليانوس والزواج الثاني
·بابياس أسقف هيرابوليس
·بوليكاربس في الميزان
·القديس اغناطيوس الأنطاكي
·القديس أغسطينوس والإرهاب الديني
·الحرب العادلة في فكر أوغسطينوس
·جون كالفن
·الباترولوجي - آباء الكنيسة
·الكذب .. السر الثامن من اسرار الكنيسة
  .  

خربشات صوماليانو
 
خربشاتـــصوماليانو
[ خربشاتـــصوماليانو ]

·سويعات في برية التيه
·الإختلافات العددية في الكتاب المقدس
·البابا شتودة: المسيح لم يقل أنا الله أعبدوني
·بولس الرسول كبير الغنوصيين
·الغنوصية والرهبنة في الأناجيل
·تيري جون وثقافة الحرق
·ديونيسيوس يعقوب السرياني وضياع الأسفار
·سيدعى ناصريا
·التسامح سلاحنا في وجه شنودة
·القمص يوحنا سلامة : البروتستانت حرفوا الكتاب المقدس
·الدوناتستيون
·ثامار الزانية في ظل الشريعة
  .  

الرد علي زكريا بطرس
 
شطحاتــزكريابطرس
[ شطحاتــزكريابطرس ]

·المسيح الجبار
·مسرحية نشيد الإنشاد
·النكاح في الجنة وشطحات زكريا بطرس
·انتهى زكريا بطرس كغيره والإسلام باق
·أحلام زكريا بطرس
·تأملات في نشيد الأناشيد
·نشيد الإنشاد كأشعار رابعة العدوية
·هلوسات زكريا بطرس
·الرد السماوي على زكريا بطرس
·بيان الشيخ الزغبي
·الرب مخلص مسيحه
·زكريا بطرس يبكي علي أطلال قناة الحياة
  .  

صوماليانو
 

تعدد الزوحات لماذا ترعب الكنيسة
البابا غريغوريوس الثاني وتعدد الزوجات
ضيوف الأنبا بيشوي أم أتباع الغزاة
ضمان الخلاص والجنة
العتل الزنيم مرقس عزيز
لا محلل ولا طلاق لأن العصمة في يد الأنبا بولا

  .  

منهج النبي في تربية المخطئين

 - محمد رسول الله

المخطئ له حق على مجتمعه، يتمثل في نصحه وتقويم اعوجاجه بأفضل الطرق وأقومها، وهو ما لم يفرط به صلى الله عليه وسلم  ، بل كان سيد الناصحين، وأستاذ الموجهين، وأول وسائله صلى الله عليه وسلم  في التربية ومعالجة الخطأ؛ التربية بالابتسامة، الابتسامة الحانية يعاتب فيها ﷺ المخطئ ويوجهه ويقوِّم سلوكه، فحين تخلف كعب بن مالك الأنصاري عن النبي صلى الله عليه وسلم  يوم تبوك من غير عذر دخل عليه ، وقد فاته الخير العظيم، بل رتع في الإثم الكبير الذي يوجب تأنيبه وتهذيبه، فالتخلف عن تلك الغزوة بلا سبب من كبائر الذنوب والآثام.
ولنصغ إلى كعب وهو يصف لنا لقاءه بالنبي صلى الله عليه وسلم  حين رجوعه من تبوك: "فجئته فلما سلمت عليه؛ تبسَّم تبسُّم المغضب"[1].
عقاب فريد لا يكاد يتذكره عباقرة التربية، عاقبه بابتسامة قرأ كعب من خلالها الحب الممزوج بالعتاب والتهذيب؟! من غير سباب ولا صراخ، لم لا نحاول اليوم تعلم هذا الفن من فنون التربية؟




إن ابتسامة المغضب تتناسب مع عظم الجرم، لكنها ليست النوع الوحيد من ضروب التربية بالابتسام، ففي أحيان أخرى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقابل الخطأ بابتسامة من نوع آخر، ابتسامة الحنان والحب الدافق، كما صنع مع خادمه أنس بنِ مالك رضى الله عنه لما أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يذهب في بعض حوائجه، فانشغل عنها بلعب الصبيان كعادة أطفالنا اليوم وغداً وفي كل حين.
فقد خرج أنس رضى الله عنه لحاجة النبي صلى الله عليه وسلم ، فرأى الصبيان يلعبون في السوق، فانشغل عن حاجة النبي صلى الله عليه وسلم باللعب معهم، كما ينشغل كثير من غلماننا اليوم، فاستبطأه النبي صلى الله عليه وسلم وخرج يبحث عنه، فوجده يلعب مع الصبيان، فلله دره ما أحلمه صلى الله عليه وسلم ، مَن من الآباء أو المربين يطيق صبره على مثل هذا الغلام؟ ما صرخ صلى الله عليه وسلم ولا ضرب ولا سب؟ حاشاه فهو أسوة المسلمين الذي رباه رب العالمين.
 لنصغ إلى أنس وهو يقص علينا خبره مع النبي صلى الله عليه وسلم ، فيقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحسن الناس خُلقاً، فأرسلني يوماً لحاجة، فقلت: والله لا أذهب، وفي نفسـي أن أذهب لما أمرني به نبي الله صلى الله عليه وسلم.
فخرجت حتى أمرّ على صبيان وهم يلعبون في السوق، فإذا رسول الله قد قبض بقفاي من ورائي، فنظرت إليه وهو يضحك، فقال: «يا أُنيس، أذهبتَ حيث أمرتك؟» فقلت: نعم، أنا أذهب يا رسول الله [2].
لقد ضحك صلى الله عليه وسلم، وأدرك أن خادمه طفل يعرض له ما يعرض لأمثاله من حب اللعب والتشاغل به ، فنبهه على تقصيره بيد حانية أمسكتْ بقفاه، وشفعها بابتسامة حانية، تجدد الحب وتلتمس المعاذير.
وأما صيغة النداء مع هذا الصبي المتشاغل باللعب، المتلكئ عن المبادرة والمسارعة لتنفيذ أمر النبي صلى الله عليه وسلم، فهي درس آخر من دروس التربية والتوجيه، فقد قال له صلى الله عليه وسلم متحبباً: « يا أُنيس»، وتصغير الاسم ضرب من ضروب التحبب والتألف والتودد، وهو خير من قواميس الكلمات النابية التي ننشرها في وجوه أبنائنا وخدمنا وغيرهم ممن يخطئون علينا أو يتلكؤون في تنفيذ أوامرنا التي نظن أنها لا تقبل التلكؤ والتأخير.
وذات يوم دخل شاب على نبي الطهر والفضيلة صلى الله عليه وسلم يستأذنه في أمر جلل فقال: يا رسول الله ائذن لي بالزنا!
أمر عجب، يستأذن أطهر البشر في صنع أرذل الخطايا، أما يستحي! أما يرعوي! لقد ناله من الصحابة رضوان الله عليهم ما يتوقع لمثله من التقريع والتأنيب، يقول أبو أمامة: فأقبل القوم عليه فزجروه، وقالوا: مه مه.
وأما النبي صلى الله عليه وسلم ، فقد أدرك أن مشكلة الشاب وانحرافه لن يقوَّم بالزجر والوعيد والتقريع، فقال صلى الله عليه وسلم له: «ادنه» فدنا منه الشاب قريباً فقال له صلى الله عليه وسلم: «أتحبه لأمك؟» فانتفض الشاب غَيرة على أمه وقال: لا، والله جعلني الله فداءك. فقال له صلى الله عليه وسلم: «ولا الناس يحبونه لأمهاتهم».
ومضى النبي صلى الله عليه وسلم يستثير كوامن الغيرة الممدوحة في صدر الشاب: «أفتحبه لابنتك؟» فأجاب الشاب: لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداءك. فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم بمنطقية المربي: «ولا الناس يحبونه لبناتهم».
ثم جعل رسول الله يستل بحكمته ومنطقه دخن قلبه، ويطفئ نار شهوته بتعداد محارمه،«أتحبه لأختك؟ .. أتحبه لعمتك؟ .. أتحبه لخالتك؟»هل تحب أن تراهُنَّ وقد تعرضن لمثل ما تريده من محارم الآخرين؟! فالناس يكرهون هذه الفعلة في محارمهم، كما كرهها هو في أهله .
فلما استبشع الشاب فِعلة الزنا؛ طلب صلى الله عليه وسلم له سبباً آخر من أسباب الهداية يغفل عنه الآباء والمربون، ألا وهو دعاء الله الذي يملك أزِمّة القلوب ومفاتيحها، فقال: «اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصن فرجه».
واستجاب الله له، يقول أبو أمامة رضى الله عنه: فلم يكن الفتى بعد ذلك يلتفت إلى شيء[3].
قصة بليغة تضمنت دروساً متعددة في التعامل مع المخطئ، ليس أولها الدعاء له والحنو عليه، والسماح له بالتعبير عن كوامنه، واستجاشة الخير الذي لا يخلو منه قلب خاطئ أبداً، وفيها دعوة لنا لنراجع أنفسنا، ونغير من طريقتنا في التعبير عن ضجرنا من أخطاء أبنائنا وأصدقائنا، فالسب والشتم الذي نكيله للمخطئين لن يكون سبباً في إصلاحهم وتهذيب سلوكهم وتعريفهم بأخطائهم.
ويضيف النبي صلى الله عليه وسلم في موقف آخر مأثرة أخرى يدعى إلى مثلها المربون ، وهي ترك العتاب والتدقيق والتحقيق الذي يستجر المخطئ إلى الكذب، لينضاف إلى أخطائه خطأ آخر ، يقول أنس بن مالك خادم النبي صلى الله عليه وسلم: «والله لقد خدمت النبي صلى الله عليه وسلم تسع سنين، ما علمته قال لشـيء صنعتُه: لم فعلتَ كذا وكذا، أو لشيء تركتُه: هلا فعلتَ كذا وكذا».
وفي رواية عند الإمام أحمد: «ما قال لي فيها أف».
وفي رواية له أيضاً: «والله ما سبني سبة قط، ولا قال لي أف»[4].
وهنا نتساءل: ألم يخطئ أنس مع النبي صلى الله عليه وسلم قط؟ ألم يصنع ذلك الغلام ما يصنعه أي غلام في سنه من لهو وتشاغل وعبث، ألم يقع منه خلال عشر سنين ما يقع فيه أبناؤنا وخدمنا كل يوم من زلل وخطأ؟ أوليس هو من جنسنا؟ أم كان هذا الغلام غلاماً فوق العادة؟
لا لم يكن أنس كذلك، ولكنه صلى الله عليه وسلم يستعيض  في توجيهه عن السب والتعنيف والتأفف بالرفق والتماس الأعذار.
وبينما النبي صلى الله عليه وسلم جالس ذات يوم بين أصحابه في مسجده، إذ دخل أعرابي، فصلى ركعتين ثم قال: اللهم ارحمني ومحمداً ، ولا ترحم معنا أحداً. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:« لقد تحجرت واسعاً ».
ثم مالبث أن عرضت له حاجته، فتنحي وتبول في ناحية من المسجد، فثار إليه الصحابة ليقعوا به بسبب هذه الفعلة الشنيعة وهو الذي دعا عليهم قبل قليل بالحرمان من رحمة الله، ثم هو لا يدرك حرمة المساجد؟! أما يدري أن طهارة المكان شرط من شروط صحة الصلاة؟ كيف يجعل من ميدان الطهر محلاً لقضاء حاجته.
 رأى النبي صلى الله عليه وسلم هبَّة الصحابة في وجه الأعرابي، وأدرك أن مثل هذا الأعرابي جاهل بأحكام المساجد، غير قاصد هتك حرمتها، فقال: «لا تزرموه، دعوه» وذلك حتى لا يتأذى بحبس بوله وانقطاعه، وأرشدهم إلى حل بسيط تصغر بمثله كل مشكلة؛ مهما كبرت في عيون أصحابها، فقال: «هريقوا على بوله سِجلاً من ماء أو ذَنوباً من ماء، فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين» [5].
ثم لما أتم الرجل حاجته دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له موجهاً وناصحاً: «إن هذه المساجد لا تصلح لشـيء من هذا البول ولا القذر، إنما هي لذكر الله عز وجل والصلاة وقراءة القرآن..» [6].
وفي هذا الحديث: "الرفق بالجاهل وتعليمه ما يلزمه من غير تعنيف ولا إيذاء؛ إذا لم يأت بالمخالفة استخفافا أو عناداً، وفيه دفع أعظم الضررين باحتمال أخفهما لقوله صلى الله عليه وسلم: «دعوه».
قال العلماء: كان لمصلحتين: إحداهما: أنه لو قطع عليه بوله تضرر، وأصل التنجيس قد حصل، فكان احتمال زيادته أولى من إيقاع الضرر به، والثانية: أن التنجيس قد حصل في جزء يسير من المسجد، فلو أقاموه في أثناء بوله لتنجست ثيابه وبدنه ومواضع كثيرة من المسجد"[7].
إن واحداً منا لا يصنع مثل هذا مع ابن صغير من أبنائنا يصنع أقل من هذا الصنيع الشنيع الذي وقع فيه رجل وافر العقل والفهم، فما أحرانا أن نفعل كما فعل صلى الله عليه وسلم إمام الرفق واللين ، أدبه ربه بأدب نحن أحوج إليه ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ ﴾ آل عمران: 159، فلئن قيل هذا للنبي صلى الله عليه وسلم وهو أعظم خلق الله فإنه من باب أولى يصلح شعاراً ينصبه كل واحد منا تلقاء وجهه وهو يثور لأتفه الأسباب وأهونها.
ولنتدبر موقفاً آخر يقصه علينا معاوية بن الحكم رضى الله عنه، فقد دخل المسجد يوماً يصلي مع الصحابة خلف النبي صلى الله عليه وسلم ، فعطس رجل أمامه ، فشمَّته معاوية وهو يصلي [8].
ولما كانت الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس استنكر الصحابة فعله، وهم في صلاتهم، يقول معاوية: فحدقني القوم بأبصارهم لاستغرابهم من رجل يتحدث وهو في الصلاة. لكن الموقف ازداد تعقيداً حين استنكر معاوية أنظارهم، وجعل يقول لهم وهو في صلاته: واثكل أمياه، مالكم تنظرون إليّ؟.
فزاد استنكار الصحابة لكلامه في الصلاة فضرب القوم بأيديهم على أفخاذهم ، وأخيراً فهم معاوية مرادهم: فلما رأيتهم يسكتونني لكني سكت.
وحين انتهت الصلاة لنا أن نتخيل الأنظار وهي تتوجه إلى معاوية تلومه، ومثل هذا يتمنى – كما يقولون – لو تنشق الأرض وتبتلعه قبل أن تلتهمه العيون بنظراتها العاتبة القاسية!.
الجميع يرقب فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع هذا الرجل الذي جهل ما يعرفه أطفال المسلمين عن حرمة الصلاة وبطلانها بكلام الناس فيها.
يقول معاوية: فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاني، بأبي هو وأمي، ما ضربني ولا كهرني ولا سبني، ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه، قال: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن»[9].
إن كل ماذكرناه عن العفو والصفح وحسن المعاملة مع المخطئ لن ينسينا حقه في التأديب والإرشاد إلى الحق من غير إحراجه ولا فضحه أمام الآخرين، لذا كان من أساليبه صلى الله عليه وسلم في تنبيه المخطئ، التعريض بالمخطئ وإرشاده على الملأ من غير تصريح باسمه، فهو يوصل إلى المخطئ المعنى المرادَ، من غير أن يجرح شعوره أو يفضحه بين إخوانه.
تقول عائشة رضي الله عنها: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بلغه عن الرجل الشيءَ لم يقل: ما بال فلان يقول، ولكن يقول: «ما بال أقوام يقولون كذا وكذا» [10]، وفي حديث أنس وفي إسناده ضعف أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يكاد يواجه أحداً في وجهه بشيء يكرهه، فجاءه رجل يوماً وعليه صفرة ، فقال: «لو أمرتم هذا أن يغسل عنه هذه الصفرة»[11].
وأمثلة ذلك في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم كثيرة، منها أن ثلاثة نفر من الصحابة ألزموا أنفسهم بالسهر والرهبنة والصوم، فلما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أمرُهم حمِد الله وأثنى عليه، وقال: «ما بال أقوام قالوا كذا وكذا، لكني أصلي وأنام، وأصوم وأُفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني»[12].
ولما بلغه عن أناسٍ أنهم يواصلون الصيام قال معرضاً بهم: «ما بال رجال يواصلون؟ إنكم لستم مثلي»[13].
ولما بلغه أن بعضاً من أصحابه يرفعون أبصارهم إلى السماء قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما بال أقوامٍ يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم»[14].
ولما أرادت عائشة رضي الله عنها شراء جارية اسمها بَرِيْرة رفض أهلُها بيعَها إلا بشرط أن يكون ولاؤها بعد العتق لهم، فصعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر فقال: «ما بال أقوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله، من اشترط شرطاً ليس في كتاب الله فليس له، وإن اشترط مائة مرة»[15]، وفي كل ذلك ما يحفظ للمخطئ كرامته ؛ مع الحفاظ على حقه الآخر بالتوجيه والإرشاد.
وأحياناً كان صلى الله عليه وسلم يخاطب بنصيحته غير المخطئ، وهو يقصد أن يُسمِعه النصيحة والتوجيه، فعن سليمانِ بنِ صُرَد قال: استب رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم، ونحن عنده جلوس، وأحدهما يسب صاحبه مُغضباً قد احمر وجهه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة: «إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم».
ولما كان الغضبُ مستبداً بالرجل كان خطابُه بهذه الطريقة أولى من خطابه بالنصيحة مباشرة، لذا لما واجهه الصحابة بقول النبي فقالوا: ألا تسمعُ ما يقول النبيُ صلى الله عليه وسلم؟ أعماه الغضب فقال: إني لست بمجنون [16]، فمثل هذه الحالة لا يفيد فيها النصح المباشر.
وأحياناً كان صلى الله عليه وسلم يوجه المخطئ عن طريق الإشارة، أو بتوجيه النصيحة إلى غيره ليسمعها المخطئ فيتنبه لخطئه، ومن أمثلته أن النبي صلى الله عليه وسلمرأى رجلاً جالساً وسط المسجد مشبكاً بين أصابعه يحدث نفسه، فأومأ إليه النبي صلى الله عليه وسلم ، فلم يفطن الرجل، ولم ينتبه لإشارة النبي صلى الله عليه وسلم.
فالتفت عليه الصلاة والسلام إلى أبي سعيد فقال: «إذا صلى أحدكم فلا يشبكن بين أصابعه، فإن التشبيك من الشيطان، فإن أحدكم لا يزال في صلاةٍ ما دام في المسجد حتى يخرج منه»[17]، يعلمنا صلى الله عليه وسلم طريقين من طرائق تنبيه المخطئ من غير أن نسيء إليه أو نحرجه أمام الآخرين، أولهما: تنبيهه بالإشارة. والثاني: توجيه الكلام والنصح إلى غيره، وفي كل ذلك ما يحفظ للمخطئ منزلته، ويراعي حاله، ويؤدي في نفس الوقت إلى نصحه وتقويمه، و إرشاد غيره.
وفي بعض الأحيان يلزمُ المربيَ أو الأبَ أن يعاقب المخطئ على خطئه، لكن ذلك لا يعني سباباً وخصاماً وصياحاً كما يصنع الكثيرون، فما هكذا يقوَّمُ المخطئ، وما هكذا كان يصنع القدوة صلى الله عليه وسلم، يقول أنس رضى الله عنه: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحشاً ولا لعاناً ولا سباباً، كان يقول عند المعتبة أي العتاب: «ما له ترب جبينه»[18].
و قوله:«ترب جبينه» هي "كلمة تقولها العرب جرت على ألسنتهم، وهي من التراب، أي سقط جبينه للأرض، وهو كقولهم: رغم أنفه، ولكن لا يراد معنى قوله ترب جبينه .. أي أنها كلمة تجري على اللسان، ولا يراد حقيقتها"[19].
وهي كمثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: « تَربت يداك »، ومراده منها كما قال الأصمعي: " الاستحثاث، كما تقول للرجل : "انْجُ ثُكلتك أمك"، وأنت لا تريد أن تثكل" [20].
 وأحياناً يستلزم الموقفُ من المربي العقوبةَ، ولكنها عقوبة المحب المشفق، لا المنتقم المتشفي، والنبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد عقوبة واحد من المخطئين فإنما يسلك أخصرَ الطرق وأقومَها وأليقها، ومن ذلك هجره للمخطئ تربية له وردعاً، فقد هجر صلى الله عليه وسلم كعبَ بنَ مالكٍ وصاحبيه حين تخلفوا عن غزوة تبوك.
ولندع كعبَ بنَ مالكٍ يـشرح لنا بعضاً من معالم هذا الدرس النبوي البليغ.
يقول كعب: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا، فاجتنبنا الناسُ، وتغيروا لنا، حتى تنكرت الأرضُ في نفـسي، فما هي التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، وكنت آتي رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فأسلمُ عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام عليّ أم لا، ثم أصلي قريباً منه، فأسارقه النظر، فإذا أقبلتُ على صلاتي أقبل إلي، وإذا التفتُ نحوَه أعرض عني[21].
وحين استكمل الدرسُ التربوي دورَه البالغ؛ أنزل الله توبة كعب وصاحبيه ﴿وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ التوبة: 118.
وهكذا فالهجرَ عقوبةٌ تربويةٌ ناجعة، لكن ينبغي أن نتذكر أنها تنجح في إصلاح البعض دون الآخرين، فهي وسيلة تعتمد على كمال الحب بين المعاقَب والمربي، كما هو الحال بين النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه كعب بن مالك رضى الله عنه.
 وأما حين نفقِد محبة الآخرين فإنهم لن يبالوا بهجرنا لهم ، بل لربما رحبوا به، ووجدوه فرصة للتخلص من التزاماتهم الأدبية ، وحينها يصبح وسيلة خاطئة يفضَل اجتنابُها ويحسُنُ تركُها.
ولرب قائل بأن الرفق صعب وبعيد المنال عندما يسـيء البعض إلى أشخاصنا، فيتطاولون علينا بالسب أو الشتم ، فماذا عسانا نصنع معهم؟ ألا نقابل سبابهم بسباب وتطاولهم بمثله؟
ولهؤلاء نقول: دعونا ننظر كيف صنع نبينا صلى الله عليه وسلم حين سبه الناس وشتموه؟
دخل عليه ذات يوم نفر من أهل الكتاب، فبدلاً من أن يلقوا عليه تحية السلام؛ قالوا له بصفاقة ووقاحة: السام عليك، والسام تعني الموت.
فلم يزد صلى الله عليه وسلم على أن قال: «وعليكم».
ظنت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلملم يدرك حقيقة قولهم، وأنهم استبدلوا السلام بـ السام، فقالت وهي تدافع عن زوجها وتنتصف له من قلة أدب هؤلاء الزوار وإساءتهم إلى مزورهم في بيته: السام عليكم، ولعنكم الله، وغضب عليكم.
لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاطعها قائلاً: «مهلاً يا عائشة، عليك بالرفق، وإياك والعنف أو الفحش»، وفي رواية النسائي: «يا عائشة، عليك بالرفق، فإن الله يحب الرفق في الأمر».
فقالت رضي الله عنها: أولم تسمع ما قالوا؟ فأجابها صلى الله عليه وسلم بلسان المستعلي على إساءات الآخرين: «أولم تسمعي ما قلتُ؟ رددتُ عليهم ، فيستجابُ لي فيهم، ولا يستجاب لهم فيّ»[22].
فهل نستطيع أن نصنع مثل هذا الصنيع، فنقابل السباب بالإعراض، وهل يقدر الواحد منا أن يدافع عن غريمه وسابه؛ كما صنع النبي صلى الله عليه وسلم حين منع عائشة رضي الله عنها من مقابلة خطئهم بمثله، إنا نستطيع ذلك بقدر ما نحب نبينا وحبيبنا صلى الله عليه وسلم، فالتأسي هو علامة المحبة وبرهانها.
بعد غزوة حنين قسم النبي صلى الله عليه وسلم الغنائم بين فقراء المهاجرين ومسلمة الفتح، فأعطى ضعاف الإيمان أكثر مما أعطى غيرهم من الأنصار الراسخين في الإسلام، فقال رجل قليل الأدب ضعيف النظر: إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله.
فأتى ابن مسعود النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بمقالته، فغضب حتى رأى ابن مسعود الغضب في وجهه، لكنه صلى الله عليه وسلم لم يجاوز أن قال: «يرحم الله موسى، قد أوذي بأكثر من هذا، فصبر» [23].
وأما الأنصار رضوان الله عليهم، فوجدوا في أنفسهم من غير أن يتهموا النبي صلى الله عليه وسلم، ودخل عليه سيدهم سعد بن عبادة فقال: يا رسول الله إن هذا الحي [أي الأنصار] قد وجدوا عليك في أنفسهم لما صنعت في هذا الفيء الذي أصبت، قسمت في قومك، وأعطيت عطايا عظاماً في قبائل العرب، ولم يكن في هذا الحي من الأنصار شيء؟
فأراد صلى الله عليه وسلم أن يعرف إن كانت حكمة فعله معلومة عند سيد الأنصار أم لا ، فسأله: «فأين أنت من ذلك يا سعد؟» فقال: يا رسول الله، ما أنا إلا امرؤ من قومي، وما أنا [إلا واحد من قومي].
فقال صلى الله عليه وسلم: «فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة»، فخرج سعد، فجمع الأنصار فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم متذكراً فضلهم وسابقتهم في الإسلام، فحمد الله وأثنى عليه بالذي هو له أهل ثم قال: «يا معـشر الأنصار، ما قالة بلغتني عنكم وجدة وجدتموها في أنفسكم! ألم آتكم ضُلالاً فهداكم الله؟ وعالة فأغناكم الله؟ وأعداء فألف الله بين قلوبكم؟».
 فتذكروا مِنة الله ورسوله عليهم وقالوا: بل الله ورسوله أمن وأفضل .. ولله ولرسوله المن والفضل.
فقال صلى الله عليه وسلم: «أما والله لو شئتم لقلتم، فلصدقتم وصدقتم ، أتيتنا مكذباً فصدقناك، ومخذولاً فنـصرناك، وطريداً فآويناك، وعائلاً فأغنيناك، أوجدتم في أنفسكم يا معشر الأنصار في لعاعة من الدنيا تألفت بها قوماً ليسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم؟ أفلا ترضون يا معـشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعون برسول الله صلى الله عليه وسلم في رحالكم؟ فوالذي نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ولو سلك الناس شِعباً وسلكتِ الأنصار شِعباً لسلكتُ شعب الأنصار، اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار».
 فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم، وقالوا: رضينا برسول الله قسماً وحظاً [24].
وهكذا كان صلى الله عليه وسلم يقابل الإساءة والجهل، وهكذا ينبغي أن يصنع كل مسلم، فهل ترانا نتأسى به صلى الله عليه وسلمونقتدي حين يـسيء إلينا الآخرون من أبنائنا أو جيراننا.

الشيخ منقذ السقار

الرجوع إلى قسم أشرف الخلق


--------------------------------------------------------------------------------

[1]  أخرجه البخاري ح 4156 من حديث كعب بن مالك.
[2]  أخرجه مسلم ح 2310.
[3]  أخرجه أحمد ح 21708.
[4]  أخرجه مسلم ح 2310 ، وأحمد ح 1609، 12622 .
[5]  أخرجه البخاري ح 6128 ونحوه في مسلم ح 284، ودعاؤه بالرحمة مروي في السنن، أخرجه الترمذي ح 147، وأبو داود ح 380، وأحمد ح 7214.
[6] أخرجه مسلم ح 285.
[7]شرح النووي على صحيح مسلم 3/191.
[8]  التشميت هو قول القائل لمن عطس: يرحمك لله، وهو أدب نبوي رقيق، لكن محله ليس الصلاة .
[9] أخرجه مسلم ح 537، والنسائي ح  1218 ، وأبو داود ح 930.
[10]أخرجه أبو داود ح 4788.
[11]أخرجه أبو داود ح 4789، وأحمد ح 12217، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع ح 4512.
[12]أخرجه مسلم ح 1401.
[13]أخرجه مسلم ح 1104.
[14]أخرجه البخاري ح 750.
[15]  أخرجه البخاري ح 456، ومسلم ح 1504.
[16]  أخرجه البخاري ح 6115 ومسلم ح 2610.
[17] أخرجه أحمد في مسنده ح 11120 وحسن الهيثمي إسناده في مجمع الزوائد 2/25، وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة ح 2628.
[18] أخرجه البخاري ح 6115 ومسلم ح 2610.
[19]  فتح الباري 10/453، ومثله قول أبي عبيد : "وهذه كلمة جارية على ألسنة العرب يقولونها ولا يريدون وقوع الأمر، ألا تراهم يقولون : لا أَرْضَ لك ولا أُمَّ لك ، ويعلمون أن له أرضاً وأماً". مجمع الأمثال، أبو الفضل النيسابوري 1/133.
[20]  المزهر في علوم اللغة وأنواعها ، السيوطي 2/233.
[21]  أخرجه البخاري ح 4418، ومسلم ح 2769. [22]أخرجه البخاري ح 6401، ومسلم ح 2165، ورده صلى الله عليه وسلمعليهم هو قوله: «وعليكم».
[23]  أخرجه البخاري ح 3405، ومسلم ح 1062.
[24]  أخرجه البخاري ح 3778، ومسلم ح 1059، وأحمد في المسند ح 11322، واللفظ له.

  أرسلت في الأثنين 28 يونيو 2010 اعتمد بواسطة abasheikh  


 

روابط ذات صلة
 · زيادة حول - محمد رسول الله
· الأخبار بواسطة abasheikh


أكثر مقال قراءة عن - محمد رسول الله:
أشرف الخلق

  .  

تقييم المقال
 
المعدل: 0
تصويتات: 0

الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ

  .  

خيارات
 
 صفحة للطباعة صفحة للطباعة

  .  

"منهج النبي في تربية المخطئين" | دخول/تسجيل عضو | 0 تعليقات
التعليقات مملوكة لأصحابها. نحن غير مسؤلون عن محتواها.

عبد الباسط عبد الصمد

الرد على القمص إبراهيم لوقا

تنزيه القرآن الكريم

العقيدة المسيحية

الأسفار القانونية الثانية والأبوكريفا

الله واحد أم ثلاثة


برهانكم للرد علي شبهات النصارى مكرس للرد علي ترهات النصاري وتطاولهم علي الإسلام .. حقوق النشر متاحة للجمع ونرجوا ذكر صفحة المقال واسم الكاتب ..