وهناك نوعان اثنان من الكتابات ذات الانتساب المزور إلى غير مؤلفيها. فالبعض منها يمثل كتبا ألفها مجهولون وحدث فيما بعد أن زعم القراء أو النساخ أو المحررون بطريق الخطإ أنها كتبت بيد شخص ما ذا شهرة؛ والبعض الآخر هو كتب ألفها مؤلفون يتشاركون ذات الاسم مع شخص ذي شهرة.
لم يكن لغالبية الناس في العالم القديم اسم عائلة، ولذلك فاسم «يوحنا» كان من الممكن أن يشير إلى أي واحد من مئات أو آلاف الأشخاص من الناس. ولو كتب مؤلف يسمى يوحنا كتابا وادعى شخص متأخر عنه زمانيا أن هذا الـ«يوحنا» كان في الحقيقة يوحنا بن زبدي( كما زعم بعض الناس فيما يتعلق بكتاب سفر الرؤيا)، فهذه إذن كانت ستكون نسبة مزورة مبنية على تشابه الأسماء.[1]
وكذلك الكتابات التي تحمل «أسماء أدبية»(pseudonymous) تنقسم إلى نوعين: كتابات ألفت تحت «اسم زائف». والاسم المستعار هو أنموذج بسيط من مصطلح الأسماء الأدبية (pseudonym). فعندما كتب «صمويل كلمينس» كتابه «مغامرات هاكلبري فين» ووقع عليه باسم «مارك تواين» لم تكن نيته معقودة على خداع أي أحد؛ بل كان ببساطة يختار اسما آخر لينشر تحته مؤلفاته. وهناك أمثلة قليلة للغاية لهذا النوع من استعمال الأسماء المستعارة في العالم القديم على الرغم من أنها حدثت بالفعل أحيانا. كتب المؤرخ اليوناني «زينوفون» كتابه الشهير «أناباسيس» مستخدما اسما مستعارا وهو «ثيميستوجينيس.» لكننا نجد النوع الثاني من الكتابات باستخدام «الأسماء الأدبية» يتكرر كثيرا في العصور القديمة والذي يحدث فيه أن يستخدم المؤلف اسم إنسان آخر كان يتمتع بشهرة كبيرة لكي يخدع باسمه الجماهير دافعا إياهم إلى الاعتقاد بأنه ذلك الشخص بالفعل. هذا النوع من الكتابة باستخدام الأسماء الأدبية هو نوع من التزوير الأدبي.
تفشي التزوير في العالم القديم
كان التزوير الأدبي من الظواهر الشائعة في العالم القديم. ومصدر معرفتنا عن هذا أن المؤلفين القدماء أنفسهم كثيرا ما تناولوه بالحديث. وبوسع المرء أن يجد نقاشات حول ظاهرة التزوير في كتابات بعض أشهر مؤلفي العصور القديمة. ويمكنه العثور على إشارات إلى التزوير ونقاشات حوله في كتابات اليونانيين والرومانيين في مؤلفات مؤلفين من أمثال «هيرودوتس»، «شيشرون»، «قوينتيليان»، «مارشيال»، «سويتونيوس»، «جالن»، «بلوطارخ»، «فيلاستراتس» و«ديوجينيس لايرتيوس» مع ما بينهم من أزمنة مديدة. وبين المؤلفين المسيحيين تجد نقاشات حول ذات الموضوع في كتابات شخصيات واسعة الشهرة من أمثال «إيريناؤس»، «ترتليانوس»، «أوريجانوس»، «يوسابيوس»، «جيروم»، «روفيناس» و«أغسطينوس».
يزعم بعض علماء العهد الجديد أحيانا أن التزوير كان بالغ الشيوع في العالم القديم حتى إن أحدًا لم يأخذ أمره على محمل الجد: فقد كان التزوير في العادة يمكن اكتشافه بسهولة تامة، أي أنه في الواقع لم يكن المقصود منه خداع أي أحد. [2] ولقد قضيت العامين الأخيرين في تفحص المناقشات القديمة لظاهرة التزوير وخلصت بنتيجة وهي أن النوع الوحيد من الناس الذي يمكن أن يطرح هكذا نظرية هو النوع الذي لم يقرأ المصادر القديمة.
لقد أخذت المصادر القديمة قضية التزوير على محمل الجد. وهي تشجبها تقريبا في جميع الأحوال ، وغالبا ما يكون الشجب بعبارات قوية. ما مدى اتساع شجبهم لها؟ من الغريب أن ممارسة التزوير كانت محط إدانة في كثير من الأوقات وحتى داخل الوثائق التي هي في الأساس وثائق مزورة. أضف إلى ذلك أن الزعم بأن هذه المؤلفات المزورة لم تنطل خدعتها على أحد أبدًا هو زعم مجاف للحقيقة تماما. لقد ظل الناس يتعرضون للخديعة طوال الوقت. وهذا سبب تأليف الناس للكتابات المزورة: التلاعب بالناس وخداعهم.
لست بحاجة لأن أكتب وصفا مفصلا للنقاشات التي شهدها العالم القديم فيما يتعلق بالتزوير في هذا الفصل؛ فثمة قدر كاف من الكتب العلمية التي رصدت هذه المشكلة، مع أن هذه الكتب والتي تتسم بشموليتها أغلبها صادر لسوء الحظ باللغة الألمانية[3] لكني أستطيع هنا أن أوضح هذه المسألة بذكر طرفة معبِّرة جدا.
في روما أثناء القرن الميلادي الثاني كان ثمة طبيب ومؤلف شهير يدعى جالِن. يحكي جالن أنه ذات يوم، بينما يقطع شوارع روما سيرا على قدميه، مر بجانب صالة بيع للكتب. فوجد فيها رجلين يتجادلان حول كتاب معين كان معروضا للبيع، وقد كتب عليه أن صاحبنا جالن هو مؤلفه. أحد الرجلين كان مصرا على أن جالن هو حقا مؤلف هذا الكتاب، بينما كان الثاني يزعم بنفس الحماس أن هذا الكتاب لا يمكن أن يكون من مؤلفاته والسبب في ذلك اختلاف أسلوب الكتابة في الكتاب عن أسلوب جالن. غني عن القول أن دفاع هذا الأخير قد أصاب جالن بالسعادة، فهو لم يكن في الحقيقة قد كتب هذا الكتاب. لكنه كان مشوشا بعض الشئ من أن محاولة شخص ما بيع كتاب زاعما أنه من تأليفه. ولذلك عاد لبيته وألف كتيبا أسماه«كيف تتعرف على كتب جالن». وما يزال هذا الكتيب بين أيدينا حتى اليوم.
لقد مورس التزوير على نطاق واسع، وكان القصد منه أن التغرير بالقارئ، وكثيرا ما انطلى التزوير على القراء. أما كونه لم يكن ممارسة مقبولة فهذا واضح من المصطلحات التي أطلقها الالمؤلفون القدماء عليه. اثنان من بين أكثر المصطلحات شيوعا التي أطلقت على التزوير في اللغة اليونانية هي « pseudon» والتي تعني «كذبة» و «nothon» والتي تعني «طفل مولود من سفاح». هذا المصطلح الأخير هو لفظ سئ وكريه في اللغة اليونانية كما هو الحال في اللإنجليزية. وكثيرا ما يوضع بجوار المصطلح «gnesion» الذي يعني شيئا مثل شرعي أو معتمد.
دوافع تأليف الكتابات المزورة
من الواضح، من استقراء عدد واسع من المصادر القديمة، أن الغرض من التزوير الأدبي كان خداع القراء وجعلهم يعتقدون أن شخصا آخر بخلاف المؤلف الحقيقي هو من كتب هذا الكتاب. ولكن ما الذي دفع المؤلفين لأن ينحوا إلى هذا المنحى؟ لماذا لم يكتفوا بتأليف كتب مستعملين في ذلك أسماءهم الحقيقية؟
كان ثمة الكثير من الدوافع بالنسبة للمؤلفين الوثنيين واليهود والمسيحيين تؤزُّهم أزًّا نحو تزوير النصوص الأدبية. وهاكم عشرة منها:
1- تحقيق ربح ماديٍّ: لقد كانت أعظم مكتبتين في العالم القديم قائمتين في مدينتي الإسكندرية وبيرجاموم. وكان اقتناء الكتب لفائدة مجموعات الكتب التي بحوذة المكتبة في العصور القديمة مختلفا عن ما يحدث اليوم اختلافا كبيرا. فلأن الكتب كانت تنسخ نسخا يدويا، وقد تختلف النسخ المتعددة من الكتاب نفسه أحيانا من ناحية الحجم بين كتاب وآخر، فقد فضلت أهم المكتبات أن تقتني لنفسها نسخة أصلية من الكتاب على أن تقتني نسخة متأخرة ربما تكون الأخطاء قد تسربت إليها. وفقا لما ذكره جالن، هذا الأمر أدى بفئات أصحاب الأعمال أن يختلقوا نسخا «أصلية» من الأعمال الكلاسيكية لبيعها لمكتبتي الإسكندرية وبيرجاموم. ولو كانت المكتبتان تدفعان مالا على كل النسخ الأصلية من المقالات التي كتبها الفيلسوف أرسطو، فستندهش إذا عرفت العدد الكبير من نسخ مقالات أرسطو الأصلية التي ستبدأ في الظهور. بحسب ما تناهى إلى علمي، هذا الحافز المادي لم يكن له أي تأثير على كتابات المسيحيين الأوائل حيث إنها لم تكن تباع في السوق حتى عصور متأخرة جدا.
2- مواجهةً لخصم: كانت الأعمال الأدبية عرضة للتزوير في كثير من الأحيان بهدف تشويه صورة عدوٍّ شخصيّ. أحد مؤرخي الفلسفة اليونانيين ويدعى «ديوجينيس لايرتياس» يشير إلى أن فيلسوفا يدعى «ديوتيماس» زور ثم نشر خمسين رسالة بالغة الفحش نسبها إلى خصمه الفلسفي أبيقور. هذا الأمر لم يكن له أي تأثير نافع على سمعة أبيقور. تساءلت في كثير من الأحيان عن ما إذا كان شئ من هذا النوع يحدث في واحدة من أكثر الأعمال المزورة تميزا في العصر المسيحي الأول. «إبيفانوس» عالم الهرطقات من القرن الرابع أشار إلى أنه قد قرأ كتابا كانت مجموعة مسيحية من الهراطقة المسيحيين بالغي التهتك الأخلاقي تدعى «الفبيونيين»تستعمله في الظاهر. هذا الكتاب، «الأسئلة الكبرى لمريم »، كان في الظاهر يحوي رواية شاذة عن يسوع ومريم المجدلية يأخذ يسوع ضمن أحداثها مريم المجدلية إلى جبل عال وفي حضورها يخلق من ضلعه امرأة (تماما كما أخرج الرب حواء من ضلع آدم) ثم ينخرط في علاقة جنسية معها. وحينما يصل إلى ذروة استمتاعه الجنسي، يقوم عنها ويجمع منيه بين يديه ويَطْعَمُهُ وهو يخبر مريم:« هكذا ينبغي أن نفعل لكي نعيش.» فتفقد مريم وعيها، كما هو متوقع، في الحال(من كتاب«خزانة الأدوية»( The Panarion)، سفر رقم 26 ). هذه القصة الغريبة لا نجد لها أثرا في أي كتاب آخر باستثناء مؤلفات أبيفانيوس الذي اشتهر باختلاقه ما لديه من «معلومات» عن الهراطقة. كثيرا ما أتساءل عما إذا كان قد اختلق هذه الرواية بأكملها، زاعما بأنه عثر عليها في كتاب من كتب الفيبيونيين، لكنه في الحقيقة اختلقها اختلاقا. ولو صح هذا، فقد قام بتزوير كتاب الفبيونيين جزئيا باسم مريم لكي يسئ إلى صورة خصومه الدينيين.
3- مقاومة لوجهة نظر معينة: إذا كنت محقا فيما ذهبت إليه بشأن «إبيفانيوس» وكتابه «الأسئلة الكبرى لمريم»، فإن قدرا كبيرا من دوافعه ستكون رغبته في مقاومة وجهة نظر، وهي هنا الهرطقة الفيبيونية، كان يراها وجهة نظر ضارة. هذا ويمكننا العثور على دوافع مشابهة في حالات عدد كبير من الأعمال المسيحية الأخرى المزورة. فبالإضافة إلى الرسالتين الأولى والثانية إلى أهل كورنثوس، لدينا الرسالة الثالثة إلى أهل كورنثوس لم تصبح جزءًا من العهد الجديد.[4] هذا الكتاب كتب يقينا خلال القرن الثاني وذلك لأنه يدحض بعض الآراء الهرطوقية التي ظهرت في هذه الفترة والتي تفترض أن يسوع لم يكن كائنا بشريا من لحم ودم وأن تلامذته لن يبعثوا حقيقة من الموت في جسد بشري. وفقا لهذا المؤلف، هؤلاء التلاميذ سيبعثون من بين الأموات، كما يصرح هو بكل وضوح بينما يزعم أنه الرسول بولس. ربما يبدو غريبا أن نحاول أن ندحض تعليما باطلا عبر ادِّعائنا لأنفسنا هوية مزيفة، ولكن هذا هو الحال حينها. وهذا حدث كثيرا في الكتابات المزورة المنتمية للتقليد المسيحي المبكر.
4- دفاعا من الشخص عما يؤمن به من تقاليد باعتباره وحيا إلهيا: هناك مجموعة من الكتابات القديمة تعرف باسم«نبوءات العرافة» أو(the Sibylline oracles).[5] العرافة كان من المفترض أن تكون نبية وثنية من العصور القديمة يوحي إليها إله اليونانيين «أبولو». ولكن النبوءات التي نتحدث عنها والتي ما تزال محفوظة حتى وقتنا هذه كتبها اليهود في أغلب الحالات. وتقوم فيها النبية، التي يزعمون أنها كانت تعيش قبل وقوع الأحداث التي تتنبَّأ بها بردح من الزمن طويل، بمناقشة أحداث التاريخ المستقبلية- وهي دائما مصيبة في تنبوءاتها(وذلك لأن المؤلف الحقيقي يعيش بعد وقوع هذه الأحداث) ودائما تعمل على تأكيد صحَّة المعتقدات والممارسات اليهودية الهامَّة. ولكي لا يتفوق عليهم أحد، التقط بعض المسيحيون المتأخرون زمانيا هذه النبوءات وأقحموا فيها إشارات إلى مجئ المسيح فيهم، لكي يصبح الوضع الآن وكأن هذه النبية الوثنية تتنبأ تنبوءات صحيحة عن مجئ المسيح. أي شهادة على صحة الحقيقة الدينية التي يؤمن بها شخص ما من شهادة يزعمون أنها مأخوذة من فم متنبئ من متنبئي الأعداء؟
5- كأمارة من أمارات التواضع؟ يجادل علماء العهد الجديد كثيرا لإثبات أن أفراد بعض المدارس الفلسفية كانوا يكتبون مقالات وينسبونها إلى معلميهم ويوقعون بأسماء معلميهم على كتبهم التي ألفوها هم(أي التلاميذ) كأمارة من أمارات تواضعهم، وذلك لأن أفكارهم الشخصية لا تعدو أن تكون امتدادا لما قاله المعلم نفسه. وقد قيل إن هذا الأمر يصدق تحديدا على مجموعة من الفلاسفة عرفوا باسم «الفيثاغورسيين»، تيمنا باسم معلمهم الفيلسوف اليوناني العظيم «فيثاغورس». مع ذلك، هناك نزاع خطير فيما يتعلق بما إذا كان الفلاسفة الفيثاغورسيون الذين زعموا في كتاباتهم أنهم فيثاغورس قد فعلوا ذلك بالفعل تواضعا منهم أم لا: فليس ثمة أي إفادات يمكن العثور عليها بخصوص هذا المؤثر داخل كتابات هؤلاء، ما لدينا ليس إلا إفادات في كتابات مؤلفين عاشوا بعد العصر الذي عاش فيه هؤلاء بقرون.[6] أقول إن هؤلاء الفيثاغورسيين ربما كانت لهم دوافع أخرى أوحت إليهم أن يُقْدِموا على هذا الصنيع الذي صنعوه.
6- حبًّا في شخص المؤلف: على المنوال ذاته ينسج بالفعل أحد مؤلفي العصور القديمة كان قد زعم أنه زور كتابه بدافع من الحب والتبجيل. إن هذا موقف بالغ الشذوذ أمسك فيه مزور متلبسا بجريمته. وقد حكى هذه القصة «ترتليانوس»، أحد أباء الكنيسة في بواكير القرن الثالث، والذي يشير إلى أن القصص المشهورة التي تحكي عن بولس وتلميذته «تيكلا» والتي اشتهرت خلال القرون الوسطى كتلميذة مثالية هي قصص زورها أحد قادة الكنيسة في آسيا الصغرى ويضيف أن هذا الرجل اكتشف أمره وعزل من منصبه الكنسي نتيجةً لما اقترفه. في معرض دفاعه عن نفسه، زعم المزوِّرُ أنه كان قد كتب عمله « بدافعٍ من محبته لبولس».[7] ليس واضحا تمام الوضوح ما كان يعنيه من قوله هذا، لكنه ربما كان يعني أن حبه لبولس قاده إلى أن يختلق قصة وينسبها لاسم بولس ليعبر عن بعض ما اعتبره أهم الآراء والتعاليم التي كان يبشر بها بولس. لكن التعاليم والآراء التي نجدها في النص المحفوظ من «أعمال بولس وتيكلا» هو، في حقيقة الأمر، لا يمت بأي صلة لما كان يبشر به بولس: فمن بين أمور أخرى تدفعنا لهذا الاعتقاد، نعلم من هذه الروايات أن بولس قد ادعى أن السبيل إلى الحياة الأبدية لا يتأتى عبر الإيمان بموت يسوع وقيامته من بين الأموات، كما يزعم بولس نفسه، وإنما عبر اقتفاء آثار يسوع في محافظته على زهده في الجنس- حتى إن كان المرء متزوجا.
7- ليروا ما إذا كانوا سينجحون في خداع القراء: كان هناك بعض المزورين في العصور القديمة ممن زوروا كتاباتهم لكي يروا ما إذا كانوا سينجحون في التغرير بالقراء أم لا. والمصطلح المستخدم للدلالة على هذا الصنيع هو هو «الخداع» أو (mystification). أشهر النماذج على هذا الأمر، والذي حكاه «ديوجينيس لايرتيوس»، هو مؤلف يدعى «ديونيسيوس» قام بالتخطيط للإيقاع بواحد من أعدائه الألداء وهو المسمى «هيراكليدس البنطي» عبر تزويره مسرحية ناسبا إياها إلى مؤلف الأعمال التراجيدية الشهير «سوفوكليس». وقد وقع «هيراكليدس» في شباكه وانخدع بالمسرحية واقتبس منها ظنا منه أنها صحيحة النسبة إلى مؤلفها. فما كان من «ديونيسيوس» إلا أن كشف الأستار عن خدعته- ومع ذلك رفض «هيراكليدس» أن يصدقه في قوله هذا. وهكذا أشار عليه «ديونيسيوس» أنه إذا أخذ الحروف الأولى من العديد من سطور نص المسرحية وكتبها في هيئة كلمات( يطلق عليها مصطلح« acrostic»)، فإنها ستكوِّن اسم «رفيق ديونيسيوس»(Dionysius’s boyfriend). فما كان من هيراكليدس أن ادعى أن الأمر لا يعدو أن يكون صدفة، حتى بيَّن «ديونيسيوس» أن نص المسرحية يتضمن في آخرها مثالين آخرين لهذا الأمر، الأول منهما كتبت فيه الرسالة التالية«قرد عجوز لا يقع في المصيدة؛ مرحى! لقد وقع أخيرا، لكن وقوعه أخذ وقتا طويلا» والآخر يعطي الرسالة التالية« هيراكليدس جاهل بالحروف ولا يشعر بالخزي من جهله».[8] ومع ذلك فلم يتناهى إلى علم وجود نماذج لهذا الخداع بين مزوري العصر المسيحي المبكر.
8- استكمالا لنقص في التقليد: كان هناك في العصر المسيحي المبكر بوجه خاص الكثير من النماذج التي قدم فيها المزورون كتابات «ذات موثوقية» من شأنها أن تكمل ما كان يُظنُّ نقصا في التقليد. مؤلف العدد 4 : 17 من الرسالة إلى أهل كولوسي(هل هو بولس بالفعل؟)، على سبيل المثال، يأمر القراء أن يقرأوا هم أيضًا الرسالة التي أرسلها إلى اللاودكيين. ليس لدينا، مع ذلك، رسالة إلى أهل لاودكيا نسبتها صحيحة إلى بولس. ليس من العجيب إذن أن نجد رسالتين قد ظهرتا خلال القرن الثاني الميلادي منسوبتين زورا إلى بولس لتسدا ذلك النقص.[9] مثال آخر: من المعروف أن الأناجيل التي يتضمنها العهد الجديد قد أمسكت فعليا عن ذكر أي معلومات تخص حياة يسوع المبكرة. هذا الأمر أصاب بعض المسيحيين الأوائل بالحيرة، وفي القرن الثاني بدأت روايات عن الغلام يسوع في الظهور المفاجئ. أشهرها قيل إن شخصا يسمى «توماس»، وهو الاسم الذي يعني «التوأم»، قد كتبه. وهذا ربما يحمل إشارة إلى تقليد نعرفه نقلا عن المسيحيين السوريانيين يخبرنا أن «يهوذا» أخا يسوع هو في الحقيقة أخوه التوأم أو «يهوذا التوأم». على أية حال، تعد هذه الرواية حكاية شاذة عن مغامرات يسوع الصغير والتي بدأت حينما كان ابن خمس سنين.[10]
9- مقاومةً لكتابات مزورة: واحدة من أقل الظواهر خضوعا للدراسة في عمليات التزوير التي تنتمي للعصر المسيحي المبكر هي تأليف النصوص المزورة الذي يكون القصد منه مجابهة فرضيات جرى تدعيمها في كتابات مزورة أخرى. في بواكير القرن الرابع، وفقا ليوسابيوس، أحد آباء الكنيسة، ألف كتاب وثني مزور معاد للمسيحية أطلق عليه أعمال بيلاطس. وبديهي أن هذا الكتاب كان يحكي قصة المحاكمة التي أخضع لها يسوع وإعدامه بمعرفة السلطات الرومانية وذلك من وجهة نظر رومانية، والغرض من ذلك بيان أن يسوع كان مستحقا تماما ما حصل عليه من حكم. ولقد كان هذه الوثيقة مقروءة على نطاق واسع: فلقد أصدر الإمبراطور الروماني ماكسيمين دايا مرسوما يقضي بجعل قراءته إلزامية في سن أطفال المدارس الذين ما يزالون يتعلمون الحروف(يوسابيوس، تاريخ الكنيسة 9 . 5 ). بعد ذلك بوقت قصير ظهرت وثيقة مسيحية تعرف هي الأخرى باسم«أعمال بيلاطس». في هذه الرواية يتم تصوير بيلاطس في صورة المتعاطف تماما مع يسوع والذي يحاول أن يطلق سراحه لأنه برئ من كل ووجه به من اتهامات.[11] وقد كتبت النسخة المسيحية من الأعمال فيما يبدو ردًّا على النسخة الوثنية منها. ظاهرة التزوير في مقابل التزوير التي ظهرت في العصر المسيحي كانت واسعة الانتشار على نحو كبير فيما يبدو. فلدينا نص كتب في القرن الرابع يسمى «قوانين الرسل»( Apostolic Constitutions). يزعم مؤلفوا هذه الوثيقة أن التلاميذ الاثني عشر هم من ألفوها وذلك بعد وفاة يسوع، على الرغم من أن الرسل كان قد مر على موتهم أبان كتابة نص هذه الوثيقة ثلاثة قرون. بين المميزات الجديرة بالملاحظة التي يتميز بها هذا الكتاب إصراره على ضرورة ألا يقرأ المسيحيون الكتب التي تنسب زورا إلى الرسل(«قوانين الرسل»، 6 . 16 ). وحتى العهد الجديد يتضمن شبيها لهذا الأمر: فمؤلف الرسالة الثانية إلى أهل تسالونيكي يأمر قراءه بألا ينزعجوا من رسالة زعم البعض أنها كتبت بيد بولس( يقصد رسالة جرى تزويرها ونسبتها إلى بولس؛ 2 تسالونيكي 2 : 2 ). رغم هذا، وكما سنرى عما قريب، هناك أسباب جيدة تدفعنا للاعتقاد بأن الرسالة الثانية إلى أهل تسالونيكي هي نفسها كتاب مزور، ليست في الواقع من تأليف بولس لكنها في الظاهر منسوبة إليه.
10 لإضفاء الموثوقية على آراء المؤلف:أعتقد أن هذا الدافع يعدُّ إلى حدٍّ بعيد أكثر دوافع التزوير في العصور المسيحية المبكرة شيوعا. فهناك الكثير من المسيحيين الذين عاشوا خلال القرون الأولى للكنيسة ممن زعموا العديد من وجهات النظر أغلبها جرى وسمه بالهرطقات. ومع ذلك فكل هؤلاء كانوا يزعمون أن يقدمون آراء يسوع وتلاميذه. كيف تظهر بوضوح أن آرائك نابعة من مصدر رسولي، لكي تقنع، فلنقل، المهتدين الجدد بها؟ أيسر السبل أن تكتب كتابا وأن تدعي أن رسولا من الرسل قد ألفه، وأن تعمد إلى نشره بين الناس. كل جماعة من المسيحيين الأقدمين كان لديهم سبيل إلى الاطلاع على كتابات كتبها فيما يزعمون رسل المسيح. وغالبية هذه الكتابات هي كتابات مزورة.
الكتب المزورة في العصر المسيحي المبكر
لا يمكن أن يشك عاقل في أن كما كبيرا من الأدب المسيحي المبكر كان نتاج التزوير. فمن خارج جلدتي العهد الجديد، على سبيل المثال، عندنا كمية كبيرة من الأناجيل الأخرى التي يزعمون(وبعض الزعم إثم) أنها قد كتبت بيد المشهورين من القادة المسيحيين الأوائل من أمثال «بطرس» و«فيلُبُّس» و«توماس» و«يعقوب» أخي يسوع، و«نيقوديموس» ومعهم آخرون؛ كما أننا نملك العديد من أعمال الرسل مثل «أعمال يوحنا» و«أعمال بولس وتيكلا»؛ كما يوجد لدينا رسائل مثل «الرسالة إلى اللاودكيين» و«الرسالة الثالثة إلى أهل كورينثس» إلى جانب الرسائل المتبادلة بين بولس والفيلسوف الروماني «سينيكا» ورسالة أخرى مزعومة قيل إن «بطرس» أرسلها إلى «يعقوب» مناوئةً منه لـ«بولس»؛ كما أن بحوذتنا عددا من الرؤى النبوية، مثل «رؤيا بطرس»، على سبيل المثال، (وقد كادت أن تنجح في أن تكون عنصرا من عناصر القائمة الرسمية لأسفار الكتاب المقدس) وكذا «رؤيا بولس». هذا وسنتعرض لبعض من هذه الكتابات بالبحث في الفصل السادس.
لقد كان الكُتَّابُ المسيحيون الأوائل كثيري المشاغل، وكانت واحدة من أنشطتهم الشائعة هي تزوير الوثائق باسم رسل المسيح. يقودنا هذا الآن للسؤال الأهم: هل نجحت أيٌّ من هذه الكتابات المزورة في التسلل إلى العهد الجديد؟
ليس هناك سبب، من المنظور التاريخيٍّ، للشك في أن بعض الكتب المزورة ربما قد نجحت في التسرب إلى قائمة الأسفار الرسمية. نحن نمتلك العديد من الكتابات المزورة خارج العهد الجديد، فلماذا لا يكون داخله منها؟ لا أعتقد أن المرء بمقدوره أن يجادل في أن يكون آباء الكنيسة، بدءًا من نهاية القرن الثاني، قد عرفوا أي الكتب بالفعل كتبها الرسل وأيها لم يكتبوه. فمن أين لهم أن يعرفوا؟ أو ربما يكون السؤال أكثر التصاقا بصميم الموضوع لو صغناه كالتالي: كيف يمكننا نحن أنفسنا أن نعرف؟
ربما يبدو وقع هذه الكلمات غريبا على الأذهان بعض الشيء، لكن اكتشاف التزوير في أيامنا هذه صار أيْسَرَ بالنسبة لنا مما كان عليه الأمر بالنسبة للناس في العالم القديم. فأما المناهج التي نستعملها فهي ذاتها التي كانت مستعملة في عصرهم. فنحن، مثلما كان يفعل جالن، ندرس الأسلوب (style )المكتوبة به الرسالة. فهل هو الأسلوب ذاته الذي يستعمله الكاتب في الكتابات الأخرى؟ وإن كان مختلفا عنه، فإلى أيِّ حدٍّ يصل هذا الاختلاف؟ أهو اختلاف بسيط أم اختلاف بيِّن؟ وهل من الممكن أن يكون مؤلفا كان يكتب بأساليب مختلفة؟ أم أن هناك مميزات أسلوبية تختلف اختلافا تامًّا مع ما يستخدمه المؤلف في مؤلفاته الأخرى، وخاصة في هذه الجوانب التي لا نعيرها كثير تفكير أثناء ممارستنا للكتابة (أي نوع مثلا من حروف العطف نستعمله، كيف نبني الجمل المركبة، كيف يكون استعمالنا لاسم الفاعل وللصيغ المصدرية)؟ كما نعير انتباها كبيرا لدراسة اختيار المؤلف لكلماته: هل هناك تشكيلة معينة من الكلمات التي يستعملها المؤلف نفتقدها في هذا النص؟ أم هل هناك بعض الكلمات المستعملة في هذا الكتاب لم يكن لها وجود استعمالي حتى حلول الأزمنة المتأخرة للغة اليونانية القديمة؟ وكذا الأفكار والأراء ووجهات النظر اللاهوتية التي يحتويها الكتاب لها نصيب كبير من الأهمية في هذا السياق. هل ما في هذا الكتاب منها مطابق لما في كتابات المؤلف الأخرى، أو على الأقل مشابهة لها كثيرا؟ أم بينهما ما بين السماء والأرض من التباعد؟
أما السبب الذي يجعلنا أكثر جاهزية لإصدار أحكام من هذا النوع مقارنة بما كان لدى الأقدمين فهو أننا بالفعل أكثر منهم جاهزية! فالنقاد الأقدمون الذين حاولوا أن يميزوا الكتابات المزورة لم يكن لديهم من بنوك المعلومات وأنظمة استرداد البيانات ومن الأجهزة الحاسوب ما به للخروج بتقييمات مفصلة من بين ركام الكلمات والأساليب. لقد كان لزاما عليهم أن يعتمدوا اعتمادا كبيرا على المنطق السليم والحدس. هذا ما نحن نملكه، الكثير جدا من البيانات.
ومع ذلك، ورغم ما نملكه من تقنيات متطورة، ما يزال الباب مفتوحا أمام الشك في كثير من المواقف. ليس عندنا في هذا الكتاب فسحة من الصفحات لنقاشٍ موسَّعٍ لكل فقرة من كتابات العهد الجديد تكون موضعَ تساؤل. بل بدلا من ذلك سأقوم بشرح أكثر الأسباب التي تدفعنا للتفكير في أن بولس لم يكن مؤلفا لست من الرسائل المنتمية للقائمة الرسمية المنسوبة إليه إقناعا. عن نفسي، أؤمن أن كل هذه الكتب منحولةٌ عليه. وربما مؤلفوهم كانوا ذوي نيات حسنة. ولربما ظنوا أنهم يفعلون الصواب. ولعلهم شعروا بأن لديهم ما يبرر صنيعهم تبريرا مقبولا. لكنهم، في كل الأحوال، زعموا لأنفسهم هوية مختلفة عن هويتهم الحقيقية، لكي يضمنوا لآرائهم، وهذا احتمال، قبولا.
الدكتور بارت إيرمان Bart D.Ehrmam
من كتاب صوت يسوع المحجوب، اسم
ترجمة الأستاذ كرم شومان
الإسم الأصلي للكتاب Jesus Interrupted
[1]
سفر الرؤية من ضمن ثمانية كتب بالتأكيد مكتوبةتحت اسم صاحبه الفعلي لأن الكانب لم يدع أنه يوحنا ابن زبدي. وكثير من المسيحيين الذين قلوا قانونيته في وقت لاحق اعتقدوا أن كاتبه يوحنا الشيخ سخص آخر غير يوحنا الإنجيلي، وهذا يضع سفر يوحنا في خانة أخري غير خانة رسالة يعقوب التي قبل قانونيتها باعتبار ان الكاتب هو يعقوب أخ يسوع المروف بـ يعقوب أخ الرب
[2] هذا القول قال به كثرون ولكن خبراء كشف الإنتحال أدركوا خطأ ذلك من فترة طويلة
[3] الوحيد الذي ناقش هذا من كل الجوانب هو وولفغانغ سبييار Wolfgang Speyer
[4] Elliott, Apocryphal New Testament, pp. 379–82
[5]توجد ترجمة جدة مع لجون كولين مع تقديمه John Collins. Old Testament
Pseudepigrapha, ed. James H. Charlesworth (New York: Doubleday, 1983), vol. 1,
pp. 317–472.
[6]Jeremy N. Duff, “Reconsideration of Pseudepigraphy
in Early Christianity” (Ph.D. dissertation, University of Oxford, 1998) and Armin
Baum, Pseudepigraphie und literarische Fälschung im frühen Christentum (Tübingen:
Mohr-Siebeck, 2001).
[7] Tertullian, On Baptism, 17. “The Acts of Paul and Thecla” can be found in Elliott,
Apocryphal New Testament, pp. 364–74.
[8] Lives of the Philosophers 5, 92–93.
[9] Elliott, New Testament Apocrypha, p. 546.
[10] See Elliott, Apocryphal New Testament, pp. 68–83.
[11] هذا الكتاب يطلق عليه أحيانا إنجيل نيقوديموس Gospel of Nicodemus انظر Elliott, Apocryphal
New Testament, pp. 169–85.