قل هاتوا برهانكم عقائد وأديان مسيحيات برهانكم للرد علي شبهات النصارى

آباء الكنيسة
 
الباترولوجي
[ الباترولوجي ]

·التثليث عند آباء الرسوليين
·العلامة ترتليانوس والزواج الثاني
·بابياس أسقف هيرابوليس
·بوليكاربس في الميزان
·القديس اغناطيوس الأنطاكي
·القديس أغسطينوس والإرهاب الديني
·الحرب العادلة في فكر أوغسطينوس
·جون كالفن
·الباترولوجي - آباء الكنيسة
·الكذب .. السر الثامن من اسرار الكنيسة
  .  

خربشات صوماليانو
 
خربشاتـــصوماليانو
[ خربشاتـــصوماليانو ]

·هل يلد الله ويولد
·سويعات في برية التيه
·الإختلافات العددية في الكتاب المقدس
·البابا شتودة: المسيح لم يقل أنا الله أعبدوني
·بولس الرسول كبير الغنوصيين
·الغنوصية والرهبنة في الأناجيل
·تيري جون وثقافة الحرق
·ديونيسيوس يعقوب السرياني وضياع الأسفار
·سيدعى ناصريا
·التسامح سلاحنا في وجه شنودة
·القمص يوحنا سلامة : البروتستانت حرفوا الكتاب المقدس
·الدوناتستيون
  .  

الرد علي زكريا بطرس
 
شطحاتــزكريابطرس
[ شطحاتــزكريابطرس ]

·المسيح الجبار
·مسرحية نشيد الإنشاد
·النكاح في الجنة وشطحات زكريا بطرس
·انتهى زكريا بطرس كغيره والإسلام باق
·أحلام زكريا بطرس
·تأملات في نشيد الأناشيد
·نشيد الإنشاد كأشعار رابعة العدوية
·هلوسات زكريا بطرس
·الرد السماوي على زكريا بطرس
·بيان الشيخ الزغبي
·الرب مخلص مسيحه
·زكريا بطرس يبكي علي أطلال قناة الحياة
  .  

صوماليانو
 
تعدد الزوحات لماذا ترعب الكنيسة
البابا غريغوريوس الثاني وتعدد الزوجات
ضيوف الأنبا بيشوي أم أتباع الغزاة
ضمان الخلاص والجنة
العتل الزنيم مرقس عزيز
لا محلل ولا طلاق لأن العصمة في يد الأنبا بولا
  .  

الرسول رجل الأسرة الأول أباً وزوجاً

 - محمد رسول الله


... قال ابن هشام : وكُنَّ تسعاً : عائشة بنت أبي بكر ، وحفصة بنت عمر بن الخطاب ، وأم حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب ، وأم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة ، وسودة بنت زمعة ابن قيس ، وزينب بنت جحش بن رئاب ، وميمونة بنت الحارث بن حزن ، وجويرية بنت الحارث بن أبي ضرار ، وصفية بنت حيي بن أخطب ، فيما حدثني غير واحد من أهل العلم .
... وكان جميع من تزوج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاث عشرة . خديجة بنت خويلد وهي أول من تزوج . زوجه إياها أبوها خويلد بن أسد ، ويقال أخوها عمرو بن خويلد ، وأصدقها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عشرين بكرة فولدت لرسول الله ولده كلهم إلا إبراهيم ، وكانت قبله عند أبي هالة بن مالك أحد بني أسيد بن عمرو بن تميم حليف بني عبد الدار ، فولدت له هند بن عمرو بن مخزوم فولدت له عبد الله وجارية . وتزوج رسول الله عائشة بنت أبي بكر الصديق بمكة وهي بنت سبع سنين وبنى بها بالمدينة وهي بنت تسع سنين أو عشر ولم يتزوج رسول الله بكراً غيرها . زوجه إياها أبوها أبو بكر وأصدقها رسول الله أربع مائة درهم . وتزوج رسول الله سودة بنت زمعة .. زوجه إياها سليط بن عمرو ويقال : أبو حاطب بن عمرو .. وأصدقها رسول الله أربع مائة درهم ، وكانت قبله عند السكران بن عرمو ..
... وتزوج رسول الله زينب بنت جحش بن رئاب الأسدية زوجه إياها أخوها أبو أحمد ابن جحش وأصدقها رسول الله أربع مائة درهم وكانت قبله عند زيد بن حارثة مولى رسول الله ففيها أنزل الله تبارك وتعالى {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا}(1) . وتزوج رسول الله أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة المخزومية واسمها هند ، زوجه إياها سلمة بن أبي سلمة ابنها وأصدقها رسول الله فراشاً حشوه ليف وقدحاً وصفحة ومجشة ( أي رحى ) وكانت قبله عند أبي سلمة بن عبد الأسد واسمه عبد الله فولدت له سلمة وزينب ورقية .




... وتزوج رسول الله حفصة بنت عمر بن الخطاب ، زوجه إياها أبوها عمر بن الخطاب ، وأصدقها رسول الله أربع مائة درهم وكانت قبله عند خنيس بن حذافة السهمي .
... وتزوج رسول الله أم حبيبة واسمها رملة بنت أبي سفيان بن حرب زوجه إياها خالد بن سعيد بن العاص وهما بأرض الحبشة وأصدقها النجاشي عن رسول الله أربع مائة دينار وهو الذي كان خطبها على رسول الله وكانت قبله عند عبيد الله بن جحش الأسدي .
... وتزوج رسول الله جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار الخزاعية كانت في سبايا المصطلق من خزاعة فوقعت في السهم لثابت بن قيس بن الشماس الأنصاري فكاتبها على نفسها فأتت رسول الله تستعينه في كتابها ، فقال : هل لك في خير من ذلك ؟ قالت : وما هو ؟ قال : أقضي عنك كتابتك وأتزوجك . فقالت : نعم فتزوجها ..
... وتزوج رسول الله صفية بنت حيي بن أخطب سباها من خيبر فاصطفاها لنفسه وأولم رسول الله وليمة ما فيها شحم ولا لحم كان سويقاً وتمراً وكانت قبله عند كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق .
... وتزوج رسول الله ميمونة بنت الحارث بن حزن .. زوجه إياها العباس بن عبد المطلب وأصدقها العباس عن رسول الله أربع مائة درهم وكانت قبله عند أبي رهم بن عبد العزى .. ويقال إنها التي وهبت نفسها للنبي وذلك أن خطبة النبي انتهت إليها وهي على بعيرها فقالت : البعير وما عليه لله ولرسوله فأنزل الله تبارك وتعالى {وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا}(2) ...
... وتزوج رسول الله زينب بن خزيمة بنت الحارث ... وكانت تسمى أم المساكين لرحمتها إياهم ورقتها عليهم زوجه إياها قبيصة بن عمرو الهلالي وأصدقها رسول الله أربع مائة درهم وكانت قبله عند عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب بن عبد مناف ، وكانت قبل عبيدة عند جهم بن عمرو بن الحارث وهو ابن عمها .

... فهؤلاء اللاتي بنى بهن رسول الله إحدى عشرة فمات قبله منهن اثنتان خديجة بنت خويلد وزينب بنت خزيمة . وتوفي عن تسع قد ذكرناهن في أول هذا الحديث .
... واثنتان لم يدخل بهما أسماء بنت النعمان الكندية تزوجها فوجد بها بياضاً فمتعها وردها إلى أهلها . وعمرة بنت يزيد الكلابية وكانت حديثة عهد بكفر فلما قدمت على رسول الله استعاذت من رسول الله فقال رسول الله : منيع عائذ الله ، فردها إلى أهلها ، ويقال : إن التي استعاذت من رسول الله كندية بنت عم لأسماء بنت النعمان ويقال : إن رسول الله دعاها فقالت : إنا قوم نؤتى ولا نأتي فردها رسول الله إلى أهلها .
... القريشيات من أزواج النبي ست : خديجة .. وعائشة .. وحفصة .. وأم حبيبة .. وأم سلمة .. وسودة بنت زمعة .
... والعربيات غيرهن ست : زينب بنت جحش .. بن أسد بن خزيمة ، وميمونة بنت الحارث بن هلال بن عامر ... بن صعصعة ... بن قيس بن عيلان ، وزينب بنت خزيمة ... بن هلال بن عامر بن صعصعة ...، وجويرية بنت الحارث بن أبي ضرار الخزاعية ، ثم المصطلقية ، وأسماء بنت النعمان الكندية ، وعمرة بنت يزيد الكلابية .
... ومن غير العربيات : صفية بنت حيي أخطب من بني النضير .
* ... * ... *
( ب )
... ويقول الكارون : إن هذا يخدش نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - أن يكون له كل هذا العدد من الزوجات .
... ونقول : إن الذين يقولون هذا الكلام أحد ثلاثة : إما إنسان له دين غير الإسلام ، وهذا إما أن يكون دينه يقود بتعدد الزوجات أو لا . أو إنسان لا يؤمن بدين .
... أما الإنسان الذي لا يؤمن بدين فهذا لا يرى حرجاً أن يعاشر آلاف النساء عشرة الزوجات ، ولا يرى في ذلك بأساً ولا يتحرج أن يضاجع أي امرأة ولو كانت أخته ، ولو كانت زوجة صاحبه ، وما أكثر ما سمعنا بأمثال هذا عن هؤلاء . فلا محل لكلام هؤلاء ولا يُناقَشون أصلاً ، لأنه ليس لديهم مقاييس يمكن أن تكون معقولة يناقشهم الإنسان عليها .
... وأما الذين لهم دين يقول بالتعدد المطلق فهؤلاء كذلك لا نقاش معهم إذ ما أبيح لهم كيف يحرمونه على غيرهم .
... وأما الذين لهم دين يقول بعدم جواز التعدد كالنصارى الحاليين فإننا نقول لهم : إما أن عدم التعدد هو شريعة الله فهذا غير صحيح بدليل تاريخ الكنيسة عندكم ، وأما أن زواج الرسول - صلى الله عليه وسلم - بهذا العدد من النساء يتنافى مع جلال النبوة . فإن الكتب التي بين أيديكم وتؤمنون بها وهي كتب العهد القديم ، تذكر أن من الأنبياء الذين تؤمنون بنبوتهم من تزوج بنساء أكثر بكثير من نساء سيدنا محمد عليه السلام . فلماذا تتناقضون ؟
... غير محمد - صلى الله عليه وسلم - من الأنبياء إذا تزوج أكثر منه فذلك لا يتنافى مع جلال النبوة أما هو فيتنافى ؟
... إن هذا عمى عن الحقيقة وتجاهل لها ، فإن فرط الرجولة ليس عيباً في الرجل بل كمال فيه إذا بقيت ضمن الإطار الذي حدده الله .
... إن الأنبياء منفذون لأوامر الله لا يخرجون عنها ، فإذا ما صحت نبوة نبي وتصرف ضمن أوامر الله فلا حرج عليه وقد أشار القرآن إلى هذا المعنى في قصة زواج النبي - صلى الله عليه وسلم - من زينب بنت جحش : {مَّا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً}(3) .
* ... * ... *
( ج )

... إن ظاهرة الرسالة ظاهرة نادرة في التاريخ البشري وظهورها بمحمد - صلى الله عليه وسلم - هو الظهور الأخير ؛ لذلك فقد خص الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - ببعض الأحكام ، وكل ماخص به - صلى الله عليه وسلم - كان فيه نوع من التكليف أكبر ، ونوع من العبء أكبر ، وحتى هذه القضية قضية تعدد زوجاته ، كان غرمها أكبر من غنمها ، وعبؤها أكبر من سهولتها ، لما يترتب على ذلك من القيام بحقوق هذا العدد الكثير . وسياستهن وتدبير أمورهن من جهد ، مع كثرة أعباء الرسول - صلى الله عليه وسلم - الأخرى من جهاد وتعليم وتدبير و ...
... ولو تأمل الإنسان هذا الموضوع بعمق لوجد أنه دليل مستقل على النبوة والرسالة وذلك لما فيه من الحكم الكثيرة والمصالح المتعددة .
... فلقد أحل الله لرسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يتزوج ما شاء بقوله :
... {ياأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاَّتِي? آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّآ أَفَآءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاَتِكَ اللاَّتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ}(4)
... ثم أنزل بعد ذلك :
... {لاَّ يَحِلُّ لَكَ النِّسَآءُ مِن بَعْدُ وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ ... }(5)
... إذن بعد أن تزوج ما تزوج منع من الزواج فلم يتزوج عد وجعل الله زوجاته أمهات المؤمنين فلا يجوز لأحد أن يتزوج منهن بعده - صلى الله عليه وسلم - فما الحكمة في ذلك كله ؟

... أولاً : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تزوج الكبيرة والصغيرة والوسط ، والمرأة في كل طور من أطوارها لها مشاكلها . وسيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - العملية وأجوبته الدائمة بما يتفق مع كل طور ، ونقل هذا كله إلى الأمة الإسلامية مما تقتضيه مهمة الرسالة التي جعلها الله عز وجل مبينة لكل شيء مما يلزم الإنسان .
... ثانياً : إن المرأة في الإسلام مكلفة كالرجل ، ولها وضعها الخاص الذي تختلف فيه عن الرجل . ووجود هذا العدد من النساء يساعد على نقل كل ما له علاقة بالمرأة إلى الأمة الإسلامية . بحيث يكون أمهات المؤمنين أسوة النساء في العالم على اختلاف أحوالهن ومشاربهن .
... ثالثاً : زواج الرسول - صلى الله عليه وسلم - من هؤلاء النسوة الطاهرات وفيهن القرشية وغير القرشية وفيهن ذات الأصل اليهودي ، وفيهن من كان أبواها مهاجرين ، وفيهن من كان أبواها كافرين وقت زواجه منها ، ومنهن الصغيرة جداً ، ومنهن الكبيرة جداً يجعل المسلم لا يرى حرجاً في الزواج من أي امرأة أحلها الله له ما دامت متوافرة فيها شروط الحل . ولا يرى حرجاً في التعدد وهو كما سنرى في بعض الأحوال ضرورة لا بد منها .
... رابعاً : والرسول - صلى الله عليه وسلم - الذي افترض الله على المسلمين محبته ، قد استل بهذا الزواج سخائم قلوب ما كانت لتزول لولا هذه الصلاة من القرابة .
... خامساً : إن صلة الوصل بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونساء الأمة هن زوجاته في الغالب وكثرة زوجاته يجعل دائرة اتصال المسلمات به - صلى الله عليه وسلم - أكثر ، ويجعل إيصال الأحكام إلى النساء متيسراً ، فكل واحدة منهن يألفها بعض النساء بجامع القرابة أو السن . ولولا ذلك ما استطاعت امرأة واحدة أن تستوعب كل شئون النساء ولولا ذلك ما رأينا آلاف الأحاديث المروية عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من طرق زوجاته يتحدثن فيها عن آلاف الأمور كانت تبقى غامضة أو غير معروفة .
... سادساً : والإسلام قد أتى بمفاهيم جديدة ومثل كاملة مما له علاقة بالمرأة وكان لا بد أن تهضم هذه المثل الجديدة مجموعة كبيرة من النساء لضمان استيعابها واستمرارها وتأكيدها وهي قلب لمفاهيم سائدة ، وأوضاع فاسدة ، فكان هذا العدد من نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - يحقق هذه الحكمة .
... سابعاً : ثم كان هذا الزواج حَلاً لا بد منه في بعض الحالات .
... فأم سلمة المخزومية بنت سيد مخزوم المهاجرة إلى الحبشة وإلى المدينة والتي استشهد زوجها ، وليس لها أحد ، وهي بنت زاد الركب أبي أمية المخزومي ، وقد خطبها أبو بكر وعمر فرفضت . فهل تبقى وحدها أرملة وهي التي تحملت من أجل الإسلام ما تحملت ، إنه ليس هناك حل أبر وأكرم من ضم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لها إلى نسائه وقد رضيت .
... ورملة بنت أبي سفيان زعيم قريش بل العرب كلها ضد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والتي أسلمت وهجرت أباها وقومها وهاجرت إلى الحبشة مع زوجها ثم تنصر زوجها وارتد ومات كافراً ، هذه تترك لمن ؟ أليست مكافأتها في مكانتها أن تكون زوجة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكم سيكون لهذا أثره في نفس العدو الأكبر أبيها ؟
... وزينب بنت جحش التي زوجها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من متبناه زيد ولم تستقم حياتهما وأراد الله أن يهدم قاعدة التبني عند العرب التي لا تقوم على أساس معقول فهدمها بشكل جذري يوم أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يتزوج زينب مطلقة متبناه زيد .
... وجويرية بنت الحارث بنت سيد قومها ، وقومها من أعز بيوت العرب عرضاً ، وقد أسر رجال قومها ، وسبي نساؤهم ، فتزوجها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال الناس : أصهار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأعتقوا كل من له علاقة بها .
... وصفية بنت حيي كان أبوها ملك اليهود تقريباً وزوجها كذلك من ساداتهم وقد هلك أبوها وأخوها وزوجها وكان من سنته- صلى الله عليه وسلم - الرحمة بعزيز قوم ذل فضمها إلى نسائه رحمة بها ، واستل ما بفؤادها من حقد كان يمكن أن يعذبها مدى الحياة ، وبزواجه بعائشة وحفصة وثق الصلة بينه وبين أعظم رجلين بعده من أمته وهكذا ..
... ثامناً : وفتح بهذا الزواج - صلى الله عليه وسلم - لزعماء أمته أفقاً جديداً لا ينبغي أن يغيب عنهم أثناء العمل المتواصل . وهو تقوية الصلات مع الآخرين بواسطة الزواج . وتوهين حقد المغلوبين بهذه الواسطة ، وقد رأينا المسلمين استفادوا من هذا الجانب استفادة كبيرة .
... تاسعاً : ثم هو بهذا الزواج وبسلوكه العملي العادل يبين الطريق الصحيح للسلوك الذي ينبغي أن يسلكه من تعددت زوجاته ، بحيث لا تختل قيم الحياة ، ولا تشعر المرأة بعذاب الظلم ، ويعرف النساء على حقوقهن وحدود هذه الحقوق .
... وبظهور هذه الحكم وواقعيتها نرى أن هذا الزواج أدل على النبوة . وسنرى هذا بشكل أوضح عندما ندرس سيرته معهن - صلى الله عليه وسلم - .


( د )
... رأينا أن كل امرأة تزوجها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان في زواجها مصلحة وحكمة وخلق عظيم وإنسانية عالية ، تلمح بها تصرفات النبوة ومثاليتها وأخلاقيتها ، وسنرى في هذه الفقرة ونحن نستعرض الخطوط العريضة لسيرته - صلى الله عليه وسلم - معهن أن كل خط من هذه الخطوط دليل على النبوة وفيه أرقى أمثلة الأسوة .
... " أول هذه الخطوط العدل في السكن والنفقة والكسوة والمبيت والزيارات والوقت . كان بينهن الجميلة جداً والكبيرة والشابة والعادية الجمال . وما كان يصرفه شيء من الميزات عن العدل ، لكل واحدة منهن ليلة ، وإذا زار إحداهن زارهن بعد ذلك جميعهن وحتى وهو في مرضه الأخير وهو أحوج إلى الاستقرار في بيت واحد لم يرض أن يستقر في بيت عائشة رضي الله عنها إلا بعد أن أذن له الجميع بذلك . ومع هذه الدقة في العدل كان يستغفر الله من عدم عدله في المحبة . إذ لا سلطان له على قلبه فيها ، بل السلطان لله فكان - صلى الله عليه وسلم - يقول :
... " اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما لا أملك "(6) .
... وكان إذا أراد السفر أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله معه . قالت أم سلمة " لما تزوجني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أقام عندي ثلاثاً وقال : إنه ليس بك هوان على أهلك . إن شئت سبعت لك وإن سبعت لك سبعت لنسائي "(7) .
... وعن أنس : " من السنة إذا تزوج البكر على الثيب أقام عندها سبعاً ثم قسم وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثاً ثم قسم "(8) .

... * وثاني هذه الخطوط : التكافؤ في الإنسانية . فمن سنن الإسلام أن المرأة كالرجل في الإنسان إلا أن زوجها رئيسها {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ}(9) وهذا شيء غير مألوف عند الغرب ولا في زمان نزول الإسلام ولكنه دين الله .
... ومن أمثلة هذا التكافؤ في حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم - العملية ، أنه كان ينزل على مشورة بعض نسائه وأنه كان يسمح لهن بمناقشته ، وإذا تزوج امرأة فبرضاها .
... يوم الحديبية أمر المسلمين أن يحلقوا وينحروا بعد الصلح ليتحللوا . فبقوا واجمين فدخل على زوجه أم سلمة وهو متأثر فسألته ، فأخبرها فقالت : يا رسول الله أتحب ذلك ؟ اخرج ثم لا تكلم أحداً منهم حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك ، فخرج فلم يكلم أحداً منهم حتى فعل ذلك ، فلما رأى المسلمون ما صنع النبي - صلى الله عليه وسلم - زاح عنهم الذهول فقاموا عجلين ينحرون هديهم ويحلق بعضهم بعضاً حتى كاد بعضهم يقتل الآخر .. " راجع قصة ذلك في صحيح البخاري .
... وقال عمر : فتغضبت يوماً علي امرأتي فإذا هي تراجعني فأنكرت أن تراجعني فالت : ما تنكر أن أراجعك فوالله إن أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - ليراجعنه وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل قال فانطلقت فدخلت على حفصة فقلت : أتراجعين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالت : نعم . قلت : وتهجره إحداكن اليوم إلى الليل ؟ قالت نعم . قلت : قد خاب من فعل ذلك منكن وخسر(10) .
... وقال أنس في الحديث عن صفية : " فكان - صلى الله عليه وسلم - يحوي لها وراء بعباءة ثم يجلس عند بعيره فيضع ركبته فتضع صفية – رضي الله عنها – رجلها على ركبته حتى تركب "(11) .

... فإذا ما عرفت أنه في عصر الفروسية في أوروبا الذي يعتبر العصر الذهبي للمرأة ما كانت تجرؤ امرأة على أن تقدم مشورة لزوجها ، أدركت أن تصرف محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليس وليد بيئته ولا زمانه وإنما هو تصرف الأنبياء .
... ينقل العقاد هذه الحادثة ويعلق عليها من كتاب لغربي يتحدث عن المرأة في عصر الفروسية قال :
... يروي ( أي صاحب الكتاب ) فيها أن الملكة بلانشفلور ذهبت إلى قرينها الملك بيبين تسأله معونة أهل اللورين ، فأصغى إليها الملك ثم استشاط غضباً ولطمها على أنفها بجمع يده . فسقطت مننها أربع قطرات من الدم وصاحت تقول : شكراً لك ، إن أرضاك هذا فأعطني من يدك لطمة أخرى حين تشاء .
... ولم تكن هذه حادثة مفردة ، لأن الكلمات على هذا النحو كثيراً ما تتكرر كأنها صيغة محفوظة ، وكأنما كانت تلك اللطمة بقبضة اليد جزاء كل امرأة جسرت في عهد الفروسية على أن تواجه زوجها بمشورة .
... ولكن المظهر الأعظم من مظاهر هذا التكافؤ . أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما كان يستنكف داخل بيته أن يقوم بحاجته ، وأن يخدم نفسه ، بل إنه كان يقوم أحياناً بحاجة أهله ، وكان يقول :
... " خدمتك زوجتك صدقة "(12) ، فقيام المرأة بشأن البيت ليس عاراً يترفع عنه الرجل ، بل هو كمال يتطاول إليه الرجل ولا يأنف ، وكيف يأنف المسلم وقد فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
... والمرأة تحب من زوجها أن يكون جميلاً متجملاً ، وأن يقضي حقها الجنسي ، وأن يكون لطيفاً معها مؤنساً لها ، وهذا كله خط آخر من خطوط معاملة الرسول صلى الله عليه وسلم لأزواجه .
... فقد كان أجمل الناس وكان مع هذا الجمال أنيقاً ، لا يطيق ما يتنافى مع هذه الأناقة مع بساطة المظهر وروي عنه قوله : اغسلوا ثيابكم وخدوا من شعوركم واستاكوا وتزينوا وتنظفوا فإن بني إسرائيل لم يكونوا يفعلون ذلك فزنت نساؤهم(13) . ويقول " فإذا جامع أحدكم أهله فليصدقها ثم إذا قضى حاجته قبل أن تقضي حاجتها فلا يعجلها حتى تقضي حاجتها "(14) . وكان يفعل هذا كله وأكثر منه فقد ورد في وصفه إذا خلا مع أهله :
... " كان ألين الناس ضحاكاً بساماً "(15) .
... " كان من أفكه الناس مع نسائه "(16) .
... " كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار وهن إحدى عشر . قيل لأنس وكان يطيقه(17) ؟
... قال : كنا نتحدث أنه أعطي قوة ثلاثين في الجماع(18) .
... وكان من آداب الإسلام أنه إذا كان للرجل زوجة أن يعفها . أي أن يجامعها حتى لا تشعر بحاجة إلى الرجال .
... وجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مقياس الأخلاق معاملة الرجل لزوجته إذ أنها الضعيفة تحت يده ، الدائمة العشرة لها ، فكان من كلامه " خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي "(19) وما ضرب امرأة قط وكان يؤنب من يضرب .
... " أما يستحي أحدكم أن يضرب امرأته كما يضرب العبد ؟ يضربها أول النهار ثم يجامعها آخره "(20) .


... 4- والخط العريض الرابع في معاملته لزوجاته حسن سياستهن وتأديبهن :
... كن يغرن وكان يتحمل هذه الغيرة إلا أن تخرج عن الخط السوي فيؤدب .

... تقول عائشة – رضي الله عنها - : ما رأيت صانعة طعام مثل صفية صنعت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - طعاماً وهو في بيتي ، فأخذني أفكل – أي قشعريرة – فارتعدت من شدة الغير فكسرت الإناء ثم ندمت فقلت : يا رسول الله ما كفارة ما صنعت ؟ قال إناء مثل إناء وطعام مثل طعام(21) .
... وكان يداري قلوبهن حتى تصفوا . تقول صفية : وما كان أبغض إلي من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قتل أبي وزوجي فما زال يعتذر إلي وقال : يا صفية : إن أباك ألب علي العرب وفعل وفعل حتى ذهب ذلك من نفسي (22) .
... وكن يأخذن حريتهن في الكلام فيسمع ويرد ويؤدب :
... كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحفظ لخديجة ذكراها بشكل منقطع النظير فهو آية الوفاء في دنيا المروءة وكان من وفائه لها أن يبر كل امرأة كانت لها صلة بخديجة وأنه كان يذكرها بكل خير حتى أن عائشة لم تغر من امرأة كما غارت من خديجة وهي متوفاة قالت له مرة :
... خديجة خديجة لكأنما ليس في الأرض امرأة إلا خديجة . فتركها فترة ثم عاد وأمها أم رومان عندها فقالت له أمها : يا رسول الله مالك ولعائشة : أنها حديثة السن وأنت أحق من يتجاوز عنها فلم يدعها حتى أخذ بشدقها معاتباً وهو يقول لها :
... ألست القائلة كأنما ليس على وجه الأرض امرأة إلا خديجة ؟(23)
... وقالت له مرة : ما تذكر من عجوز حمراء الشدقين قد بدلك الله خيراً منها فأسكتها قائلاً :
... " والله ما أبدلني الله خيراً منها . آمنت بي حين كذبني الناس ، وواستني بمالها حين حرمني الناس ، ورزقت منها الولد وحرمته من غيرها "(24) .

... وقالت : دخل علي يوماً رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت : أين كنت منذ اليوم ؟ قال يا حميراء كنت عند أم سلمة . قلت ما تشبع من أم سلمة فتبسم ثم قلت يا رسول الله ألا تخبرني عنك لو أنك نزلت بعدوتين إحداهما لم ترع والأخرى قد رعيت أيهما كنت ترعى ؟ قال : التي لم ترع قلت فأنا ليس كأحد من نسائك ، كل امرأة من نسائك كانت عند رجل غيري فتبسم عليه السلام(25) .
... وكن يمزحن فيشاركهن سرورهن .
... أخرج أبو يعلى عن عائشة – رضي الله عنها – قالت : أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - بحريرة قد طبختها له فقلت لسودة - رضي الله عنها – والنبي - صلى الله عليه وسلم - بيني وبينها : كلي فأبت فقلت لتأكلين أو لألطخن وجهك فأبت فوضعت يدي في الحريرة فطليت وجهها فضحك النبي - صلى الله عليه وسلم - فوضع بيده لها وقال لها : الطخي وجهها فضحك النبي - صلى الله عليه وسلم - لها .
... وفي رواية فخف لها ركبته لتستقيد مني فتناولت من الصحفة شيئاً فمسحت به وجهي ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يضحك .
... والخط العريض الخامس أنه صلى الله عليه وآله وسلم رفعهن إلى أخلاق النبوة ولم يستطعن أن يحدن به عن طريقه ، وأعظم حادث يصور لنا هذا الوضع هو حادث تخييرهن إذ هن طلبن أن يوسع عليهن في المعيشة والنفقة ، فكانت سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الإعراض عن الدنيا وطلب الآخرة ، وكانت النتيجة أن خيّرهن بين البقاء عنده ، والرضى عن هذه الحياة الهادفة إلى اليوم الآخر . أو الطلاق ، وأمرهن بيدهن ، وهذا غاية العدل وغاية الحزم .
... وهذه هي القصة كما يرويها بعض الصحابة :
... أخرج أحمد عن جابر – رضي الله عنه – قال :

... أقبل أبو بكر – رضي الله عنه – يستأذن على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والناس ببابه جلوس والنبي - صلى الله عليه وسلم - جالس فلم يؤذن له ثم أقبل عمر – رضي الله عنه – فاستأذن فلم يؤذن له ثم أذن لأبي بكر وعمر فدخلا والنبي - صلى الله عليه وسلم - جالس وحوله نساؤه وهو - صلى الله عليه وسلم - ساكت فقال عمر لأكلمن النبي لعله يضحك فقال عمر يا رسول الله لو رأيت ابنة زيد امرأة عمر سألتني النفقة آنفاً فوجأت عنقها ؛ فضحك النبي حتى بدت نواجذه وقال : هن حولي يسألنني النفقة . فقام أبو بكر إلى عائشة ليضربها وقام عمر إلى حفصة كلاهما يقولان :
... تسألان النبي - صلى الله عليه وسلم - ما ليس عنده ، فنهاهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلن ك والله لا نسأل رسول الله بعد هذا المجلس ما ليس عنده ، قال وأنزل الله عز وجل الخيار فبدأ بعائشة فقال : " إني أذكر لك أمراً ما أحب أن تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك قالت وما هو ؟ قال فتلا عليها {ياأَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً * وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً}(26) .
... قالت : أفيك أستأمر أبوي ؟ بل أختار الله ورسوله وأسألك أن لا تذكر لامرأة من نسائك ما اخترت فقال - صلى الله عليه وسلم - إن الله تعالى لم يبعثني معنفاً ولكني بعثني معلماً ميسراً لا تسألني امرأة منهن عما اخترت إلا أخبرتها .
... وروى أحمد من حديث طويل عن ابن عباس عن عمر قال :

... فقلت : الله أكبر لو رأيتنا يا رسول الله وكنا معشر قريش قوماً نغلب النساء فلما قدمنا المدينة وجدنا قوماً تغلبهم نساؤهم فطفقن نساؤنا يتعلمن من نسائهم فتغضبت علي امرأتي يوماً فإذا هي تراجعني فأنكرت أن تراجعني فقالت :
... ما تنكر أن أراجعك فوالله إن أزواج رسول الله ليراجعنه وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل . فقلت قد خاب من فعل ذلك مهن وخسر ، أفتأمن إحداهن أن يغضب الله عليها لغضب رسوله ، فإذا هي هلكت . فتبسم رسول الله فقلت يا رسول الله فدخلت على حفصة فقلت : لا يغرك أن كانت جارتك هي أوسم وأحب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منك فتبسم أخرى فقلت : أستأنس يا رسول الله ؟
... قال : نعم .
... فجلست فرفعت رأسي في البيت فوالله ما رأيت فيه شيئاً يرد البصر إلا أهبة ( جلوداً ) ثلاثة فقلت : ادع يا رسول الله أن يوسع على أمتك فقد وسع على فارس والروم وهم لا يعبدون الله فاستوى جالساً ثم قال : أفي شك أنت يا ابن الخطاب ؟ أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا .
... فقلت : استغفر لي يا رسول الله .
... وكان أقسم أن لا يدخل عليهن شهراً من شدة موجدته عليهن حتى عاتبه الله عز وجل .
... وفي كل ما نقلناه لك من هذه الخطو تجد الزوج المثالي والقدوة العليا في كل أمر . ولا يفوتنا قبل الانتهاء من هذه الفقرة أن نذكر أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - الذي كان عنده هذا العدد من النساء ، والذي كان يقوم بواجبه تجاههن . والذي كان يعطيهن من ذاته ما رأينا . هو الذي كان يقوم بالأعباء الضخمة التي لم يتحمل مثلها رجل غيره . من عبادة إلى سياسة إلى قتال إلى تدبير أمر ، ومن عادة الناس أن يشغلهم شيء من هذا عن أهليهم ، ولكنه الكمال عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث تقوم الواجبات كلها ومع الواجبات غيرها ولا يؤثر القيام بإحداها على غيره من دلائل النبوة والرسالة .
وأخيراً :
... يقول العقاد : قال لنا بعض المستشرقين إن تسع زوجات لدليل على فرط الميول الجنسية .
... قلنا : إنك لا تصف السيد المسيح بأنه قاصر الجنسية لأنه لم يتزوج قط ، فلا ينبغي أن تصف محمداً بأنه مفرط الجنسية لأنه جمع بين تسع نساء .
... ونحن قبل كل شيء لا نرى ضيراً على الرجل العظيم أن يحب امرأة ، ويشعر متعتها : هذا سواء الفطرة لا عيب فيه ، وما من فطرة هي أعمق في طبائع الأحياء عامة من فطرة الجنسين ، والتقاء الذكر والأنثى ، فهي الغريزة التي تلهم الحي في كل طبقة من طبقات الحياة ما لا تلهمه غريزة أخرى .
... أرأيت إلى السمك وهو يعبر الماء الملح في موسمه المعلوم فيطوي ألوفاً من الفراسخ ليصل إلى فرجة نهر عذب يجدد فيها نسله ثم يعود أدراجه ؟ أرأيت إلى العصفور وهو يبني عشه ويعود من هجرته إلى وطنه ؟ أرأيت إلى الزهر وهو يتفتح ليغري الطير والنحل بنقل لقاحه ؟
... أرأيت إلى سنة الحياة في كل طبقة من طبقات الأحياء ؟ ما هي سنتها إن لم تكن هي سنة الألفة بين الجنسين ؟ وأين يكون سواء الفطرة إن لم يكن على هذا السواء ؟
... فحب المرأة لا معابة فيه .
... هذا هو سواء الفطرة لا مراء .
... وإنما المعابة أن يطغى هذا الحب حتى يخرج عن سوائه وحتى يشغل المرء عن غرضه ، وحتى يكلفه شططاً في طلابه . فهو عند ذلك مسخ للفطرة المستقيمة يعاب كما يعاب الجور في جميع الطباع .
... فمن الذي يعلم ما صنع النبي في حياته ، ثم يقع في روعه أن المرأة شغلته عن عمل كبير أو عن عمل صغيرة .؟
... مَن من بناة التاريخ قد بنى في حياته وبعد مماته تاريخاً أعظم من تاريخ الدعوة المحمدية ، والدول الإسلامية ؟ ومن ذا الذي يقول إن هذا عمل رجل مشغول ؟
... عمَّ شغلته المرأة ؟
... ومن ذا تفرغ لعظيم من المسعى فبلغ فيه شأو محمد في مسعاه ؛؟
... فإن كانت عظمة الرجل قد أتاحت له أن يعطي الدعوة حقها ويعطي المرأة حقها فالعظمة رجحان وليست بنقص ، وهذا الاستيفاء السليم كمال وليس بعيب . ورسالة محمد إذن هي الرسالة التي يتلقاها أناس خلقوا للحياة ، ولم يخلقوا نابذين لها ولا منبوذين منها ، فليست شريعة هؤلاء بالشريعة المطلوبة ، فيما يخاطب به عامة الناس في عامة العصور ، وأعجب شيء أن يقال عن النبي أنه استسلم للذات الحس وقد أوشك أن يطلِّق نساءه أو يخيرهن في الطلاق لأنهن طلبن إليه المزيد من النفقة وهو لا يستطيعها .


... نساء محمد يشكون قلة النفقة والزينة ، ولو شاء لأغدق عليهن النعمة وأغرقهن في الحرير والذهب وأطايب الملذات .
... أهذا فعل رجل يستسلم للذات حسه ، أما كان عليه يسيراً أن يفرض لنفسه ولأهله من الأنفال والغنائم ما يرضيهن ولا يغضب المسلمين ، وهم موقنون أن إرادة الرسول من إرادة الله ؟
... وماذا كلفه الاحتفاظ بالنساء حتى يقال إنه كان يفرط في ميله إلى النساء ؟ هل كلفه أن يخالف ما يحمد من سننه أو يخالف ما يحمد من سيرته أو يترخص فيما يرضاه أتباعه ولا ينكرونه عليه ؟ لم يكلفه شيئاً من ذلك ، ولم يشغله عن جليل أعماله وصغيرها ، ولم نر هنا رجلاً تغلبه لذات الحس كما يزعم المشهرون . بل رأينا رجلاً يغلب تلك الملذات في طعامه ومعيشته وفي ميله إلى نسائه . فيحفظها بما يملك منها ولا يأذن لها أن تسومه ضريبة مفروضة عليه ، ولو كانت هذه الضريبة بسطة في العيش قد ينالها أصغر المسلمين ، ولا شك في قدرة النبي عليها لو أراد .


... وهكذا نبحث عن الرجل الذي توهمه المشهرون من مؤرخي أوربا فلا نرى إلا صورة من أعجب الصور التي تقع في وهم واهم .
... نرى رجلاً كان يستطيع أن يعيش كما يعيش الملوك ويقنع مع هذا بمعيشة الفقراء ثم يقال إنه رجل غلبته لذات حسه ؟ .
... ونرى رجلاً تألبت عليه نساؤه لأنه لا يعطيهن الزينة التي يتحلين بها لعينيه ثم يقال إنه رجل غلبته لذات حسه ؟.
... ونرى رجلاً آثر معيشة الكفاف والقناعة على إرضاء نسائه بالتوسعة التي كانت في وسعه ثم يقال إنه رجل غلبته لذات حسه .
... ذلك كلام لو شاء المشهرون أن يرسلوه كلاماً مضحكاً مستغرباً لأفلحوا فيما قالوه ... أقبح فلاح .
... ويزيد في غرابته أن الرجل الذي توهموه ذلك التوهم لم يكن مجهولاً قبل زواجه ولا بعد زواجه فتخبط فيه الظنون ذلك الخبط الذريع . فمحمد كان معروف الشباب قبل قيامه بالدعوة الدينية كأشهر ما يعرف فتى من قريش وأهل مكة .
... كان معروفاً من صباه إلى كهولته ، فلم يعرف أنه استلم للذات الحس في ريعان صباه ، ولم يسمع عنه أنه لها كما كان يلهو الفتيان حين كانت الجاهلية تبيح ما لا يباح ... بل عرف بالطهر والأمانة واشتهر بالجد والرصانة ... وقام بالدعوة بعدها فلم يقل أحد من شائنيه والناعين عليه والمنقبين وراءه عن أهون الهنات : تعالوا يا قوم فانظروا هذا الفتى الذي كان من شأنه مع النساء كيت وكيت يدعوكم اليوم إلى الطهارة والعفة نبذ الشهوات ... كلا لم يقل أحد هذا قط من شائنيه وهم عديد لا يحصى ولو كان لقوله موضوع لجرى على لسان ألف قائل .
... إلا أن المشهرين المتقوِّلين نسوا كل حقيقة من حقائق هذه الحياة الزوجية التي سجلت لنا بأدق تفصيلاتها ، ولم يذكروا إلا شيئاً واحداً حرفوه عن معناه ودلالته ، ليفتوا على النبي ما طاب لهم أن يفتروه وذاك أنه جمع في وقت واحد بين تسع زوجات .
... نسوا أنه اتسم بالطهر والعفة في شبابه فلم يستبح قط لنفسه ما كان شباب الجاهلية يستبيحونه لأنفسهم من اللهو المطروق لكل طارق في غير مشقة عندهم ولا معابة .
... ونسوا أنه بقي إلى نحو الخامسة والعشرين لم يتصف في طلب الزواج الحلال وهو ميسر له تيسيره لكل فتى وسيم حسيب منظور إليه بين الأسر وبين الفتيات .
... ونسوا أنه لما تزوج في تلك السن كان زواجه بسيدة في نحو الأربعين اكتفي بها إلى أن توفيت وهو يجاوز الخمسين .
... نسوا أنه اختار أحساباً في حاجة إلى التألف أو الرعاية ولم يختر جمالاً مطلوباً للمتاع .
... ونسوا أن الرجل الذي وصفوه بما وصفوا من تغليب لذات الحس لم يكن يشبع في بعض أيامه من خبز الشعير ولم يجاوز حياة القناعة قط لإرضاء نسائه ... ولو شاء لما كلفه إرضاؤهن غير القليل بالقياس إلى ما في يديه .
... نسوا كل هذا وهو ثابت في التاريخ ثبوت عدد النساء اللاتي جمع بينهن عليه الصلاة والسلام فلماذا نسوه ؟
... نسوا لأنهم أرادوا أن يعيبوا وأن يتقولوا وأن ينحرفوا عن الحقيقة وقد كانت رؤية الحقيقة أيسر لهم من الإغضاء عنها ، لو أنهم أرادوها وتعمدوا ذكرها ولم يتعمدوا نسيانها .


... وبعد فهل رأيت زوجاً مثل محمد - صلى الله عليه وسلم - بين الأزواج ؛ إنك لم تر وكذلك لن ترى مثله أباً بين الآباء :
... أخرج مسلم عن أنس بن مالك – رضي الله عنه – قال :
... " ما رأيت أحداً كان أرحم بالعيال من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :
... قال : كان إبراهيم ( أي ابنه الصغير ) مسترضعاً له في عوالي المدينة فكان ينطلق ونحن معه فيدخل البيت وإنه ( أي البيت ) ليدخن وكان ظئره قينا فيأخذه فيقبله ثم يرجع " .
... وأخرج أبو يعلى عن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – قال : رأيت الحسن والحسين رضي الله عنهما على عاتقي النبي - صلى الله عليه وسلم - فقلت نعم الفرس تحتكما . فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - ونعم الفارسان هما " .
... وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس – رضي الله عنه – قال : خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - حامل الحسن – رضي الله عنه – على عاتقه فقال له رجل : يا غلام نعم المركب ركبت . فقال النبي ونعم الراكب هو .
... وأخرج الطبراني عن البراء بن عازب قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي فجاء الحسن والحسين أو أحدهما فركب على ظهره فكان إذا رفع رأسه قال بيده فأمسكه أو أمسكهما قال : نعم المطية مطيتكما ".
... وأخرج الطبراني عن جابر قال دخلت على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يمشى على أربعة وعلى ظهره الحسن والحسين ( رضي الله عنهما ) وهو يقول :
... " نعم الجمل جملكما ونعم العدلان أنتما " .
... وأخرج الطبراني عن جابر – رضي الله عنه – قال : " كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدعينا إلى طعام فإذا الحسين – رضي الله عنه – يلعب في الطريق مع صبيان فأسرع النبي - صلى الله عليه وسلم - أمام القوم ثم بسط يده فجعل حسين يفر ههنا وههنا فيضاحكه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أخذه فجعل إحدى يديه في ذقنه والأخرى بين رأسه وأذنيه ثم اعتنقه وقبله ثم قال : حسين مني وأنا منه أحب الله من أحبه . الحسن والحسين سبطان من الأسباط " .
... أرأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في جلاله العظيم كيف يعطي الأولاد حقهم وليس أولاده فقط بل كل الأولاد .
... أخرج الإمام أحمد عن عبد الله بن الحارث – رضي الله عنه – قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصف عبد الله وعبيد الله وكثير بن عباس – رضي الله عنهم – ثم يقول : من سبق إلي فله كذا وكذا قال : فيستبقون إليه فيقعون على ظهره وصدره فيقبلهم ويلتزم " .
... وأخرج ابن عساكر عن عبد الله بن جعفر – رضي الله عنه – قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا قدم من سفر تلقى بصبيان أهل بيته وإنه جاء من سفر فسيق بي إليه فحملني بين يديه ثم جيء بأحد ابني فاطمة الحسن أو الحسين – رضي الله عنه – فأردفه خلفه فدخلنا المدينة ثلاثة على دابة .
... وأخرج ابن عساكر أيضاً عن عبد الله بن جعفر قال : مر بي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا ألعب مع الصبيان وحملني أنا وغلاماً من العباس – رضي الله عنه – على الدابة فكنا ثلاثة .
... وأخرج ابن عساكر أيضاً : عنه قال : لو رأيتني وقثما وعبد الله ابني عباس – رضي الله عنهم – ونحن صبيان نلعب إذ مر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على دابة فقال ؛ ارفعوا هذا إلي فجعلني أمامه وقال : ارفعوا هذا إلي فجعله وراءه وكان عبيد الله أحب إلى عباس من قثم فما استحيا من عمه أن حمل قثما وتركه قال : ثم مسح على رأسي ثلاثاً كلما مسح قال : اللهم اخلف جعفراً في ولده " .
... ولا تحسب أن هذا لإكرام للصبيان فقط بل للبنات والصبيان :
... أخرج البخاري عن أبي قتادة قال خرج علينا النبي - صلى الله عليه وسلم - وأمامه بنت أبي العاص – رضي الله عنها – ( أي بنت بنته ) على عاتقه فصلى فإذا ركع وضع وإذا رفع رفعها " . فهذه سيرته مع الأطفال ذكوراً وإناثاً .
... أخرج الطبراني عن السائب بن يزيد – رضي الله عنه – أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل حسناً – رضي الله عنه – فقال له الأقرع بن حابس لقد ولد لي عشر ما قبلت واحداً منهم فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يرحم الله من لا يرحم الناس " .
... وأخرج أبو يعلى عن أنس – رضي الله عنه – قال كان رسول الله يسجد فيجيء الحسن أو الحسين فيركب ظهره فيطيل السجود فيقال : يا نبي الله أطلت السجود فيقول : ارتجلني ابن فكرهت أن أعجله " .

... والشعب الذي كان يئد البنات ويرى أن موت البنات من المكرمات ، ولا يرى أحدهم البنت شيئاً ، ويستقبل ولادتها هذا الاستقبال السيء الذي وصفه القرآن {وَإِذَا بُشرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُو?ءِ مَا بُشرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ}(27) .
... هذا الشعب هو الذي كان منه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان يعامل بناته بما سنقصه عليك فهل تراها بعد ما تقرؤها أخلاقاً وليدة بيئتها ، أو أنها النبوة والتربية الإلهية لصاحبها ، وحاشا أن تكون إلا الثانية .
... أخرج البخاري عن عائشة – رضي الله عنها – قالت : ما رأيت أحداً من الناس كان أشبه بالنبي - صلى الله عليه وسلم - كلاماً ولا حديثاً ولا جلسة من فاطمة – رضي الله عنها – قالت : وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا رآها وقد أقبلت رحب بها ثم قام إليها فقبلها ثم أخذ بيدها فجاء بها حتى يجلسها في مكانه وكانت إذا أتاها النبي - صلى الله عليه وسلم - رحبت به ثم قامت إليه فقبلته . وإنها دخلت على النبي - صلى الله عليه وسلم - في مرضه الذي قبض فيه فرحب بها وقبلها وأسر إليها فبكت ثم أسر إليها فضحكت " ولما سألتها عائشة عما أسر لها رفضت أن تجيبها حتى إذا قبض - صلى الله عليه وسلم - قالت فاطمة " أسر إلي فقال : إني ميت فبكيت ثم أسر إليَّ فقال : إنك أول أهلي بي لحوقاً فسررت بذلك وأعجبني " .
... وماتت فاطمة بعد ستة أشهر من وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
... وأخرج الترمذي عن جميع بن عمير التيمي قال : " دخلت مع عمتي على عائشة –رضي الله عنها – فسئلت أي النساء كان أحب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ قالت فاطمة : فقيل من الرجال ؟ قالت ك زوجها إن كان ما علمت صواماً قواماً " .

... وعن المسور بن مخرمة – رضي الله عنه – قال : " خطب علي بنت أبي جهل وعنده فاطمة فسمعت بذلك فأتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت يزعم قومك أنك لا تغضب لبناتك وهذا علي ناكح ابنة أبي جهل فقام النبي - صلى الله عليه وسلم - فتشهد وقال أما بعد فإني أنكحت أبي العاص بن الربيع فحدثني وصدقني وإن فاطمة بضعة مني يريبني ما يريبها والله لا تجتمع بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبنت عدو الله أبداً قال فترك علي الخطبة .
... وفي رواية أخرى قال : " سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول وهو على المنبر : إن بني هشام بن المغيرة استأذنوني في أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب فلا آذن ثم لا آذن إلا أن يريد ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم فإنما هي بضعة مني يريبني ما يريبها ويؤذيني ما آذاها " أخرجه الخمسة إلا النسائي " .
... أرأيت براً أبلغ بالبنات من هذا البر وما ذكرناه نموذج وإلا فأي بنت من بناته الأربع كانت تلاقي من العطف والبر ما تلاقيه فاطمة – رضي الله عنه – إنها كمال الأبوة في أكمل نبي .


... ولكن الشيء الأدل في هذا الباب على أخلاق النبوة مع هذه المحبة أنه ما كان ليرضى لبنته أن تعيش إلا كما يعيش أكثر الناس فقراً . ذلك طابع الحياة التي يريدها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لنفسه ولأهله ، لا تشغلهم الدنيا عن الآخرة ، وحتى تتمحص أنفسهم لله واليوم الآخر . تأمل هذه الأمثلة وتذكر أن أحب الخلق إليه بشهادة عائشة هي فاطمة :
... " أخرج البيهقي في الدلائل عن علي قال :
... خطبت فاطمة إلى رسول الله فقالت مولاة لي : هل علمت أن فاطمة قد خطبت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ قلت : لا . قالت : قد خطبت فما يمنعك أن تأتي رسول الله فيزوجك ؟ فقلت : وعندي شيء أتزوج به ؟ فقالت : إنك إن جئت رسول الله زوجك قال : فوالله ما زالت ترجيني حتى دخلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما أن قعدت بين يديه أفحمت فوالله ما استطعت أن أتكلم جلالة وهيبة فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما جاء بك ؟ ألك حاجة ؟ فسكت فقال :
... لعلك جئت تخطب فاطمة .
... فقلت : نعم
... فقال : وهل عندك من شيء تستحلها به ؟
... فقلت : لا والله يا رسول الله
... فقال : ما فعلت درع سلحتكها ؟ فوالذي نفس علي بيده إنها لحطمية ما قيمتها أربعة دراهم ، فقلت : عندي فقال : قد زوجتكها فابعث إليها بها فاستحلها بها فإن كانت لصداق فاطمة بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
... وأخرج النسائي عن ثوبان :
... ..... فانتزعت فاطمة سلسلة في عنقها من ذهب فقالت : هذه أهداها إلي أبو حسن فدخل صلى الله عليه وسلم والسلسلة في يدها فقال : يا فاطمة ، أيسرك أن تقول الناس : ابنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في يدها سلسلة من نار ثم خرج فلم يقعد فأرسلت فاطمة بالسلسلة فباعتها واشترت بثمنها عبداً فأعتقته فحدث رسول الله بذلك فقال : الحمد لله الذي أنجى فاطمة من النار " .
... وأخرج البخاري ومسلم : قال علي لابن أعبد ألا أحدثك عني وعن فاطمة ؟ قلت : بلى قال : إنها جرّت بالرحى حتى أثَّر في يدها واستقت بالقربة حتى أثرت في نحرها وكنست البيت حتى اغبرت ثيابها ( وأوقدت القدر حتى دكنت ثيابها ) فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - خدم فقلت لو أتيت أباك فسألته خادماً فأتته فوجدت عنده حداثاً فرجعت فأتاها من الغد فقال : ما كان حاجتك ؟ وسكتت فقلت : أنا أحدثك يا رسول الله جرت بالرحى حتى أثرت في يدها وحملت بالقربة حتى أثرت في نحرها فلما أن جاء الخدم أمرتها أن تأتيك فتستخدمك خادماً يقيها حر ما هي فيه فقال : اتقي الله يا فاطمة وأدي فريضة ربك واعملي عمل أهلك وإذا أخذت مضجعك فسبحي ثلاثاً وثلاثين واحمدي ثلاثاً وثلاثين وكبري أربعاً وثلاثين فتلك مائة فهي خير لك من خادم فقالت : رضيت عن الله وعن رسوله ولم يخدمها " .
... إن كمال محمد - صلى الله عليه وسلم - كزوج وكماله كأب . كماله في عدله وفي رحمته وفي لطفه وفي أنسه ، وفي رعايته وفي حسن سياسته وفي استقامته ، وفي حمل أزواجه وأولاده على طريقه . كل هذا شاهد صدق ودليل حق على أنه المثل الأعلى للإنسان في كل جانب من جوانب حياته ، وإنه القدوة العليا لكل إنسان في أي جزء من أجزاء تصرفاته .

الشيخ سعيد حوى

__________
(1) الأحزاب : 50 .
(2) الأحزاب : 50 .
(3) الأحزاب : 38 .
(4) الأحزاب : 50 .
(5) الأحزاب : 52 .
(6) رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي .
(7) أخرجه مالك ومسلم وأبو داود والنسائي .
(8) أخرجه الستة إلا النسائي .
(9) البقرة : 128 .
(10) أخرجه الإمام أحمد .
(11) أخرجه الشيخان وأبو داود النسائي .
(12) للديلمي في مسند الفردوس وحسنه السيوطي .
(13) ابن عساكر عن علي بسند ضعيف .
(14) أخرجه أبو يعلى وعبد الرزاق في الجامع عن أنس .
(15) أخرجه الخرائطي والحاكم .
(16) أخرجه ابن عساكر عن أنس ضعيف الإسناد ومعناه صحيح .
(17) أخرجه ابن سعد وابن عساكر عن عائشة – رضي الله عنها – ضعيف الإسناد ومعناه صحيح .
(18) راجع أحمد والسنن الأربعة والبيهقي والحديث صحيح .
(19) أخرجه الترمذي .
(20) للشيخين والترمذي .
(21) أخرجه أبو داود والنسائي .
(22) أخرجه الهيثمي ج9 ص251 ورجاله رجال الصحيح .
(23) أخرجه الشيخان .
(24) أخرج المحب الطبري في السمط الثمين -15-
(25) أخرجه البخاري .
(26) الأحزاب : 28 ، 29
(27) النحل : 58 ، 59 .

الرجوع الى فهرس براهين سعيد حوى 

  أرسلت في الجمعة 12 مارس 2010 اعتمد بواسطة abasheikh  


 

روابط ذات صلة
 · زيادة حول - محمد رسول الله
· الأخبار بواسطة abasheikh


أكثر مقال قراءة عن - محمد رسول الله:
أشرف الخلق

  .  

تقييم المقال
 
المعدل: 5
تصويتات: 1


الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ

  .  

خيارات
 
 صفحة للطباعة صفحة للطباعة

  .  

"الرسول رجل الأسرة الأول أباً وزوجاً" | دخول/تسجيل عضو | 0 تعليقات
اكتب اسمك أسفل تعليقك.

التعليق غير مسموح للضيوف, الرجاء التسجيل

عبد الباسط عبد الصمد

الرد على القمص إبراهيم لوقا

تنزيه القرآن الكريم

العقيدة المسيحية

الأسفار القانونية الثانية والأبوكريفا

الله واحد أم ثلاثة


برهانكم للرد علي شبهات النصارى مكرس للرد علي ترهات النصاري وتطاولهم علي الإسلام .. حقوق النشر متاحة للجمع ونرجوا ذكر صفحة المقال واسم الكاتب ..