قل هاتوا برهانكم عقائد وأديان مسيحيات برهانكم للرد علي شبهات النصارى

آباء الكنيسة
 
الباترولوجي
[ الباترولوجي ]

·التثليث عند آباء الرسوليين
·العلامة ترتليانوس والزواج الثاني
·بابياس أسقف هيرابوليس
·بوليكاربس في الميزان
·القديس اغناطيوس الأنطاكي
·القديس أغسطينوس والإرهاب الديني
·الحرب العادلة في فكر أوغسطينوس
·جون كالفن
·الباترولوجي - آباء الكنيسة
·الكذب .. السر الثامن من اسرار الكنيسة
  .  

خربشات صوماليانو
 
خربشاتـــصوماليانو
[ خربشاتـــصوماليانو ]

·سويعات في برية التيه
·الإختلافات العددية في الكتاب المقدس
·البابا شتودة: المسيح لم يقل أنا الله أعبدوني
·بولس الرسول كبير الغنوصيين
·الغنوصية والرهبنة في الأناجيل
·تيري جون وثقافة الحرق
·ديونيسيوس يعقوب السرياني وضياع الأسفار
·سيدعى ناصريا
·التسامح سلاحنا في وجه شنودة
·القمص يوحنا سلامة : البروتستانت حرفوا الكتاب المقدس
·الدوناتستيون
·ثامار الزانية في ظل الشريعة
  .  

الرد علي زكريا بطرس
 
شطحاتــزكريابطرس
[ شطحاتــزكريابطرس ]

·المسيح الجبار
·مسرحية نشيد الإنشاد
·النكاح في الجنة وشطحات زكريا بطرس
·انتهى زكريا بطرس كغيره والإسلام باق
·أحلام زكريا بطرس
·تأملات في نشيد الأناشيد
·نشيد الإنشاد كأشعار رابعة العدوية
·هلوسات زكريا بطرس
·الرد السماوي على زكريا بطرس
·بيان الشيخ الزغبي
·الرب مخلص مسيحه
·زكريا بطرس يبكي علي أطلال قناة الحياة
  .  

صوماليانو
 
تعدد الزوحات لماذا ترعب الكنيسة
البابا غريغوريوس الثاني وتعدد الزوجات
ضيوف الأنبا بيشوي أم أتباع الغزاة
ضمان الخلاص والجنة
العتل الزنيم مرقس عزيز
لا محلل ولا طلاق لأن العصمة في يد الأنبا بولا
  .  

بقية نسف قصة الغرانيق للإمام الألبانى

 - رد شبهات النصارى

الصفحة الأولي من نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق - الشيخ الألباني


"ولكن لكثرة الطرق تدل على أن للقصة أصلاً، مع أن لها طريقين آخرين مرسلين رجالهما على شرط "الصحيحين" (ثم ذكر الرواية الثانية و الثالثة ثم قال: ) و قد تجرأ أبو بكر بن العربي كعادته فقال: ذكر الطبري في ذلك روايات كثيرة باطلة لا أصل لها، و هو إطلاق مردود عليه، و كذا قول عياض: هذا حديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة، و لا رواه ثقة بسند سليم متصل مع ضعف نقلته، و اضطراب رواياته، و انقطاع إسناده، و كذا قوله: و من حملت عنه هذه القصة من التابعين و المفسرين، لم يسندها أحد منهم، ثم ردّه من طريق النظر بأن ذلك لو وقع لارتد كثير ممن أسلم، قال: و لم ينقل ذلك انتهى. و جميع ذلك لا يتمشى مع القواعد، فإن الطرق إذا كثرت و تباينت مخارجها، دلّ ذلك على أن لها أصلاً، و قد ذكرت أن ثلاثة أسانيد منها على شرط الصحيح و هي مراسيل يحتج بها من يحتج بالمرسل، و كذا من لا يحتج به لا اعتضاد بعضها ببعض".



قاعدة تقوية الحديث بكثرة الطرق ليست على إطلاقها:


و الجواب عن ذلك من وجوه:

أولاً: أن القاعدة التى أشار إليها، و هي تقوية الحديث بكثرة الطرق ليست على إطلاقها، و قد نبّه على ذلك غير واحد من علماء الحديث المحققين، منهم الحافظ أبو عمر بن الصلاح حيث قال رحمه الله في "مقدمة علوم الحديث" (ص36- 37):
"لعل الباحث الفهم يقول: إنا نجد أحاديث محكوماً بضعفها، مع كونها قد رُويَت بأسانيد كثيرة من وجوه عديدة، مثل حديث: "الأذنان من الرأس" [16] و نحوه، فهلاّ جعلتم ذلك و أمثاله من نوع الحسن لأن بعض ذلك عضد بعضاً كما قلتم في نوع الحسن على ما سبق آنفاً؟!

و جواب ذلك أنه ليس كل ضعف في الحديث يزول بمجيئه من وجوه، بل ذلك يتفاوت فمنه ما يزيله ذلك بأن يكون ضعفه ناشئاً من ضعف حفظ روايه، و لم يختلّ فيه ضبطه له، و كذلك إذا كان ضَعفه من حيث الإرسال زال بنحو ذلك، كما في المرسل الذي يرسله إمام حافظ، إذ فيه ضعف قليل يزول بروايته من وجه آخر [17] و من ذلك ضعف لا يزول بنحو ذلك لقوة الضعف، و تقاعد هذا الجابر عن جبره و مقاومته، و ذلك كالضعيف الذي ينشأ من كون الراوي متهماً بالكذب، أو كون الحديث شاذّاً. و هذه جملة تفاصيلها تُدرَك بالمباشرة و البحث، فاعلم ذلك فإنه من النفائس العزيزة"

قلت: و لقد صدق رحمه الله تعالى، فإن الغَفَلَةَ عن هذه النفيسة قد أوقعت كثيراً من العلماء، لا سيّما المشتغلين منهم بالفقه في خطأ فاضح، ألا وهو تصحيح كثير من الأحاديث الضعيفة اغتراراً بكَثرة طُرقها، و ذهولاً منهم عن كون ضعفها من النوع الذي لا ينجبر الحديث بضعفها، بل لا تزيده إلا وَهناً على وهن، و من هذا القبيل حديث ابن عباس في هذه القصة، فإن طرقه كلها ضعيفة جداً كما تقدم، فلا يتقوى بها أصلاً.
لكن يبقى النظر في طرق الحديث الأخرى، هل يَتَقَوّى الحديث بها، أم لا؟

فاعلم أنها كلها مرسلة، و هي على إرسالها معلة بالضعف و الجهالة كما سبق تفصيلها، سوى الطرق الأربعة الألى منها (رقم 1 و 2 و 3 و 5) فهي التي تستحق النظر، لأن الحافظ رحمه الله جعلها عمدته في تصحيحه هذه القصة، و تقويته لها بها، و هذا مما نخالفه فيه، و لا نوافقه عليه، و بيان ذلك يحتاج إلى مقدمة وجيزه مفيدة إن شاء الله تعالى، و هي: ضعف الحديث المرسل:

الوجه الثاني: و هو يحتوي على تحقيق أمرين أساسيين:

الأول: أن الحديث المُرسَل، ولو كان المُرسِل ثقة، لا يُحتج به عند أئمة الحديث، كما بيّنه ابن الصلاح في "علوم الحديث" و جزم هو به فقال (ص58):
"ثم اعلم أن حكم المُرسَل حكم الحديث الضعيف، إلا أن يصح مخرجه بمجيئه من وجه آخر كما سبق بيانه ... و ما ذكرناه من سقوط الإحتجاج بالمرسل و الحكم بضَعفه، هو المذهب الذي استقر عليه آراء جماهير حفّاظ الحديث، و نقاد الأثر، و قد تداولوه في تصانيفهم".

الأمر الثاني: معرفة سبب عدم احتجاج المحدثيين بالمُرسَل من الحديث، فاعلم أن سبب ذلك إنما هو جَهالة الوساطة التي روى عنها المُرسِل الحديث، و قد بيّن ذلك الخطيب البغدادي في "الكفاية في علم الرواية" حيث قال (ص 287) بعد أن حكى الخلاف بالعمل المرسل:

"و الذي نختاره سقوط فرض العمل بالمراسيل، و أن المرسل غير مقبول، و الذي يدل على ذلك أن إرسال الحديث يؤدي إلى الجهل بعين راويه، و يستحيل العلم بعدالته مع الجهل بعينه، وقد بيّنا من قبل أنه لا يجوز قبول الخبر إلا ممن عرفت عدالته، فوجب كذلك كونه غير مقبول، و أيضاً فإن العدل لو سئل عمن أرسل عنه؟ فلم يُعدّله، لم يجب العمل بخبره، إذا لم يكن معروف العدالة من جهة غيره، و كذلك حاله إذا ابتدأ الإمساك عن ذكره و تعديله، لأنه من الإمساك عن ذكره غير مُعدّل له، فوجب أن لا يقبل الخبر عنه".
و قال الحافظ ابن حجر في "شرح نخبة الأفكار" (ص17) بعد أن ذكر الحديث المرسل في "أنواع الحديث المردود":

" و إنما ذكر في قسم المردود للجهل بحال المحذوف، لأنه يحتمل أن يكون صحابياً، و يحتمل أن يكون تابعياً، و على الثاني يحتمل أن يكون ضعيفاً، و يحتمل أن يكون ثقة، و على الثاني يحتمل أن يكون حُمل عن صحابي، و يحتمل أن يكون حمل عن تابعي آخر و على الثاني فيعود الإحتمال السابق و يتعدد، أما بالتجويز العقلي، فإلى مالا نهاية، و أما بالإستقراء، فإلى ستة أو سبعة، و هو أكثر ما وجد من رواية بعض التابعين عن بعض، فإن عرف من عادة التابعي أنه لا يرسل إلا عن ثقة، فذهب جمهور المحدثين إلى التوقف، لبقاء الإحتمال، وهو أحد قولي أحمد، و ثانيهما: يقبل مطلقاً، و قال الشافعي رضي الله عنه: يُقبل إن اعتضد بمجيئه من وجه آخر يباين الطريق الأولى مسنداً كان أو مرسلاً ليترجّح احتمال كون المحذوف ثقة في نفس الأمر"

قلت: فإذا عرف أن الحديث المُرسَل لا يقبل، و أن السبب هو الجهل بحال المحذوف فيرد عليه أن القول بأنه يقوى بمرسل آخر غير قوي لإحتمال أن يكون كل من أرسله إنما أخذه عن راوٍ واحد، و حينئذ ترد الاحتمالات الذي ذكرها الحافظ، و كأن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى قد لاحظ ورود هذا الاحتمال و قوته، فاشترط في المرسل الآخر أن يكون مُرسِله أخذ العلم عن غير رجال التابعي الأول، كما حكاه ابن الصلاح (ص35) و كأن ذلك لَيغلب على الظن أن المحذوف في أحد المرسَلين هو غيره في المرسَل الآخر.

و هذه فائدة دقيقة لم أجدها في غير كلام الشافعي رحمه الله فاحفظها و راعِها فيما يمر بك من المرسَلات التي تذهب البعض إلى تقويتها لمجرد مجيئها من وجهين مرسَلين دون أن يراعوا هذا الشرط المهم.
ثم رأيت شيخ الإسلام ابن تيمية قد نصّ أيضاً على هذا الشرط في كلام له مفيد في أصول التفسير، نقله عنه الحافظ محمد بن عبد الهادي في كتاب له مخطوط في الأحاديث الضعيفة و الموضوعة (حديث 405/221)، فقال ابن تيمية رحمة الله تعالى:

"و أما أسباب النزول، فغالبها مرسل، ليس بمسند، لهذا قال الإمام أحمد: ثلاث علوم لا إسناد لها . وفي لفظ : ليس لها

 أصل : التفسير والمغازي والملاحم . يعني أن أحاديثها مرسلة ليست مسندة
 والمراسيل قد تنازع الناس في قبولها وردها . وأصح الأقوال : أن منها المقبول ومنها المردود ومنها الموقوف فمن علم من حاله أنه لا يرسل إلا عن ثقة قبل مرسله ومن عرف أنه يرسل عن الثقة وغير الثقة كان إرساله رواية عمن لا يعرف حاله فهو موقوف . وما كان من المراسيل مخالفا لما رواه الثقات كان مردودا وإن جاء المرسل من وجهين كل من الروايين أخذ العلم عن غير شيوخ الآخر فهذا يدل على صدقه فإن مثل ذلك لا يتصور في العادة تماثل الخطأ فيه وتعمد الكذب . . . "
 قلت : ومع أن التحقق من وجود هذا الشرط في كل مرسل من هذا النوع ليس بالأمر الهين فإنه لوتحققنا من وجوده فقد يرد إشكال آخر وهو أنه يحتمل أن يكون كل من الواسطتين أو أكثر ضعيفا وعليه يحتمل أن يكون ضعفهم من النوع الأول الذي ينجبر بمثله الحديث على ما سبق نقله عن ابن الصلاح ويحتمل أن يكون من النوع الآخر الذي لا يقوى الحديث بكثرة طرقه ومع ورود هذه الاحتمالات يسقط الاستدلال بالحديث المرسل وإن تعددت طرقه . وهذا التحقيق مما لم أجد من سبقني إليه فإن أصبت فمن الله تعالى وله الشكر وإن أخطأت فمن نفسي وأستغفر الله من ذنبي

وبالجملة فالمانع من الاستدلال بالحديث المرسل الذي تعدد مرسلوه أحد الاحتمالين : الأول : أن يكون مصدر المرسلين واحدا
الثاني : أن يكونوا جمعا ولكنهم جميعا ضعفاء ضعفا شديدا . وبعد هذه المقدمة نستطيع أن نقول :
إننا لو ألقينا النظر على روايات هذه القصة لألفيناها كلها مرسلة حاشا حديث ابن عباس ولكن طرقه كلها واهية شديدة الضعف لا تنجبر بها تلك المراسيل فيبقى النظر في هذه المراسيل وهي كما علمت سبعة صح إسناد أربعة منها وهي مرسل سعيد بن جبير وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث وأبي العالية ( رقم 1 - 3 ) ومرسل قتادة رقم ( 5 ) وهي مراسيل يرد عليها أحد الاحتمالين السابقين لأنهم من طبقة واحدة : فوفاة سعيد بن جبير سنة ( 95 ) وأبي بكر بن عبد الرحمن سنة ( 94 ) وأبي العالية - واسمه رفيع مصغرا - سنة ( 90 ) وقتادة سنة بضع عشرة ومائة والأول كوفي والثاني مدني والأخيران بصريان
فجائز أن يكون مصدرهم الذي أخذوا منه هذه القصة ورووها عنه واحدا لا غير وهومجهول
وجائز أن يكون جمعا ولكنهم ضعفاء جميعا فمع هذه الاحتمالات لا يمكن أن تطمئن النفس لقبول حديثهم هذا لا سيما في مثل هذا الحدث العظيم الذي يمس المقام الكريم فلا جرم تتابع العلماء على إنكارها بل التنديد ببطلانها ولا وجه لذلك من جهة الرواية إلا ما ذكرنا وإن كنت لم أقف على من صرح بذلك كما ذكرت آنفا . قال الفخر الرازي في " تفسيره " ( 6 / 193 ) :
 روى عن محمد بن إسحاق بن خزيمة ( 1 ) أنه سئل عن هذه القصة ؟ فقال :
 هذا من وضع الزنادقة " وصنف فيه كتابا . وقال الإمام أبوبكر أحمد بن الحسين البيهقي : " هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل " ثم أخذ يتكلم في أن رواة هذه القصة مطعون فيهم وأيضا : فقد روى البخاري في " صحيحه " أن
 النبي صلى الله عليه وسلم قرأ سورة ( النجم ) وسجد وسجد فيها المسلمون والمشركون والإنس والجن وليس فيه حديث الغرانيق وروى هذا الحديث من طرق كثيرة وليس فيها البتة حديث الغرانيق
 وقد تبع هؤلاء جماعة من الأئمة العلماء وهاك أسماءهم على ترتيب وفياتهم :

 1 - أبو بكر محمد بن عبدالله بن محمد المعروف بابن العربي توفي سنة ( 542 ) في تفسيره " أحكام القرآن "
 2 - القاضي عياض بن موسى بن عياض ( 544 ) في كتابه " الشفا في حقوق المصطفى "
 3 - فخر الدين محمد بن عمر بن الحسن الرازي ( 606 ) في تفسيره " مفاتيح الغيب " ( 6 / 193 - 197 ) وقد مضى بعض كلامه في ذلك
 4 - محمد بن أحمد الأنصاري أبوعبدالله القرطبي في " أحكام القرآن " ( 12 / 80 - 84 )
 5 - محمد بن يوسف بن علي الكرماني من شراح " البخاري " ( 786 ) وقد نقل كلامه في ذلك الحافظ في " الفتح " ( 8 / 498 )
 6 - محمود بن أحمد بدر الدين العيني ( 855 ) في " عمدة القاري " ( 9 / 47 )
 7 - محمد بن علي بن محمد اليمني الشوكاني ( 1250 ) في " فتح القدير " ( 3 / 247 - 248 )
 8 - السيد محمود أبوالفضل شهاب الدين الآلوسي ( 1270 ) في " روح المعاني " ( 17 / 160 - 169 )
 9 - صديق حسن خان أبوالطيب ( 1307 ) في تفسيره " فتح البيان "
 10 - محمد عبده المصري الأستاذ الإمام ( 1323 ) في رسالة خاصة له في هذه القصة

 وإذا عرفت هذا فلا بأس من ذكر كلمات بعض هؤلاء العلماء لما فيها من الفوائد والتحقيقات التي تزيد القارئ إيمانا ببطلان القصة وتجعله يتبين أن النقد العلمي الرجيح يتفق دائما مع النقد الحديثي الصحيح لأن كلا منهما يقوم على قواعد علمية دقيقة لا تقبل التغيير والتبديل وأنا أكتفي هنا بكلمات أربعة منهم . ومن شاء الزيادة فليرجع إلى المصادر الأخرى التي أشرنا إليها والأربعة هم : 1 - ابن العربي 2 - القاضي عياض 3 - الشوكاني 4 - الآلوسي


 1 - كلام أبي بكر بن العربي في إبطال القصة : 


 قال رحمه الله تعالى بعد أن ذكر سبب نزول آية الحج التي ذكرناها في أول الرسالة ملخصا من الروايات التي أوردناها :

 " اعلموا أنار الله أفئدتكم بنور هداه ويسر لكم مقصد التوحيد ومغزاه أن الهدى هدى الله فسبحان من تفضل به على من يشاء ويصرفه عمن يشاء وقد بينا معنى هذه الآية في " فضل تنبيه الغبي على مقدار النبي " بما نرجوبه عند الله الجزاء الأوفى في مقام الزلفى ونحن الآن نجلو بتلك الفصول الغماء ونرقيكم بها عن حضيض الدهماء إلى بقاع العلماء في عشر مقامات
 المقام الأول : أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا أرسل الله إليه الملك بوحيه فإنه يخلق له العلم به حتى يتحقيق أنه رسول من عنده ولولا ذلك لما صحت الرسالة ولا تبينت النبوة فإذا خلق الله له العلم به تميز عنده من غيره وثبت اليقين واستقام سبيل الدين ولو كان النبي إذا شافهه الملك بالوحي لا يدري أملك هو أم شيطان أم أنسان أم صورة مخالفة لهذه الأجناس ألقت عليه كلاما وبلغت إليه قولا لم يصح أن يقول : إنه من عند الله ولا ثبت عندنا أنه أمر الله فهذه سبيل متيقنة وحالة متحققة لا بد منها ولا خلاف في المنقول ولا في المعقول فيها ولوجاز للشيطان أن يتمثل فيها أويتشبه بها ما أمناه على آية ولا عرفنا منه باطلا من حقيقة فارتفع بهذا الفصل اللبس وصح اليقين في النفس


 المقام الثاني : أن الله قد عصم رسوله من الكفر وأمنه من الشرك واستقر ذلك من دين المسلمين بإجماعهم فيه وإطباقهم عليه فمن ادعى أنه يجوز عليه أن يكفر بالله أو يشك فيه طرفة عين فقد خلع رقبة الإسلام من عنقه بل لا تجوز عليه المعاصي في الأفعال فضلا عن أن ينسب إلى الكفر في الاعتقاد بل هو المنزه عن ذلك فعلا واعتقادا وقد مهدنا ذلك في كتب الأصول بأوضح دليل
 المقام الثالث : أن الله قد عرف رسوله بنفسه وبصره بأدلته وأراه ملكوت سماواته وأرضه وعرفه سنن من كان قبله من إخوته فلم يكن يخفى عليه من أمر الله ما نعرفه اليوم ونحن حثالة أمته ومن خطر له ذلك فهو ممن يمشي مكبا على وجهه غير عارف بنبيه ولا بربه
 المقام الرابع : تأملوا فتح الله أغلاق النظر عنكم إلى قول الرواة الذين هم بجهلهم أعداء على الإسلام ممن صرح بعداوته أن النبي صلى الله عليه وسلم لما جلس مع قريش تمنى أن لا ينزل عليه من الله وحي ( 1 ) فكيف يجوز لمن معه أدنى مسكة أن يخطر بباله أن النبي صلى الله عليه وسلم آثر وصل قومه على وصل ربه وأراد أن لا يقطع أنسه بهم بما ينزل عليه من عند ربه من الوحي الذي كان حياة جسده
وقلبه وأنس وحشته وغاية أمنيته وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس فإذا جاءه جبريل كان أجود بالخير من الريح المرسلة فيؤثر على هذا مجالسته للأعداء ؟

المقام الخامس : أن قول الشيطان : " تلك الغرانيق العلى وأن شفاعتهن لترتجى " للنبي صلى الله عليه وسلم قبله منه فالتبس عليه الشيطان بالملك واختلط عليه التوحيد بالكفر حتى لم يفرق بينهما وأنا من أدنى المؤمنين منزلة وأقلهم معرفة بما وفقني الله له وآتاني من علمه لا يخفى علي وعليكم أن هذا كفر لا يجوز وروده من عند الله ولو قاله أحد لكم لتبادر الكل إليه قبل التفكير بالإنكار والردع والتثريب والتشنيع فضلا عن أن يجهل النبي صلى الله عليه وسلم حال القول ويخفى عليه قوله ولا يتفطن لصفة الأصنام بأنها " الغرانيق العلى وأن شفاعتهن ترتجى " وقد علم علما ضروريا أنها جمادات لا تسمع ولا تبصر ولا تنطق ولا تضر ولا تنفع ولا تنصر ولا تشفع بهذا كله كان يأتيه جبريل الصباح والمساء وعليه انبنى التوحيد ولا يجوز نسخه من جهة المنقول فكيف يخفى هذا على الرسول ؟ ثم لم يكف هذا حتى قالوا : إن جبريل عليه السلام لما عاد إليه بعد ذلك ليعارضه فيما ألقي إليه من الوحي كررها عليه جاهلا بها - تعالى الله عن ذلك - فحينئذ أنكرها عليه جبريل وقال له : " ما جئتك بهذا " فحزن النبي صلى الله عليه وسلم وأنزل عليه : " وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا


إليك لتفتري علينا غيره " [ الإسراء : 73 ] فيالله والمتعلمين والعالمين من شيخ فاسد موسوس هامد لا يعلم أن هذه الآية نافية لما زعموا مبطلة لما رووا وتقولوا . وهو :
المقام السادس : وذلك أن قول ابن العربي : " كاد يكون كذا " معناه قارب ولم يكن فأخبر الله في هذه الآية أنهم قاربوا أن يفتنوه عن الذي أوحي إليه ولم تكن فتنة ثم قال : " لتفترى علينا غيره " [ الإسراء : 73 ] وهو :
 المقام السابع : ولم يفتر ولو فتنوك وافتريت لاتخذوك خليلا فلم تفتتن ولا افتريت ولا اتخذوك خليلا " ولولا أن ثبتناك " [ الإسراء : 74 ] وهو :
 المقام الثامن : " لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا " [ الإسراء : 74 ] فأخبر الله سبحانه وتعالى أنه ثبته وقرر التوحيد والمعرفة في قلبه وضرب عليه سرادق العصمة وآواه في كنف الحرمة ولو وكله إلى نفسه ورفع عنه ظل عصمته لحظة لألممت بما راموه ولكنا أمرنا عليك المحافظة وأشرقنا بنوره الهداية فؤادك فاستبصر وأزاح عنك الباطل ودحر فهذه الآية نص في عصمته من كل ما نسب إليه فكيف يتأولها أحد عدوا ( 1 ) عما نسب إليه من الباطل إليه ؟

 المقام التاسع : قوله : " فما زال مغموما مهموما حتى نزلت عليه : ( وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ) [ الحج : 52 ] [ انظر الرواية 3 ، 4 ، 6 ] فأما غمه وحزنه فبأن تمكن الشيطان مما تمكن مما يأتي بيانه وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعز عليه أن ينال الشيطان شيئا وإن قل تأثيره
 المقام العاشر : إن هذه الآية نص في غرضنا دليل على صحة مذهبنا أصل في براءة النبي صلى الله عليه وسلم مما نسب إليه أنه قاله عندنا وذلك أنه قال تعالى : ( وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته ) [ الحج : 52 ] [ الأصل ( تلاوته ) ] فأخبر الله تعالى أن من سنته في رسله وسيرته في أنبيائه أنهم إذا قالوا عن الله قولا زاد الشيطان فيه من قبل نفسه كما يفعل سائر المعاصي كما تقول : ألقيت في الدار كذا وألقيت في العكم [ بكسر العين : العدل ] كذا وألقيت في الكيس كذا فهذا نص في أن الشيطان زاد في الذي قاله النبي صلى الله عليه وسلم لا أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كما إذا قرأ تلا قرآنا مقطعا وسكت في مقاطع الآي سكوتا محصلا وكذلك كان حديثه مترسلا فيه
 متأنيا فتبع الشيطان تلك السكتات التي بين قوله : ( ومناة الثالثة الأخرى ) [ النجم : 20 ] وبين قوله تعالى : ( ألكم الذكر وله الأنثى ) [ النجم : 21 ] فقال يحاكي صوت النبي صلى الله عليه وسلم : " وإنهن الغرانقة العلى وإن شفاعتهن لترتجى " فأما المشركون والذين في قلوبهم مرض لقلة البصيرة وفساد السريرة فتلوها عن النبي صلى الله عليه وسلم ونسبوها بجهلهم إليه حتى سجدوا معه اعتقادا أنه معهم وعلم الذين أوتوا العلم والإيمان أن القرآن حق من عند الله فيؤمنون به ويرفضون غيره وتجيب قلوبهم إلى الحق وتنفر عن الباطل وكل ذلك إبتلاء من الله ومحنة فأين هذا من قولهم ؟ وليس في القرآن إلا غاية البيان بصيانة النبي صلى الله عليه وسلم في الإسرار والإعلان عن الشرك والكفران وقد أودعنا إليكم توصية أن تجعلوا القرآن إمامكم وحروفه أمامكم فلا تحملوا عليها ما ليس فيها ولا تربطوا بها ما ليس منها وما هدي لهذا إلا الطبري بجلالة قدره وصفاء فكره وسعة باعه في العلم وشدة ساعده وذراعه في النظر وكأنه أشار إلى هذا الغرض وصوب على هذا المرمى فقرطس بعد ما ذكر في ذلك روايات كثيرة باطلة لا أصل لها ولوشاء ربك لما رواها أحد ولا سطرها ولكنه فعال لما يريد عصمنا الله وإياكم بالتوفيق والتسديد
 وجعلنا من أهل التوحيد بفضله ورحمته "


2 - كلام القاضي عياض في ذلك : 


 وقال القاضي عياض :
فاعلم أكرمك الله : أن لنا في الكلام على مشكل الحديث مأخذين :  أحدهما في توهين أصله والثاني على تسليمه
أما المأخذ الأول فيكفيك أن هذا الحديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة ولا رواه ثقة بسند متصل سليم وإنما أولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون المولعون بكل غريب المتلقفون من الصحف كل صحيح وسقيم وصدق القاضي بكر بن العلاء المالكي حيث قال : لقد بلي الناس ببعض أهل الأهواء والتفسير وتعلق بذلك الملحدون مع ضعف نقله واضطراب رواياته وانقطاع إسناده واختلاف كلماته . فقائل يقول : إنه في الصلاة وآخر يقول : قالها في نادي قومه حين أنزلت عليه السورة وآخر يقول : قالها وقد أصابته سنة وآخر يقول : بل حدث نفسه فسها وآخر يقول : إن الشيطان قالها على لسانه وإن النبي صلى الله عليه وسلم لما عرضها على جبريل قال : ما هكذا أقرأتك ؟ وآخر يقول : بل أعلمهم الشيطان أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأها فلما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك قال : والله ما هكذا أنزلت . إلى غير ذلك من اختلاف الرواة ومن حكيت هذه الحكاية عنه من المفسرين


والتابعين لم يسندها أحد منهم ولا رفعها إلى صاحب وأكثر الطرق عنهم فيها ضعيفة واهية والمرفوع فيه حديث شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس فيما أحسب - الشك في الحديث - أن النبي صلى الله عليه وسلم كان بمكة وذكر القصة . وقال أبوبكر البزار :
 هذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد متصل يجوز ذكره إلا هذا ولم يسنده عن شبعة إلا أمية بن خالد وغيره يرسله عن سعيد بن جبير وإنما يعرف عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس "
 فقد بين لك أبوبكر رحمه الله أنه لا يعرف من طريق يجوز ذكره سوى هذا وفيه من الضعف ما نبه عليه مع وقوع الشك فيه - كما ذكرنا - الذي لا يوثق به ولا حقيقة معه . وأما حديث الكلبي فمما لا تجوز الرواية عنه ولا ذكره لقوة ضعفه وكذبه كما أشار إليه البزار والذي منه في " الصحيح " " أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ : ( النجم ) وهو بمكة فسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس " هذا توهينه من طريق النقل
 فأما من جهة المعنى : فقد قامت الحجة وأجمعت الأمة على عصمته صلى الله عليه وسلم ونزاهته عن مثل هذه الرذيلة إما من تمنيه أن ينزل عليه مثل هذا من مدح آلهة غير الله وهو كفر أو أن يتسور عليه الشيطان ويشبه عليه القرآن حتى يجعل فيه ما ليس منه ويعتقد النبي صلى الله عليه وسلم أن من القرآن ما ليس منه حتى ينبهه عليه جبريل


عليه السلام وذلك كله ممتنع في حقه صلى الله عليه وسلم أو يقول ذلك النبي صلى الله عليه وسلم من قبل نفسه عمدا وذلك كفر أو سهو وهو معصوم من ذلك كله وقد قررنا بالبراهين والإجماع عصمته صلى الله عليه وسلم من جريان الكفر على قلبه أولسانه لا عمدا ولا سهوا وأن يشتبه عليه ما يلقيه الملك بما يلقي الشيطان أويكون للشيطان عليه سبيل أويتقول على الله لا عمدا ولا سهوا ما لم ينزل عليه وقد قال تعالى : ( ولوتقول علينا بعض الأقاويل ) الآية [ الحاقة : 44 ] وقال ( إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ) [ الإسراء : 75 ]
 ووجه ثان : وهواستحالة هذه القصة نظرا وعرفا وذلك أن هذا الكلام لو كان كما روي لكان بعيد الإلتئام متناقض الأقسام ممتزج المدح والذم متخاذل التأليف والنظم ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم ولا من بحضرته من المسلمين وصناديد المشركين ممن يخفى عليه ذلك وهذا لا يخفى على أدنى متأمل فكيف بمن رجح حلمه واتسع في باب البيان ومعرفة فصيح الكلام علمه ؟
 ووجه ثالث : أنه قد علم من عادة المنافقين ومعاندة المشركين وضعفة القلوب والجهلة من المسلمين نفورهم لأول وهلة وتخليط العدوعلى النبي صلى الله عليه وسلم لأقل فتنة وتعييرهم المسلمين والشماتة بهم الفنية بعد الفنية وارتداد من في قلبه


 مرض ممن أظهر الإسلام لأدنى شبهة ولم يحك أحد في هذه القصة شيئا سوى هذه الرواية الضعيفة الأصل ولو كان ذلك لوجدت قريش بها على المسلمين الصولة ولأقامت بها اليهود عليهم الحجة كما فعلوا مكابرة في قصة الإسراء حتى كانت في ذلك لبعض الضعفاء ردة . كذلك ما روي في قصة القضية ولا فتنة أعظم من هذه البلية لو وجدت ولا تشغيب للمعادي حينئذ أشد من هذه الحادثة لو أمكنت فما روي عن معاند فيها كلمة ولا عن مسلم بسببها بنت شفة فدل على بطلانها واجتثاث أصلها . ولا شك في إدخال بعض شياطين الإنس والجن هذا الحديث على مغفلي المحدثين يلبس به على ضعفاء المسلمين
 ووجه رابع : ذكر الرواة لهذه القضية أن فيها نزلت : ( وإن كادوا ليفتنونك . . . ) الآيتين [ الإسراء : 73 - 74 ] . وهاتان الآيتان تردان الخبر الذي رووه لأن الله تعالى ذكر أنهم كادوا ليفتنونه حتى يفتري وأنه لولا أن ثبته لكاد يركن إليهم فمضمون هذا ومفهومه أن الله تعالى قد عصمه من أن يفتري وثبته حتى لم يركن إليهم قليلا فكيف كثيرا ؟ وهم يروون في أخبارهم الواهية أنه زاد على الركون الافتراء بمدح آلهتهم وأنه قال صلى الله عليه وسلم : " أفتريت على الله وقلت ما لم يقل " وهذا ضد مفهوم الآية

 وهي تضعف الحديث لو صح فكيف ولا صحة له ؟ وهذا مثل قوله تعالى في الآية الأخرى : ( ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء ) [ النساء : 113 ] . وقد روي عن ابن عباس : " كل ما في القرآن " كاد " فهو ما لا يكون "
 قال القاضي : ولقد طالبته قريش وثقيف إذا مر بآلهتهم أن يقبل بوجهه إليها ووعوده الإيمان به إن فعل فما فعل ولا كاد أن يضل وقد ذكرت في معنى الآية تفاسير أخر ما ذكرناه من نص الله على عصمة رسوله برد سفاسفها فلم يبق في الآية إلا أن الله تعالى امتن على رسوله بعصمته وتثبيته بما كاده به الكفار وراموا من فتنته ومرادنا في ذلك تنزيهه وعصمته صلى الله عليه وسلم وهو مفهوم الآية
 وأما المأخذ الثاني : فهو مبني على تسليم الحديث لوصح أعاذنا الله من صحته ولكن مع كل حال فقد أجاب عن ذلك أئمة بأجوبة منها الغث والسمين "
 قلت : فذكر هذه الأجوبة وضعفها جلها أو كلها إلا الأخير منها فإنه استظهره ورجحه وهو الذي أجاب به ابن العربي فيما تقدم من كلامه ( ص 53 ) :


 إن الشيطان هوالذي ألقى ذلك في سكتة النبي صلى الله عليه وسلم بين الآيتين محاكيا نغمة النبي صلى الله عليه وسلم وأشاع ذلك المشركون عنه صلى الله عليه وسلم ولم يقدح ذلك عند المسلمين لحفظه السورة قبل ذلك على ما أنزلها الله وتحققهم من حال النبي صلى الله عليه وسلم في ذم الأوثان وعيبها على ما عرف منه وقد حكى موسى بن عقبة في مغازيه نحوهذا وقال : " إن المسلمين لم يسمعوها وإنما ألقى الشيطان ذلك في أسماع المشركين وقلوبهم " ( 1 ) ويكون ما روى من حزن النبي صلى الله عليه وسلم لهذه الإشاعة والشبهة وسبب هذه الفتنه
 - رد الحافظ على ابن العربي والقاضي عياض وتعقبنا عليه :
 وأما قول الحافظ في " الفتح " بعد أن نقل خلاصة عن الوجوه التي تقدمت عن الإمامين المذكورين في إعلال القصة وتوهينها :
 وجميع ذلك لا يتمشى على قواعد فإن الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها دل ذلك على أن لها أصلا وقد ذكرت أن ثلاثة أسانيد منها على شرط الصحيح وهي مراسيل يحتج بمثلها من يحتج بالمرسل وكذا من لا يحتج به لاعتضاد بعضها ببعض


 فأقول : إن هذا الجواب ليس بالقوي على إطلاقه لما بينا فيما تقدم أن تقوية الحديث بكثرة الطرق ليس قاعدة مضطردة نعم من ذهب إلى الاحتجاج بالمرسل مطلقا أو عند اعتضاده ففي الجواب رد قوي عليه كالقاضي عياض وغيره ممن يقبل مرسل الثقة ( 1 ) أما نحن فهو غير وارد علينا لما أوردنا من الاحتمالات التي تمنع الاحتجاج بالحديث المرسل ولو من غير وجه ولعل هذا مذهب الحافظ ابن كثير حيث قال عند تفسيره للآية السابقة ( 3 / 229 ) :
 قد ذكر كثير من المفسرين ها هنا قصة الغرانيق وما كان من رجوع كثير من المهاجرة إلى أرض الحبشة ظنا منهم أن مشركي قريش قد أسلموا ولكنها من طرق كلها مرسلة ولم أرها مسندة من وجه صحيح
 فإن ابن كثير يعلم أن بعض هذه المراسيل التي أشار إليها أسانيدها صحيحة إلى مرسلها فلوكان بعضها يعضد بعضا عنده وتقوى القصة بذلك لما ضعفها بحجة أنه لم يرها مسندة من وجه صحيح وهذا بين لا يخفى
 ثم إن من الغريب أن الحافظ ابن حجر مع ذهابه إلى تقوية القصة يرى أن فيها ما يستنكر وأنه يجب تأويله فيقول بعد كلامه الذي نقلته آنفا :
 وإذا تقرر ذلك تعين تأويل ما وقع فيها مما يستنكر وهو قوله :
 ألقى الشيطان على لسانه : " تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى " فإن ذلك لا يجوز حمله على ظاهره لأنه يستحيل عليه صلى الله عليه وسلم أن يزيد في القرآن عمدا منه وكذا سهوا إذا كان مغايرا لما جاء به من التوحيد لمكان عصمته "
 ثم ذكر الحافظ مسالك العلماء في تأويل ذلك ثم اعتمد على الوجه الأخير منها . وهو الذي نقلناه عن القاضي عياض قبيل هذا الفصل وقلنا إنه رجحه ثم قال الحافظ :
 وهذا أحسن الوجوه ويؤيده ما تقد في صدر الكلام عن ابن عباس من تفسير تمنى ب ( تلا )
 فينتج من ذلك أن الحافظ رحمه الله قد سلم أن الشيطان لم يتكلم على لسان النبي صلى الله عليه وسلم بتلك الجملة وإنما ألقاها الشيطان بلسانه في ستكة النبي صلى الله عليه وسلم فهذا لا يتفق البته مع القول بصحة القصة أوأن لها أصلا فإن كان يريد بذلك أن لها أصلا في الجملة أعني بدون هذه الزيادة فهذا ليس هوموضع خلاف بينه وبين العلماء الذين رد عليهم قولهم ببطلان القصة وإنما الخلاف في هذه الجملة التي تزعم الروايات أن الشيطان ألقاها
 
على لسانه صلى الله عليه وسلم فإذ قد صرح الحافظ بإنكارها وتنزيه النبي صلى الله عليه وسلم عنها فنستطيع أن نقول لحضرة السائل :
 إن الحافظ متفق مع ابن كثير - وغيره ممن سبقه ولحقه - على إنكار القصة على ما وردت في الروايات حتى التي صححها الحافظ وأما ما بقي منها مما لا يتنافى مع عصمة النبي صلى الله عليه وسلم فلا خلاف في إمكان وقوعها بل الظاهر أن هذا القدر هو الذي وقع بدليل ظاهر آية الحج حسبما تقدم تفسيرها في أوائل الرسالة ( 1 )
 نعم يرد على الحافظ هنا اعتراضان :
 الأول : تليينه العبارة في إنكار تلك الزيادة لأنه إنما أنكرها بطريق تأويلها وحقه أن ينكرها من أصلها لأن التأويل الذي زعمه ليست تفيده تلك الزيادة أصلا لأن الحافظ يقول :
 إن الشيطان هوالذي ألقى بلسانه في سكتة النبي صلى الله عليه وسلم
 وهي تقول : " إن الشيطان ألقى على لسان النبي صلى الله عليه وسلم " فأين هذا من ذلك ؟

الثاني : تشنيعه القول على ابن العربي والقاضي عياض لإنكارهما القصة ومع أنه يعلم أنهما أنكراها لما فيها من البواطيل التي لا تتفق مع القول بعصمة الرسول الكريم منها هذه الزيادة التي وافقهما الحافظ على استنكارها مع فارق شكلي وهو أنهما كانا صريحين في إنكارها من أساسها بينما الحافظ إنما أنكرها بطريق تأويلها - زعم
 ومن هنا يتبين لك ضعف ما قاله في رده على القاضي في " تخريج الكشاف "
 وأما طعنه فيه باختلاف الألفاظ فلا تأثير للروايات الواهية في الرواية القوية فيعتمد من القصة على الرواية الصحيحة أي : يعتمد على الرواية المتابعة وليس فيها وفيما تابعها اضطراب والإضطراب في غيرها وأما طعنه من جهة المعنى فله أسوة كثيرة من الأحاديث الصحاح التي لا يؤخذ بظاهرها بل يرد بالتأويل المعتمد إلى ما يليق بقواعد الدين
 قلت : إن هذا الرد ضعيف لأن الرواية الصحيحة التي أشار إليها هي رواية ابن جبير المتقدمة وفيها كما في غيرها من الروايات المتابعة الأمر المستنكر باعترافه بل في بعض الروايات عن سعيد ما هو أنكر من ذلك وهو قوله :
 ثم جاءه جبريل بعد ذلك فقال : عرض علي ما جئتك به فلما بلغ
 تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى " قال له
 جبريل : لم آتك بهذا وهذا من الشيطان " وقد جاء هذا في غير رواية سعيد كما تقدم ولازمه أن النبي صلى الله عليه وسلم قد انطلى عليه وحي الشيطان واختلط عنده بوحي الرحمن حتى لم يميز بينهما وبقي على هذه الحالة ما بقي إلى أن جاءه جبريل في المساء سبحانك هذا بهتان عظيم وافتراء جسيم
 فاتضح أن ليس هناك رواية معتمدة صحيحة بالمعنى العلمي الصحيح وأن الرواية التي صححها الحافظ قد أنكر بعضها هو نفسه فأين الإعتماد
 وأما قوله : " إن حديث الغرانيق له أسوة بكثير من الأحاديث الصحيحة " فصحيح لوصح إسناده وأمكن تأويله وكلا الأمرين لا نسلم به . أما الأول فلما علمت من إرساله من جميع الوجوه حاشا ما اشتد ضعفه من الموصول وإنها على كثرتها لا تعضده . وأما الأمر الآخر فلأن التأويل الذي ذهب إليه الحافظ رحمه الله هو في الحقيقة ليس تأويلا بل هو تعطيل لحقيقة الجملة المستنكرة وهو أشبه ما يكون بتأويلات بل تعطيلات القرامطة والرافضة للآيات القرآنية والأحاديث المصطفوية . تأييدا لمذاهبهم الهدامة وآرائهم الباطلة خلافا للحافظ رحمه الله فإنه إنما فعل ذلك دفاعا عن مقام الحضرة النبوية والعصمة المحمدية فهو مشكور على ذلك ومأجور وإن كان مخطئا عندنا في ذلك التأويل مع تصحيح القصة


 3 - كلام الشوكاني :

 وقال الشوكاني رحمه الله تعالى :
 ولم يصح شيء من هذا ولا يثبت بوجه من الوجوه ومع عدم صحته بل بطلانه فقد دفعه المحققون بكتاب الله سبحانه  ثم ذكر بعض الآيات الدالة على البطلان ثم قال : وقال إمام الأئمة ابن خزيمة إن هذه القصة من وضع الزنادقة

 4 - كلام الآلوسي في إبطال القصة : 


 وعلى كل حال فإن الحافظ ابن حجر رحمه الله متفق مع الذين أنكروا القصة على تنزيهه صلى الله عليه وسلم من أن يكون للشيطان تكلم على لسانه عليه الصلاة والسلام فالخلاف بينه وبينهم يكاد يكون شكليا أولفظيا وإنما الخلاف الحقيقي بينهم وبين بعض المتأخرين ( 1 ) حيث ذهب إلى تصحيح القصة مع التسليم بها دون

 استنكار أي شيء منها أو تأويل بل جوز على النبي صلى الله عليه وسلم جميع ما فيها زاعما أن ذلك لا يتنافى مع عصمته بل هو تأديب له في كلام له طويل . يغني وضوح بطلانه عن إيراده وتسويد الصفحات لرده وقد نقله الآلوسي برمته ثم رده عليه في كلام متين ولو لا أن هذه العجالة لم توضع لهذه الغاية لسقته بتمامه فأختصر من ذلك على قوله في خاتمة بحثه :
 لكن إثبات صحة الخبر أشد من خرط القتاد فإن الطاعنين فيه من حيث النقل علماء أجلاء عارفون بالغث والسمين من الأخبار وقد بذلوا الوسع في تحقيق الحق فيه فلم يرووه إلا مردودا وهم أكثر ممن قال بقوله ومنهم من هو أعلم منه ويغلب على الظن أنهم وقفوا على رواته في سائر الطرق فرأوهم مجروحين وفات ذلك القائل بالقبول ( 1 ) . ولعمري إن القول بأن هذا الخبر مما ألقاه الشيطان على بعض ألسنة الرواة ثم وفق الله تعالى جمعا من خاصته لإبطاله أهون من القول بأن حديث الغرانيق مما ألقاه الشيطان على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نسخه

 وثمود فما أبقى ( 51 ) وقوم نوح من قبل إنهم كانوا هوأظلم وأطغى ( 52 ) والمؤتفكة أهوى ( 53 ) فغشاها ما غشا ( 54 ) " إلى آخر الآيات [ النجم ] . فاستشعروا نزول مثل ذلك بهم ولعلهم لم يسمعوا قب ذلك مثلها منه صلى الله عليه وسلم وهوقائم بين يدي ربه سبحانه في مقام خطير وجمع كثير وقد ظنوا من ترتيب الأمر بالسجود على ما تقدم أن سجودهم ولو لم يكن عن إيمان كاف في دفع ما توهموه ولا تستبعد خوفهم من سماع مثل ذلك منه صلى الله عليه وسلم فقد نزلت سورة ( حم السجده ) بعد ذلك كما جاء مصرحا به في حديث عن ابن عباس . ذكره السيوطي في أول " الإتقان " فلما سمع عتبة بن ربيعة قوله تعالى فيها : " فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود ( 13 ) " [ فصلت ] أمسك على فم رسول الله صلى الله عليه وسلم وناشده الرحم واعتذر لقومه حين ظنوا به أنه صبأ وقال : " كيف وقد علمتم أن محمدا إذا قال شيئا لم يكذب ؟ فخفت أن ينزل بكم عذاب " وقد أخرج ذلك البيهقي في " الدلائل " وابن عساكر في حديث طويل عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه
 ويمكن أن يقال على بعد : إن سجودهم كان لاستشعار مدح آلهتهم ولايلزم منه ثبوت ذلك الخبر لجواز أن يكون ذلك الاستشعار من قوله تعالى : " أفرأيتم اللات والعزى ( 19 ) ومناة

 الثالثة الأخرى ( 20 ) " [ النجم ] بناء على أن المفعول محذوف وقدروه حسبما يشتهون أوعلى أن المفعول : { ألكم الذكر وله الأنثى } ( 21 ) " [ النجم ] . وتوهموا أن مصب الإنكار فيه كون المذكورات إناثا والحب لشيء يعمي ويصم وليس هذا بأبعد من حملهم " تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى " على المدح حتى سجدوا لذلك آخر السورة مع وقوعه بين ذمين المانع من حمله على المدح في البين كما لا يخفى على من سلمت عين قلبه من الغين "
 وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك

الإمام المحدث ناصر الدين الألباني

 الهامش

( 16 ) قلت : هذا الحديث عندنا صحيح لغيره فقد روي عن سبعة نفر من الصحابة من طرق مختلفة قوي المنذري وابن دقيق العيد وابن التركماني والزيلعي أحدها ولذلك أوردناه في كتابنا " صحيح سنن أبي داود " وتكلمنا عليه هناك ( رقم 123 ) ثم نشرناه في " سلسلة الأحاديث الصحيحة " ( رقم 36 ) وذكرنا فيه طرقه وبعضها صحيح لذاته فراجعه إن شئت
( 17 ) قلت : وهذا ليس على إطلاقه كما يأتي نقله عن " شرح النخبة " لابن حجر ( ص 23 )
( 18 ) هوالإمام ابن خزمة صاحب " الصحيح " المعروف به وقد تبع الفخر في عزوهذا الكلام لابن خزيمة المحقق الشوكاني في " فتح القدير " ( 3 / 447 ) . وأما ابن حيان فعزاه في تفسيره " البحر " لمحمد ابن اسحاق جامع " السيرة النبوية " . وتبعه الآلوسي في تفسيره ( 17 / 161 ) . والأرجح عندي الأول لأن الحافظ ابن حجر ذكر في " الفتح " ( 8 / 354 ) تبعا لابن كثير أن ابن اسحاق روى هذه القصة في " السيرة " مطولا فهذا يبعد نسبة ذلك القول إليه ولوكان له لنبه عليه الحافظ عقب ذلك والله أعلم
( 19 ) انظر السبب السادس من أسباب بطلان القصة متنا ص 36
( 20 ) كذا في الأصل
( 21 ) قلت : ونحوه في رواية عروة ( رقم 6 ص 24 - 25 ) وإن كان في آخرها ما يخالف هذا وقد نقلت رواية موسى بن عقبه عن ابن كثير فيما تقدم ( ص 19 )
( 22 ) تخريج الكشاف ( 4 / 112 )
( 23 ) وبعد كتابة ما تقدم رأيت شيخ الإسلام ابن تيمية يميل إلى تثبيت القصة بالقدر المذكور وأن قوله : " تلك الغرانيق العلى . . . " لم يلفظ به الرسول صلى الله عليه وسلم وإنما ألقاه الشيطان في أسماعهم . راجع كلامه في الفتاوى ( 2 / 282 )
( 24 ) هوالشيخ إبراهيم الكوراني كما صرح بذلك الآلوسي وهوإبراهيم ابن حسن بن شهاب الدين الكردي ولد ب ( شهرزور ) في شوال ( 1025 ه ) وقدم المدينة ولازم القشاشي واجتمع في مصر عند مروره بها مع الشهاب الخفاجي توفي بالمدينة في 28 جمادى الأولى سنة ( 1101 ه ) كذا في " تاج العروس " للمناوي
( 25 ) قلت : هذا فيه بعد لا سيما بالنسبة للحافظ ابن حجر فلوكان هناك جرح فلا يخفى عليه والحق أن الحافظ جرى على بعض القواعد الحديثية فهوأعذر ممن خالفها ولم يجب عنها وقد أجبنا نحن فيما سبق فالأقرب أن يقال : إنهم وقفوا على علة وهي الإرسال حسبما فصلنا في سائر الطرق ولكن لم يرها علة فادحة القائل بالقبول

  أرسلت في الأثنين 21 يونيو 2010 اعتمد بواسطة abasheikh  


 

روابط ذات صلة
 · زيادة حول - رد شبهات النصارى
· الأخبار بواسطة abasheikh


أكثر مقال قراءة عن - رد شبهات النصارى:
الرد علي شبهات النصارى حول القرآن

  .  

تقييم المقال
 
المعدل: 0
تصويتات: 0

الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ

  .  

خيارات
 
 صفحة للطباعة صفحة للطباعة

  .  

"بقية نسف قصة الغرانيق للإمام الألبانى" | دخول/تسجيل عضو | 0 تعليقات
اكتب اسمك أسفل تعليقك.

التعليق غير مسموح للضيوف, الرجاء التسجيل

عبد الباسط عبد الصمد

الرد على القمص إبراهيم لوقا

تنزيه القرآن الكريم

العقيدة المسيحية

الأسفار القانونية الثانية والأبوكريفا

الله واحد أم ثلاثة


برهانكم للرد علي شبهات النصارى مكرس للرد علي ترهات النصاري وتطاولهم علي الإسلام .. حقوق النشر متاحة للجمع ونرجوا ذكر صفحة المقال واسم الكاتب ..