لقد نادى يسوع بنفس دعوة يوحنا , مما يدل على أنها تركت أثرا عليه , و لكن بروح جديده , فيوحنا كان رجلا زاهدا يدعو للتوبه و يخوف الناس من الخطيه و هو أمر لا يلهب الحماس , و لهذا نفهم لماذا لم تحك قصص معجزيه أسطوريه و لا معجزات شفاء عن يوحنا , و هى القصص التى توضح الإعجاب المتحمس بشخصية معينه .... بعكس يسوع الذى دعا الناس الى النعمه بدلا من تخويفهم .
بخلاف يوحنا المعمدان الذى كان يتوعد الناس بالغضب القادم , كان يسوع بعثا جديده للروح الحنونه التى نجدها عند هوشع و ارميا و اشعياء الثانى .
ما الذى قصده يسوع بقوله " ملكوت السماوات " ؟ , إن الرأى الشائع أن يسوع فهم هذا المصطلح بشكل يختلف عما يفهمه الناس الذين حوله , سواء كان المقصود مملكه فى السماء بالأعلى , أو نعمة مستقبلية للأرواح , أو حتى تأسيس روحى للبشر من حيث تقواهم و صلاحهم , و لكن اذا كان يسوع قد قصد أى معنى من هذه المعانى الجديده و استخدم فى التعبير عنها هذا المصطلح القديم " ملكوت السماوات " , ألم يكن واجبا عليه أن يوضح قصده الذى أراده بهذا المصطلح منذ البدايه حتى لا يفهم بطريقة مغلوطه ؟ , و لكننا لا نجد أنه فعل هذا , و أيضا يوحنا المعمدان قبله لم يفعل هذا , فقد كان متأكدا أن كل الناس يفهمون قصده الذى أراده من هذا المصطلح . اذن هل قصد يسوع بهذا المصطلح المعنى الذى كان شائعا عند اليهود فى عصره ؟ , أى أن تعمل قوة الله العجيبه , و هو الأمر الذى تمناه كل الأبرار منذ عصر دانيال , بحيث تنتهى الأوضاع المأساويه الحاضره , و تصير الى حالة أفضل على الأرض خصوصا فيما يتعلق بالأمة اليهوديه .
فى الواقع , هذا ما تؤكده لنا تعبيرات يسوع بخصوص هذا الموضوع , فالتطويبات فى صورتها الأصليه الموجوده فى لوقا ( 6-20 و ما يليه ) , توضح لنا أنه سيكون هناك ترتيب جديد للأوضاع الاجتماعيه فى صالح الفقراء و ليس فى صالح الأغنياء , و هذا يفترض أن الفقراء هم الأتقياء بينما الأغنياء هم الأشرار , و بالتالى يستخدم الكلمات بنفس الطريقه التى استخدمها سفر المزامير .
هذا المعنى الأصلى للتطويبات فى لوقا , قد جعله متى غير واضح ( متى 5 -3 و ما يليه ) , بسبب التطورات التاريخيه اللاحقه , فقد غير " الفقراء " بمعناها الحرفى الى " الفقراء بالروح " , و " الجوعى " بمعناها الجسدى الحرفى قد جعلها " الجوعى للبر " , و بالتالى طمس المقارنه الأصليه بين الحاضر و المستقبل ليحل محلها مقارنة بين الوضع الخارجى و القيمه الداخليه , و لكن حتى فى مثل هذه الحاله فإن الحديث عن أن الودعاء سيرثون الأرض يكشف المعنى الأصلى لترتيب الأوضاع على الأرض .
هل من الممكن أن نغفل عن كلمة يسوع المعزيه ( لا تخف أيها القطيع الصغير , لأن أباكم قد سر أن يعطيكم الملكوت ) ( لوقا 12 - 32 ) , و تتكرر النبوءه بشكل مطول فى العشاء الأخير ( و أنا أجعل لكم كما جعلى لى أبى ملكوتا , لتأكلوا و تشربوا على مائدتى فى ملكوتى , و تجلسوا على كراسى تدينون اسباط اسرائيل الإثنى عشر ) ( لوقا 22 - 29 و 30 , متى 19 - 28 ) . هناك أيضا قول يسوع ( لأنى أقول لكم : إنى لا أشرب من نتاج الكرمه حتى يأتى ملكوت الله ) ( لوقا 22 - 18 ) , ( الحق أقول لكم : إنى لا أشرب بعد من نتاج الكرمه الى ذلك اليوم حينما أرشبه جديدا فى ملكوت الله ) ( مرقص 14 - 25 ) .
لا يمكن فى ظل هذه الأقوال أن تفكر فى شىء آخر سوى أن المقصود هو وضع جديد لبنى اسرائيل , يجلبه الله اكراما ليسوع و أتباعه , و لكن هذه الحقبه الجديده لا ينبغى أن تفهم على أنها شىء يختلف عن الحاضر , و ينبغى ألا يفهم أنه لن يكون فيها طعام أو شراب , فقراءة الأمر على هذا النحو يعد انتهاكا لمنهجية البحث التاريخى .
دعنا نضيف الى هذا أيضا ما يقال فى الصلاه الربانيه " ليأت ملكوتك " , و لنفسرها كما فهمها التلاميذ و ليس كما يفهمها الناس الآن , دعونا نقرأ من سفر الأعمال ( 1- 6 ) الذى يعد دليلا قطعيا يقودنا الى الإجابه , فالتلاميذ يسألون معلمهم الذى على وشك الرحيل ( هل فى هذا الوقت ترد الملك الى اسرائيل ؟ ) ..... لقد كانت المملكه المسيانيه هى محور آمال و تساؤلات المجتمع المسيحى الأقدم , و الآن هل من الممكن أن نتصور أن هذا كان ليحدث لو لم يكن يسوع قد علمهم هذا ؟ هل كان هذا ليحدث لو كان يسوع علمهم شيئا آخر ؟.....إن الدليل الذى تقدمه لنا مثل هذه التعبيرات دون لبس , لا يمكن أن يعارض بفقرات أخرى تحتمل تفسيرات متعدده .
فى أمثال الزارع و البذور , جرت محاوله لإثبات أن الملكوت يوجد فى السلوك الأخلاقى , و لكن المعنى الصحيح أنه ينبغى الاستعداد للملكوت القادم عبر الكرازه بالكلمه , على الرغم أن الملكوت لا يمكن أن يعجل بقدومه عمل انسانى , بل ينبغى التحلى بالصبر الى أن يظهر وفق مشيئة الله . و أمثال الكنز الذى فى الحقل و اللؤلؤه الغاليه , تعنى أن ملكوت الله غال جدا بحيث ينبغى على الانسان أن يترك أى شىء فى سبيله , و لكنها لا تقول أن هذه النعمه الأغلى هى مجرد نعمه روحيه تمتلك .
إن الفقره الوحيده التى يبدو أنها تشير الى وجود روحى للملكوت هى ( لوقا 17 - 20 و ما يليه ) * ( لا يأتى ملكوت الله بمراقبه , و لا يقولون هو ذا ههنا , أو هوذا هناك , لأن ها ملكوت الله داخلكم ) , و لكن هذا التفسير غير صحيح اذا قرأنا السياق بالكامل , فهل يمكن أن يقول يسوع للفريسيين أن ملكوت الله بداخلهم ؟ , و أنه سيأتى دون حدوث أى اضطراب ؟ بينما نجد الأعداد التاليه فى السياق تتحدث عن قدومه كحدث عالمى مدوى , و يقارنه بالضوء الذى يملأ السماوات , أو بفيضان نوح , أو بالنار و الكبريت اللذين أهلكا سدوم و عموره ؟ ..... بما أن وجهة النظر هذه تظهر فى الفقرات الأخرى فى الإنجيل , و تنتمى للتنبؤات الرؤويه فى يهودية ذلك الزمان , فإننا مقتنعون تماما أن هذا هو نفس الرأى الذى اعتنقه يسوع .
لقد اعتقد يسوع أن الملكوت القادم سيكون حدثا كونيا هائلا , بل و وشيكا , سيقع قبل أن يموت جيله , و قبل أن يكملوا الكرازه فى مدن اسرائيل
ان تعاليم يسوع تعكس منعطفا فكريا , حيث أكد على الأخلاقيه الفرديه فيما يتعلق بالمملكه و الدينونه المسيانيه , فعلى الرغم من اقترابه من الفكر اليهودى السائد عن المستقبل , إلا أنه كان يختلف معه فى نقطة مهمه , فإنك لا تجد فى كلام يسوع حديثا عن انتصار الأمه اليهوديه على الأمم الأخرى , و لا حديثا عن انتقامهم من أعدائهم , و هو الأمر الأكثر أهميه فى الفتره المسيانيه عند الآخرين و بالأخص عند الفريسيين .
عندما يتحدث يسوع عن الدينونه القادمه , فهو لا يتكلم أبدا عن الأمم , بل عن الشخص بمفرده و ما عمله .
فى إطار هذا الفكر عن الدينونه , فإن فكرة المكافأه تربط بشكل معقد , فهى تستخدم فى العاده كدافع للتضحية و الإحسان و تعزية المضطهدين . إن الأقوال التى تتحدث عن مجازاة من يصلى و يصوم ( متى 6 - 4 و 6 - 18 ) قريبة جدا من الفكره اليهوديه عن فضيلة هذه " الأعمال الصالحه " و بحيث تغرى المرء أن يشك فى أصالتها . و الأمر الذى يلفت النظر جدا , أنه بينما بقيت فكرة المكافأه , إلا أنه رفع قدرها عن الحكم على الأعمال بحسب النظام الى الحكم بحسب الأخلاق .
بحسب مثل العمال فى البستان , الذين نالوا نفس المكافأه بغض النظر عن قدر عمل كل منهم , لم تعد الأجور مكافأة قانونيه , بل هبه و نعمه ينالها كل من يستجيب للنداء الإلهى .
إن الفكرة بأن المسيح هو أول من سمى الله أبا فكرة خاطئه , ف "هومر" يسمى زيوس أبا لكل الآلهه و البشر , و أفلاطون يمسى الله أبو العالم , و كذلك تحدث سينيكا عن السلوك الأبوى لله , و كذلك فى الدين الاسرائيلى كان الله أبو اسرائيل منذ القديم , و تنسب كتب الحكمه التاليه لفترة السبى علاقة الأب بالإبن ليس فقط الى الأمه الإسرائيليه كلها بل و أيضا لكل شخص مؤمن بحد ذاته , ف "سيراخ " يسميه ( أب و رب حياتى ) , و فى حكمة سليمان و مزامير سليمان يسمى المتقون " أبناء الله " , و يتحدث فيلو عن " الأب السماوى " . كذلك تخبرنا كتابات الأحبار أنه فى زمن يسوع كان تعبير " الأب السماوى " أو " الأب الذى فى السماوات " قد صار بديلا مشهورا لاسم الله القديم الذى لم يعد يستخدم .
صحيح أن اليهود كانوا يعتبرون الله أبا إلا أن الكثير منهم كان يخاف منه بوصفه القاضى و الحاكم , بينما أراد يسوع أن يؤكد على محبة الله .
و قد وسع " هاليل " المعلم الفريسى هذا المفهوم , فجعل الحب يشمل كل البشر .
إن محبة الأعداء علم بها أيضا أفلاطون و بوذا و سينيكا و إبيكتيتوس ....هو أمر صعب و لكنه ليس مستحيلا , و لكن عندما يقول يسوع " لا تقاوموا الشر , بل من ضربك على خدك الأيمن فحول له الآخر أيضا , و من أراد أن يخاصمك و يأخذ ثوبك فاترك له الرداء أيضا " فلا بد أن نعترف أن هذا لا يمكن تطبيقه فى أى مجتمع , لأنه يلغى كل القوانين , و يمنح من يستخدم القوة العنيفه نصرا سهلا ..... و لكن ما يفسر لنا هذا الكلام هو مزاج ذلك الزمان , الذى يعتقد أن العالم على وشك الإنهيار , و يعتقد بقدوم دينونه محرقه , مما يدفع الإنسان للتخلى عن حقوقه ليضمن مجدا فى العالم القادم .... و أيضا هذا ما يفسر أوامر يسوع لتلاميذه أن يتخلوا عن كل الروابط التى تربطهم بهذا العالم , مثل الممتلكات , بل و حتى الروابط العائليه , و أنت تعرفون قصة الشاب الغنى جيدا التى يفسرها الناس الآن بطريقة روحيه على أنها تعنى التخلى عن الأنانيه و أنها لا تعنى التخلى عن المال فعليا .
و نفس وجهة النظر السابقه هى التى تفسر كلام يسوع القاسى " دع الموتى يدفنون موتاهم " و " اذا جاء أحد الى و لم يبغض أباه و أمه , و زوجته و أولاده , و أخوته و أخواته , و حياته , لا يستطيع أن يكون لى تلميذا " .... أليست هذه الكلمات غريبه فى فم معلم دعى الى المحبه , و الى قدسية الزواج بحيث لم يجعل فيه إمكانية الإنفصال , و الذى أعلى من قيمة العلاقه الأبويه على الطقوس الشعائريه , و الذى دعى الى محبة الأطفال ؟ ..... لا بد أن نفهم أن صدره كانت به روحان , أحدهما روح المحبه , و الأخرى روح النبوه المتحمسه لملكوت الله التى ترى العالم على وشك التدمير , و أن كل صله بهذا العالم ستنتهى سواء كانت ممتلكات أو عائلات .
و هذا ما يفسر لماذا لم يتحدث يسوع عن الواجبات الاجتماعيه المفروضه على الزوج و الزوجه , و الآباء و الأولاد , و الحياه فى الدوله , و قوله ( أعطوا ما لقيصر لقيصر و ما لله لله ) لا يعنى بها أن الواجبات السياسيه ترتكز على الدين بل يعنى بها الفصل بين الدين و الدوله بشكل كامل .
هذه الأمور لا يمكن تفسيرها بأن يسوع أراد أن يترك ترتيب هذه الأمور يخضع لتطور المجتمع المسيحى , فهذا التفسير يتناسى أن يسوع لم يعتقد " بتطور قادم " , بل اعتقد بحادث كونى عظيم هائل يجعل كل شىء جديدا دفعة واحده .... و بما أن التاريخ قد أبطل هذا التنبؤ , فمن الواضح أن أوامر يسوع الزهديه الشديده التى أسست على هذا التنبؤ لا تصلح لنا وفق معناها الحرفى .
ما الذى اعتقده يسوع بخصوص نفسه و كرازته و عن مكانته فى الملكوت ؟ هذا سؤال صعب , فالأناجيل تتحدث عن يسوع على أنه المسيح و أنه ابن الله و هى المعتقدات التى نشأت متأخرا فى ايمان المجتمع المسيحى , و نقلت للوراء لتصبغ حياة يسوع الأرضيه الذى وضع على فمه أقوالا تناسب هذه المعتقدات , و بالطبع أدى هذا الى وجود تناقضات عديده بين هذه الأقوال و بين المسار التاريخى للأحداث .
بحسب الإنجيل الرابع , يسوع هو الظهور المتجسد ل " اللوجوس " أو ابن الله , الذى كان مع الله منذ البدء , و كان هو نفسه الها , و الذى رأى التلاميذ مجده من تحت العباءه الأرضيه للإنسان يسوع ( يوحنا 1 - 14 ) , أما بحسب انجيلى لوقا و متى , فيسوع هو ابن الله المولود بطريقة معجزيه , و الذى رحبت به الأرواح السماويه كمخلص للعالم عند ميلاده , و حتى مرقص - على الرغم أنه لا يعرف شيئا عن الميلاد المعجزى - عنده صوت سماوى وقت المعموديه يعلن أن يسوع هو ابن الله الذى سر به - أو المعادل لهذا لقب "المسيح " - و هو الأمر الذى اعترفت به الشياطين , و العديد من المعجزات و بالأخص حادثة التجلى تؤكد هذا .
كل هذا ينتمى لعالم الأسطوره , و التى سوف نناقش كيف ظهرت فى المجتمع المسيحى لاحقا , و لكن من وجهة نظر تاريخية بحته , من المؤكد أن يسوع لم يكن واعيا بأن له أصل فوق بشرى أو طبيعه فوق بشريه , فقد ظهر كنبى كما كان يوحنا المعمدان قبلا منه , و عمل كمعلم و شاف للأمراض بين شعبه , كما فعل الكثير من سابقيه و معاصريه .
لقد كانت قدراته فوق الأرواح و الأجسام المريضه على الرغم مما فيها من معجزه , إلا أنها لم نكن قوة الهية مطلقه , بل هى قوه تتوقف على ايمان المريض كما تقرأ فى ( مرقص 6 - 5 ) أنه لم يستطع أن يفعل معجزة واحدة فى الناصره بسبب عدم ايمانهم , و كذلك لم يكن علمه النبوى مطلقا , فهو لا يعلم ميعاد ساعة الخلاص الموعود التى لا يعلمها سوى الآب ( مرقص 13 - 32 ) , بل و بكل نبل انسانى رفض أن يدعى صالحا عندما ناداه أحدهم " أيها المعلم الصالح " ( مرقص 10 - 18 ) .
لقد وضع نفسه فى نفس الرتبه مع باقى البشر , فقد كان يصلى لله كما لأب , و علم تلاميذه أن يصلوا " أبانا " , و لم يشعر أنه ابن الله وفق أى معنى سوى المعنى الأخلاقى , و الذى دعانا نحن أيضا بحسبه لنكون أبناء الله , و سمى صانعى السلام " أبناء الله " و كذلك كل من يصنع مشيئة الله هم أخوته و أخواته ( مرقص 3 - 35 ) .
و حتى فى الفقرات التى يذكر فيها لقب " ابن الله " ليسوع وفق معنى فريد , كما نجد فى الصوت السماوى ساعة المعموديه و أثناء حادثة التجلى , و من الشيطان أثناء التجربه , و من الكاهن الأكبر أثناء المحاكمه , فهذه الكلمات فى الأناجيل الاقدم ليست سوى طريقة أخرى للتعبير عن لفظ " المسيح " , و لا تدل على معنى سامق أو ميتافيزيقى .
اعتمادا على الأناجيل الأقدم , يمكننا أن نعلن أن وعى يسوع بإنسانيته المحضه أمر مقرر تاريخيا , و من الصعب أن نحدد ما اذا كان يسوع قد ادعى لنفسه الكرامه المسيانيه أم لا ؟ و اذا كان قد فعل فكيف ؟ , و لكن على أى حال , من المحتمل جدا أنه لم يدع ذلك فى البدايه , و هو الأمر الذى يستنتج من الأناجيل الثلاثه الأولى , بأنه عند ختام نشاطه فى الجليل , و فى رحلة الى قيصرية فيلبى فى الجوار , سأل يسوع تلاميذه " من يقول الناس إنى أنا ؟ " , فأجابوا يوحنا المعمدان - يقصدون أنه قام من الأموات - و آخرون ايليا , و آخرون واحد من الأنبياء , فقال لهم و أنتم من تقولون إنى أنا ؟ فأجاب بطرس و قال له أنت المسيح ( مرقص 8 - 29 ) و فى انجيل لوقا " أنت مسيح الله ", و فى انجيل متى " أنت المسيح ابن الله الحى " .
القارىء الذى يقرأ الإنجيل بنظرة تاريخيه سيقف أمام مفترق طرق , فإما أن تكون التعبيرات العديده المسيانيه عن المسيح و الاعترافات التى تقال عنه فى مرحلة مبكرة فى الأناجيل صحيحة تاريخيا , مما يجعل المشهد الذى حدث فى قيصريه من الصعب حدوثه , و إما أن يكون مشهد قيصريه هو الصحيح تاريخيا و تكون تعبيرات هؤلاء الإنجيليين التى تصف يسوع ب " المسيح " منذ البدايه ليس لها أصل تاريخى , بل هى نقل للإيمان اللاحق للمجتمع المسيحى للوراء فى حياة يسوع أو فى فترة نشاطه العلنى .
إن هذا الموقف فى قيصريه , يتناقض ببلادة شديده مع الافتراضات الأخرى التى تذكرها الأناجيل , مما يؤيد بقوه الصحه التاريخيه لكلام بطرس , و مما يؤيد هذا أيضا الوقت و الزمان المميز .
من المؤكد أن كمالة القصه تظهر صعوبات جديده , حتى لو قصرنا انفسنا على انجيل مرقص و أهملنا تمجيد بطرس بأنه الصخره التى تبنى عليها الكنيسه ( و هو التعبير الذى ليس له أصل تاريخى بكل تأكيد و لم يذكره سوى متى ) .
اعتمادا على اعلان بطرس , يحكى مرقص أن المسيح انتهر التلاميذ حتى لا يقولوا لأحد عن مسيانيته , و أنه بدأ يعلمهم ضرورة أن يعانى ابن الإنسان , و أن يرفض من قادة اليهود , و أن يقتل و يقوم من الموت بعد ثلاثة أيام ... هنا ابتدأ بطرس ينتهر المسيح بخصوص هذا المصير , و لكن المسيح قال له " اذهب عنى يا شيطان , لأنك لا تهتم بما لله , بل بما للناس " ... هنا يبرز السؤال فورا , لماذا انتهر المسيح تلاميذه و منعهم أن يتحدثوا عن مسيانيته ؟ , اذا كان يعتقد أنه المسيح , أو لنكون محددين أكثر , اذا كان يعتقد أنه اختير لهذا الشرف , ألم يرغب أن يسمع الناس ايمانه و ايمان تلاميذه ؟ , ألم يرغب أن يشارك أكبر عدد ممكن من الناس فى هذا الإيمان ؟
فى الواقع فإن المسيح الذى يرغب أن يكون مسيحا فى السر فقط أمر بالغ الصعوبه على الفهم , و هذا يجعلنا نفهم لماذا أن بعض النقاد المعاصرين قد قالوا أن يسوع لم يرغب أن يعتبر هو المسيا , و أن المجتمع المسيحى نسب هذا الشرف زورا للمسيح القائم من الأموات و ليس للمسيح التاريخى , و حاول آخرون أن يحلوا الإشكال فقالوا أن يسوع منع نشر مسيانيته لحكمة تربويه و بعد نظر , لأنه خاف أن يفهم الناس أنه مسيح سياسى , بل أراد هو أن يصير مسيحا روحيا فقط , أو مسيحا سماويا عن طريق موته و قيامته , و لكن هناك صعوبات كثيره تواجه هذه النظريه .... من العدل أن نتساءل ألم يكن أسهل لتجنب سوء الفهم هذا أن يعلن يسوع بوضوح و بجلاء أنه يريد أن يكون المسيح و لكن ليس حسب المفهوم اليهودى التقليدى , و لكن وفق مفهوم جديد روحى أو سماوى ؟
لا نجد فى أى مكان أنه أراد أن يعطى الفكره اليهوديه التقليديه عن المسيح تفسيرا جديدا , و هو نفس الوضع بخصوص الفكره التقليديه عن ملكوت الله . إلا أن الإحتياج كان لكليهما ليس فقط للناس بل أيضا للتلاميذ , لأن الأناجيل تظهر مدى اشتراك التلاميذ فى الفكره التقليديه الشهيره عن المسيح و الملكوت , على سبيل المثال , عندما طلب ابنى زبدى أماكن شريفه لهم عن يمين و شمال المسيح فى مجده ( مرقص 10 - 37 ) , و كذلك فى الموكب الإحتفالى الذى كان التلاميذ جزءا منه , و فى تكريمه بطريقة مسيانيه , فالتحيه التى تقدم ليسوع هى " ابن داود " أثناء دخوله الى أورشليم , و الفرح ب " الملكوت القادم , ملكوت أبينا داود " ( مرقص 11 - 9 ) .
اذا افترضنا أن حكمه تربويه و بعد نظر ليسوع هو ما جعله يمنع كل الإعلانات المسيانيه , فلا بد أن نتوقع فى مثل هذا الموقف أن يسوع لم يكن ليدع الفرصة تمر دون أن يخبر تلاميذه و أصدقاءه أن هذه التوقعات خاطئه , و أن يشرح لهم المفهوم السليم للفكره المسيانيه , إلا أنه لم يفعل ذلك فى أى موضع , و لم يحرر عقلى ابنى زبدى من أماكن الشرف فى الملكوت , و لكنه شرح فقط أن الله - و ليس هو - هو من يحدد هذا , و قبل صامتا اعتراف بطرس بمسيانيته و شرف الموكب الملكى , و عند تطهير الهيكل ظهر كمصلح قوى ضد العادات الدينيه , و فى مثل الكرامين الذين ليس لهم ايمان أعلن لذوى السلطه دون مورابه اقتراب نهاية سيطرتهم .
يبدو لى أن كل هذه الأمور مجتمعة لا تؤدى الى نتيجة أن يسوع رفض الفكره الشائعه عن المسيح كملك لشعب الله , و لا أنه أحل محلها فكرة المسيح الروحانى . إن فكرة المسيح الروحانى الذى يهتم فقط بسلوك الناس , مفتقدا لعناصر الشرف و القوه الخارجيه , كانت غريبة تماما ليس فقط على إيمان اليهود , بل و حتى على ايمان المجتمع المسيحى الأول , الذى آمن أنه بقيامة سيدهم يسوع , قد وضعه الله عن يمينه و بالتالى " جعله ربا و مسيحا " , أى أن الله منحه الكرامه الملكيه و القوه للحكم , و هو الأمر الذى يرتبط دون انفصال بفكرة المسيح .
يا له من سوء فهم كامل كان عند التلاميذ حتى النهايه , اذا كان سيدهم يفكر بشكل آخر و اذا كان فكره يتركز بالكامل فى مسيح روحانى . هذه الفكره عن ملكوت الله الروحانى هى نتاج لانعكاسات لاهوتيه , بعيدة كل البعد عن المفاهيم البسيطه الواقعيه التى كانت فى اليهوديه و المسيحيه الأولى .
و بالتالى اذا استبعدنا فرضية " المسيح الروحانى " من تفكيرنا التاريخى , يظل السؤال مطروحا بخصوص وجود تقدم ما بخصوص فرضية " المسيح السماوى " , أى الإفتراض بأن يسوع قد آمن كما آمن المجتمع المسيحى الأول بعد موته , بأنه على الرغم أن يسوع لم يكن المسيح أثناء وجوده على الأرض , إلا أنه قد اختير بعد موته و قيامته , و رفع الى مقام الملكيه الإلهيه لشعب الله , و سوف يظهر على هذا النحو عندما يعود من السماء , و يؤسس مملكته .
يبدو أن هذه الفرضيه تجد لها دعما فى تلك الفقرات الإنجيليه التى يقال بحسبها أن يسوع قد تنبأ بكل دقه عن آلامه و موته و قيامته و رجوعه على سحاب السماء , و لكن الفحص الدقيق عما اذا كان يسوع قد نطق حقا بهذه الأقوال يسبب شكوكا قويه . إن تكرار النبوءه ثلاث مرات بحد ذاته و زيادة استخدام التفاصيل ( مرقص 8 - 31 , 9 - 31 , 10 - 33 و ما يليه ) يقودنا أن نخمن أن كاتب الإنجيل هو من حول معرفة و آمال المجتمع المسيحى الى علم مسبق بديع و نبوءات على لسان يسوع .
هل تبنأ يسوع حقا بمثل هذه الأمور ؟ , سيكون هذا أمرا عسيرا على الفهم لأنه لا يوجد أحد فى الدائره الأضيق أو الأوسع من تلاميذه كان لديه هاجس عن موته الوشيك و قيامته التاليه , فقد أتت الكارثة غير متوقعه , و دمرت آمالهم تماما فى التو و اللحظه لدرجة أفقدتهم السيطرة و الشجاعه و جعلتهم يتفرقون الى منازلهم . الى جوار هذا , فإن كتبة الإنجيل أنفسهم يقولون أن هذه النبوءات عن آلام و قيامة يسوع , و التى لا يكتنفها غموض كما هو مفترض , لم يفهمها التلاميذ فى أى وقت , و هذا يدل بوضوح أن المصير الذى يزعم أن يسوع قد تنبأ عنه كان أمرا غير معروف فى دائرة التلاميذ قبل أن يحدث على أرض الواقع , و باختصار , لا يمكن أن يكون يسوع قد تحدث بمثل هذه النبوءات .
سوف نرى فى مرحلة لاحقه كيف أن تصرفات يسوع فى أيامه الأخيره فى أورشليم , لا تعطيك انطباعا أنه رأى فى موته ضرورة ملحه , و مصيرا الهيا مقضيا به , و بالتالى فمن الواضح أن فرضية أن المسيح توقع " مسيانية سمائيه " أمر لا يمكن الدفاع عنه .
اذا كانت " المسيانيه الروحيه " و المسيانيه السمائيه " لا يمكن قبول أى منهما , اذن لا بديل سوى أن يسوع لم يرغب أن يكون المسيح بصورة مطلقه , أو أنه تمنى أن يكون المسيح وفق المفهوم التقليدى الشائع .هناك فرضية ثالثه يمكن أن نفكر فيها , و هى فرضية وساطيه , و التى ربما صنعت لتفسر المسار التاريخى للأحداث .
على أى حال , من المؤكد أن يسوع لم يظهر بإدعاء مسيانى عند بداياته , بل ظهر بكل بساطه كنبى يبشر بملكوت الله القادم , و يعد الطريق له بكلامه , و اعتبر أن هذا هو مهمته الإلهيه , و بسبب هذا أمكنه أن يتجاهل التساؤل بخصوص ما اذا كان الله هو الملك الوحيد المباشر فى هذا الترتيب الجديد للأشياء الذى سيصنعه بقوته ( كما كان متوقعا على سبيل المثال فى العمل الأبوكريفى Assumtio Mosis ) , أو عما اذا كان الله سيستخدم أداة بشرية و و يجعل بشرا هو الملك المسيانى , و أيضا التساؤل بخصوص من سيكون هذا الإنسان .
إن فكرة أنه نفسه قد يكون هو الرجل المختار من قبل الله , قد تكون بعيدة منذ البدايه , و بالتالى رفض التحيات المسيانيه التى يفترض أن المرضى قالوها له فى فترة مبكرة من عمله ( اذا كان كلام الإنجيل محل ثقه بهذا الصدد ) .
على الرغم من ذلك , فى الوقت الذى تأثر فيه الناس بقوة أقواله التعليميه و الشفائيه و التفوا حوله , أظهرت العداوه المتناميه للكتبه و الفريسيين أن انقاذ الجوعى و القطيع المبعثر لن يتم من خلال هذا المريع , و بالتالى ربما طاردته الفكره أكثر و أكثر بأنه نفسه قد دعى ليفتتح مملكة الله الخلاصيه عبر اصلاح دينى - اجتماعى . و عندما عرض عليه سؤال يوحنا المعمدان " هل أنت المسيح ؟ " أشار يسوع الى نجاحاته فى شفاء الأجساد و الأرواح المريضه و كرازته بالإنجيل للفقراء .
إنه بكل تأكيد , لم يرغب أن يكون مسيحا بحسب المفهوم الذى تمناه الفريسيون , أى المسيح الذى سيساعد الأمه اليهوديه لتنتصر على الأمم الأخرى و لتتحرر من الحكم الرومانى , بل أراد أن يكون مسيحا للفقراء و التعساء و الثقيلى الأحمال , و لمن يعانون و يبعدون , و للقطيع الضعيف الذى ينوى الآب أن يعطيهم الملكوت ( لوقا 12 - 32 ) .
لإتمام هذه المهمه , لن يكون كافيا ما تم فى الجليل , و لا بد من أن يصل الأمر الى قلب السلطه فى أورشليم , و يبدو أن اعتراف بطرس قد أنضج هذا القرار باتخاذ هذه الخطوه الأخيره , و التى سيتحدد على إثرها كل شىء , خطوة جريئه و غرض محدد .
لم يذهب يسوع الى أورشليم حتى يتم اعدامه , و لم يذهب الى هناك ليحتفل بالعيد , بل ذهب لينتصر على الرؤوساء , و ليظهر المثال النبوى لمملكة الله فى الأمه المجدده , و بالطبع لم يغب عن ذهنه الصعوبات و الأخطار المحدقه , و بالتالى طلب من تلاميذه أن يستعدوا لأية تضحيه . ربما قال فى تلك الفتره " جئت لألقى نارا على الأرض , فماذا أريد لو اضطرمت ؟ , و لى صبغة اصطبغها , و كيف أنحصر حتى تكمل ؟ , أتظنون أنى جئت لأعطى سلاما على الأرض ؟ , كلا أقول لكم بل انقساما " ( لوقا 12 - 49 و ما يليه ) .... هذه لغة مخلصة من بطل يتحرك باتجاه معركة حاسمه و صعبه , مستعدا أن يضحى بكل شىء حتى حياته فى سبيل الله , و لكن لأنه لا يغفل عن احتمالية إبادته , فإنه لا يفكر فيها كأمر حتمى .
لقد كان يسوع مقتنعا أنه يؤدى عملا لله , و قد آمن بالله الصانع للعجائب و الكلى القدره , الذى يمكن أن يساعده اذا احتاج باثنى عشر فيلقا من الملائكه , اذن كيف لا يكون واثقا من انتصار قضيته على الرغم مما يعترى العقل البشرى من قلق كما قال بطرس ؟..... فى الواقع , فإن قصة رحلة يسوع الى أورشليم و أعماله هناك لا تشير الى مزاجية رثائيه , بل على العكس تظهر الصفة البطوليه لهذا المسعى الجرىء , و الصراع الشجاع , و الأمل السعيد .
زاد الحشد و الأصدقاء المتحمسون و هو فى الطريق الى أورشليم , عبر أريحا و من هناك الى أورشليم , صارت الرحلة كلها موكب انتصار توج بإثارة الحماسه فى الحجيج المؤمن الذين وجدوا متنفسا فى هذا الصراخ المسيانى المنفجر بالفرحه , و لم يقاوم يسوع أكثر من هذا , و عندما لفت خصومه نظره أن هذه الصرخات تلقى بظلال الريبه , يقال أنه أجابهم " إنه إن سكت هؤلاء فالحجارة تصرخ " ( لوقا 19 - 40 ) . لقد اعتبر أن حماسة هذه الجماهير عنصر قوه لا يمكن أن يردعها أى عنف بشرى .
فى اليوم التالى , زار الهيكل , و عندما رأى الباحة الخارجيه يسودها انشغال التجار بالحيوانات التى تقدم كذبائح و بالعملات اليهوديه , طردهم بسلعهم . لقد كان هذا العمل ذا صلة بطقس الذبائح , و بالتالى بدا أن عمل يسوع الإصلاحى يمثل هجوما على طقس الذبائح نفسه , و هجوما على الرؤوساء بطريقة غير مباشره , و الذين كانوا يكتسبون دخلهم و يؤسسون مكانتهم و قوتهم الإجتماعيه على طقس الذبائح .
و بالتالى , بدأت المعركه , و استمر فيها يسوع فى الأيام التاليه فى حديثه مع الناس , و بكلمات ناريه قرأ سجل خطاياهم على الكتبه و الفريسيين , النفاق و التجاره بالدين , الطمع و الجشع , تحويل الناس الذى يجعلهم أكثر شرا , الفتوى الكاذبه , التوقى من البعوضه و بلع الجمل , الإهتمام بالنظافه الخارجيه بينما فى الداخل نفاق و ظلم , عبادة قبور الأنبياء , و الكراهيه التى بأرواحهم .
فى مثل الكرام غير المؤمن ( مرقص 12 - 12 و ما يليه ) فهم الرؤوساء أنه جعل الدينونة القادمة على رؤوسهم , فالله سيسترد كرمه و قيادة شعبه و يعطى هذا ل " آخرين " , و هو الأمر الذى يعنى بالطيبعه أن الله سيعطى هذا ليسوع و أصدقائه الذين عينهم الله للملكوت . منذ هذه اللحظه , أراد الرؤوساء أن يتخلصوا من هذا المصلح المزعج , و لكن بسبب خوفهم من الناس الملتصقين به لم يجرءوا على مهاجمته علنا ( مرقص 12 - 12 الى 37 ) , و وجدوا أنه أكثر أمنا أن يقبضوا عليه تحت جنح الظلام و يسلموه للحاكم الرومانى كمدع للمسيانيه و مثير للشعب , و قد علموا جيدا أن الحاكم سينهى الأمر سريعا .
لقد علم يسوع العداوة المميته التى فى قلوب الرؤوساء , و جهز نفسه لأسوأ الاحتمالات , و لكنه لم يفكر أبدا فى محاكمة إجراميه أمام القاده الرومان . لقد كان على وعى ببراءته من هذه الناحيه لأنه أمر بفصل السياسه عن الدين و الاعتراف بالسلطه الإمبراطوريه ( مرقص 12 - 17 ) .
هناك موضع فى انجيل لوقا يقود الى النتيجه المحتمله جدا بأنه اشتم الخطر قادما من جهة أخرى , نجده فى رومانسيات حياة يسوع , و التى كثيرا ما يغفل الناس عنها , و لكن لها قيمة كبيرة عند المؤرخ .... عندما كان يسوع يحتفل بوجبة الفصح مع تلاميذه فى الليله السابقه لموته , طلب منهم أن يقتنوا سيوفا على وجه السرعه بأى ثمن , حتى لو اضطر الواحد منهم أن يبيع ثيابه , و عندما قالوا له أنه يوجد معهم سيفان , قال أن هذا يكفى ( لوقا 22 - 36 الى 38 ) . لا يمكن أن نفسر هذه الكلمات بطريقة مجازيه دون تكلف شديد , و لكن اذا قبلناها حرفيا فإنها تعنى شيئا واحدا , أن يسوع اعتبر الحاجة الى السلاح فوريه من أجل الدفاع فى حالة هجوم أناس مستأجرين للقتل .
هل هناك فكرة أقرب الى الذهن من أن يحاول الرؤوساء التخلص منه بهدوء باستئجار قتلة ليغتالوه , بما أن محاكمة المجرمين لا تقع ضمن سلطتهم القضائيه منذ الاحتلال الرومانى ؟ , لقد أراد يسوع الإستعداد لمثل هذه المحاوله , و كان السيفان يفيان بالغرض . لاحقا فى بستان جثسيمانى , وجد نفسه محاطا بحشد من خدام السلطه و ليس من قتلة مستأجرين , و بالتالى منع التلاميذ من المقاومه ( لوقا 22 - 50 ) .
إن حديث لوقا عن شراء السيوف يعتبر بكل تأكيد أكثر ثقه من الناحيه التاريخيه , لأنه يتعارض بكل وضوح مع نظرة الكنيسه المتأخره عن موت يسوع التى تصبغ باقى الأوصاف الوارده فى هذا الإنجيل , فإذا كان يسوع قد خاف من الإغتيال فى الليلة الأخيرة من حياته و استعد لها بالأسلحه , فلا يمكن أن يكون قد عرف أو تنبأ بموته على الصليب , و لا بد أن مثل هذه التنبوءات قد وضعت على لسانه بعد ذلك . و نفس الأمر يقال عن الفقره التى تفترض صنع يسوع للخبز و الخمر فى العشاء الأخير , و الرمز بذلك الى جسده و دمه , و سوف نرى بعد ذلك أن هذه الكلمات قد نشأت فى التعليم المستيكى لبولس عن الموت الفدائى للمسيح و الاحتفال المقدس بذلك فى المجتمع المسيحى , و هو التعليم الذى لم يكن موجودا فى المجتمع المسيحى الأقدم , و بالتالى لم يسمعوه من شفتى يسوع .
إن الكلمات التى قيلت فى العشاء الأخير , و التى تنتمى بالفعل الى التقليد الأصلى , لا توحى بهاجس الفراق أو الموت , بل على العكس انها مفعمة بالأمل فى النصر , و بالتالى فالكلمات التى قيلت عن شرب الخمر فى ملكوت الآب قد جاءت بعدها , و جاء الوعد للتلاميذ أنه سيجلسون على مائدة يسوع تحت ملكيته و يدينون أسباط اسرائيل الإثنى عشر ( لوقا 22 - 18 , 22 - 28 و ما يليه ) . من المحتمل جدا أن هذا المزاج السعيد قد أفسح الطريق لأفكار متجهمه عند هذا المنعطف الحرج , اذا كان نص الصلاه التى قالها يسوع أثناء الخوله فى بستان جثسيمانى قد وصل الينا بصورة صحيحه , و التى تظهر أن روح يسوع قد ملئت بالهواجس القلقه , و لكن تأرجحه بين الخوف و الأمل علامة أخرى أنه لم يفكر فى موته كأمر حتمى .
يحق لنا أن نفترض أن ثقته بالله الذى يستطيع أن ينقذه بمعجزات و بملائكه كان هو الركن الذى يأوى اليه حتى أثناء الخزى و سوء المعامله التى لاقاها فى يومه الأخير , و أنه لم يفقد أمله إلا عندما صار على الصليب يموت , و عندما كانت الحياة تنحسر عنه , فهنا انفجر راثيا " الهى الهى لماذا تركتنى " .
هناك فكرة واحدة قد تعزينا فى هذه التراجيديا التى تمزق القلب فى ختام حياته , و هى أن هذا كان الطريق الحتمى للدخول الى حياة أعلى , فإن حبة الحنطه لا بد أن تسقط على الأرض و تموت من أجل أن تنتج ثمرا , و كان على المسيح اليهودى المصلح لشعبه أن يختفى ليعيش " المسيح بحسب الروح " فى إيمان المجتمع المسيحى القادم .
ملخص كتاب أصول مسيحيه " لعالم اللاهوت الألمانى أوتو فليدرر
لخصه الأستاذ ابن أويس القرني
------------------------------------
* كلام لوقا فى ( 17 - 20 و ما يليه ) مأخوذ من الروحنه البولسيه لفكرة الملكوت ( روميه 14 و 17 ) , و الذى وضعه فى فم يسوع فى هذه الفقره , ليصحح فكرة أن الملكوت حادث كونى مذهل الذى كان يوجد فى التقليد الأقدم . و بنفس الطريقه حشر الإنجيلى الكلمه التقليديه عن صلاحية الناموس ( لوقا 16 و 17 ) بين قولين آخرين ليكسر قوة الكلام . هذه الوسيله فى اضافة تفسيرات جديده الى التقليد بحيث لا يسبب اشكاليات كان أمرا معتادا فى المسيحيه المبكره , عندما لم يكن التقليد قد تبلور فى شكل قانونى
الفصل التالي التجمع المسيانى