الرسالة الثانية إلى أهل تسالونيكي
واحد من أسباب النزاع على هوية مؤلف هذه الرسالة هي أنها، فيما يتعلق بأسلوب الكتابة وبالألفاظ المستعملة فيها، تبدو مشابهة كثيرا لرسالة نحن على يقين كبير من أن بولس بالفعل قد كتبها، وأعني بها الرسالة الأولى إلى أهل تسالونيكي. بل إنهما متشابهتين كثيرا حتى إن بعض العلماء قد تذرعوا بهذا التشابه في القول إن المؤلف المزوِّر للرسالة الثانية قد استعمل الرسالة الأولى إلى أهل تسالونيكي كنموذج يسترشد به في بناء الرسالة، لكنه أضاف بعد ذلك المحتوى الذي ينتمي لأفكاره هو والذي يختلف اختلافا بيِّنا عن محتوى نموذجه الاسترشادي. إن التشابه بين الرسالتين يكشف واحدة من المشكلات التي واجهها العلماء في طريق إصدار حكمهم على وثيقة قديمة بكونها مزورة أم لا. إن أي إنسان لديه المهارة في اجتراح تزوير سيبذل بطبيعة الحال قصارى جهده لجعل عمله الخاص يبدو شبيها لعمل الشخص الآخر الذي يقلده. بعض المزورين سيكون أفضل من البعض الآخر في هذا المضمار. ولكن إذا كان شخص ما يجيد هذا إجادة خاصة، فمن العسير أن نظهر ما فعله، على الأقل على أساس اعتماد الأسلوب كقرينة للحكم.
ولكن ما السبب الذي قد يدفع شخصا ما أن يحاكي أسلوب بولس ومع ذلك يأخذ لنفسه توجها لاهوتيًّا مخالفا لتوجهه؟ بمقدور المرء أن يفكر في كثير من الأسباب المحتملة: ربما تغير الحال داخل الكنائس، وأراد المؤلف أن يواجه المشكلات الجديدة مستدعيا بولس من بين الأجداث، كما يقال؛ وربما لم يكن في ذهن المؤلِّف تصورا كاملا عن بولس وربما أخطأ في استيعاب بعض من آرائه الهامة(أشار بولس إلى حدوث ذلك في حياته في رسالته إلى أهل رومية على سبيل المثال؛أنظر الرسالة إلى أهل رومية 3 : 8 )؛ وربما ظن المؤلف مخلصًا أن قراءه قد أخطأوا فهم الرسالة الحقيقة التي كان يبشر بها بولس وأراد أن يصحح لهم فهمهم غير عالم بأن القراء منذ البداية قد فهموا الرسالة البولسية فهما صحيحا.
النقطة المنهجية الأساسية التي أدندن حولها سأصوغها كالتالي: سوف يتوقع المرء من مقلد ماهر لأسلوب بولس أن ينجح في جعل نصه ذا جرس مشابه لجرس كلام بولس. لكنه لن ينتظر من بولس أن يكون جرس كلامه غير مشابه لجرس كلام بولس. إن المفتاح لرؤية الرسالة الثانية إلى أهل تسالونيكي كرسالة لم يكتبها بولس هو أن فرضيتها الرئيسة تبدو متناقضة ما ما قاله بولس نفسه في الرسالة الأولى إلى أهل تسالونيكي.
لقد كتبت الرسالة الثانية إلى أهل تسالونيكي لمواجهة العقيدة التي تنص على أن «أَن يوْم المسيح قد حضر»(2 : 2 )، وهذه العقيدة من المحتمل أنها تعتمد على رسالة أقدم من الرسالة الثانية إلى تسالونيكي وقد جرى تزويرها ونسبت إلى بولس وهي الآن مفقودة. فأما المسيحيون الذين وجهت إليهم هذه الرسالة فيبدو أنهم كانوا يعتقدون أن نهاية الأيام-أي لحظة عودة المسيح في مجده- وشيكة جدا. فكتب هذا المؤلف تصحيحا لهذا الانطباع المغلوط. وهكذا في الإصحاح الثاني، الذي يعد قلب الرسالة، يشير المؤلف إلى أنه ثمة سلسلة من الأحداث التي ينبغي أن تقع قبل مجيء النهاية. فأولا سيقع نوع من العصيان العام الموجه ضد الرب، وستظهر الشخصية المعروفة بـ«ضد المسيح» وسيجلس في هيكل اليهود معلنا نفسه ربًّا. هذا الرجل المناوئ للشريعة سيصنع كل أنواع المعجزات المبنية على الخديعة وسيتجول ليقود الشعب إلى الضلال( 2 : 1 – 12 ). وفقط بعد هذه الأحداث ستأتي النهاية أخيرا. وإذن فالنهاية لم تأت بعد وليست حتى وشيكة الحدوث؛ وحينما ستأتي ستسبقها علامات واضحة وظاهرة للعيان حتى إن الراسخين من أهل العلم من المسيحيين لن يأخذوا على غرة.
إن هذه رسالة آسِرة وقوية. لكن المشكلة أنها لا تتفق كثيرا مع ما قاله بولس بلسانه في الرسالة الأولى إلى أهل تسالونيكي.
لقد كتبت الرسالة الأولى إلى أهل تسالونيكي لمواجهة سؤال عما سيحدث قبل نهاية الأيام حينما يعود يسوع من السماء في مجده(1 تسالونيكي، 4 : 13 – 18 ). والسبب الذي أدى ببولس إلى كتابة هذه الرسالة هو أن أفراد رعوية تسالونيكي تعلموا من بولس أن النهاية على الأبواب. ولكن الحيرة قد ألمَّت بهم وأصابهم الذهول لأن بعضا من أفراد كنيستهم قد ماتوا بالفعل قبل عودة يسوع. فهل هؤلاء لم ينجحوا في الحصول على جائزتهم بأن يؤتى بهم مع يسوع عند قدومه الثاني؟ يكتب بولس ليؤكد لهؤلاء الذين ما يزالون أحياء أن الموتى سيكونون أول من يبعثون من بين الأموات عند المجئ الثاني للمسيح، وأنهم، كذلك، سيحصلون يقينا على النعم المناسبة لهم.
ثم يواصل بولس تكرار ما قد أخبرهم به حينما كان في وسطهم( 1 تسالونيكي 5 : 1 – 2 ) من أن مجيء يسوع سيكون مفاجئا وعلى نحو غير متوقع«كَلِصٍّ فِي اللَّيْلِ»( 5: 2 ). وسيفاجئهم «هلاك مباغت»( 5 : 3 )، وهكذا كان على أهل تسالونيكي أن يبقوا مستعدين دائما حتى لا يدهمهم المجيء دهما لا يتوقعونه.
لو أن بولس كان يعني ما قاله في الرسالة الأولى للتسالونيكيين من أن عودة يسوع ستكون على حين غرة وأنها ستكون غير متوقعة، فمن العسير أن يصدق المرء أن بإمكانه أن يكتب ما قاله في الرسالة الثانية إلى أهل تسالونيكي من أن النهاية ليست وشيكة الحدوث وأن هناك علامات واضحة المعالم نعرف منها أن النهاية قريبة، علامات لم يظهر أي منها بعدُ. وها هو مؤلف الرسالة الثانية يكتب:«أَمَا تَذْكُرُونَ أَنِّي وَأَنَا بَعْدُ عِنْدَكُمْ كُنْتُ أَقُولُ لَكُمْ هَذَا؟»( 2 : 5 ). لو كان هذا القول صحيحا، فلماذا سيصيب الانزعاج أهل تسالونيكي لموت واحد من أفراد جماعتهم؟ لقد كانوا سيعرفون أن النهاية لم تكن على الأبواب، وإنما ستكون مسبوقة بظهور شخصية«ضد المسيح» ومعه علامات أخر.
يبدو هذا الأمر وكأن بولس لم يكتب الرسالتين جميعا. وربما ألجأت التوقعات المضاعفة من جهة المسيحيين قريبا من نهاية القرن الأول مؤلفًا ما من بين أفراد الكنائس التي أقامها بولس مجهول الهوية أن يؤلف الرسالة الثانية إلى أهل تسالونيكي لكي يهدئ من غلواء توقعاتهم قليلا، ولكي يجعلهم على يقين بأن النهاية نعم آتية، ولكنها ليست وشيكة. بل هناك أشياء ينبغي أن تقع قبل ذلك.
الرسالتان إلى شعبي كولوسي وأفَسُس
الحجج التي استعملت للنيل من موثوقية نسبة هاتين الرسالتين إلى بولس متشابهتان. وهما ومعهما الرسالة الثانية إلى أهل تسالونيكي أطلق عليهم العلماء اسم الرسائل «البولسية الثانوية»( Deutero-Pauline)، وذلك لأن أحدًا لا يؤمن بأن بولس هو مؤلفهم وهو الأمر الذي يجعل من مكانتهم وسط المجموعة الكاملة التي كتبها بولس مكانة ثانوية(وهو المعنى الأصلي لكلمة «deutero»).
وتعدُّ الحجج المساقة من أجل إثبات كون الرسالتين إلى كولوسي وأفسس مزورتين، في رأي غالبية العلماء، أقوى(وخاصة في حالة الرسالة إلى أفَسُس) من أمثالهم مما سيق لبيان عدم أصالة الرسالة الثانية إلى تسالونيكي.
فأولا، أسلوب الكتابة المستعمل في الرسالتين كلتيهما ليس بالأسلوب المميز لكتابات بولس. هذا النوع من الحجج لا يمكن توضيحه من غير التعرض بالتفصيل إلى الطريقة التي تبنى بها الجمل في اللغة اليونانية. ومع ذلك، فالفكرة الأساسية هي أن مؤلفي الرسالتين إلى كولوسي وأفسس كانا ميالين إلى كتابة جملا طويلة ومركبة، فيما لا يميل بولس إلى هذا. فالأعداد من 3 – 8 في الأصحاح الأول هي في النص اليوناني مجرد جملة واحدة؛ إنها جملة بالغة الطول، وتختلف عن أي نوع من الجمل كتبه بولس في كتاباته النمطية اختلافا كبيرا. وكذلك الأعداد 3 – 14 من الإصحاح الأول من الرسالة إلى أفسس فهي حتى أكثر من السابقة طولا، فهي تكوِّن اثني عشر عددا: ولا نجد لذلك مثيلا مطلقا في كتابات بولس. وعشرة في المائة من الجُمَل التي تتكون منها الرسالة إلى أهل أفسس يزيد طولها عن خمسين كلمة؛ وهذه الميزة لا تتسم بها الرسائل البولسية غير المتنازع على نسبتها إليه. فالرسالة إلى أهل فليبِّي، وهي التي تقترب طولا من الرسالة إلى أفسس، تضم فحسب جملة واحدة بهذا الطول؛ وكذلك الرسالة إلى أهل غلاطية والتي تزيد طولا عن الرسائل السابق ذكرها ومع ذلك فهي تضم جملة واحدة فقط بهذا الطول.[2]
وهناك كذلك الكثير من الفقرات في الرسالة إلى أهل كولوسي(أنظر على سبيل المثال الأعداد «1 : 15 – 20 » من الرسالة إلى أهل كولوسي) والرسالة إلى أهل أفسس والتي تملك نبرة لاهوتية أكثر رقيا وتطورا عما يجده المرء في رسائل بولس. ومع ذلك، يبقى الأمر الأكثر أهمية من كل ما سبق هو أنه ثمة نقاط محددة يبدو فيها مؤلفا هاتين الرسالتين، إذا افترضنا أنهما اثنان وليسا واحدا، مختلفان مع ما يطرحه بولس. فالطرفان كلاهما(المؤلفان وبولس كلٌّ على حدى) يريدان أن يتكلما عن الأشياء وكيف كان تغيرها بالنسبة لمن نالوا المعمودية من المؤمنين بيسوع. ولكن ما يذكرانه عن هذا الموضوع يختلف اختلافا كبيرا.
لم يكن الأطفال، في الكنيسة الأولى، يجري تعميدهم، بل الراشدون بعد أن يكونوا قد آمنوا بالمسيح. أما بولس، فقد كانت المعمودية بالنسبة إليه حدثا طقسيا بالغ الأهمية، وليس عملا رمزيا فحسب. فهناك شيء ما يحدث حقيقة عندما يخضع المرء للمعمودية. كان الشخص المعمَّد يتحد مع المسيح في موته اتحادا غير ظاهر.
ولقد طور بولس هذه الفكرة تطورا حذرا في رسالته إلى أهل رومية. والفكرة الأساسية تتميز ببعد رؤوي(apocalyptic). فالعالم يحوي بين جنباته قوىً للشر اتخذت من البشر عبيدا صارفة إياهم عن الله، والخطيئة من بين هذه القوى. فالخطيئة إذن قوة شيطانية، وليست مجرد أمرا سيئا تجترحه. وكل إنسان مستعبد لهذه القوة، وهو ما يعني أننا جميعا معزولون عن الرب انعزالا لا سبيل تقريبا إلى الفكاك منه. والموت هو السبيل الوحيد للهروب من هذه القوة. ولهذا مات المسيح، أي لكي يحرر الناس من قوة الخطيئة. ولكي يهرب الإنسان من الخطيئة، بدوره، ينبغي عليه أن يرافق المسيح في موته. وهذه الرفقة تقع عندما يخضع المرء للمعمودية. فعبر وضع المؤمن تحت الماء(كانت الكنائس البولسية تمارس الغمر الكامل بالماء)، يتحد بالمسيح في موته، ولأنه وضع في القبر ، وكما وضع في القبر، كان كذلك موته موتا لقوى الشر التي بسطت سيطرتها على العالم. فمن خضع للعماد من البشر، لم يعد خاضعا بالعبودية لقوة الخطيئة وإنما «مات مع المسيح»(رومية 6 : 1 – 6 ).
ولقد كان بولس مصرًّا، رغم ما سبق ذكره، على أن الذين قد ماتوا مع المسيح من الناس «لم يقوموا معه من بين الأموات». فأتباع يسوع سوف يقومون من بين الأموات مع المسيح فقط حينما سيعود المسيح من السماء في مجده. فقيامة الأجساد من ثم ستكون حقيقة واقعة. فهؤلاء الذين ماتوا بالفعل في المسيح سيُحْيَوْن، وأما من كانوا ما يزالون أحياء عند هذه اللحظة فسيشهدون تجربة التحول المجيد لأجسادهم والتي سيتحول خلالها هذا الهيكل الفاني إلى آخر، غير فاني، ولا خاضع لآلام الحياة أو لإمكانية الموت.
ومتى تحدث بولس عن قيامة الأموات مع المسيح، فهو يعني دائما حادثا مستقبليا (أنظر، لا على سبيل الحصر، الإصحاح 6 من الرسالة لرومية والإصحاح 15 من الرسالة إلى أهل كورينثوس). إلا أن البعض من المعتنقين للمسيحية داخل الكنائس التي أقامها بولس كان لهم رأي آخر، فقد كانوا يعتقدون أنهم قد شهدوا بالفعل نوعا من القيامة الروحية مع المسيح وأنهم كانوا بالفعل «يحكمون» مع المسيح في السماء. وهذه هي الرؤية التي قاومها بولس مقاومة لا هوادة فيها في رسالته الأولى إلى أهل كورينثوس والتي تأتي فحواها المحورية وذروتها عند نهاية الرسالة حيث يشدد بولس على أن القيامة ليست شيئا مشهود بالفعل بل شيء سيشهده الناس مستقبلا لم يأت بعد، قيامة جسدية حقيقية، مستقبلية، ومادية، وليست قيامة روحية وقعت في الماضي(1 كورينثوس 15 ). وبولس أكثر إلحاحا وتأكيدا في العددين 5 و 8 من الإصحاح السادس من الرسالة إلى رومية على أن من خضعوا للمعمودية قد ماتوا حقا مع المسيح، لكنهم لم يقوموا معه من بين الأموات( لاحظ استعماله للـ«سين» التي تعبر عن الزمن المستقبل):
لأَنَّهُ إِنْ كُنَّا قَدْ صِرْنَا مُتَّحِدِينَ مَعَهُ بِشِبْهِ مَوْتِهِ (فسـ)نَصِيرُ أَيْضاً بِقِيَامَتِهِ...فَإِنْ كُنّا قد متنا مع المسيح نؤمن أَنَنا (سَـ)نَحَيا أَيْضاً معه.
أما الرسالتان إلى أهل كولوسي وإلى أهل أفسس، فكلاهما لا يتفق مع هذا الطرح. فهاكم ما يقوله مؤلف الرسالة إلى أهل كولوسي عن القضية ذاتها:
مَدْفُونِينَ مَعَهُ فِي الْمَعْمُودِيَّةِ، الَّتِي فِيهَا اقِمْتُمْ ايْضاً مَعَهُ بِإِيمَانِ عَمَلِ اللهِ، الَّذِي اقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ.(كولوسي، 2 : 12 )
القارئ العابر ربما لن يكتشف كثير اختلاف بين هاتين الرؤيتين: فكلا المؤلفين، في نهاية المطاف، يتحدثان عن الموت وعن القيامة مع المسيح. لكن الدقة كانت أمرا بالغ الأهمية من وجهة نظر بولس. الموت مع المسيح حدث في الزمان الماضي، لكن القيامة معه لم تكن بالأمر الذي وقع في الماضي على الإطلاق. لقد كانت حدثا مستقبليا. ولقد خصص بولس نصيبا كبيرا من رسالته الأولى إلى أهل كورينثوس للدفاع عن هذه القضية، وذلك تحديدا لأن بعض المؤمنين حديثا قد فهموا هذه القضية فهما خاطئا تماما وهو الأمر الذي بات لأجله منزعجا تمام الانزعاج. ومع ذلك فقد انحازت الرسالة إلى أهل كولوسي تمام الانحياز لوجهة النظر التي كتب بولس رسالته الأولى إلى أهل كورينثوس لمقاومتها.
والرسالة إلى أهل أفسوس هي أكثر تأكيدا في هذا الباب عما تجده في الرسالة إلى كولوسي. ففي معرض حديث المؤلف عن القيامة الماضوية ذات الطبيعة الروحية، يقول، متناقضا مع وجهة النظر البولسية:«وَنَحْنُ أَمْوَاتٌ بِالْخَطَايَا أَحْيَانَا مَعَ الْمَسِيحِ - بِالنِّعْمَةِ أَنْتُمْ مُخَلَّصُونَ- وَأَقَامَنَا مَعَهُ، وَأَجْلَسَنَا مَعَهُ فِي السَّمَاوِيَّاتِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ»(2 : 5 – 6 ). كل ما ذكره هنا قد وقع بالفعل. فالمؤمنون بالفعل يحكمون الآن مع المسيح. وهذا عينه ما فهمه البعض من المؤمنين الجدد من أهل كورينثوس و معهم مؤلفا الرسالتين إلى شعبي كولوسي وأفسس، والذان هما كذلك عضوان في الكنائس التي أنشأها بولس، فهما خاطئا.
هناك كذلك نقاط أخرى أساسية تختلف حولها الرسالتان إلى كولوسي وأفسس مع بولس التاريخي، بما في ذلك الاختلاف من ناحية الكلمات المستعملة والاختلافات في الكيفية التي تستعمل فيها بعض المفردات الشائعة الاستعمال عند بولس في هاتين الرسالتين. لكن قصدي هو أن أنشئ على الأقل وعيا بالأسباب التي أدت بغالبية علماء النقد إلى التشكيك في كون بولس هو من كتب أيا من هاتين الرسالتين. فهاتان الرسالتان، مثلهما في ذلك مثل الرسالة الثانية إلى أهل تسالونيكي، يبدو عليهما أنهما قد كتبتا بعد وفاة بولس(بعد موته بعقد أو عقدين) بيد مؤلفين كانا عضوين في الكنائس البولسية أرادا أن يتوجها إلى المجتمع المسيحي وأن يواجها المشكلات التي طرأت فيه منذ وفاة بولس. ولقد أنجزا ذلك عبر الادعاء بأنهما الرسول نفسه استغفالا منهما لجمهور القراء.
الرسائل الرعوية
هناك قدر أقل من النزاع بين العلماء فيما يتعلق بالرسائل الرعوية، الأولى والثانية إلى تيموثاوس و الرسالة إلى تيطس،مقارنة بالنزاع الحاصل في حالتي الرسالتين إلى شعبي كولوسي وأفسس. ففي أوساط علماء النقد ممن يحاضرون في جامعات أمريكا الشمالية والمملكة المتحدة وأوروبا الغربية، وهي المناطق الرائدة في ميدان الدراسات الكتابية، انعقد الإجماع لسنوات كثيرة على أن بولس لم يكتب هذه الكتب.
وأما أصل التسمية بالرسائل «الرعوية» فلأن «بولس» يبذل في هذه الرسائل النصح لتيموثاوس وتيطس، الذين يزعم أنهما كانا راعيي أبرشيات في أفسس وجزيرة كريت، في شأن السبيل الذي ينبغي عليهما أن يسلكاه لأداء مهامهما الرعوية في الكنائس التي تحت أيديهما. والكتب الثلاثة تغص بالنصائح الرعوية حول مثل هذه القضايا مثل الحديث عن الكيفية التي ينبغي أن يدير بها هذان التابعان لبولس الكنائس بشدة وبحزم وكيف أنه لزاما عليهما أن يفرضا سيطرتيهما على المعلمين الكذبة وأن يختارا للكنيسة قادة مناسبين.
فهل من الممكن أن يكون بولس هو كاتب هذه الرسائل؟ من الناحية الافتراضية لا مانع من ذلك، لكن الدفوع التي تنفي قيامه بهذا تبدو مقنعة على نحو حاسم لغالبية العلماء.
من المتفق عليه عموما أن الرسائل الثلاث مصدرها شخص واحد. فحينما تقرأ الرسالة الأولى إلى تيموثاوس والرسالة إلى تيطس، فستشعر أن هذا واضح وضوح الشمس في رائعة النهار: فكلاهما يتعاملان مع كثير من القضايا عينها، وغالبا ما يستعملان اللغة نفسها أو لغة مشابهة لها. فالرسالة الثانية إلى تيموثاوس تختلف في كثير من الأمور، لكنك إن تقارن بين السطور الافتتاحية فيها مع السطور الافتتاحية للرسالة الأولى إلى تيموثاوس، تجدها، كذلك، تبدو متطابقة تقريبا.
أما كون بولس ليس هو المؤلف ذاته فهذا من الوضوح بمكان بالنسبة لبعض العلماء وذلك اعتمادا على مفردات الرسائل وأسلوب كتابتها. هناك 848 كلمة يونانية مختلفة استعملت في هذه الرسائل، منها 306 كلمة لم تستعمل ولو لمرة واحدة في الرسائل التي تنسب افتراضا لبولس داخل العهد الجديد( بما في ذلك حتى الرسائل: الثانية لأهل تسالونيكي، والرسالتان إلى شعبي أفسس و كولوسي). ويعني هذا أن ما يزيد عن ثلث الكلمات المستعملة فيها ليست كلمات بولسية. ورقم قريب من ثلثي هذه الكلمات غير البولسية هي كلمات كانت تستعمل عادة في كتابات المؤلفين المسيحيين في القرن الثاني الميلادي. يعني هذا أن المفردات المستعملة في هذه الرسائل أكثر تطورا وذات ملامح أكثر تميزا للمسيحية على الحال التي تطورت إليها في أزمنة أحدث.
بعض الكلمات المهمة التي يستعملها هذا المؤلف هي نفسها تلك الكلمات التي يستعملها بولس، لكنا صاحبنا هذا يستخدمها استخدامات مختلفة. خذ كلمة «إيمان» على سبيل المثال. كانت مفردة «إيمان» عند بولس تعني أن يقبل المرء موت المسيح قبولا مبني على الثقة حتى يتبرر أمام الله. وهو إذن مصطلح علائقي يعني شيئا قريبا من كلمة «الثقة». أما في الرسائل الرعوية، فتعني هذه الكلمة شيئا مغايرا: إنها مجموعة العقائد والأفكار التي تتشكل منها الديانة المسيحية(تيطس 1 : 13 ). إنها هنا ليست مصطلحا علائقيا، وإنما مصطلح يحدد مجموعة من التعاليم المسيحية، أو محتوى ما ينبغي الإيمان به- والذي يعبر عن الكيفية التي يصير إليها استعمال المصطلح في السياقات المسيحية الأحدث زمانيا. ومن هنا، فهذا مثال يوضح أن الرسائل الرعوية نشأت فيما يبدو من إطار غير بولسي ينتمي لعصر تال لعصر بولس.
عندما يحاول المرء أن يقرر ما إذا كان مؤلف معين قد كتب كتابا معينا، فمن المعروف أن الحجج المبنية على نوعية الكلمات المستخدمة هي حجج خادعة: فالناس تستعمل الكلمات المختلفة في الظروف المختلفة. لكن في حالتنا هذه تبدو الفروق كبيرة بعض الشيء. ومع ذلك، فهناك حجة أكثر إقناعا وهي تنبع من حقيقة أن وضع الكنيسة الذي تفترضه الرسائل الرعوية برمته هو وضع يختلف فيما يبدو اختلافا بيِّنًا عما نعلمه عن الكنيسة في عصر بولس.
لدينا فكرة جيدة عن أوضاع الكنائس البولسية نستقيها من بعض الرسائل مثل الرسالتين الأولى والثانية إلى أهل كورينثوس واللتين يناقش فيهما بولس أعمال كنائسه الداخلية وكيف جرى تنظيمها وبناؤها، وكيف كانت تدار. لكن الأمور تتغير تغيرا حادًّا حينما نصل إلى عصر تدوين الرسائل الرعوية.
لم تكن الكنائس البولسية مبنية على النظام الهرمي. فلم يكن هناك قائد أو مجموعة من القادة المسئولين عن تدبير شئون الكنيسة. بل كان هناك بالأحرى مجتمعات من المؤمنين كانت تدار عبر الروح القدس العامل في كل فرد من أفراد الكنيسة.
ولعله من المهم جدا أن نتذكر أن بولس كان رؤويا على نحو شامل في آرائه. فقد كان يؤمن أن قيامة المسيح قد ألمحت إلى قرب وقوع نهاية الزمان. وأن هذه النهاية ستحل في أي يوم وذلك عند عودة المسيح من السماء؛ وحينها سيقام الموتى من رقادهم وستتحول أجساد الأحياء من المؤمنين إلى أجساد أخرى غير فانية، وهكذا سيحيا المؤمنون إلى الأبد في المملكة المستقبلية.
وماذا كان ليحدث في غضون ذلك، بينما يجلس المؤمنون في انتظار الرب القادم؟ كان عليهم أن يلتقوا معا في جماعات للعبادة وللتثقيف وللتعلم وطلبا للعون المشترك. وكيف كان على هذه المجتمعات أن تنظم نفسها؟ كان بولس يعتقد أن الله نفسه نظم هذه الكنائس عبر الروح القدس؛ وهذا الأمر قد شرح في الرسالة الأولى إلى كورينثوس، الأعداد 12 – 14 . حينما كان يجري تعميد الناس للدخول في الكنيسة المسيحية، لم يقتصر الأمر على كونهم قد «ماتوا مع المسيح»، بل تعداه إلى أن منحوا موهبة الروح القدس، الذي يمثل الحضور الإلهي هنا على الأرض قبل حلول النهاية. فكل إنسان حتى هذه النقطة يكون قد تلقى نوعا ما من «الموهبة الروحية» التي بمقدوره أن يستعملها لمد يد العون إلى الآخرين داخل الكنيسة. فبعض الناس أعطي موهبة المعرفة، والبعض الآخر موهبة التعليم، والبعض الثالث موهبة العطاء، والرابع موهبة التحدث بالنبوءات التي يتلقاها من الرب، والبعض الخامس يعطي إعلانات إلهامية مصاغة بلغات أجنبية أو سماوية غير مفهومة لدى الجميع (وهو ما يعرف بـ«التكلم بالألسنة»)، وآخرون يفسرون هذه الإعلانات(أو ما يعرف بـ«تفسير الألسنة»). هذه المواهب كان المقصود منها أن تكون في مصلحة الجميع حتى يكون بمقدور جماعة المؤمنين أن تعمل في سلام وتناغم في هذه الأيام الأخيرة التي تسبق النهاية.
ومع ذلك، فكثيرا ما سارت الرياح على غير ما تشتهي السفن في كنيسة كورينثوس على سبيل المثال. لقد كان الأمر فيها، في حقيقة الأمر، أشبه بالفوضى العارمة. فلقد زعم بعض «القادة» الروحيون أنهم أعطوا موهبة روحية أكثر مما أعطي البعض الآخر وحصلوا لأنفسهم على مجموعة خالصة من الأتباع، الأمر الذي أدى إلى حدوث انشقاقات داخل الكنيسة. ولقد خرجت هذه الانشقاقات عن السيطرة خروجا تاما: فبعض أفراد الكنيسة سحبوا البعض الآخر إلى ساحة القضاء مخضعين إياهم للمحاكمات. وكان ثمة انحرافات لا أخلاقية: فبعض الرجال داخل الكنيسة كانوا يترددون على العاهرات ويتفاخرون بذلك داخل أروقة الكنيسة؛ وكان ثمة رجل يرتكب مع زوجة أبيه الفاحشة. وكانت أمور الخدمة داخل الكنيسة كارثة خالصة، فلقد قرر «الأكثر روحانية» بين أهل كورينثوس أن علامة الروحانية التي لا مراء فيها هي القدرة على التكلم بالألسنة وهكذا كانوا يتنافسون الواحد مع صاحبه أثناء الصلاة ليروا أيهما سيفعل ذلك بصوت أعلى صخبا وأكثر مرات من الآخرين. وفي أثناء وجبة العشاء الإلهي الأسبوعية، وقد كانت وجبة حقيقية وليس رقاقة حلوى أو رشفة نبيذ، كان بعض أفراد الكنيسة يأتون مبكرا ويلتهمون من الطعام ما يصيبهم بالتخمة ثم يسكرون، أما الآخرون ممن كان لزاما عليهم أن يَصِلُوا للكنيسة في وقت متأخر(كانوا من الطبقات الدنيا و العبيد ممن كان على الأرجح ملزمين بقضاء ساعات عمل أطول) وأن لا يجدوا من الطعام والشراب ما يتناولونه. بعض أعضاء الكنيسة كانوا على قناعة تامة بتفوقهم الروحي لدرجة أنهم ادعوا أنهم قاموا بالفعل مع المسيح من بين الأموات وأنهم يسيرون أمور الحكم معه في الأماكن السماوية(وهو الأمر المشابه لما ادعاه في وقت تلى هذه اللحظة بسنوات طويلة مؤلف الرسالة إلى أهل أفسس).
يتعامل بولس مع هذه المشكلات التي تمور بها الكنيسة مورا عبر توجهه بخطابه إلى الكنيسة بمعناها الأوسع ملتمسا من أعضائها جميعا أن يغيروا سلوكياتهم. لماذا لم يختص أسقف الكنيسة بحديثه، أو حتى القسيس المسئول؟ لماذا لا يكتب رسالة إلى رأس الكنيسة ليأمره أن يوحد صفوف كنيسته؟ لأنه لم يكن ثمة قائد مطلق للكنيسة. لم يكن هناك أساقفة أو رؤساء قساوسة. في كنائس بولس، التي ازدهرت في الوقت الفاصل بين قيامة المسيح وقيامة المؤمنين، كانت الكنيسة تدار بمعرفة روح الله العامل عبر كل أفراد الكنيسة.[3]
ماذا سيحدث حينما لا يكون هناك هيئة كهنوتية منظمة تنظيما هرميا تمثل الكنيسة رسميا، وحينما لا يكون هناك زعماء معيَّنين، وحينما لا يكون ثمة أحد يتولى المسئولية على عاتقه؟ سيحدث ما حدث بالفعل في كنيسة الكورينثيين. فوضى عارمة ذات امتداد كبير. وكيف يمكننا السيطرة على مثل هذه الفوضى؟ يحتاج شخص من الأشخاص أن يتقدم ليتحمل المسئولية. بمرور الوقت، حدث هذا بالفعل داخل الكنائس التي أسسها بولس. فبعد أن توارى عن مسرح الأحداث، قدرت كنائسه نوع الهيكل الإداري الذي كنت ستقدره حيث يحتل أحد الأشخاص موقع الصدارة، شخص يكون مخولا بإصدار الأوامر، شخص لديه تحت سلطانه قادة آخرين جرى تعيينهم في هذه المناصب لكي يضمنوا أن تظلل الجميع روح التعاون، ولكي يتيقنوا أن التعاليم الصحيحة، والتعاليم الصحيحة وحدها، هي التي يبشر بها داخل الكنيسة، ولكي يهذبوا كل من سار سلوكياته على غير السبيل السويّ.
لم يكن المرء ليجد هذا النوع من الهياكل الإدارية في عصر بولس. لكنه حتما سيجده في الرسائل الرعوية. فلدينا رسائل موجهة للقساوسة الرؤساء داخل الكنائس في اثنين من المجتمعات التي أقامهما بولس. هذه الرسائل توجه إرشادات تعين على إقناع المعلمين الكذبة بالخضوع؛ وتعطي توجيهات لتعيين الأساقفة الذين كانوا مسئولين بوضوح عن الإشراف الروحي على الكنيسة، وكذا الشمامسة الذين كانت مسئولياتهم محصورة في الإشراف على شئون الصدقات والاعتناء بالحاجات المادية للمجتمع؛ كما تصدر تحذيرات بشأن الكيفية التي ينبغي أن يضبط بها الشعب سلوكياته في مختلف الظروف الاجتماعية( سواء أكانوا أزواج، أو زوجات، أباء أم أولاد، سادة أم عبيد) وذلك بغية أن تتوفر لدى الكنيسة القدرة على البقاء لسنوات طويلة.
بالنسبة لبولس، في الجانب الآخر، لم تكن الكنيسة مقدر لها أن تبقى لسنوات طويلة. فقد كان يؤمن بأن النهاية قريبة جدا. لكن النهاية لم تأت، وأصبح لزاما على الكنائس التابعة له أن تخضع لنظام حتى تستطيع البقاء. وهذا ما حدث بالفعل: أنشئ للكنيسة نظام، وكتبت الرسائل الرعوية في ظل هذه المعطيات الجديدة، وربما حدث ذلك بعد موت بولس بعقد أو عقدين من الزمان. في الظروف الجديدة، كتبت الرسالات الثلاث بمعرفة مؤلف ما زعم أنه هو نفسه بولس لكي يضمن لرسالته السلطان الذي تتمتع به كتابات بولس في نفوس المؤمنين. لكن فحوى رسالته لم يكن بولسي على الإطلاق. فبولس عاش في زمان وفي عصر مختلفين.
الدكتور بارت إيرمان Bart D.Ehrmam
من كتاب صوت يسوع المحجوب، اسم
ترجمة الأستاذ كرم شومان
الإسم الأصلي للكتاب Jesus Interrupted
الهوامش
[1]للمزيد من التفاصيل انظر كتابي New Testament: A Historical Introduction, chapter 24
[2] انظر نقاس فيكتور باول في قاموس أنكار Anchor Bible Dictionary, ed. D. N. Freedman
(New York: Doubleday, 1992), vol. 2, s.v. “Ephesians, Epistle to the,” pp. 535–42.
[3]في رسالة فيليبي، بذكر بولس أسقف بالمفرد ويذكر قساوسة وشمامسة ولكن لا يذكر وظائفهم