سادس أركان الإيمان هو الإيمان بقضاء الله وقدره، وأن كل ما يجري في هذه الدنيا من خير أو شر إنما يجري بقضاء الله الذي لا راد له ولا مانع منه، فقد كتبه الله قبل أن يخلق الخلق بدهر طويل.
وتتضمن عقيدة المسلم في القضاء والقدر ثلاث مسائل:
الأولى: أن الله عز وجل عليم بكل شيء، وأن كل ما يحصل منا من خير أو شر قد علمه الله أزلاً، وهو مصداق قوله تعالى: الله الذي خلق سبع سمـاوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علماً الطلاق: 12.
الثانية: أن الله كتب ما علمه، قال الله تعالى: (ألم تعلم أن لله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتـاب إن ذلك على الله يسير) الحج: 70، وقال: ( وكل شيء أحصيناه في إمام مبين ) يس : 12، وما كتبه الله إنما كتبه قبل أن يخلق الخلق بخمسين ألف سنة، قال صلى الله عليه وسلم : كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة.[1]وقال أيضاً : وكتب في الذكر كل شيء، وخلق السماوات والأرض.[2]
الثالثة: أن ما كتبه الله في كتابه كائن لا محالة، ولا يمكن لأحد أن يغيره (وكان أمر الله قدراً مقدوراً ) الأحزاب : 38، وما يقع من الناس من شر وخير إنما يجري بعلم الله ومشيئته الأزلية ( وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين ) التكوير: 29.
لكن الفعل الإنساني لا يصدر من الإنسان جبراً وقهراً، فالإنسان أكرم مخلوقات الله، كرّمه الله ، فمنحه القدرة على التمييز ( ألم نجعل له عينين ^ ولساناً وشفتين ^ وهديناه النجدين ) البلد: 8-10، ثم دعاه تبارك وتعالى لاختيار الحق وهجر الباطل، من غير إكراه منه على ذلك.
فإذا ما اختار الإنسان خير النجدين، فسلك سبيل الهداية؛ زاده الله من أنوار الهدى (والذين اهتدوا زادهم هدًى وآتاهم تقواهم ) محمد: 17، وإن تنكبها واختار الضلالة والعماية زاده الله ضلالاً، كما وصف الله تعالى المنافقين : ( في قلوبهم مرضٌ فزادهم الله مرضاً ولهم عذابٌ أليمٌ بما كانوا يكذبون ) البقرة: 10.
وهكذا فالإنسان يختار فعله وفق اختياره وإرادته، لذلك نسب الله فعله إليه بقوله:(وما تفعلوا من خيرٍ فإن الله به عليمٌ ) البقرة: 215، لكن اختياره وفعله ليس جبراً لله أو قهراً، بل هو بقدرة الله الخالق الذي أقدره على ذلك ( والله خلقكم وما تعملون ) الصافات: 96.
ويشمل الإيمان بالقضاء والقدر، التصديق بجملة من القضايا التي قدرها الله بسابق علمه.
أولها: ما يصيب الإنسان من خير وشر، يقول النبي صلى الله عليه وسلم : لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره من الله، وحتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه[3]، وبذلك يتعلق قلب العبد بربه مسبب الأسباب، لا بالأسباب المنظورة التي جعلها الله طريقاً لتحقيق قدره المكتوب، وهذا يُحل بالمؤمن راحة النفس وطمأنينة القلب عند نزول البلاء، ومحبة المنعم ورجاء المزيد من نواله عند الرخاء?ما أصاب من مصيبةٍ في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتابٍ من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسيرٌ ^ لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختالٍ فخورٍ?الحديد: 22-23.
ومنها أيضاً: تقدير أرزاق الخلق ، فكل ذلك مسطور في علم الله أزلاً، يقول الله تعالى عما يقدره من أرزاق للناس: ?وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم?الحجر: 21.
وبسبب هذا الإيمان فإن المؤمن أشجع الناس بما أوتي من يقين بالله الذي هو وحده يملك أرزاق الناس وآجالهم،?قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون? التوبة: 51، وهو يعلم أيضاً أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفعتِ الأقلام وجفَّت الصحف.[4]
وبسبب إيمان المسلم بأن الرزق مقسوم من الله بسابق قضائه، فإنه لا يطلب الدنيا بنَهَم عُبَّاد المال الذين لا يعرفون في الكسب حلالاً ولا حراماً، إنما يطلبه بوجوهه المشروعة، يقول صلى الله عليه وسلم : لا تستبطئوا الرزق ، فإنه لن يموت العبد حتى يبلغه آخر رزق هو له ، فأجملوا في الطلب: أخذ الحلال ، وترك الحرام[5]، وفي حديث آخر يقول صلى الله عليه وسلم : وإن الروح الأمين قد نفث في روعي: أنه لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب. [6]
وكذلك فإن الله قدر آجال الناس وأعمارهم في سابق علمه ?الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجلٍ مسمى? الزمر: 42.
وإيمان المسلم بذلك يعرف الإنسان بقْدره الضعيف، وينبؤه عن ضعفه الكبير، وعن عظيم حاجته إلى ربه، قال صلى الله عليه وسلم : لو أن الله سبحانه عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته لهم خيراً من أعمالهم، ولو كان لك مثل جبل أحد ذهباً أنفقته في سبيل الله تعالى ما قبله منك؛ حتى تؤمن بالقدر وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك؛ وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك؛ وأنك إن مت على غير هذا دخلت النار.[7] فيستقبل المؤمن بالقضاء والقدر مصائب الدنيا بالبشر، ويراها منحة حملتها إليه محنة عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك إلا للمؤمن ، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له.[8]
كتبه / الدكتور منقذ السقار
--------------------------------------------------------------------------------
[1] أخرجه مسلم ح 2653.
[2]أخرجه البخاري ح 3192.
[3]أخرجه الترمذي ح 2144 ، وصححه الألباني في صحيح الترمذي لشواهد تقويه ح 1143, وفي السلسلة الصحيحة ح 2439.
[4]أخرجه الترمذي ح 2516، وأحمد ح 2664.
[5]أخرجه ابن حبان في صحيحه ح 3308، والحاكم في مستدركه 4/224، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ح 2607.
[6] أخرجه الشافعي في كتابه الرسالة ص 87 و93، والبيهقي في السنن 7/76، وصححه أحمد شاكر في تعليقه على الرسالة.
[7]أخرجه الترمذي ح 2155، وابن ماجه ح 77، وأحمد ح 21101.
[8]أخرجه مسلم ح 2999.
تعرف على الإسلام - أركان الإيمان
· الركن الأول
· الإيمان بالملائكة
· الإيمان بالكتب
· الإيمان بالأنبياء
· الإيمان بالقضاء والقدر
· الإيمان باليوم الآخر