قل هاتوا برهانكم عقائد وأديان مسيحيات برهانكم للرد علي شبهات النصارى

آباء الكنيسة
 
الباترولوجي
[ الباترولوجي ]

·التثليث عند آباء الرسوليين
·العلامة ترتليانوس والزواج الثاني
·بابياس أسقف هيرابوليس
·بوليكاربس في الميزان
·القديس اغناطيوس الأنطاكي
·القديس أغسطينوس والإرهاب الديني
·الحرب العادلة في فكر أوغسطينوس
·جون كالفن
·الباترولوجي - آباء الكنيسة
·الكذب .. السر الثامن من اسرار الكنيسة
  .  

خربشات صوماليانو
 
خربشاتـــصوماليانو
[ خربشاتـــصوماليانو ]

·سويعات في برية التيه
·الإختلافات العددية في الكتاب المقدس
·البابا شتودة: المسيح لم يقل أنا الله أعبدوني
·بولس الرسول كبير الغنوصيين
·الغنوصية والرهبنة في الأناجيل
·تيري جون وثقافة الحرق
·ديونيسيوس يعقوب السرياني وضياع الأسفار
·سيدعى ناصريا
·التسامح سلاحنا في وجه شنودة
·القمص يوحنا سلامة : البروتستانت حرفوا الكتاب المقدس
·الدوناتستيون
·ثامار الزانية في ظل الشريعة
  .  

الرد علي زكريا بطرس
 
شطحاتــزكريابطرس
[ شطحاتــزكريابطرس ]

·المسيح الجبار
·مسرحية نشيد الإنشاد
·النكاح في الجنة وشطحات زكريا بطرس
·انتهى زكريا بطرس كغيره والإسلام باق
·أحلام زكريا بطرس
·تأملات في نشيد الأناشيد
·نشيد الإنشاد كأشعار رابعة العدوية
·هلوسات زكريا بطرس
·الرد السماوي على زكريا بطرس
·بيان الشيخ الزغبي
·الرب مخلص مسيحه
·زكريا بطرس يبكي علي أطلال قناة الحياة
  .  

صوماليانو
 

تعدد الزوحات لماذا ترعب الكنيسة
البابا غريغوريوس الثاني وتعدد الزوجات
ضيوف الأنبا بيشوي أم أتباع الغزاة
ضمان الخلاص والجنة
العتل الزنيم مرقس عزيز
لا محلل ولا طلاق لأن العصمة في يد الأنبا بولا

  .  

يسوع

 - المسيحية

هذا المقال يعبر عن فكر اللاهوتي الألمانى أوتو فليدرر ولا يعبر عن مفهوم الإسلام للمسيحية


يسوع هو بن مريم و يوسف اللذين كان لهما أربعة أولاد آخرين , و العديد من البنات .

فى الواقع , ليست لدينا معلومات عن طفولة و شباب يسوع , لأن القصص الوارده فى متى و لوقا عباره أساطير دينيه ليس لها قيمة تاريخيه .

و كذلك الأساطير تستمر فى قصة تكريس يسوع كمسيح فى قصة المعموديه عن طريق صوت من السماء , فهى أيضا قصه أسطوريه و ليست لها قيمه تاريخيه . هل بقية القصه لها أصل تاريخى بعد أن استبعدنا الجزء المعجزى فيها ؟ لا يوجد معلومه أكيده بخصوص هذا , و لكن هذا محتمل , لأنه من الصعب أن يخترع المسيحيون قصة يفهم منها أن يسوع أقل من يوحنا المعمدان , و كذلك فإن محاولة الإنجيلين أن يضعفوا من قوة هذا التقليد يؤكد على أصالته .




لقد نادى يسوع بنفس دعوة يوحنا , مما يدل على أنها تركت أثرا عليه , و لكن بروح جديده , فيوحنا كان رجلا زاهدا يدعو للتوبه و يخوف الناس من الخطيه و هو أمر لا يلهب الحماس , و لهذا نفهم لماذا لم تحك قصص معجزيه أسطوريه و لا معجزات شفاء عن يوحنا , و هى القصص التى توضح الإعجاب المتحمس بشخصية معينه .... بعكس يسوع الذى دعا الناس الى النعمه بدلا من تخويفهم .

بخلاف يوحنا المعمدان الذى كان يتوعد الناس بالغضب القادم , كان يسوع بعثا جديده للروح الحنونه التى نجدها عند هوشع و ارميا و اشعياء الثانى .
ما الذى قصده يسوع بقوله " ملكوت السماوات " ؟ , إن الرأى الشائع أن يسوع فهم هذا المصطلح بشكل يختلف عما يفهمه الناس الذين حوله , سواء كان المقصود مملكه فى السماء بالأعلى , أو نعمة مستقبلية للأرواح , أو حتى تأسيس روحى للبشر من حيث تقواهم و صلاحهم , و لكن اذا كان يسوع قد قصد أى معنى من هذه المعانى الجديده و استخدم فى التعبير عنها هذا المصطلح القديم " ملكوت السماوات " , ألم يكن واجبا عليه أن يوضح قصده الذى أراده بهذا المصطلح منذ البدايه حتى لا يفهم بطريقة مغلوطه ؟ , و لكننا لا نجد أنه فعل هذا , و أيضا يوحنا المعمدان قبله لم يفعل هذا , فقد كان متأكدا أن كل الناس يفهمون قصده الذى أراده من هذا المصطلح . اذن هل قصد يسوع بهذا المصطلح المعنى الذى كان شائعا عند اليهود فى عصره ؟ , أى أن تعمل قوة الله العجيبه , و هو الأمر الذى تمناه كل الأبرار منذ عصر دانيال , بحيث تنتهى الأوضاع المأساويه الحاضره , و تصير الى حالة أفضل على الأرض خصوصا فيما يتعلق بالأمة اليهوديه .

فى الواقع , هذا ما تؤكده لنا تعبيرات يسوع بخصوص هذا الموضوع , فالتطويبات فى صورتها الأصليه الموجوده فى لوقا ( 6-20 و ما يليه ) , توضح لنا أنه سيكون هناك ترتيب جديد للأوضاع الاجتماعيه فى صالح الفقراء و ليس فى صالح الأغنياء , و هذا يفترض أن الفقراء هم الأتقياء بينما الأغنياء هم الأشرار , و بالتالى يستخدم الكلمات بنفس الطريقه التى استخدمها سفر المزامير .

هذا المعنى الأصلى للتطويبات فى لوقا , قد جعله متى غير واضح ( متى 5 -3 و ما يليه ) , بسبب التطورات التاريخيه اللاحقه , فقد غير " الفقراء " بمعناها الحرفى الى " الفقراء بالروح " , و " الجوعى " بمعناها الجسدى الحرفى قد جعلها " الجوعى للبر " , و بالتالى طمس المقارنه الأصليه بين الحاضر و المستقبل ليحل محلها مقارنة بين الوضع الخارجى و القيمه الداخليه , و لكن حتى فى مثل هذه الحاله فإن الحديث عن أن الودعاء سيرثون الأرض يكشف المعنى الأصلى لترتيب الأوضاع على الأرض .

هل من الممكن أن نغفل عن كلمة يسوع المعزيه ( لا تخف أيها القطيع الصغير , لأن أباكم قد سر أن يعطيكم الملكوت ) ( لوقا 12 - 32 ) , و تتكرر النبوءه بشكل مطول فى العشاء الأخير ( و أنا أجعل لكم كما جعلى لى أبى ملكوتا , لتأكلوا و تشربوا على مائدتى فى ملكوتى , و تجلسوا على كراسى تدينون اسباط اسرائيل الإثنى عشر ) ( لوقا 22 - 29 و 30 , متى 19 - 28 ) . هناك أيضا قول يسوع ( لأنى أقول لكم : إنى لا أشرب من نتاج الكرمه حتى يأتى ملكوت الله ) ( لوقا 22 - 18 ) , ( الحق أقول لكم : إنى لا أشرب بعد من نتاج الكرمه الى ذلك اليوم حينما أرشبه جديدا فى ملكوت الله ) ( مرقص 14 - 25 ) .

لا يمكن فى ظل هذه الأقوال أن تفكر فى شىء آخر سوى أن المقصود هو وضع جديد لبنى اسرائيل , يجلبه الله اكراما ليسوع و أتباعه , و لكن هذه الحقبه الجديده لا ينبغى أن تفهم على أنها شىء يختلف عن الحاضر , و ينبغى ألا يفهم أنه لن يكون فيها طعام أو شراب , فقراءة الأمر على هذا النحو يعد انتهاكا لمنهجية البحث التاريخى .

دعنا نضيف الى هذا أيضا ما يقال فى الصلاه الربانيه " ليأت ملكوتك " , و لنفسرها كما فهمها التلاميذ و ليس كما يفهمها الناس الآن , دعونا نقرأ من سفر الأعمال ( 1- 6 ) الذى يعد دليلا قطعيا يقودنا الى الإجابه , فالتلاميذ يسألون معلمهم الذى على وشك الرحيل ( هل فى هذا الوقت ترد الملك الى اسرائيل ؟ ) ..... لقد كانت المملكه المسيانيه هى محور آمال و تساؤلات المجتمع المسيحى الأقدم , و الآن هل من الممكن أن نتصور أن هذا كان ليحدث لو لم يكن يسوع قد علمهم هذا ؟ هل كان هذا ليحدث لو كان يسوع علمهم شيئا آخر ؟.....إن الدليل الذى تقدمه لنا مثل هذه التعبيرات دون لبس , لا يمكن أن يعارض بفقرات أخرى تحتمل تفسيرات متعدده .

فى أمثال الزارع و البذور , جرت محاوله لإثبات أن الملكوت يوجد فى السلوك الأخلاقى , و لكن المعنى الصحيح أنه ينبغى الاستعداد للملكوت القادم عبر الكرازه بالكلمه , على الرغم أن الملكوت لا يمكن أن يعجل بقدومه عمل انسانى , بل ينبغى التحلى بالصبر الى أن يظهر وفق مشيئة الله . و أمثال الكنز الذى فى الحقل و اللؤلؤه الغاليه , تعنى أن ملكوت الله غال جدا بحيث ينبغى على الانسان أن يترك أى شىء فى سبيله , و لكنها لا تقول أن هذه النعمه الأغلى هى مجرد نعمه روحيه تمتلك .

إن الفقره الوحيده التى يبدو أنها تشير الى وجود روحى للملكوت هى ( لوقا 17 - 20 و ما يليه ) * ( لا يأتى ملكوت الله بمراقبه , و لا يقولون هو ذا ههنا , أو هوذا هناك , لأن ها ملكوت الله داخلكم ) , و لكن هذا التفسير غير صحيح اذا قرأنا السياق بالكامل , فهل يمكن أن يقول يسوع للفريسيين أن ملكوت الله بداخلهم ؟ , و أنه سيأتى دون حدوث أى اضطراب ؟ بينما نجد الأعداد التاليه فى السياق تتحدث عن قدومه كحدث عالمى مدوى , و يقارنه بالضوء الذى يملأ السماوات , أو بفيضان نوح , أو بالنار و الكبريت اللذين أهلكا سدوم و عموره ؟ ..... بما أن وجهة النظر هذه تظهر فى الفقرات الأخرى فى الإنجيل , و تنتمى للتنبؤات الرؤويه فى يهودية ذلك الزمان , فإننا مقتنعون تماما أن هذا هو نفس الرأى الذى اعتنقه يسوع .

لقد اعتقد يسوع أن الملكوت القادم سيكون حدثا كونيا هائلا , بل و وشيكا , سيقع قبل أن يموت جيله , و قبل أن يكملوا الكرازه فى مدن اسرائيل

ان تعاليم يسوع تعكس منعطفا فكريا , حيث أكد على الأخلاقيه الفرديه فيما يتعلق بالمملكه و الدينونه المسيانيه , فعلى الرغم من اقترابه من الفكر اليهودى السائد عن المستقبل , إلا أنه كان يختلف معه فى نقطة مهمه , فإنك لا تجد فى كلام يسوع حديثا عن انتصار الأمه اليهوديه على الأمم الأخرى , و لا حديثا عن انتقامهم من أعدائهم , و هو الأمر الأكثر أهميه فى الفتره المسيانيه عند الآخرين و بالأخص عند الفريسيين .

عندما يتحدث يسوع عن الدينونه القادمه , فهو لا يتكلم أبدا عن الأمم , بل عن الشخص بمفرده و ما عمله .

فى إطار هذا الفكر عن الدينونه , فإن فكرة المكافأه تربط بشكل معقد , فهى تستخدم فى العاده كدافع للتضحية و الإحسان و تعزية المضطهدين . إن الأقوال التى تتحدث عن مجازاة من يصلى و يصوم ( متى 6 - 4 و 6 - 18 ) قريبة جدا من الفكره اليهوديه عن فضيلة هذه " الأعمال الصالحه " و بحيث تغرى المرء أن يشك فى أصالتها . و الأمر الذى يلفت النظر جدا , أنه بينما بقيت فكرة المكافأه , إلا أنه رفع قدرها عن الحكم على الأعمال بحسب النظام الى الحكم بحسب الأخلاق .

بحسب مثل العمال فى البستان , الذين نالوا نفس المكافأه بغض النظر عن قدر عمل كل منهم , لم تعد الأجور مكافأة قانونيه , بل هبه و نعمه ينالها كل من يستجيب للنداء الإلهى .

إن الفكرة بأن المسيح هو أول من سمى الله أبا فكرة خاطئه , ف "هومر" يسمى زيوس أبا لكل الآلهه و البشر , و أفلاطون يمسى الله أبو العالم , و كذلك تحدث سينيكا عن السلوك الأبوى لله , و كذلك فى الدين الاسرائيلى كان الله أبو اسرائيل منذ القديم , و تنسب كتب الحكمه التاليه لفترة السبى علاقة الأب بالإبن ليس فقط الى الأمه الإسرائيليه كلها بل و أيضا لكل شخص مؤمن بحد ذاته , ف "سيراخ " يسميه ( أب و رب حياتى ) , و فى حكمة سليمان و مزامير سليمان يسمى المتقون " أبناء الله " , و يتحدث فيلو عن " الأب السماوى " . كذلك تخبرنا كتابات الأحبار أنه فى زمن يسوع كان تعبير " الأب السماوى " أو " الأب الذى فى السماوات " قد صار بديلا مشهورا لاسم الله القديم الذى لم يعد يستخدم .

صحيح أن اليهود كانوا يعتبرون الله أبا إلا أن الكثير منهم كان يخاف منه بوصفه القاضى و الحاكم , بينما أراد يسوع أن يؤكد على محبة الله .
و قد وسع " هاليل " المعلم الفريسى هذا المفهوم , فجعل الحب يشمل كل البشر .

إن محبة الأعداء علم بها أيضا أفلاطون و بوذا و سينيكا و إبيكتيتوس ....هو أمر صعب و لكنه ليس مستحيلا , و لكن عندما يقول يسوع " لا تقاوموا الشر , بل من ضربك على خدك الأيمن فحول له الآخر أيضا , و من أراد أن يخاصمك و يأخذ ثوبك فاترك له الرداء أيضا " فلا بد أن نعترف أن هذا لا يمكن تطبيقه فى أى مجتمع , لأنه يلغى كل القوانين , و يمنح من يستخدم القوة العنيفه نصرا سهلا ..... و لكن ما يفسر لنا هذا الكلام هو مزاج ذلك الزمان , الذى يعتقد أن العالم على وشك الإنهيار , و يعتقد بقدوم دينونه محرقه , مما يدفع الإنسان للتخلى عن حقوقه ليضمن مجدا فى العالم القادم .... و أيضا هذا ما يفسر أوامر يسوع لتلاميذه أن يتخلوا عن كل الروابط التى تربطهم بهذا العالم , مثل الممتلكات , بل و حتى الروابط العائليه , و أنت تعرفون قصة الشاب الغنى جيدا التى يفسرها الناس الآن بطريقة روحيه على أنها تعنى التخلى عن الأنانيه و أنها لا تعنى التخلى عن المال فعليا .

و نفس وجهة النظر السابقه هى التى تفسر كلام يسوع القاسى " دع الموتى يدفنون موتاهم " و " اذا جاء أحد الى و لم يبغض أباه و أمه , و زوجته و أولاده , و أخوته و أخواته , و حياته , لا يستطيع أن يكون لى تلميذا " .... أليست هذه الكلمات غريبه فى فم معلم دعى الى المحبه , و الى قدسية الزواج بحيث لم يجعل فيه إمكانية الإنفصال , و الذى أعلى من قيمة العلاقه الأبويه على الطقوس الشعائريه , و الذى دعى الى محبة الأطفال ؟ ..... لا بد أن نفهم أن صدره كانت به روحان , أحدهما روح المحبه , و الأخرى روح النبوه المتحمسه لملكوت الله التى ترى العالم على وشك التدمير , و أن كل صله بهذا العالم ستنتهى سواء كانت ممتلكات أو عائلات .

و هذا ما يفسر لماذا لم يتحدث يسوع عن الواجبات الاجتماعيه المفروضه على الزوج و الزوجه , و الآباء و الأولاد , و الحياه فى الدوله , و قوله ( أعطوا ما لقيصر لقيصر و ما لله لله ) لا يعنى بها أن الواجبات السياسيه ترتكز على الدين بل يعنى بها الفصل بين الدين و الدوله بشكل كامل .

هذه الأمور لا يمكن تفسيرها بأن يسوع أراد أن يترك ترتيب هذه الأمور يخضع لتطور المجتمع المسيحى , فهذا التفسير يتناسى أن يسوع لم يعتقد " بتطور قادم " , بل اعتقد بحادث كونى عظيم هائل يجعل كل شىء جديدا دفعة واحده .... و بما أن التاريخ قد أبطل هذا التنبؤ , فمن الواضح أن أوامر يسوع الزهديه الشديده التى أسست على هذا التنبؤ لا تصلح لنا وفق معناها الحرفى .

ما الذى اعتقده يسوع بخصوص نفسه و كرازته و عن مكانته فى الملكوت ؟ هذا سؤال صعب , فالأناجيل تتحدث عن يسوع على أنه المسيح و أنه ابن الله و هى المعتقدات التى نشأت متأخرا فى ايمان المجتمع المسيحى , و نقلت للوراء لتصبغ حياة يسوع الأرضيه الذى وضع على فمه أقوالا تناسب هذه المعتقدات , و بالطبع أدى هذا الى وجود تناقضات عديده بين هذه الأقوال و بين المسار التاريخى للأحداث .

بحسب الإنجيل الرابع , يسوع هو الظهور المتجسد ل " اللوجوس " أو ابن الله , الذى كان مع الله منذ البدء , و كان هو نفسه الها , و الذى رأى التلاميذ مجده من تحت العباءه الأرضيه للإنسان يسوع ( يوحنا 1 - 14 ) , أما بحسب انجيلى لوقا و متى , فيسوع هو ابن الله المولود بطريقة معجزيه , و الذى رحبت به الأرواح السماويه كمخلص للعالم عند ميلاده , و حتى مرقص - على الرغم أنه لا يعرف شيئا عن الميلاد المعجزى - عنده صوت سماوى وقت المعموديه يعلن أن يسوع هو ابن الله الذى سر به - أو المعادل لهذا لقب "المسيح " - و هو الأمر الذى اعترفت به الشياطين , و العديد من المعجزات و بالأخص حادثة التجلى تؤكد هذا .

كل هذا ينتمى لعالم الأسطوره , و التى سوف نناقش كيف ظهرت فى المجتمع المسيحى لاحقا , و لكن من وجهة نظر تاريخية بحته , من المؤكد أن يسوع لم يكن واعيا بأن له أصل فوق بشرى أو طبيعه فوق بشريه , فقد ظهر كنبى كما كان يوحنا المعمدان قبلا منه , و عمل كمعلم و شاف للأمراض بين شعبه , كما فعل الكثير من سابقيه و معاصريه .

لقد كانت قدراته فوق الأرواح و الأجسام المريضه على الرغم مما فيها من معجزه , إلا أنها لم نكن قوة الهية مطلقه , بل هى قوه تتوقف على ايمان المريض كما تقرأ فى ( مرقص 6 - 5 ) أنه لم يستطع أن يفعل معجزة واحدة فى الناصره بسبب عدم ايمانهم , و كذلك لم يكن علمه النبوى مطلقا , فهو لا يعلم ميعاد ساعة الخلاص الموعود التى لا يعلمها سوى الآب ( مرقص 13 - 32 ) , بل و بكل نبل انسانى رفض أن يدعى صالحا عندما ناداه أحدهم " أيها المعلم الصالح " ( مرقص 10 - 18 ) .

لقد وضع نفسه فى نفس الرتبه مع باقى البشر , فقد كان يصلى لله كما لأب , و علم تلاميذه أن يصلوا " أبانا " , و لم يشعر أنه ابن الله وفق أى معنى سوى المعنى الأخلاقى , و الذى دعانا نحن أيضا بحسبه لنكون أبناء الله , و سمى صانعى السلام " أبناء الله " و كذلك كل من يصنع مشيئة الله هم أخوته و أخواته ( مرقص 3 - 35 ) .

و حتى فى الفقرات التى يذكر فيها لقب " ابن الله " ليسوع وفق معنى فريد , كما نجد فى الصوت السماوى ساعة المعموديه و أثناء حادثة التجلى , و من الشيطان أثناء التجربه , و من الكاهن الأكبر أثناء المحاكمه , فهذه الكلمات فى الأناجيل الاقدم ليست سوى طريقة أخرى للتعبير عن لفظ " المسيح " , و لا تدل على معنى سامق أو ميتافيزيقى .

اعتمادا على الأناجيل الأقدم , يمكننا أن نعلن أن وعى يسوع بإنسانيته المحضه أمر مقرر تاريخيا , و من الصعب أن نحدد ما اذا كان يسوع قد ادعى لنفسه الكرامه المسيانيه أم لا ؟ و اذا كان قد فعل فكيف ؟ , و لكن على أى حال , من المحتمل جدا أنه لم يدع ذلك فى البدايه , و هو الأمر الذى يستنتج من الأناجيل الثلاثه الأولى , بأنه عند ختام نشاطه فى الجليل , و فى رحلة الى قيصرية فيلبى فى الجوار , سأل يسوع تلاميذه " من يقول الناس إنى أنا ؟ " , فأجابوا يوحنا المعمدان - يقصدون أنه قام من الأموات - و آخرون ايليا , و آخرون واحد من الأنبياء , فقال لهم و أنتم من تقولون إنى أنا ؟ فأجاب بطرس و قال له أنت المسيح ( مرقص 8 - 29 ) و فى انجيل لوقا " أنت مسيح الله ", و فى انجيل متى " أنت المسيح ابن الله الحى " .

القارىء الذى يقرأ الإنجيل بنظرة تاريخيه سيقف أمام مفترق طرق , فإما أن تكون التعبيرات العديده المسيانيه عن المسيح و الاعترافات التى تقال عنه فى مرحلة مبكرة فى الأناجيل صحيحة تاريخيا , مما يجعل المشهد الذى حدث فى قيصريه من الصعب حدوثه , و إما أن يكون مشهد قيصريه هو الصحيح تاريخيا و تكون تعبيرات هؤلاء الإنجيليين التى تصف يسوع ب " المسيح " منذ البدايه ليس لها أصل تاريخى , بل هى نقل للإيمان اللاحق للمجتمع المسيحى للوراء فى حياة يسوع أو فى فترة نشاطه العلنى .

إن هذا الموقف فى قيصريه , يتناقض ببلادة شديده مع الافتراضات الأخرى التى تذكرها الأناجيل , مما يؤيد بقوه الصحه التاريخيه لكلام بطرس , و مما يؤيد هذا أيضا الوقت و الزمان المميز .

من المؤكد أن كمالة القصه تظهر صعوبات جديده , حتى لو قصرنا انفسنا على انجيل مرقص و أهملنا تمجيد بطرس بأنه الصخره التى تبنى عليها الكنيسه ( و هو التعبير الذى ليس له أصل تاريخى بكل تأكيد و لم يذكره سوى متى ) .

اعتمادا على اعلان بطرس , يحكى مرقص أن المسيح انتهر التلاميذ حتى لا يقولوا لأحد عن مسيانيته , و أنه بدأ يعلمهم ضرورة أن يعانى ابن الإنسان , و أن يرفض من قادة اليهود , و أن يقتل و يقوم من الموت بعد ثلاثة أيام ... هنا ابتدأ بطرس ينتهر المسيح بخصوص هذا المصير , و لكن المسيح قال له " اذهب عنى يا شيطان , لأنك لا تهتم بما لله , بل بما للناس " ... هنا يبرز السؤال فورا , لماذا انتهر المسيح تلاميذه و منعهم أن يتحدثوا عن مسيانيته ؟ , اذا كان يعتقد أنه المسيح , أو لنكون محددين أكثر , اذا كان يعتقد أنه اختير لهذا الشرف , ألم يرغب أن يسمع الناس ايمانه و ايمان تلاميذه ؟ , ألم يرغب أن يشارك أكبر عدد ممكن من الناس فى هذا الإيمان ؟

فى الواقع فإن المسيح الذى يرغب أن يكون مسيحا فى السر فقط أمر بالغ الصعوبه على الفهم , و هذا يجعلنا نفهم لماذا أن بعض النقاد المعاصرين قد قالوا أن يسوع لم يرغب أن يعتبر هو المسيا , و أن المجتمع المسيحى نسب هذا الشرف زورا للمسيح القائم من الأموات و ليس للمسيح التاريخى , و حاول آخرون أن يحلوا الإشكال فقالوا أن يسوع منع نشر مسيانيته لحكمة تربويه و بعد نظر , لأنه خاف أن يفهم الناس أنه مسيح سياسى , بل أراد هو أن يصير مسيحا روحيا فقط , أو مسيحا سماويا عن طريق موته و قيامته , و لكن هناك صعوبات كثيره تواجه هذه النظريه .... من العدل أن نتساءل ألم يكن أسهل لتجنب سوء الفهم هذا أن يعلن يسوع بوضوح و بجلاء أنه يريد أن يكون المسيح و لكن ليس حسب المفهوم اليهودى التقليدى , و لكن وفق مفهوم جديد روحى أو سماوى ؟

لا نجد فى أى مكان أنه أراد أن يعطى الفكره اليهوديه التقليديه عن المسيح تفسيرا جديدا , و هو نفس الوضع بخصوص الفكره التقليديه عن ملكوت الله . إلا أن الإحتياج كان لكليهما ليس فقط للناس بل أيضا للتلاميذ , لأن الأناجيل تظهر مدى اشتراك التلاميذ فى الفكره التقليديه الشهيره عن المسيح و الملكوت , على سبيل المثال , عندما طلب ابنى زبدى أماكن شريفه لهم عن يمين و شمال المسيح فى مجده ( مرقص 10 - 37 ) , و كذلك فى الموكب الإحتفالى الذى كان التلاميذ جزءا منه , و فى تكريمه بطريقة مسيانيه , فالتحيه التى تقدم ليسوع هى " ابن داود " أثناء دخوله الى أورشليم , و الفرح ب " الملكوت القادم , ملكوت أبينا داود " ( مرقص 11 - 9 ) .

اذا افترضنا أن حكمه تربويه و بعد نظر ليسوع هو ما جعله يمنع كل الإعلانات المسيانيه , فلا بد أن نتوقع فى مثل هذا الموقف أن يسوع لم يكن ليدع الفرصة تمر دون أن يخبر تلاميذه و أصدقاءه أن هذه التوقعات خاطئه , و أن يشرح لهم المفهوم السليم للفكره المسيانيه , إلا أنه لم يفعل ذلك فى أى موضع , و لم يحرر عقلى ابنى زبدى من أماكن الشرف فى الملكوت , و لكنه شرح فقط أن الله - و ليس هو - هو من يحدد هذا , و قبل صامتا اعتراف بطرس بمسيانيته و شرف الموكب الملكى , و عند تطهير الهيكل ظهر كمصلح قوى ضد العادات الدينيه , و فى مثل الكرامين الذين ليس لهم ايمان أعلن لذوى السلطه دون مورابه اقتراب نهاية سيطرتهم .

يبدو لى أن كل هذه الأمور مجتمعة لا تؤدى الى نتيجة أن يسوع رفض الفكره الشائعه عن المسيح كملك لشعب الله , و لا أنه أحل محلها فكرة المسيح الروحانى . إن فكرة المسيح الروحانى الذى يهتم فقط بسلوك الناس , مفتقدا لعناصر الشرف و القوه الخارجيه , كانت غريبة تماما ليس فقط على إيمان اليهود , بل و حتى على ايمان المجتمع المسيحى الأول , الذى آمن أنه بقيامة سيدهم يسوع , قد وضعه الله عن يمينه و بالتالى " جعله ربا و مسيحا " , أى أن الله منحه الكرامه الملكيه و القوه للحكم , و هو الأمر الذى يرتبط دون انفصال بفكرة المسيح .

يا له من سوء فهم كامل كان عند التلاميذ حتى النهايه , اذا كان سيدهم يفكر بشكل آخر و اذا كان فكره يتركز بالكامل فى مسيح روحانى . هذه الفكره عن ملكوت الله الروحانى هى نتاج لانعكاسات لاهوتيه , بعيدة كل البعد عن المفاهيم البسيطه الواقعيه التى كانت فى اليهوديه و المسيحيه الأولى .

و بالتالى اذا استبعدنا فرضية " المسيح الروحانى " من تفكيرنا التاريخى , يظل السؤال مطروحا بخصوص وجود تقدم ما بخصوص فرضية " المسيح السماوى " , أى الإفتراض بأن يسوع قد آمن كما آمن المجتمع المسيحى الأول بعد موته , بأنه على الرغم أن يسوع لم يكن المسيح أثناء وجوده على الأرض , إلا أنه قد اختير بعد موته و قيامته , و رفع الى مقام الملكيه الإلهيه لشعب الله , و سوف يظهر على هذا النحو عندما يعود من السماء , و يؤسس مملكته .

يبدو أن هذه الفرضيه تجد لها دعما فى تلك الفقرات الإنجيليه التى يقال بحسبها أن يسوع قد تنبأ بكل دقه عن آلامه و موته و قيامته و رجوعه على سحاب السماء , و لكن الفحص الدقيق عما اذا كان يسوع قد نطق حقا بهذه الأقوال يسبب شكوكا قويه . إن تكرار النبوءه ثلاث مرات بحد ذاته و زيادة استخدام التفاصيل ( مرقص 8 - 31 , 9 - 31 , 10 - 33 و ما يليه ) يقودنا أن نخمن أن كاتب الإنجيل هو من حول معرفة و آمال المجتمع المسيحى الى علم مسبق بديع و نبوءات على لسان يسوع .

هل تبنأ يسوع حقا بمثل هذه الأمور ؟ , سيكون هذا أمرا عسيرا على الفهم لأنه لا يوجد أحد فى الدائره الأضيق أو الأوسع من تلاميذه كان لديه هاجس عن موته الوشيك و قيامته التاليه , فقد أتت الكارثة غير متوقعه , و دمرت آمالهم تماما فى التو و اللحظه لدرجة أفقدتهم السيطرة و الشجاعه و جعلتهم يتفرقون الى منازلهم . الى جوار هذا , فإن كتبة الإنجيل أنفسهم يقولون أن هذه النبوءات عن آلام و قيامة يسوع , و التى لا يكتنفها غموض كما هو مفترض , لم يفهمها التلاميذ فى أى وقت , و هذا يدل بوضوح أن المصير الذى يزعم أن يسوع قد تنبأ عنه كان أمرا غير معروف فى دائرة التلاميذ قبل أن يحدث على أرض الواقع , و باختصار , لا يمكن أن يكون يسوع قد تحدث بمثل هذه النبوءات .

سوف نرى فى مرحلة لاحقه كيف أن تصرفات يسوع فى أيامه الأخيره فى أورشليم , لا تعطيك انطباعا أنه رأى فى موته ضرورة ملحه , و مصيرا الهيا مقضيا به , و بالتالى فمن الواضح أن فرضية أن المسيح توقع " مسيانية سمائيه " أمر لا يمكن الدفاع عنه .

اذا كانت " المسيانيه الروحيه " و المسيانيه السمائيه " لا يمكن قبول أى منهما , اذن لا بديل سوى أن يسوع لم يرغب أن يكون المسيح بصورة مطلقه , أو أنه تمنى أن يكون المسيح وفق المفهوم التقليدى الشائع .هناك فرضية ثالثه يمكن أن نفكر فيها , و هى فرضية وساطيه , و التى ربما صنعت لتفسر المسار التاريخى للأحداث .

على أى حال , من المؤكد أن يسوع لم يظهر بإدعاء مسيانى عند بداياته , بل ظهر بكل بساطه كنبى يبشر بملكوت الله القادم , و يعد الطريق له بكلامه , و اعتبر أن هذا هو مهمته الإلهيه , و بسبب هذا أمكنه أن يتجاهل التساؤل بخصوص ما اذا كان الله هو الملك الوحيد المباشر فى هذا الترتيب الجديد للأشياء الذى سيصنعه بقوته ( كما كان متوقعا على سبيل المثال فى العمل الأبوكريفى Assumtio Mosis ) , أو عما اذا كان الله سيستخدم أداة بشرية و و يجعل بشرا هو الملك المسيانى , و أيضا التساؤل بخصوص من سيكون هذا الإنسان .

إن فكرة أنه نفسه قد يكون هو الرجل المختار من قبل الله , قد تكون بعيدة منذ البدايه , و بالتالى رفض التحيات المسيانيه التى يفترض أن المرضى قالوها له فى فترة مبكرة من عمله ( اذا كان كلام الإنجيل محل ثقه بهذا الصدد ) .

على الرغم من ذلك , فى الوقت الذى تأثر فيه الناس بقوة أقواله التعليميه و الشفائيه و التفوا حوله , أظهرت العداوه المتناميه للكتبه و الفريسيين أن انقاذ الجوعى و القطيع المبعثر لن يتم من خلال هذا المريع , و بالتالى ربما طاردته الفكره أكثر و أكثر بأنه نفسه قد دعى ليفتتح مملكة الله الخلاصيه عبر اصلاح دينى - اجتماعى . و عندما عرض عليه سؤال يوحنا المعمدان " هل أنت المسيح ؟ " أشار يسوع الى نجاحاته فى شفاء الأجساد و الأرواح المريضه و كرازته بالإنجيل للفقراء .

إنه بكل تأكيد , لم يرغب أن يكون مسيحا بحسب المفهوم الذى تمناه الفريسيون , أى المسيح الذى سيساعد الأمه اليهوديه لتنتصر على الأمم الأخرى و لتتحرر من الحكم الرومانى , بل أراد أن يكون مسيحا للفقراء و التعساء و الثقيلى الأحمال , و لمن يعانون و يبعدون , و للقطيع الضعيف الذى ينوى الآب أن يعطيهم الملكوت ( لوقا 12 - 32 ) .

لإتمام هذه المهمه , لن يكون كافيا ما تم فى الجليل , و لا بد من أن يصل الأمر الى قلب السلطه فى أورشليم , و يبدو أن اعتراف بطرس قد أنضج هذا القرار باتخاذ هذه الخطوه الأخيره , و التى سيتحدد على إثرها كل شىء , خطوة جريئه و غرض محدد .

لم يذهب يسوع الى أورشليم حتى يتم اعدامه , و لم يذهب الى هناك ليحتفل بالعيد , بل ذهب لينتصر على الرؤوساء , و ليظهر المثال النبوى لمملكة الله فى الأمه المجدده , و بالطبع لم يغب عن ذهنه الصعوبات و الأخطار المحدقه , و بالتالى طلب من تلاميذه أن يستعدوا لأية تضحيه . ربما قال فى تلك الفتره " جئت لألقى نارا على الأرض , فماذا أريد لو اضطرمت ؟ , و لى صبغة اصطبغها , و كيف أنحصر حتى تكمل ؟ , أتظنون أنى جئت لأعطى سلاما على الأرض ؟ , كلا أقول لكم بل انقساما " ( لوقا 12 - 49 و ما يليه ) .... هذه لغة مخلصة من بطل يتحرك باتجاه معركة حاسمه و صعبه , مستعدا أن يضحى بكل شىء حتى حياته فى سبيل الله , و لكن لأنه لا يغفل عن احتمالية إبادته , فإنه لا يفكر فيها كأمر حتمى .

لقد كان يسوع مقتنعا أنه يؤدى عملا لله , و قد آمن بالله الصانع للعجائب و الكلى القدره , الذى يمكن أن يساعده اذا احتاج باثنى عشر فيلقا من الملائكه , اذن كيف لا يكون واثقا من انتصار قضيته على الرغم مما يعترى العقل البشرى من قلق كما قال بطرس ؟..... فى الواقع , فإن قصة رحلة يسوع الى أورشليم و أعماله هناك لا تشير الى مزاجية رثائيه , بل على العكس تظهر الصفة البطوليه لهذا المسعى الجرىء , و الصراع الشجاع , و الأمل السعيد .

زاد الحشد و الأصدقاء المتحمسون و هو فى الطريق الى أورشليم , عبر أريحا و من هناك الى أورشليم , صارت الرحلة كلها موكب انتصار توج بإثارة الحماسه فى الحجيج المؤمن الذين وجدوا متنفسا فى هذا الصراخ المسيانى المنفجر بالفرحه , و لم يقاوم يسوع أكثر من هذا , و عندما لفت خصومه نظره أن هذه الصرخات تلقى بظلال الريبه , يقال أنه أجابهم " إنه إن سكت هؤلاء فالحجارة تصرخ " ( لوقا 19 - 40 ) . لقد اعتبر أن حماسة هذه الجماهير عنصر قوه لا يمكن أن يردعها أى عنف بشرى .

فى اليوم التالى , زار الهيكل , و عندما رأى الباحة الخارجيه يسودها انشغال التجار بالحيوانات التى تقدم كذبائح و بالعملات اليهوديه , طردهم بسلعهم . لقد كان هذا العمل ذا صلة بطقس الذبائح , و بالتالى بدا أن عمل يسوع الإصلاحى يمثل هجوما على طقس الذبائح نفسه , و هجوما على الرؤوساء بطريقة غير مباشره , و الذين كانوا يكتسبون دخلهم و يؤسسون مكانتهم و قوتهم الإجتماعيه على طقس الذبائح .

و بالتالى , بدأت المعركه , و استمر فيها يسوع فى الأيام التاليه فى حديثه مع الناس , و بكلمات ناريه قرأ سجل خطاياهم على الكتبه و الفريسيين , النفاق و التجاره بالدين , الطمع و الجشع , تحويل الناس الذى يجعلهم أكثر شرا , الفتوى الكاذبه , التوقى من البعوضه و بلع الجمل , الإهتمام بالنظافه الخارجيه بينما فى الداخل نفاق و ظلم , عبادة قبور الأنبياء , و الكراهيه التى بأرواحهم .

فى مثل الكرام غير المؤمن ( مرقص 12 - 12 و ما يليه ) فهم الرؤوساء أنه جعل الدينونة القادمة على رؤوسهم , فالله سيسترد كرمه و قيادة شعبه و يعطى هذا ل " آخرين " , و هو الأمر الذى يعنى بالطيبعه أن الله سيعطى هذا ليسوع و أصدقائه الذين عينهم الله للملكوت . منذ هذه اللحظه , أراد الرؤوساء أن يتخلصوا من هذا المصلح المزعج , و لكن بسبب خوفهم من الناس الملتصقين به لم يجرءوا على مهاجمته علنا ( مرقص 12 - 12 الى 37 ) , و وجدوا أنه أكثر أمنا أن يقبضوا عليه تحت جنح الظلام و يسلموه للحاكم الرومانى كمدع للمسيانيه و مثير للشعب , و قد علموا جيدا أن الحاكم سينهى الأمر سريعا .

لقد علم يسوع العداوة المميته التى فى قلوب الرؤوساء , و جهز نفسه لأسوأ الاحتمالات , و لكنه لم يفكر أبدا فى محاكمة إجراميه أمام القاده الرومان . لقد كان على وعى ببراءته من هذه الناحيه لأنه أمر بفصل السياسه عن الدين و الاعتراف بالسلطه الإمبراطوريه ( مرقص 12 - 17 ) .

هناك موضع فى انجيل لوقا يقود الى النتيجه المحتمله جدا بأنه اشتم الخطر قادما من جهة أخرى , نجده فى رومانسيات حياة يسوع , و التى كثيرا ما يغفل الناس عنها , و لكن لها قيمة كبيرة عند المؤرخ .... عندما كان يسوع يحتفل بوجبة الفصح مع تلاميذه فى الليله السابقه لموته , طلب منهم أن يقتنوا سيوفا على وجه السرعه بأى ثمن , حتى لو اضطر الواحد منهم أن يبيع ثيابه , و عندما قالوا له أنه يوجد معهم سيفان , قال أن هذا يكفى ( لوقا 22 - 36 الى 38 ) . لا يمكن أن نفسر هذه الكلمات بطريقة مجازيه دون تكلف شديد , و لكن اذا قبلناها حرفيا فإنها تعنى شيئا واحدا , أن يسوع اعتبر الحاجة الى السلاح فوريه من أجل الدفاع فى حالة هجوم أناس مستأجرين للقتل .

هل هناك فكرة أقرب الى الذهن من أن يحاول الرؤوساء التخلص منه بهدوء باستئجار قتلة ليغتالوه , بما أن محاكمة المجرمين لا تقع ضمن سلطتهم القضائيه منذ الاحتلال الرومانى ؟ , لقد أراد يسوع الإستعداد لمثل هذه المحاوله , و كان السيفان يفيان بالغرض . لاحقا فى بستان جثسيمانى , وجد نفسه محاطا بحشد من خدام السلطه و ليس من قتلة مستأجرين , و بالتالى منع التلاميذ من المقاومه ( لوقا 22 - 50 ) .

إن حديث لوقا عن شراء السيوف يعتبر بكل تأكيد أكثر ثقه من الناحيه التاريخيه , لأنه يتعارض بكل وضوح مع نظرة الكنيسه المتأخره عن موت يسوع التى تصبغ باقى الأوصاف الوارده فى هذا الإنجيل , فإذا كان يسوع قد خاف من الإغتيال فى الليلة الأخيرة من حياته و استعد لها بالأسلحه , فلا يمكن أن يكون قد عرف أو تنبأ بموته على الصليب , و لا بد أن مثل هذه التنبوءات قد وضعت على لسانه بعد ذلك . و نفس الأمر يقال عن الفقره التى تفترض صنع يسوع للخبز و الخمر فى العشاء الأخير , و الرمز بذلك الى جسده و دمه , و سوف نرى بعد ذلك أن هذه الكلمات قد نشأت فى التعليم المستيكى لبولس عن الموت الفدائى للمسيح و الاحتفال المقدس بذلك فى المجتمع المسيحى , و هو التعليم الذى لم يكن موجودا فى المجتمع المسيحى الأقدم , و بالتالى لم يسمعوه من شفتى يسوع .

إن الكلمات التى قيلت فى العشاء الأخير , و التى تنتمى بالفعل الى التقليد الأصلى , لا توحى بهاجس الفراق أو الموت , بل على العكس انها مفعمة بالأمل فى النصر , و بالتالى فالكلمات التى قيلت عن شرب الخمر فى ملكوت الآب قد جاءت بعدها , و جاء الوعد للتلاميذ أنه سيجلسون على مائدة يسوع تحت ملكيته و يدينون أسباط اسرائيل الإثنى عشر ( لوقا 22 - 18 , 22 - 28 و ما يليه ) . من المحتمل جدا أن هذا المزاج السعيد قد أفسح الطريق لأفكار متجهمه عند هذا المنعطف الحرج , اذا كان نص الصلاه التى قالها يسوع أثناء الخوله فى بستان جثسيمانى قد وصل الينا بصورة صحيحه , و التى تظهر أن روح يسوع قد ملئت بالهواجس القلقه , و لكن تأرجحه بين الخوف و الأمل علامة أخرى أنه لم يفكر فى موته كأمر حتمى .

يحق لنا أن نفترض أن ثقته بالله الذى يستطيع أن ينقذه بمعجزات و بملائكه كان هو الركن الذى يأوى اليه حتى أثناء الخزى و سوء المعامله التى لاقاها فى يومه الأخير , و أنه لم يفقد أمله إلا عندما صار على الصليب يموت , و عندما كانت الحياة تنحسر عنه , فهنا انفجر راثيا " الهى الهى لماذا تركتنى " .

هناك فكرة واحدة قد تعزينا فى هذه التراجيديا التى تمزق القلب فى ختام حياته , و هى أن هذا كان الطريق الحتمى للدخول الى حياة أعلى , فإن حبة الحنطه لا بد أن تسقط على الأرض و تموت من أجل أن تنتج ثمرا , و كان على المسيح اليهودى المصلح لشعبه أن يختفى ليعيش " المسيح بحسب الروح " فى إيمان المجتمع المسيحى القادم .

 

ملخص كتاب أصول مسيحيه " لعالم اللاهوت الألمانى أوتو فليدرر

لخصه الأستاذ ابن أويس القرني

------------------------------------
* كلام لوقا فى ( 17 - 20 و ما يليه ) مأخوذ من الروحنه البولسيه لفكرة الملكوت ( روميه 14 و 17 ) , و الذى وضعه فى فم يسوع فى هذه الفقره , ليصحح فكرة أن الملكوت حادث كونى مذهل الذى كان يوجد فى التقليد الأقدم . و بنفس الطريقه حشر الإنجيلى الكلمه التقليديه عن صلاحية الناموس ( لوقا 16 و 17 ) بين قولين آخرين ليكسر قوة الكلام . هذه الوسيله فى اضافة تفسيرات جديده الى التقليد بحيث لا يسبب اشكاليات كان أمرا معتادا فى المسيحيه المبكره , عندما لم يكن التقليد قد تبلور فى شكل قانونى

الفصل التالي   التجمع المسيانى

  أرسلت في السبت 27 مارس 2010 اعتمد بواسطة abasheikh  


 

روابط ذات صلة
 · زيادة حول - المسيحية
· الأخبار بواسطة abasheikh


أكثر مقال قراءة عن - المسيحية:
نشيد الانشاد

  .  

تقييم المقال
 
المعدل: 0
تصويتات: 0

الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ

  .  

خيارات
 
 صفحة للطباعة صفحة للطباعة

  .  

"يسوع" | دخول/تسجيل عضو | 0 تعليقات
التعليقات مملوكة لأصحابها. نحن غير مسؤلون عن محتواها.

عبد الباسط عبد الصمد

الرد على القمص إبراهيم لوقا

تنزيه القرآن الكريم

العقيدة المسيحية

الأسفار القانونية الثانية والأبوكريفا

الله واحد أم ثلاثة


برهانكم للرد علي شبهات النصارى مكرس للرد علي ترهات النصاري وتطاولهم علي الإسلام .. حقوق النشر متاحة للجمع ونرجوا ذكر صفحة المقال واسم الكاتب ..