هذه الصفحة مكملة للمقال المعنون محمد رسول الله : الصادق الأمين
بقية الصادق الأمين
سعيد حوي
... د )- عن جابر قال : قال
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " إن لكل داء دواء ، فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله " رواه مسلم ، وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله -
r - : " ما أنزل الله من داء إلا أنزل له دواء " رواه
الإمام البخاري . وعن أبي الدرداء قال : قال رسول الله -
r- : " إن الله تعالى أنزل الداء والدواء ، وجعل لكل داء دواء ، فتداووا ، ولا تداووا بحرام " .
أخرجه أبو داود .
... هذه الأحاديث تلح أن لكل داء دواء ، فماذا قال الواقع ؟
... لقد قال الواقع ولا يزال يقول كل يوم إن ذلك حق لا مرية فيه ، ففي كل يوم يكشف أهل الاختصاص دواء لداء لم يكن له دواء معروف . ولعلك تلاحظ أن العلماء مقبلون على محاولة اكتشاف دواء كل داء بروح الواثق أنه لا بد أن يكون لكل داء دواء وإن جهلوه الآن ، فهم لا بد واجدوه . فأخذت هذه القضية مأخذ البديهية في أذهانهم ، وفي ذلك كله تجد كيف أن كلمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا تنتقض بل هي الصدق كل الصدق .
... هـ )- مما قرره علماء الظواهر الطبيعية في عصرنا أن ما ينزل سنوياً من الأمطار في العالم لا يتغير مقداره بتاتاً ، فلا يزيد ولا ينقص ولو مقداراً بسيطاً ، وعللوا ذلك بأن ما تقدمه الشمس من الحرارة نسبته ثابتة . والعوامل الأخرى التي تشارك في وجود ظاهرة المطر تبقى ثابتة ونسبة الأمطار بالتالي لا تتغير بتاتاً في كل عام ، وأما ما نراه من كون المطر ينزل في منطقة واحدة بنسب مختلفة خلال سنين ، فهذا لا يؤثر على جوهر القضية ، لأنه ينقص في مكان على حساب زيادته في مكان آخر ، فالنسبة بالنسبة للعالم كله واحدة وإن اختلفت بالنسبة لكل منطقة على حدة .
... وانظر بعد هذا الذي قدمناه إلى هذا الأثر تجد أن علماء عصرنا ما - زادوا - على أن أكدوا مضمونه ليكون جزءاً من شهادة الواقع على صدق الرسول - صلى الله عليه وسلم - والأثر هو : " ما عام بأمطر من عام "(1) .
... و )- روى أبو داو والترمذي عن ابن عباس حديث دخوله وخالد بن الوليد مع رسول الله على ميمونة . ومن الحديث قال : قال - صلى الله عليه وسلم - : " من أطعمه الله طعاماً فليقل اللهم بارك لنا فيه وأطعمنا خيراً منه ، ومن سقاه الله لبناً فليقل : اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه فإنه ليس شيء يجزي من الطعام والشراب إلا اللبن " .
... إن هذه الحقيقة التي أشار إليها الحديث هي كون الحليب هو الغذاء الكامل وأي غذاء آخر يبقى فيه نقص كغذاء منفرد ، أصبحت الآن تجدها في أي كتاب عن علم التغذية يصدر الآن ، وذلك بعد أن تقدمت وسائل التحليل والتجريب ، وتقدمت العلوم ، فكانت حصيلة ما وصل إليه إنسان عصرنا متناسقةً تماماً مع ما أشار إليه الرسول - صلى الله عليه وسلم - في الحديث بشكل واضح ، وهذه الحقيقة على بساطتها تدلك أن الكلمة النبوية حق وصدق لا يزيدها مرور الأيام إلا ثباتاً .
... ز )- نشر الدكتور " جراد فنتسر " في مجلة كوسموس الألمانية مقالاً تحت عنوان : الأخطار التي تنشأ عن اقتناء الكلاب والاقتراب منه جاء فيه :
.
... " إن ازدياد شغف الناس بالكلاب في هذا العهد الأخير ، يضطرنا إلى لفت الأنظار للأخطار التي تنجم عن ذلك وخاصة إذا دفع اقتناؤها إلى مداعبتها وتقبيلها ، والسماح لها بلحس الأيدي وتركها تلعق فضلات الطعام من أوانيها ، فكل ما ذكره مع نبوّه عن الذوق السليم ، ومنافاته للآداب ، لا يتفق وقوانين الصحة فإن الأخطار التي تهدد صحة الإنسان وحياته بسبب هذا التسامح لا يستهان بها ، فإن الكلاب تصاب بدودة شريطية تتعداها إلى الإنسان وتصيبه بأمراض عضالة قد تصل إلى حد العدوان على حياته " .
... وقد ثبت أن جميع أجناس الكلاب حتى أصغرها حجماً تسلم من الإصابة بهذه الديدان الشريطية .
... وقد رؤي في إقليم فريزلند بهولندة حيث تستخدم الكلاب في الجر . أن فيكل مائة منها 12 إصابة . ووجد في اسلانده شخص مصاب بهذه الآفة في كل 43 شخصاً من أهاليها . وشوهد أن هذه النسبة تزيد في استراليا إذ ثبت وجود شخص في كل 39 شخصاً من سكانها مصاباً بها . وثبت كذلك أنها كانت سبباً مباشر للكثير من الأمراض في الأقطار الأخرى .
... ثم يقول : " ومما تجب على الناس مراعاته عدم مداعبة الكلاب ، وتعويد الأطفال التوقّي منها . فلا تترك تلعق أيديهم ولا يجوز إبقاء الكلاب بمحال نزهة الأطفال ، وميادين رياضتهم ، ويجب أن لا تطعم الكلاب في الأواني المعدّة لأكل الناس وأن لا يسمح لها بدخول متاجر المأكولات والأسواق العامة أو المطاعم . على وجه عام يجب إبعادها عن كل ما له صلة بمأكل الإنسان ومشربه " .
... وإن من كشوفات عصرنا استخراج كثير من مبيدات الجراثيم من التراب وخاصة تراب المقابر ، لأنه أكثر من غيره تلوثاً فمثلاً الستربتومايسين والتتراسكلين والنيوماسين ، وكلها من مبيدات الجراثيم ، استفيد من التراب في استخراجها لوجود ذيفان في جراثيمه يقضي على أنواع من الجراثيم الأخرى .
... ضع ما مر كله في ذهنك واقرأ هذا الحديث :
... روى الإمام مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله - r - قال : " طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه كلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب " . إنك ترى أن كشوفات عصرنا قد برهنت على صدق ما دلنا عليه الحديث .
4- وأخيراً : فإنه ما من كلمة قالها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا والحق والصدق مضمونها . ولكن كلام رسول الله - r- ينقسم إلى قسمين :
ما له علاقة بالغيب .
ما له علاقة بالمشهود المحسوس .
... فالنوع الثاني فقط هو الذي يستطيع الإنسان أن يختبره فإذا ما ثبت صدقه فيه كان ذلك آية صدقه على الأول ، هذا مع أنّ الله عز وجل علامات أخرى تدلّ على صدقه - r- في أمر الغيب ، هي المعجزات والنبوءات . فرسولٌ ثبت صدقه في كل شيء مع هذه المؤيدات لا يبقى مجال أما الإنسان إلا التسليم له .
... ونحب أن نذكر هنا بعض الملاحظات المهمة بمناسبة كلامنا عن صفة الصدق عنده عليه الصلاة والسلام :
... الملاحظة الأولى : إن معرفة صحة الحديث ، وتأكد ثبوته عن رسول الله - r- . ينبغي أن يسبق دراسة المضمون . لأن كثيراً من الكلام دُسَّ عليه ، وقد قام العلماء بتمحيص الصحيح من كل ما روي عنه الصلاة والسلام ، فلا بد من الرجوع إلى ما أثبتوه أولاً ، ليكون تحليل المضمون قائماً على أساس سليم ، وينبغي أن يتوافر هذا في كل دراسة لها علاقة برسول الله - r- .
... الملاحظة الثانية : إن بعض الألفاظ في اللغة العربية نقلت من مدلولاتها اللغوية إلى مدلولات شرعية ، فصارت تطلق على كلا المدلولين وقد تستعمل في القرآن وفي حديث الرسول تارة بالاستعمال الأول ، وتارة بالاستعمال الجديد ، فلا بدل لدارس النص من أن يتأكد من نوعية استعمال اللفظ في النص الذي يدرسه . فمثلاً كلمة " السماء " ذكرت أحياناً في القرآن للدلالة على المعنى اللغوي وهو كل ما على . وذكرت أحياناً للدلالة على السماء التي هي سكن الملائكة وفيها من عالم الغيب فلا بد لدارس نص فيه مثل هذا أن يعرف بواسطة القرائن المقصود الحقيقي من اللفظ في هذا المحل . وقد أخطأ كثيرون في فهم النصوص نتيجة لعدم وضوح هذا عندهم فعرضوا قضايا على أنها حقائق وهي ليست كذلك ، وأنكروا قضايا هي من باب الحقائق ، وهم في كلا الحالتين متوهمون ، وجعلوا توهمهم من الإسلام ، فحمّلوا الإسلام ما ليس منه جهلاً .
... الملاحظة الثالثة : إن بعض الأمور تكون نتيجة لعوامل كثيرة ، كل عامل من هذه العوامل يكون سبباً من عدة أسباب مؤثرة فيه ، وفي هذه الحال لو ذكر إنسان سبباً فقط ولم يذكر الآخر لا يعني هذا أنه ينفي البقية . فمثلاً قد يكون الكسل نتيجة لاجتماع الحر والتعب والضجر والعادة والملل ، وقد تجتمع هذه الأسباب كلها عند إنسان ، فلو قلت لهذا الإنسان : الحر جعلك تكسل لا يعني هذا أنني أنفي الأسباب الأخرى لكسله ، وهناك كثير من القضايا ربطها الله - عز وجل - بأسباب حسية وأسباب غيبية ، كالموت مثلاً فإن له سبباً حسياً هو المرض ، وآخر غيبياً هو قبض الروح من قِبَلَ الملك الموكل بذلك ، وأمور كثيرة من هذا النوع ، والقرآن والحديث قد يتحدثان في موقف عن السبب الحسي لقضية ، وقد يتحدثان في موقف آخر عن السبب الغيبي لها ، ولا يعني أن ذكر أحدهما في موطن نفي للثاني .
... ومن هنا نجد أن كثيرين من الناس يتوهمون في فهم بعض النصوص ، فتراهم إذا قرءوا نصّاً يتحدث عن السبب الغيبي فقط لقضية لها سبب حسي كذلك ، إنهم ينفون السبب الحسي أو العكس في القضايا المقابلة ، وذلك جهل عظيم يقابله جهل الذين يثبتون السبب الحسي فقط ، ولا يثبتون معه السبب الغيبي الذي أخبرنا به الرسول الصادق - صلى الله عليه وسلم - . إن القوارع والجوائح والمصائب التي تصيب بني البشر لها أسبابها العادية ، ولا يتنافى هذا مع كونها بقدرة الله وإرادته انتقاماً من الناس بما صنعوا وتذكيراً لهم حتى يرجعوا . قال تعالى : {وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِّن دَارِهِمْ}(2) .
... الملاحظة الرابعة : تمتلئ كتب التصوف الإسلامي بالحديث عن انكشاف بعض عوالم الغيب لأناس ، ويقول بعض السائرين إلى الله : إن أي إنسان يفعل ما يفعلون يصل مثل الذي يصلون إليه من مثل هذه المشاهدات التي تزيد في يقين الإنسان ، ويلاحظ أن بعض الذين يقولون مثل هذا الكلام ناسٌ مُجْمَعٌ على توثيقهم وصدقهم ، وهذا لا شك من جملة المؤكدات لصدق رسالة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، ولكنا نحب هنا أن نذكر بعض الضوابط لنعرف حدود ما يمكننا قبوله من هذا الكلام فنقول :
... 1- إنّ إمكانية رؤية بعض عوالم الغيب ضمن شروط معينة جائزة . أشار إليها الرسول - صلى الله عليه وسلم - ووقعت لبعض الصحابة ، فقد روى أحمد قول رسول الله - r- لأصحابه وهو يسمع عذاب القبر : " لولا تمرغ قلوبكم وتزيدكم في الحديث لسمعتم ما أسمع " . وقد روى مسلم قول رسول الله - r - لأبي بكر وحنظلة : " والذي نفسي بيده لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم ، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة ، ساعة وساعة ، ساعة وساعة " . وأخرج البخاري عن أسيد بن حضير قال : بينما هو يقرأ من الليل سورة البقرة وفرسه مربوطة عنده إذ جالت الفرس ، فسكت فسكنت الفرس ثم قرأ فجالت وكان ابنه يحيى قريباً منها فانصرف فأخّره ، ثم رفع رأسه إلى السماء فإذا مثل الظلة فيها أمثال المصابيح ، فلما أصبح حدث النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : وتدري ما ذاك ؟ قال : لا . قال : " تلك الملائكة دنت لصوتك ، ولو قرأت لأصبحت ينظر إليها الناس لا تتوارى منهم " . وأخرج الشيخان والترمذي عن البراء قال : كان رجل يقرأ سورة الكهف وعنده فرس مربوطة بشطنين فتغشته سحابة فجعلت تدنو وجعل فرسه ينفر منها فلما أصبح أتى النبي - r - فذكر له فقال : " تلك السكينة تنزلت للقرآن " .
... 2- لكننا لا نستطيع قبول كلام يدعي صاحبه أنه من مثل هذا إلا بشروط منها :
... أ- أن يكون ممن تقبل شهادته ، فالفاسق والمبتدع والضال وجميع هؤلاء لا تقبل شهادتهم وكلامهم في مثل هذه القضايا .
... ب- وأن يكون هذا الاطلاع كأثر من آثار التزامه بشريعة الله ، وسنة رسول الله - r- ، فلا نقبل كلام إنسان ادعى أنه شاهد من مثل هذا باتباعه طريقاً لم يشرعه لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، لأنه بعمله فسق والفاسق لا شهادة له .
... ج- وأن يكون ما اطلع عليه من عالم الغيب متفقاً مع أن ما أخبر عنه رسول الله - r - ، لأن رسول الله هو الذي لا يمكن أن يكون في كلامه خطأ ، ولأن الله جعله الحجة على الناس في كل شيء ، فلا تقبل كلام إنسان ينقضه نص .
... د- وألا يكون مدعاه أنه شاهد شيئاً تستحيل مشاهدته شرعاً في قوانين كوننا الحالية ، أو يرتب على مشاهدته تشريعات محدثة .
... فمن توافرت فيه هذه الشروط وأخبرنا أنه قد حدث له من هذه الكشوفات ، فلا علينا لو قبلنا كلامه إذ لا مبرر لتكذيبه ، ولم يعرف عنه إلا الصدق ، ولعل الفارق بين العقل الخرافي العقل العلمي هو التثبت لا الإنكار دون مبرر ، فهذا نوع من المرض العقلي يشبه المرض الآخر .
... الملاحظة الخامسة : إن هناك ظواهر غيبية كثيرة تحتاج إلى تحليل ووضع لها في محلها الصحيح :
ظاهرة الأحلام .
ظاهرة التنويم المغناطيسي .
ظاهرة تحضير الأرواح .
ظاهرة الاتصال بعالم الجن .
ظاهرة التلبائي .
... هذه الظواهر وكل منها يدعم قضية الإيمان بعالم الغيب من زاوية من الزوايا ، بصرف النظر عن تعليل هذه الظواهر ، إلا أنها جميعاً تشير إلى قضية واحدة هي وجود عالم غيبي كما أخبر الرسل ، تمثل هذه الظواهر جزءاً منه .
... فانكشاف شيء من المستقبل البعيد للإنسان وهو في حالة النوم , ووقوعه في كثير من الأحيان حرفياً دون أن يكون في بعض الحالات تفكير مسبق عنه ، دليل على وجود علم محيط بالمستقبل ، هو غيب بالنسبة لنا .
... وظاهرة التنويم المغناطيسي تدل بشكل لا يقبل الجدل ، على وجود الروح وعلى أن لها قوانينها وعالمها الخاص ، فالإنسان في حالة النوم المغناطيسي ، تكون حواسه كلها معطرة ، وحتى الأفعال الانعكاسية تكون في حالة شلل تام ، حتى لو وخزت النائم بإبرة فإنه لا يظهر عليه أي شعور ، ومع ذلك فإنك تسأله عن أشياء بعيدة عنه ، فيحدثك عنها وكأنها لا يراها وهو لا يعرفها في حالة اليقظة ، ولا يستطيع لو كان مستيقظاً أن يجيب على أي سؤال مما أجاب عليه وهو نائم ، فإذا استيقظ من هذا النوع من النوم فإنه لا يتذكر شيئاً مما سئل عنه وأجاب . وهذه نقول عجيبة سجلت في حالات التنويم المغناطيسي :
... نقل " بيو " في كتابه : " المخاطبات على التنويم المغناطيسي " هذه المحاورة بين منوَّم ومنوَّمة كما نقلها " شارول " قالت المنوَّمة : هل تسمع ما يأمرني به ؟ فقال الدكتور : من هو الذي يأمرك ؟ فقالت هي : ألست تسمعه ؟ فقال : كلا لم أسمع شيئاً ولم أر أحداً . فقالت : حقيقة لأنك نائم وأنا يقظى . فقال لها الدكتور : كيف ذلك أتدّعين أني نائم وأنت يقظى ، مع أنك تحت تأثير إرادتي في الحالة المغناطيسية ، إنك تتوهمين أنك يقظى لكونك تكلميني ، وإنك متمتع بنوع من الإرادة ، ولكنك في الحقيقة لا تستطيعين أن تفتحي جفنيك . فقالت : إني أكرر لك القول بأنك أنت النائم وأنا بالعكس اليقظى تماماً على مثل الحالة التي سنكون عليها جميعاً في يوم ما لأفسر لك ذلك . إن كل الذي تستطيع أن تراه أنت ليس إلا أشكالاً غليظة مادية ، فلا يمكن أن تميز إلا أشكالها الظاهرة ، ولكن جمالها الحقيقي محجوب عنك تماماً ، أما أنا في حالة وقوف وظائفي أعضائي الآن وفي حالة حرية روحي من علائقها الاعتيادية ، فإني أرى ما هو مستور عنك وأسمع ما لا يمكنك سماعه ، وأفهم كل ما هو غير مفهوم لديك. إلى أن قالت : وإني بمجرد الإرادة أستطيع أن أسمع الأصوات البعيدة عني ولو كان بيني وبينها مائة فرسخ . وبالاختصار فإني لا أحتاج أن تأتي الأشياء إليّ أنا بل أذهب إليها حيثما كانت ، وأحكم على حقيقتها بطريقة أضبط مما يحكم بها عليها أي إنسان آخر لا يكون في الحالة التي أنا عليها .
... ونقل " أكزاكوف " في كتابه : " المذهب الروحي وفن استحضار الأرواح " ما يلي :
... " إن زوجة الإنجليزي الشهير " دومرجان " معتادة على تنويم امرأة وجعل روحها تخرج من جسدها وتذهب إلى المحل الذي تعينه لها ، فقالت لها يوماً وهي تحت تأثير النوم المغناطيسي : إذهبي إلى منزلي القديم فقالت المنوَّمة : قد فعلت وطرقت الباب بشدة ، قالت زوجة دومرجان : فذهبت في اليوم التالي لأتأكد من صدقها ، وسألت عما حصل في تلك اللحظة فأجابني السكان بأنهم سمعوا طرقاً شديداً على الباب ، فذهبوا إليه فلم يجدوا أحداً فعلموا أن ذلك فعل الأشقياء من الأطفال .
... وينقل أكزاكوف كذلك حادثة أخرى لها علاقة بظاهرة تحضير الأرواح ، هي أنه كان يحضر روحاً مع ثلة من إخوانه ، وكانت الواسطة امرأة شهيرة هي مدام " دسبرانس " فشاهد أن الروح تجسدت من نصفها الأعلى وأن الواسطة التي هي المرأة قد فقدت أطرافها السفلى تماماً . وقد فحصوا ذلك بأيديهم وأعينهم وهم في غاية الدهشة ، فلم يجدوا لأطرافها أثراً ثم لما ذهبت الروح عادت إليها أطرافها ، وقد شاهد مثل هذه الحادثة التي فيها يفنى جسد الواسطة كله أو بعضه علماء آخرون " .
... وظاهرة تحضير الأرواح كظاهرة التنويم المغناطيسي أصبحت منتشرة في كل مكان في العالم ، وهي تدل بمجملها على وجود عالم الغيب ، إذ الأرواح التي تحضر قسم منها يذكر أنه أرواح بشر ، وأخرى تذكر أنها أرواح جن ، وهي كما رأيت في بعض مظاهرها أن بعض الأجسام لا ترى مع وجودها إذا كانت في حالة روحية معينة .
... وأما ظاهرة التلبائي(3) وهي الظاهرة التي تحدث لبعض الناس ، إذ يشاهدون حوادث بعيدة جداً بشكل خارق ، فهي كذلك تدل على أن في الإنسان شيئاً غير الجسد ، وأما ظاهرة الاتصال بالجن وهي ظاهرة موجودة بشكل واضح في بعض المناطق ولها خصائصها الغريبة. فهي تؤكد بشكل ما وجود عالم الجن والشياطين الذي أخبر عنه الرسل . هذه الظواهر كلها تشير وتؤكد أن هناك عالم غيب ، ولكن هذه الظواهر كلها لا يصح أن تكون وسيلة من وسائل المعرفة وطريقاً من طرق الهداية ، إذ ما من واحدة منها فيها ضمانة على أنها طريق سليم للمعرفة ، إذ يختلط بها الكذب بالصدق ، والحق بالباطل ، وروح الشيطان بروح الإنسان ، وليست هناك مسؤولية محددة ، كما أن للدجل في كثير من أحوالها نصيباً . لذلك يبقى أمام الإنسان طريق وحيد مأمون لمعرفة عالم الغيب ، هو طريق الرسول المؤيد بالمعجزة من عالم الغيب ، وهي شهادة ضمان كاملة على الحق ، عدا عن كون البلاغ يأتينا عن مصدر ثقة مسؤول مشاهد لنا معروف ، مادام الرسول وحده هو المصدر الوحيد للمعرفة في موضوع عالم الغيب ، فينبغي أن يعرض استخدام هذه القضايا على هديه ، ليعرف حكم الجواز أو عدمه . كما ينبغي أن يعرض ما يأتينا منها على هديه ليعرف وجه الحق فيه ، ولا يصح أبداً أن نعتبر أمثال هذه الطرق وسيلة من وسائل المعرفة الجازمة أو طريقاً من طرق الهداية المستقلة .
.
... الملاحظة السادسة : إن سبب التزامنا الكامل بقول الرسول - r - كمقياس وحيد للحق ، وهو أنه وحده الذي كلفنا الله - عز وجل - باتباعه وتصديقه ، وألزمنا ذلك وأقام علينا الحجة فيه بالعلامات الكثيرة التي جعلها مؤيدة له ، وشاهد صدق على رسالته ، فكان هذا ضماناً لنا بأنه على الحق والصدق اللَّذَيْن لا شبهة فيهما ، لأن الله وحده هو المحيط علماً بكل شيء ، والمنزه عن كل خطأ ، وهذا رسوله - r - الذي ينطق بأمره ووحيه ، فهو كذلك منه عن الخطأ والباطل برعاية الله وتعليمه ، وهذه شهادة الواقع تثبت أن الحق كل الحق في كل كلمة قالها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
... ذكرنا هذه الملاحظات الستة في معرض الحديث عن صفة الصدق عند رسول الله - r - لأن الذي يصرف بعض الناس عن الإيمان شبهة لها علاقة بواحدة من هذه الملاحظات ، كمثل ذلك الذي يستبعد وجود عالم غيبي ، أو كذلك الذي أشكل عليه نص ، إما لأن النص غير صحيح النسبة لرسول الله . أو لعدم حمل الحديث على المعنى المراد . أو لقصور الاطلاع وهكذا ...
... وعلى كل فإن كل ما كتبناه هنا عن صفة الصدق لرسول الله هو مقدمة البرهان عليها . وإلا فإن هذا البحث بأبوابه الخمسة برهان عليها وتأكيد لمضمونها بالشكل الذي يثلج القلب بإذن الله ببرد اليقين
(1) تفسير ابن كثير سورة الفرقان
(2) الرعد : 31 .
(3) انظر مادتي " نوم " ج10 ص 412 و " روح " ج 4 ص 369 في دائرة معارف القرن العشرين لفريد وجدي
الرجوع الى فهرس براهين سعيد حوى