كثير مما قيل فيما سبق يمكن أن ينطبق كذلك على الكتب الأخرى داخل العهد الجديد. فبعضها مجهول المؤلف، وأعني تحديدا الرسالة إلى العبرانيين والكتب التي تعرف برسائل يوحنا الأولى والثانية والثالثة. ليس هناك أي سبب، كما أدرك ذلك بالفعل الكثير من مؤلفي الكنيسة، للاعتقاد بأن بولس هو من كتب الرسالة إلى العبرانيين، لكنها ضُمَّت في نهاية المطاف إلى القائمة الرسمية لأسفار الكتاب المقدس بمعرفة آباء الكنيسة الذين دافعوا عن صحة نسبتها إلى بولس. لكن أسلوب الكتابة، في حقيقة الأمر، مختلف تمام الاختلاف عن أسلوب بولس؛ كما أن القضايا الأساسية التي أهتمت ببيانها الرسالة غائبة تماما عن رسائل بولس الأخرى، وكذا طريقة مؤلفها في الاستدلال ليست أبدا مشابهة لطريقة بولس. ولماذا أصلا يظن ظانٌّ أن بولس هو مؤلفها؟ فعلى العكس من كتاباته الشخصية، كاتب هذه الرسالة أمسك عن التصريح باسمه.
وكذا ما يعرف برسائل يوحنا، لا تدعي هي الأخرى أن يوحنا هو مؤلفها؛ فالرسالتان الثانية والثالثة كتبتا بيد إنسان يطلق على نفسه لقب «الشيخ»، فيما لا يذكر مؤلف الرسالة الأولى أي شئ عن نفسه. فالمؤلف من المحتمل جدا أن يكون أي رئيس من رؤساء الكنيسة في نهاية القرن الأول الميلادي تقريبا.
وهناك كتابات أخرى يجمع مؤلفيها تشابهٌ في الأسماء(homonymous) مع شخصيات أخرى دينية. فمؤلف رسالة يعقوب لا يزعم أنه «يعقوب» معين على وجه الحصر، ناهيك عن يعقوب الذي تعرفه التقاليد الأخرى باعتباره أخا ليسوع. أما رسالة يهوذا، ففيها زعم بأن كاتبها هو يهوذا «أخو يعقوب». وهكذا فيمكن ترجمة تلك الإشارة على أنها زعم منه بأنه أخو يسوع، وذلك لأن اثنين من أخوة يسوع، وفقا لإنجيل مرقس، كانا يسميان يعقوب ويهوذا. لكن الغرابة في هذا المسلك تنبع من أنه إذا كان يريد أن يظن الناس أنه أخو يسوع لكي يحصل لكتابه على سلطان أكبر في نفوس المؤمنين، فلن يخرج عليهم ليقول ما قال. وكلا الاسمين، يعقوب ويهوذا، كانا أسماء شائعة الاستعمال في العصور اليهودية القديمة وداخل الكنيسة المسيحية. وقد زعم مسيحيون من أزمنة تالية ممن كانوا منهمكين في رسم حدود القائمة الرسمية لأسفار الكتاب المقدس أن هذين الاثنين هما قريبا يسوع، لكن الرجلين نفسيهما لم يدعيا هذا مطلقا.
كذلك من الصعب أن يصدق المرء أن هذه الرسائل قد كتبها ريفيان ينتميان إلى الطبقة الدنيا ويتحدثان اللغة الآرامية ينحدران من الجليل(أخوهما الأكثر منهما شهرة لم تعرف عنه إجادته للكتابة، ناهيك عن تأليف مقال بالغ التعقيد باللغة اليونانية). حجتنا هنا هي نفسها التي سقناها من قبل في شأن إنجيل يوحنا: فمن الناحية النظرية، من الجائز أن أخوي يسوع - وهما الذان نشأا في المناطق النائية من ريف الجليل، ويعملان بأيديهما من أجل الحصول على لقمة العيش، واللذان لم يكن لديهما أبدا لا الوقت ولا المال اللازمان للحصول على قسط من التعليم- قد قررا أن يتعلما اللغة اليونانية في وقت متأخر من حياتهما وأن يحصلا على دورات في تعلم الصياغة الأدبية، وذلك حتى يكون بمقدورهما أن يكتبا هذه الكتب التي تتسم بعلو بلاغتها وتعقيدها النسبي. لكن هذا إلى حد ما يبدو بعيد الاحتمال.
والفكرة ذاتها تصدق تماما على رسالتي بطرس الأولى والثانية. لكن هذين الكتابين، شأنهما في ذلك شأن الرسائل البولسية الثانوية(الرسالة الثانية إلى تسالونيكي والرسالة إلى أهل كولوسي والرسالة إلى أهل أفسس) والرسائل الرعوية، يزعمان بالفعل أنهما قد كتبا بيد شخص لم يكتبهما. فالكتابان منسوبان زورا بكل ما يعنيه هذا المصطلح من معنى: فكلاهما مزوران على ما يبدو.
لكن الأمر الذي لا خلاف حوله هو أن كاتب رسالة بطرس الثانية، أيًّا ما تكن حقيقة شخصيته، ليس هو من كتب الرسالة الأولى: فبين أسلوبي الكتابة في الرسالتين بون شاسع. ولقد ظهر بالفعل في الكنيسة في عصورها الأولى من بين العلماء المسيحيين من حاول إثبات أن بطرس لم يكتب الرسالة الثانية. والنزاع حول هذا الأمر في أيامنا هذه هو أقل منه فيما يتعلق بالرسائل الرعوية. إن الكتاب المسمى بـ«رسالة بطرس الثانية» كتبه بعد وقت طويل من وفاة بطرس شخص ما أزعجه أن يرى بعض الناس ينكرون اقتراب حلول نهاية الزمان (بوسع المرء أن يتفهم وجهة نظر هؤلاء المتشككين كلما مرت السنين)؛ وقد أراد هذا المؤلف أن يحرر هؤلاء الناس من مفاهيمهم الباطلة، وقد فعل ذلك عبر الزعم بأنه ليس سوى سمعان بطرس، اليد اليمنى ليسوع.
أما الكتاب المعروف باسم «رسالة بطرس الأولى» فسخونة النزاع حوله بين العلماء هي أشدُّ أوارا منها في شأن رسالته الثانية. لكن مرة أخرى أقول: كيف لصياد بسيط الحال ينحدر من ريف الجليل أن يطور مهاراته بغتةً في الصياغة الأدبية باللغة اليونانية؟ يدافع البعض أحيانا بقولهم إن بطرس قد استأجر شخصا آخر ليكتب الرسالة بدلا منه، ربما سيلفانوس، على سبيل المثال، الذي ورد اسمه في الرسالة (5 : 12 ). لكن الرسالة ذاتها لا تنطق بهذا. ولو كان شخص آخر هو من كتب الرسالة، ألا يمكن أن يكون هو، وليس بطرس، المؤلف الحقيقي؟ إن الاستخدام الذي تبدو عليه سيماء الحنكة للعهد القديم في هذا الكتاب تفترض أنه مهما يكن من ألفه، فهو حاصل على تعليم عال ومتمرس بعكس سمعان بطرس. ومن الجدير بالذكر أننا نمتلك عددا كبيرا من الكتب التي يعود تاريخها إلى زمان المسيحية الأولى وتدعي أن بطرس هو مؤلفها فيما ليس له بها أي علاقة- لدينا، لا على سبيل الحصر، إنجيل بطرس ورسالة بطرس إلى يعقوب، والعديد من «أعمال»(Acts) بطرس، وثلاثة أسفار رؤوية مختلفة تنسب لبطرس. لقد كان تزوير الكتب ونسبتها إلى بولس صناعة منزلية رائجة.
الخاتمة: من كتب الكتاب المقدس؟
أعود الآن لسؤالي الأصلي: من كتاب الكتاب المقدس؟ من بين سبعة وعشرين كتابا يتكون منها العهد الجديد، لدينا ثمانية كتب فحسب نحن على يقين تام من أنها كتبت بيد مؤلفيها الذين تنسب هذه الكتب إليهم عبر التقليد: إنها رسائل بولس السبع غير المتنازع عليها ورؤيا يوحنا، والتي يمكن أن نصنفها ضمن الكتابات مجهولة المؤلف، وذلك لأنها لم تزعم أنها كتبت بيد «يوحنا» محدد؛ وهذا قد اعترف به حتى بعض كتَّاب الكنيسة الأولى.
إن ما سردته من آراء حول مؤلفي أسفار العهد الجديد لا يحسب ضمن الآراء المتطرفة داخل الدوائر العلمية. ولا شك أن ثمة نزاعات بين العلماء حول هذا الكتاب أو ذاك. فقد تجد بعض العلماء المنحكين يعتقدون أن بولس كتب الرسالة الثانية إلى أهل تسالونيكي، أو أن يعقوب أخا يسوع كتب رسالة يعقوب، أو أن بطرس هو مؤلف رسالته الأولى. لكنَّ غالبية علماء النقد قد ساورتهم الشكوك طويلا حول نسبة هذه الكتب، ويكاد ألا يكون هناك أي نزاع حول بعض أسفار العهد الجديد، مثل الرسالة الأولى إلى تيموثاوس ورسالة بطرس الثانية. فهذان الكتابان لم يكتبهما مؤلفاهما المفترضان.
لقد ثارت الشكوك حول تأليف الكتابات التي أصبحت جزءًا من القائمة الرسمية لأسفار الكتاب المقدس في عصر الكنيسة الأولى، ولكن العلماء في العصور الحديثة والتي تبدأ من القرن التاسع عشر قد زادوا الحجج الأصلية قوة باستدلالاتهم المقنعة. وحتى في يومنا هذا ينفر الكثير من العلماء من مجرد تسمية الوثائق المزورة التي يشتمل عليها العهد الجديد بالكتابات المزورة- فما نتحدث عنه هنا، في نهاية المطاف، هو الكتاب «المقدس». لكن الحقيقة هي أنه مهما يكن تعريفك لمصطلح «التزوير»، فهو ينطبق على هذه الكتابات. لقد كتبت أعداد كبيرة من الكتب في عصر الكنيسة الأولى بمعرفة مؤلفين ادعوا زورا أنهم رسل المسيح لكي يغرروا بقرائهم فيقبلوا كتبهم والآراء التي كانوا يمثلونها.
هذا الرأي الذي يشتمل على القول بأن العهد الجديد يحوي بين جلدتيه كتبا ألفت بأسماء غير حقيقية يجري تدريسه في كل مؤسسات التعليم العالي الرئيسة تقريبا باستثناء المدارس الإنجيلية في العالم الغربي. إنها وجهة النظر التي يجري تعليمها في كل مناهج التدريس الأساسية لمادة العهد الجديد والتي تشرح في هذه المؤسسات. إنها الرؤية التي تدرس في المعاهد اللاهوتية والمدارس الدينية. إنها المادة العلمية التي يدرسها القساوسة عندما يجري تأهيلهم من أجل الخدمة في الكنيسة.
ولماذا لا ينتشر العلم بهذا الأمر على نطاق أوسع؟ ولماذا لا يعرف ذلك الفرد القابع على مقاعد إحدى مقصورات الكنيسة، ناهيك عن الأشخاص العاديين في الشارع، شيئا عن هذا؟ لا شك أن تخمينك للإجابة صحيح مثلما هو تخميني لها.
الدكتور بارت إيرمان Bart D.Ehrmam
من كتاب صوت يسوع المحجوب
ترجمة الأستاذ كرم شومان
الإسم الأصلي للكتاب Jesus Interrupted
اذهب الي -تحريف أقوال يسوع