ويمكننا أن نستدل على مقدار ما كانت تتميز به ملكة فارس من جمال ، من تغيير اسمها من هدسة " أي شجرة الآس " إلى " أستير " الذي معناه " كوكب " . ويقدم لنا السفر الملكة أستير كامرأة فاضلة ذات فكر ثاقب تتسم بضبط النفس ، وتتحلى بأنبل صور الإيثار وبذل النفس .
يكمل هذا السفر سلسلة الأسفار التاريخية في العهد القديم ، فحرف العطف " الواو " في بداية السفر له مغزى كبير ، فهو يدل على أن هذا السفر يشكل حلقة في سلسلة مترابطة ، فحرف العطف يربطه بالسفر السابق له مباشرة مع أن الترتيب لأسفار العهد القديم باللغة العبرية يختلف عن الترتيب الأصلي لتلك الأسفار ، ففي هذا الترتيب الحالي يأتي سفر أستير عقب سفر الجامعة على الرغم من عدم وجود رابطة مباشرة بينهما . إن حرف العطف هذا - تماماً مثل وشم على جسد طفل ضال - ليؤكد أن هذا السفر قد نقل من مكانه في الترتيب الأصلي . وما من شك في أن هذا الترتيب في الترجمة السبعينية مطابق لنفس ترتيب أسفار العهد القديم باللغة العبرية في القرن الثالث أو الرابع قبل الميلاد ، وهو نفس الترتيب في الترجمة اللاتينية ( الفولجاتا ) وفي الترجمة الانجليزية والترجمة العربية أيضاً وفي ترجمات كثيرة . ومما تجدر ملاحظته ، هو أننا لا نجد حرف العطف " الواو " في بداية الأسفار التاليـــــة : التكوين والتثنية وأخبار الأيام الأول ونحميا ، فقد رتبت الأسفار التاريخية ترتيباً متتابعاً بإضافة حرف العطف " و " أو حذفه في هذه الأقسام الأربعة : التكوين إلى العدد - التثنية إلى الملوك الثاني - أخبار الأيام الأول إلى عزرا - نحميا وأستير .
1-قانونية السفر
ليس هناك أدنى شك في قانونية هذا السفر ، فقد أولى كهنة اليهود رعاية خاصة وصيانة دقيقة لكل الأسفار القانونية في العهد القديم على الرغم من أن هذه الحقيقة لم تنل الاهتمام اللائق بها في كثير من المناقشات الحديثة . ويذكر يوسيفوس أنه كانت هناك نسخة خاصة من الأسفار القانونية بالهيكل من بين ما سلب من كنوز الهيكل عند انتصار فسبازيان . هذا وان الخواص المميزة للنص العبري لتؤكد أن جميع المخطوطات التي بين أيدينا تمثل نسخة أصلية قانونية واحدة . وبين الأسفار القانونية عند اليهود ، لا يحتل سفر أستير مكاناً معروفاً فحسب ، ولكنه يتمتع بمكانة متميزة ، وما ذكره يونيلوس في القرن السادس الميلادي من أن البعض في عصره كانوا يشكون في قانونية السفر لا يؤثر على الاطلاق في حقيقة صحته وقانونيته . كما أن عنوان هذا السفر يقدم الدليل الساطع على المكانة السامية والتقدير الكبير لهذا السفر بين اليهود الأقدمين ، فعنوان السفر هو " مجلات " أو " مجلد أستير " في أغلب النسخ ، وأحيانا أخرى يسمى " مجلات " أو " المجلد " . ويقول ميامونيدس إن حكماء اليهود يؤكدون أن الروح القدس قد أملى السفر ، ويضيف : ان كل كتب الأنبياء وكل الكتابات المقدسة سوف تتوقف في أيام المسيا ، ماعدا مجلد أستير فسيظل ثابتاً تماماً مثل أسفار موسى الخمسة وكذلك مثل تعاليم الناموس الشفوي التي لن تتوقف أبداً .
2-كاتب السفر
من هو كاتب هذا السفر ؟ في الحقيقة نحن لا نجد إجابة قاطعة على هذا السؤال ، لا من محتويات السفر ولا من أي تقليد موثوق به . ورغم أن الكثيرين يؤيدون الرأي القائل بأن مردخاى هو كاتب هذا السفر ، إلا أن الكلمات الختامية في نهاية السفر ( أستير 10 : 3 ) والتي تلخص أعمال حياته والبركات التي نالها ، تضعف من هذا الرأي ، فهذه الكلمات توحي بأن حياة ذلك البطل المرموق قد انتهت قبل اتمام كتابة هذا السفر .
3-تاريخ السفر
تلقي الكلمات الختامية لسفر أستير ، الضوء على تاريخ كتابة هذا السفر ، إذ تتحدث عن الملك أحشويروش بالقول : " وكل عمل سلطانه وجبروته … أما هي مكتوبة في سفر أخبار الأيام لملوك مادي وفارس " ؟ ومعنى ذلك أن التاريخ الكامل للملك أحشويروش كان موجوداً في السجلات الرسمية للمملكة في وقت كتابة سفر أستير ، وبعبارة أخرى أن سفر أستير رأى النور بعد أن مات الملك أحشويروش ، ولقد أغتيل هذا الملك في 465 ق . م . على يد " أرتابانوس " ، وعليه فإن 460 ق . م هو أقدم تاريخ يمكن أن يكون السفر قد كتب فيه ، بينما يكون عام 332 ق .م هو آخر تاريخ يمكن أن يكون السفر قد كتب فيه ، عندما أفل نجم الامبراطورية الفارسية على يدي الإسكندر المقدوني ، حيث أن سفر أخبار الأيام ، لملوك مادي وفارس لم يعد سهل المنال عقب زوال الامبراطورية الفارسية ، ومن ثم فإن السفر لا بد وأن يكون قد كتب في الفترة الزمنية المحصورة بين التاريخين السابقين وهي نحو 128 عاماً ، غير أن هناك حقيقة أخرى تضيق من تلك الفترة الزمنية ، ألا وهي تلك " الواو " في مستهل سفر أستير التي ترينا أن السفر قد كتببعد سفر نحميا أي بعد عام 430 ق . م . وهكذا تضيق الفترة الزمنية إلى نحو 98 عاماً ، وبما أننا نرى أن المملكة الفارسية كانت في أوج مجدها وقت كتابة سفر أستير ، لهذا فإننا لانخطيء كثيراً إذا اعتبرنا أن تاريخ كتابة السفر هو حوالي عام 400 ق . م .
4-محتويات السفر
يتميز هذا السفر بحيوية درامية هائلة ، فالمكان هو " شوشن القصر " ذلك الجزء من العاصمة العيلامية القديمة ، الذي كان المقر الحصين لملوك فارس ، وهكذا يبدأ السفر بوصف الوليمة العظيمة التي يحضرها جميع شرفاء البلدان ورؤسائها مع عبيد الملك أيضاً . ورغبة في زيادة الاحتفاء بتلك المناسبة ، يأمر الملك باستدعاء وشتي الملكة لكي يرى ضيوف الملك جمالها ، ولكن - ويالها من مفاجأة - ترفض الملكة وشتي المثول أمام الملك وضيوفه ، وسرعان ما ينعقد المجلس الملكي ويقرر حرمان الملكة " وشتي " ، وكما يصدر أمر ملكي يقضي بأن يكون كل رجل متسلطاً في بيته ( الأصحاح الأول ) . ولكي يختار الملك زوجة جديدة له تحل محل وشتي ، يأمر بجمع كل الفتيات العذارى الحسنات المنظر من كل بلاد المملكة إلى شوشن القصر ، وهكذا أخذت معهن هدسة بنت عم مردخاي التي تبناها . ويختم الأصحاح الثاني بحادثتين : الأولى هي تتويج هدسة ( التي أصبح اسمها من ذلك الوقت فصاعـــــــــدا ، " أستير " ) ملكة على البلاد . وثانيتهما هي اكتشاف مردخاي لتلك المكيدة التي دبرت لإغتيال الملك .
ويقدم لنا الأصحاح الثالث شخصية هامان بن همداثا الذي رقاه الملك وجعل كرسيه فوق جميع الرؤساءالذين معه ، فكان كل عبيد الملك الذين بباب الملك يجثون ويسجدون لهامان القوي صاحب المقام الرفيع ، ولكن مردخاي ، ذلك اليهودي التقي خائف الله والذي لا يعرف المداهنة ولا التملق ، يحجم عن السجود لهامان . وعلى الرغم من تحذيرات عبيد الملك المتكررة لمردخاي ، إلا أنه لم تلن له قناة ، وسرعان ما نما الأمر إلى علم هامان الذي أحس بجرح دام في كرامته ، ولكن " ازدرى في عينيه أن يمد يده إلى مردخاي وحده " ، فقرر أن يبيد الشعب اليهودي بأسره في كل المملكة ، لذلك أخذوا يلقون قرعة من يوم إلى يوم لاختيار اليوم المرتقب لإهلاك وإبادة هذا الشعب من على وجه الأرض . وحالماً وافق الملك تم إرسال المرسوم الملكي إلى جميع ولايات المملكة وبلدانها ليكون يوم القتل والذبح هو اليوم الثالث عشر من الشهر الثاني عشر .
وما أن وصل أمر الملك وسنته ، حتى حدثت مناحة عظيمة عند اليهود وبكاء ونحيـــــــــــــب ( الأصحاح الرابع ) . وسرعان ما وصلت أخبار الحزن الذي اكتنف مردخاي إلى أسماع أستير الملكة ، وهكذا تم اخبار الملكة على أيدي جواريها وخصيانها ، بالخطر المحدق بها وبشعبها ، كما وصلتها وصية مردخاي لها بأن تتحركلخلاص نفسها وخلاص شعبها أيضاً . وعليه قررت الملكة أن تمثل في حضرة الملك دون أن تدعي منه على الرغم مما في ذلك من مخاطرة جسيمة بحياتها .
وفي الأصحاح الخامس نرى الملكة أستير تتقدم لتقف أمام الملك ، فإذا بها تنال نعمة في عينيه . وهنا يمكننا أن نتنسم أريج الزمان والمكان ، فكل شيء هنا معلق بإرادة واحدة ، ألا وهي إرادة الملك ، لذلك لم تطلب أستير الكثير في البداية ، بل اكتفت بدعوة الملك وهامان إلى الوليمة التي عملتها ، وهنا سألها الملك عن طلبتها وسؤلها مؤكداً لها أنها لا بد أن تعطي لها . فأجابت أستير بأن طلبتها هي أن يأتي الملك وهامان إلى الوليمة في اليوم التالي ، وهكذا خرج هامان في نشوة عارمة ، ولكنه في طريقه إلى بيته يرى " مردخاي " في باب الملك ولم يقم ولا تحرك له ، فامتلأ هامان غيظاً على مردخاي ، وأفضى بما في نفسه الى زوجته و إلى أحبائه ، فنصحوه بإعداد خشبة ارتفاعها خمسون ذراعاً ليصلب عليها مردخاي . وفي الصباح يمكنه الحصول على تصريح ملكي بصلب مردخاي ، ثم يدخل بعد ذلك مع الملك فرحاً إلى وليمة الملكة ، فحسن الكلام عند هامان وعمل الخشبة .
وفي الأصحاح السادس ، نرى الملك أحشويروش ، وقد فارق النعاس أجفانه ، فيأمر بأن يؤتى بسفر تذكار أخبار الأيام ليقرأ أمامه . وحين يصل القاريء إلى قصة اكتشاف مردخاي لتلك المؤامرة ، يسأل الملك عن المكافأة التي أعطيت لمردخاي ، فيجيبه عبيده بأن ذلك العمل النبيل لم ينل أي تقدير أو ثناء . وفي الصباح الباكر يدخل هامان إلى دار بيت الملك الخارجية منتظراً أن يطلب من الملك حياة مردخاي ، لكن الملك يستدعيه إلى حضرته حيث يسأله عما ينبغي أن يعمل لرجل يسر الملك بأن يكرمه ، فيغالي هامان في اقتراح الإكرام الملكي ، ظاناً في نفسه أنه هو ذلك الرجل الذي يسر الملك بأن يكرمه . لكن - لدهشته الشديدة - يأتيه أمر الملك بأن يفعل هكذا لمردخاي اليهودي الجالس في باب الملك . ثم يعود هامان بعد أن نفذ أمر الملك لذلك اليهودي البغيض ، نائحاً ومغطي الرأس حنقاً وغيظاً ، وقص على زوجته وجميع أحبائه كل ما أصابه . وفيما هم يكلمونه ، يصل خصيان الملك ليسرعوا للإتيان به إلى الوليمة التي عملتها أستير . وهناك ( الأصحاح السابع ) يجدد الملك سؤاله لأستير لتخبره عن طلبها ، فتتضرع إليه لأجل نفسها وشعبها . ويتساءل الملك في دهشة عمن " هو وأين هو هذا الذي يتجاسر بقلبه على أن يعمـل هكذا " . فيأتيه الجواب بأن هامان هو ذلك العدو الرديء ، فيستشيط الملك غيظاً ويقوم في حنق شديد عن شرب الخمر عائداً إلى جنة القصر ، ولكنه سرعان ما يعود ليكتشف أن هامان - في جنون خوفه - متواقع على السرير الذي كانت أستير عليه ، ليتوسل إليها من أجل نفسه . وبهذا المشهد الأخير تقرر مصير هامان ، فيؤخذ لكي يصلب على نفس الخشبة التي كان قد أعدها لصلب مردخاي .
ثم نرى في الأصحاح الثامن خاتم الملك يعطي لمردخاي ، كما تتخذ التدابير فوراً لدفع مكيدة هامان الرديء ( الأصحاحان التاسع والعاشر ) ، وهكذا تكتب النجاة والكرامة للشعب اليهودي ، كما يتقرر عيد الفوريم الذي ينبغي أن يحفظ من دور إلى دور ، من اليهود والدخلاء ، وقد تأيد ذلك بالخطابات المرسلة من أستير ومردخاي .
5-الإضافات اليونانية للسفر : تحوي الترجمة السبعينية - التي بين أيدينا الآن - إضافات كثيرة إلى النص الأصلي . ومع أن القديس جيروم قد تمسك بالنص العـــبري في ترجمته ، إلا أنه وضع تلك الإضافات في نهاية السفر وتبلغ هذه الإضافات نحو سبعة فصول ، غير أنها لا تستحق الدراسة الفاحصة . وقد قدر تاريخ هذه الإضافات بأنها تعود إلى عام 100 ق . م ، وبذلك تكون قيمتها الوحيدة هي أنها الدليل على قـــدم هذا السفر .
لقد توقف الفكر اليهودي طويلاً في حيرة بالغة ، أمام غياب اسم " الله " من هذا السفر ، وكذلك عدم وجود أي إشارة إلى عبادة الله الحي . لذلك عالجت هذه الإضافات اليونانية هذه الأمور .
6-الهجمات الموجهة إلى السفر
يتباهى معارضو هذا السفر بأن مارتن لوثر قد تزعم الهجوم عليه ، فقد أعلن في أحد أحاديثه بأنه يحس بالعداء " نحو هذا السفر لدرجة أنني كنت أتمنى ألا يكون موجوداً، فهذا السفر يصبغ كل شيء بالصبغة اليهودية ، كما أنه يحمل في طياته الكثير من القسوة الوثنية " . كما أن ملاحظات لوثر التي أبداها في رده على أرازمس ، ترينا كيف كان حكمه على هذا السفر قاطعاً ، ففي إشارة واضحة إلى سفر أستير ، يقول مارتن لوثر إنه على الرغم من أن اليهود يضعون هذا السفر بين الأسفار القانونية إلا أن ذلك السفر جدير - أكثر من كل كتب الأبوكريفا - بأن يستبعد من الأسفار القانونية . وعلى الرغم من كل ما سبق ، فإن ذلك الرفض من جانب لوثر لم يكن مؤسساً على أي حقائق علمية أو تاريخية ، وإنما اعتمد على مجرد حكم خاطيء فيما يختص بلهجة السفر والغرض من كتابته . وفي إطار حملة الهجوم على السفر لم يكتف " ايوالد " بما ذكره لوثر ، ولكنه أضاف قائلاً : " إننا في هذا السفر نحس وكأننا قد انحدرنا من السماء إلى الأرض ، وإذ نتلفت حولنا لننظر الأشكال الجديـــدة المحيطة بنا ، فإننا لا نرى سوى اليهود أمامنا ، أو تلك الحفنة الصغيرة من رجال ذلك العصر الذين يتصرفون تماماً يفعلون اليوم " ولكن كل ما سبق لا يمكن أن يغض من صحة هذا السفر .
هذا وقد اتخذ الهجوم على السفر في العصر الحديث هدفاً آخر ، فقد اعتقد " سملر " - وهو رائد تلك الحملة - أن سفر أستير نتاج خيال محض ، وأنه لايثبت سوى غطرسة اليهود وكبريائهم . ويقول " دي فيته " : " إن هذا السفر ينتهك كل الاحتمالات التاريخية، كما أنه يحوي صعوبات بالغة وأخطاء عديدة فيما يتعلق بالأحوال الفارسية ، بالإضافة إلى مجرد الاكتفاء بالإشارة إليهم " . إلا أن الدكتور" درايفر " يدخل بعض التعديلات على تلك الفكرة ، إذ يقول : " إن كاتب السفر يظهر نفسه وكأنه على دراية واسعة بأحوال الفارسيين ومؤسساتهم ، وهو لا يرتكب من المفارقات التاريخية مثلما نرى في سفر طوبيا أو سفر يهوديت ، كما أن شخصية أحشويروش المرسومة في هذا السفر ، تطابق الحقائــــــق التاريخية " . وهذه المحاولات بين هؤلاء المعارضين تبين أنه ليس في الأفق أي بــــادرة توحي بالاقتراب من القطع برأي . ولقد كان " نولدكه " أكثر عنفاً في كتابتــــه من " دي فتية " ، إذ يقول: " إن هذا السفر - في حقيقة الأمر - ليس إلا نسيجاً من المستحيلات " ، لذلك سنفحص كل الاعتراضات الرئيسية التي يقدمها نولدكهوغيره ، ثم ندرس بعد ذلك التأكيدات الحديثة التي تثبت صحة السفر وتاريخيته .
7-بعض الاعتراضات على السفر :
أ - يقول نولدكه : " إن هناك شيئاً خرافياً _ ولكنه ليس أخرق تماماً - في تلك اللمسة التي جعلت كلا من مردخاي وهامان وارثا لأحد الأعداء السالفين ، فمردخاي ينتمي إلى عائلة الملك شاول ، وهامان سليل أجاج ملك عماليق " .
إنه لمن الخطأ الجسيم أن يبني أحد العلماء اتهامه علي مجرد خرافة ، فليس هناك على الاطلاق ، أي إشارة - في السفر - لأي من الملك شاول أو أجاج ملك عماليق ، كما لا يوجد أي تلميح لأي عداء موروث . حقيقة كان " قيس رجلاً يمينيا ً " ( أستير 2 : 5 ) وهو الجد الأكبر لمردخاي ، فإن صح أن قيس هذا كان أباً للملك شاول ، لكان معنى ذلك أن أول ملوك إسرائيل ( شاول ) قد عاصر الأسر البابلي ، ومن السذاجة بمكان أن نقبل مثل هذه الخرافة . ورب سائل يسأل كيف يمكن لرجل عماليقي أن يوصف بأنه أجاجي ؟ وكيف يمكن لملك عقيم - مزق جسده إلى أشلاء متفرقة - أن يصبح رأساً لقبيلة كبيرة ؟ ان ذلك التخيل اليهودي المؤسس على تشابه ظاهري ، قد تم دحضه تماماً منذ سنين عديدة ، حينما اكتشف " أوبرت " كلمة " أجاج " ، في أحد النقوش الأثرية الخاصة بسرجون ، اسماً لإحدى المقاطعات في الامبراطورية الفارسية ، ومن ثم فإن التعبير : " هامان بن همداثا الأجاجي " يعني بكل بساطة أن هامان أو أباه جاء من مقاطعة أجاج .
ب - العبارة الواردة في أستير ( 2 : 5 و 6 ) والتي تؤخذ على أنها تمثل مردخاي وكأنه قد سبي من أورشليم مع يكنيا ملك يهوذا ، وبهذا يكون عمر مردخاي رقماً مستحيـــلاً من السنين . إن التعليق على هذه العبارة ، غير جدير بالالتفات إليه ، لأن جملة الصلة تعود على قيس الجد الأكبر لمردخاي .
ج - يقول د. درايفر: إنه بين العامين السابع والثاني عشرلحكم الملك أحشويروش ، كانت زوجته هي الملكة " أمستريس " وهي امرأة قاسية ذات شخصية خرافية ( كما يذكر هيرودوت ) وهي صفات لا يمكن أن تنطبق على أستير . كما أنها بهذا لا تترك مكاناً معها للملكة أستير . ولقد أعلن " سكاليجر " منذ زمن بعيد إيمانه بأن " امستريس " هي بذاتها الملكة أستير ،إلا أن " بريدو " رفض تلك الفكرة نظراً لأن هيرودوت يصف تلك الملكة بالقسوة ، ولقد نسى درايفرأن النقاد قد اتهموا بطلة هذا السفر بالقسوة وإنه لمن الممكن - في عالم قد امتلأ بالمكائد والدسائس اللإنسانية - أن تكون الملكة قد اضطرت إلى اتخاذ اجراءات صارمة ، دفعت ذلك المؤرخ اليوناني إلى تسجيل ذلك عنها .
د- يزعم المعارضون أن الغرض من السفر هو تمجيد اليهود ، ولكنه على النقيض ليس إلا سجلاً لنجاتهم من تلك المكيدة التي حيكت لإبادتهم .
هـ - يقال إن وصف الشعب اليهودي كما جاء في أستير ( 3 : 8 ) ، لا ينطبق على عصر الامبراطورية الفارسية ، حيث يصفهم السفر بأنهم " شعب متشتت ومتفرق بين الشعوب في كل بلاد المملكة " .
إن ذلك الاعتراض لا يصدر إلا عن جهل مطبق بأسرار العالم القديم الذي مازالت الاكتشافات المتلاحقة تميط اللثام عن المزيد منها . فنحن الآن نعلم أن اليهود في العصر السابق لأستير ، كانوا يعيشون في مناطق مصر الشرقية والجنوبية ، أي في أقصى الغرب من الامبراطورية الفارسية . وحينما اندلعت الاضطرابات في أواخر القرن السابع وفي القرن السادس قبل الميلاد ، لا بد أن الجماهير الغفيرة قدتشتتت، وبخاصة حينما انحلت ربط التمسك بأرض الآباء في العصر التالي وازدادت حركات الهجرة اليهودية .
و- يقال إن لغة السفر العبرية تنتمي إلى لغة عصر ما بعد الملك أحشويروش ، ولكنهم يعترفون بأن أسلوب السفر يسبق أسلوب اللغة العبرية المستخدمة في سفر أخبار الأيام ، غير أن الاكتشافات الحديثة قد أثبتت بصورة قاطعة أن أسلوب السفر ينتمي إلى العصر الفارسي .
ز- يقول د. درايفر : " إن الخطر الذي كان يتهدد اليهود ، كان خطراً محلياً في مكان واحــد ، " وبناء عليه يكون السفر مجرد قصة خيالية رغم ما فيه من أسس تاريخية " . ولكننا نلاحظ أن احتفال اليهود بعد نجاتهم ، كان منذ البداية احتفالاً عاماً في كل المدن والبلاد ، كما أنه لم يتميز مكان عن آخر في حفظ هذا العيد بحماسة ، وهذا كفيل بدحضذلك الزعم .
ح - يقول المعترضون إنه لا توجد أي إشارة إلى سفر أستير في سفر أخبار الأيام أو في سفر عزرا أو في سفر يشوع بن سيراخ . لكن سفر أخبار الأيام ينتهي بإعلان كورش التصريح لليهود بأن يعودوا وأن يبنوا الهيكل ، لذلك لا عجب إن كان سفر أخبار الأيام لا يتضمن أي اشارة إلى أمور حدثت بعده بنحو ستين عاماً . كما أننا لا نجدأي إشارة إلى الأحداث المرتبطة بسفر أستير في سفر عزرا مع أنه يغطي فترة زمنية معاصرة لأستير ، نظراً لطبيعة خطة بناء السفر ، فهو يقدم لنا تاريخ الرجوع الأول من السبي تحت قيادة زربابل في عــــــــــام 536 ق . م . ثم الرجوع الثاني تحت قيادة عزرا نفسه في عام 458 ق . م . فالأحداث المذكورة في سفر أستير - التي تمت في خلال بضعة أشهر - تقع في الفترة الزمنية المحصورة بين مرحلتي الرجوع ، ولكنها لا ترتبط بأي منهما ، فنحن نرى المعترض هنا يغفل عن غرض السفر الذي يشير إليه . وفيما يختص بسفر بشوع بن سيراخ ، فإننا نلاحظ أن عينيه تركزتا على مدينة أورشليم ، لذلك تجده يعظم زربابل " ويشوع بن يوصاداق " ونحميا ( سيراخ 49 : 11 - 13 ) ، حتى عزرا نفسه الذي تدين له أورشليم والأمة اليهودية بالكثير ، لا نجد له ذكراً في يشوع بن سيراخ ، فلماذاإذايجب أن يذكر مردخاي أو أستير ، على الرغم من أنه لم يكن لهما أي دور في إعادة بناء المدينة المقدسة ؟ !
ط- يقال إن السفر ينم عن جهل بالامبراطورية الفارسية حين يذكر أنها كانت مقسمة إلى 127 كورة بينما يخبرنا هيرودوت أنها كانت مقسمة إلى 20 ولاية . ولكن حقيقة الأمر أنه لم يكن هناك رقم نهائي ثابت حتى فيما يتعلق بالأقسام الرئيسية للامبراطورية ، فنجد داريوس في نقوشه البهستونية يذكر العدد على أنه 21 ثم ما يلبثأن يذكر أنه 23 ، وفي تعداد ثالث يذكر أنه 29 ، كما أن هيرودوت نفسه يقتبس من إحدى الوثائق من عصر الملك أحشويروش ، ويقول إنه كانت هناك في ذلك الوقت نحو ستين أمة تحت سيادة الامبراطورية الفارسية . ولقد أغفل المعترض ملاحظة أن كلمة " كورة " المذكورة في أستير( 1 : 1 ) لا تعنيولاية ، وإنما هي جزء من ولاية ، فاليهودية تسمى كورة ( عزرا 2 : 1 ) وكانت جزءاً صغيراً من الولاية الخامسة أي من سوريا . لقد مضى الوقت الذي كان يمكن أن تقبل فيه اعتراضات من هذا القبيل ، فإن الاكتشافات الحديثة قد أثبتت الدقة المتناهية لهذا السفر إذ يقول لينورمانت : " إننا نجد في سفر أستير صورة تنبض بالحياة للبلاط الملكي في عصر ملوك فارس ، حيث أنها تمكننا - أكثر من كل ما وصلنا من الكتابات القديمة الأخرى - من أن نتغلغل إلى الحياة الداخلية ، وأن نكتشف تفاصيل نظام الحكومة المركزية الذي وضعه داريوس " .
8-تأكيد صحة السفر : إن هذه الاكتشافات قد رفعت من مستوى المناقشات حول السفر إلى درجةأسمى أو بالحري قد حسمتها ، فمنذ أن قرأ جروتفند في عام 1802 م اســــم " زركسيس " ( أحشويروش ) في أحد النقوش الفارسية ، ووجده يطابق - حرفاً بحرف - أحشويروش المذكور في سفر أستير ، بدأت الأدلةتتراكم ، الدليل تلو الدليل ، مؤكدة صحة تاريخية السفر ، فلقد أثبتت الاكتشافات - باديء ذي بدء - أن تاريخ كتابة السفر لا يمكن أن يعود إلى عصر متأخر لأن لغة السفر تنتمي إلى عصر سيادة الامبراطورية الفارسية وازدهارها ، ويتضح ذلك من استخدام بعض الكلمات الفارسية القديمة التي اندثرت في القرن الثاني ق . م . ثم أعيد اكتشافها فقط عند فك رموز الآثار الفارسية ، حتى أن بعض هذه الكلمات لم تكن مألوفة عند المترجمين الذين قاموا بالترجمة السبعينية ، مما أدى إلى ارتكابهم بعض الأخطاء التي تكررت في بعض ترجماتنا الأخرى ، ففي الترجمة الانجليزية ( الملك جيمس ) نجد في أستير ( 1 : 5 و 6 ) أنه كان هناك " في دار جنة قصر الملك أنسجة بيضاء وخضراء وأسمانجونية معلقة بحبال من بز وأرجوان … " ( وهو نفسه في الترجمة العربية ) ، فقد لوحظ في أطلال مدينة برسبوليس الفارسية ، أنه كانت هناك علامة مميزة للقصور الفارسية في ذلك العصر ، وهي وجود مكان فسيح تملؤه الأعمدة التي تغطيها المظال ، ويمكن ملاحظة أن تلك المظال كانت موضوعة في دار جنة القصر كما يحدثنا السفر ، وفي ضوء هذه الاكتشافات الفارسية ، علينا أن نقرأ النص كالآتي : " حيث كانت هناك مظلة من القطن الرقيق الأبيض والأسمانجوني معلقة بحبال من البز الأبيض والأرجوان " . لقد كانت الألوان الملكية الفارسية هي الأبيض والأسمانجوني ، وهذا يتفق مع ما نقرأه عن مردخاي في ( أستير 8 : 15 ) " وخرج مردخاي من أمام الملك بلباس ملكي أسمانجوني وأبيض " ولقد تميز العصر الفارسي حقاً بما نراه في هذا السفر من النظام البريدي الدقيق ، وكتاب الملك وحفظ سفر تذكار أخبار الأيام ، وكذلك عادات البلاط الملكي بكل ما فيها من دقة وصرامة . كما أننا نقرأ عن المرسوم الملكي الذي حصل عليه هامان ، وكيف أنه " كتب باسم الملك أحشويروش وختم بخاتم الملك " ونلاحظ أن المرسوم لم يوقع ولكنه ختم ، فقد كانت هذه هي العادة عند ملوك فارس ، فلقد اكتشف خاتم الملك داريوس - أبي الملك أحشويروش - وهو محفوظ الآن بالمتحف البريطاني ، وعلى الختم صورة الملك وهو يطلق السهام على أحد الأسود ، بالإضافة إلى كتابة باللغة الفارسية والشوشنية والأشورية تقول : " أنا داريوس الملك العظيم " . وحين اكتشف جروتفند شخصية الملك أحشويرش في الآثار الفارسية - وهو ما أيدته أيضاً الاكتشافات المتلاحقة - فإنه بذلك ألقى ضوءاً حديداً على السفر ، وبمجرد أن تم التأكد من أن أحشويروش هو الملك المذكور في سفر أستير ، فقد تحولت الاعتراضات السابقة إلى تأكيدات قاطعة . وفي بذخ الملك وترفه المفرط ، استطاع العلماء أن يروا صورة الملك أحشويروشالتاريخيــــــة ، فلم يكن التقاء شرفاء البلدان ورؤساء المملكة " في السنة الثالثة من ملكه " ( أستير 1 : 3 ) سوى ذلك الاجتماع التاريخي الذي عقد لمناقشة الحملة على بلاد اليونان ، كماأن " السنة السابعة " التي توجت فيها أستير ملكة للبلاد ، كانت هي سنة عودة الملك من بلاد اليونان . وليس ذلك فحسب ، بل أن السفر يذكر بأنشوشن كانت مقراً لملوك فارس ، وهذه هي الحقيقة التاريخية فعلاً ، والصيغة الصحيحة للاسم كما جاءت في النقوش الفارسية هي " شوشن " ، أما " شوشن القصر " فإنها تعنى أنه كان هناك مكانان يحملان نفس الاسم ، وهذه هي الحقيقة أيضاً والكلمة المترجمة " بالقصر " كلمة فارسية تعني الحصن أو القلعة . أما ذلك النظام الصارم داخل القصر- والذي سبق وأن أشرنا إليه -من أن الموت كان يتهدد كل من يدخل إلى حضرة الملك دون دعوة ، فكثيراً ما استخدمه المعترضون للتدليل على أن ذلك السفر ليس إلا قصة خيالية . ولكن على العكس من ذلك تماماً ، ثبت أن تلك هي الحقيقة ، إذ يقول لينورمانت : " لقد كان من المستحيل بالنسبة للعامة أن يدخلوا القصر الملكي الفارسي ، إذ كان هناك نظام صارم يحكم الدخول إلى حضرة الملك ، ويجعل الاقتراب منه أمراً بعيد المنال … فكل من يدخل إلى محضر الملك دون أن يحصل على إذن سابق ، فعقابه الموت " ( التاريخ القديم للشرق - الجزء الثاني 113 - 114 ، قارن هيرودوت1 : 99 ) .
ولكن أهم من كل ذلك ، اكتشاف القصر الذي عاش فيه الملك أحشويروش وأستير ، فهذا الاكتشافدليل قاطع على صحة تاريخية هذا السفر ، إذ نجد في أحد النقوش الخاصــــــــــة " بارتحشستا منمون " والمكتشفة في شوشن ، أن ذلك القصر قد التهمته النيران في أيام أرتحشستا لونجيمانوس بن أحشويروش وخليفته ، فبعد نحو ثلاثين عاماً من زمن أستير ، اختفي ذلك القصر تماماً من الوجود . وعلى الرغم من ذلك فإن الأوصاف الواردة في السفر تنطبق تماماً على النظام المعماري للقصر الفارسي الذي كشفت حملات التنقيب الفرنسية النقاب عنه حديثاً ، فنحن نقرأ في الأصحاح الرابع أن مردخاي لبس مسحاً وخرج إلى وسط المدينة " وجاء إلى قدام باب الملك " . وتدل الأطلال على أن بيت النساء كان يقع على الجانب الشرقي من القصر بعد المدينة ، وأنه كان هناك باب يفضي إلى ساحة المدينة . وفي الأصحاح الخامس نقرأ أن أستير : " وقفت في دار بيت الملك الداخلية مقابل بيت الملك " كما نقرأ " والملك جالس على كرسي ملكه في بيت الملك مقابل مدخل البيت " وأنه وهو على عرشه " رأى أستير الملكة واقفة في الدار " ، وهكذا تمضي كل التفاصيل في دقة متناهية ، فقد كان هناك ممر يؤدي من بيت النساء إلى الدار الداخلية ، وإلى جانب الدار مقابل ذلك الممر كانت هناك غرفة العرش . وفي منتصف الجدار المقابل تماماً ، كان العرش موضوعاً حيث استطاع الملك من كرسيه العالي ، عبر ستارة فاصلة ، أن يرى الملكة في انتظار الإذن بالدخول . كذلك فإن سائر التفاصيل ، مثل خروج الملك من بيت وليمة الملكة إلى جنة القصر ، تدل على معرفة وثيقة بنظام القصر كما كان وقتئذ . وهذه التأكيدات من القوة بحيث تسمو عن كل مغالاة في تقديرها ، كما أنها تثبت أن الكاتب كان على دراية تامة بهذه الأمور بالإضافة إلى أن ما كتبه يتميز بالدقة المتناهية .
هذا وان اختفاء اسم " الله " من هذا السفر ، ليشكل إحدى الصعوبات على الرغم من أن هذه النقطة لم ترد في سياق الاعتراضات على السفر ، ولكن ذلك - بكل بساطة - إنما هو جزء من التخطيط لهذا السفر . كذلك يخلو السفر من أي إشارة إلى الصلاة أو إلى التسبيح أو إلى الاقتراب إلى الله . ولقد كان الصمت المطبق تجاه هذه الأمور ، مثار ألم لمشاعر اليهودالأولين مما أدى إلى وجود الكثير من الاعترافات بالله في الصلاة والتسبيح ، في الإضافات لهذا السفر في الترجمة السبعينية . ونحن لا نستطيع أن نعلل قبول اليهود المحافظين - الذين استؤمنوا على أسفار العهد القديم - لهذا السفر كواحد من الأسفار القانونية إلا على أساس اقتناعهم بالأدلة القاطعة على مصدره الإلهي وسلطانه .
ولكن هل يمكننا تعليل اختفاء هذه الكلمات من السفر ؟ في الترتيب الأصلي لأسفار العهد القديم القانونية ، نجد سفر أستير متصلاً بسفر نحميا ( أما الترتيب العبري الحالي لهذه الأسفار فقد وضع في العصر المسيحي ) . ولقد قدم جون يوركهارت في 1895 رأياً يعتقد أنه مازال يستحق الاعتبار ، وهو : أنه كانت قد انقضت أكثر من ستين سنة منذ صدور نداء كورش لليهود بالعودة إلى ديارهم ، ولكن السواد الأعظم من الشعب ظلوا حيثما كانوا ، فالبعض من أمثال نحميا ، أعاقتهم روابط العمل وغيرها ، بينما أظهر باقي الشعب عدم الاكتراث لهذا الأمر ، أو لم يشاءوا أن يتخلوا عن ممتلكاتهم وراحتهم . وبمثل هذه الفئة الأخيرة لا يمكن أن يرتبط تاريخ عمل الله على الأرض ، ومع أنه في عنايته يرعاهم وينقذهم ، إلا أن اسمه القدوس لا يمكن أن يوضع إلى جوار أسمائهم في سجـــل العمل وانتظار خلاص الأرض كلها .
مقدمة :
يحتوي سفر أستير ، في أقدم المخطوطات للترجمة السبعينية 107 أعداد مضافة إلى النص العبري . وهذه الإضافات متناثرة في كل أرجاء السفر حيث أنها أضيفت أساساً لتضفي على السفر الصبغة الدينية التي تنقصه في نصه العبري . وفي ترجمة القديس جيروم، كما في الترجمة اللاتينية الشعبية المعروفة باسم الفولجاتا ، استخرجت أهم وأطول تلك الإضافات من أماكنها وجمعت معاً ووضعت في نهاية السفر القانوني ، وبذلك صارت هذه الإضافات غامضة مبهمة . وفي الترجمات الانجليزية والويلزية وغيرها من الترجمات البروتستنتية تظهر جميع هذه الإضافات في قسم الأبوكريفا .
1-الاسم : في الترجمة الانجليزية نجد العنوان الكامل لهذه الإضافات هو : بقية أصحاحات سفر أستير غير الموجودة في العبرية أو في الكلدانية . أما في الترجمة السبعينية - بما فيها طبعات فريتزشيه وتشندورف وسويته فإن هذه الأصحاحات تظهر في أماكنها الأصلية في سياق النص ، لذلك لاتحمل عنواناً مستقلا . وينطبق نفس الوصف على الترجمة الانجليزية التي قام بها بريريتون للسبعينية ، إلا أن الحال يختلف في ترجمة تومسون حيث حذفت منها كل أسفار الأبوكريفا ، وعليه فهي ترجمة غير كاملة لا تتضمن كل ما جاء بالسبعينية .
2-المحتويات : في الطبعة التي أصدرها سويته للترجمة السبعينية ، رمز للأجزاء التي تشكل " بقية سفر أستير " أو " الإضافات إلى سفر أستير " - كما تسمى في بعض الأحيان - بحروف هجائية مسلسلة بالترتيب التالي مع بيان الأماكن المختلفة في النص اليوناني في كل حالة :
3-أ - ( لاتيني وانجليزي 11 : 2 - 12 : 6 ) : حلم مردخاي وكيف وصل إلى مركز الكرامة وهذا الجزء يسبق أستير 1 : 1 .
ب - ( لاتيني وانجليزي 13 : 1 - 7 ) : خطـــاب أرتحشستا ، وهذا الجزء يأتي بعد أستير 3 : 13 .
ج- ( لاتيني وانجليزي 13 : 8 - 14 : 19 ) : صلوات مردخاي وأستير ، وتأتي بعد أستير 4 : 17 .
د- ( لاتيني 15 : 4 - 19 ، وانجليزي 16 : 1 - 16 ) : زيارة أستير للملك وحصولها على نعمة في عينيه ، وهذا الجزء يتبع الجزء ( ج ) ويسبق الأصحاح الخامس مباشرة .
هـ - ( لاتيني وانجليزي 16 : 1 - 24 ) : خطاب آخر لأرتحشستا ، ويأتي بعد أستير 8 : 12 ) .
و - ( لاتيني وانجليزي 10 : 4 ص 11 ): خاتمة تصف منشأ عيد الفوريم ، وتأتي بعد أستير 10 : 3.
وبالإضافة إلى كل هذه الإضافات المطولة إلى النص والمشار إليها آنفاً ، فإن هناك أيضاً بعض الإضافات الأخرى الصغيرة في الترجمة السبعينية إلا أنها قد حذفت في الترجمات اللاتينية ومن ثم في الترجمة الانجليزيةوغيرها وهذه الإضافات الصغيرة تشكل في أغلبها حواشي إيضاحية .
4-اللغة الأصلية :يتفق كل العلماء على أن " بقية سفر أستير " كتبت أصلاً باللغة اليونانية ، كما تؤكد كل الشواهد الداخلية والخارجية ، إلا أن النص اليوناني ، وصل إلينا في صورتين تختلفان فيما بينهما اختلافاً ملحوظاً .
5-النسخ المختلفة :
1-النص الشائع وتؤيده المخطوطتان الفاتيكانية والإسكندرانية ، كما يؤيده يوسيفوس .
2-مراجعة منقحة للنص السابق موجودة في المخطوطات 19 ، 93 أ ، 108 ب . ولكن يوجد النصان في المخطوطتين الأخيرتين في آن واحد . وتعزى هذه النسخة المنقحة إلى بوشيان . ويقدم لنا فريتزشيه ( 1871 ) وسويته ( 1891 ) كلا من النصين اليونانيين في ترجمتهما للسبعينية ، وكذلك فعل شولتز في تعليقه باللغة الألمانية على سفــــــر أستير ( 1892 ) .
تاريخ هذه الإضافات : يتفق جميع العلماء في العصر الحديث على أن " بقية سفر أستير " كتبت بعد كتابة السفر القانوني بعشرات السنين ، ولعلنا لا نخطيء إذا رجعنا بتاريــــــخ كتابة " بقية سفر أستير " إلى عام 100 ق . م . فإنه لمن الجلي ، أننا ندين بتلك الإضافات لأحد الغيورين من اليهود أراد أن يضفي على السفر مسحة دينية ، فقد اتحد يوحنا هيركانوس في سنواته الأخيرة ( 135 - 103 ق . م ) مع جماعة الصدوقيين أو العقلانيين ، بعد أن ترك جماعة الفريسيين الأرثوذكسيين الذين كان ينتمي إلهم المكابيون حتى ذلك الوقت ، لهذا فلعلنا ندين بهذه الإضافات للغيرة والحماسة اللتين تأججتا بين اليهود الأرثوذكسيين من جراء النزعة العقلانية التي تزايدت في تلك الأيام .
ويرجح د . هـ . تشارلز - في دائرة المعارف البريطانية - أن تاريخ كتابة هذه الإضافات يعود إلى صدر العصر المكابي
دائرة المعارف الكتابية